Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الدُّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٢٩)
رسول الله إنهم لَيَعْلمون أنك نبيّ مرسلٌ، ولكنهم يحسدونك، وقال في آخر
الحديث: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، ونزلت فيه: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ
الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ الآية [المائدة: ٤١].
(وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، وَهْوَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ ◌ِّهِ: مُرْهُ)؛ أي: مُر هذا القارىء (فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا، فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ
الرَّجْم) ووقع في حديث البراء: «فَحَدُّه الرجمُ، ولكنه كَثُر في أشرافنا، فكنا إذا
أخذْناً الشريف تركناه، وإذا أخذْنا الوضيع أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالَوْا
فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجَلْد مكان
الرجم)).
ووقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية أبي هريرة
(المحصَن، والمحصَنة إذا زنيا، فقامت عليهما البينة رُجِما، وإن كانت المرأة
حبلى تُرُبِّص بها حتى تضع ما في بطنها)).
وفي حديث جابر عند أبي داود: ((قالا: نجد في التوراة: إذا شهد أربعة
أنهم رأوا ذَكَره في فرجها مثل الميل في المكحلة، رُجِما))، زاد البزار من هذا
الوجه: ((فإن وجدوا الرجل مع المرأة في بيت، أو في ثوبها، أو على بطنها،
فهي رِئْبة، وفيها عقوبة، قال: فما منعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا،
فكرهنا القتل)».
وفي حديث أبي هريرة: ((فما أوَّل ما ارتخصتم أمر الله؟ قال: زنى ذوا
قرابة من الملك، فأخّر عنه الرجم، ثم زنى رجل شريف، فأرادوا رجمه،
فحال قومه دونه، وقالوا: ابدأ بصاحبك، فاصطلحوا على هذه العقوبة)).
وفي حديث ابن عباس عند الطبرانيّ: ((إنا كنا شببة، وكان في نسائنا
حُسنِ وَجْه، فكثُرَ فينا، فلم يَقم له، فَصِرنا نجلد))، والله أعلم(١).
(فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ نََّ، فَرُجِمًا) بالبناء للمفعول، زاد في حديث أبي
هريرة: ((فقال النبيّ وَلير: فإني أحكم بما في التوراة))، وفي حديث البراء:
((اللهم إني أول من أحيي أمرك؛ إذ أماتوه))، ووقع في حديث جابر من الزيادة
(١) ((الفتح)) ١٥ / ٦٨٥.
٥٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
أيضاً: ((فدعا رسول الله وَل بالشهود، فجاء أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذَكَره في
فرجها مثل الميل في المكحلة، فأَمر بهما، فرُجِما)).
(قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا) بفتح أوله،
من الوقاية؛ أي: يحفظها، وعند ابن ماجه: ((يسترها))، (مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ)
وفي رواية البخاريّ: ((فرأيت الرجل يَحْني على المرأة، يقيها الحجارة))، قال
في ((الفتح)): قوله: ((يَحْنِي)) كذا في رواية أبي ذرّ، عن السرخسيّ بالحاء
المهملة، بعدها نون مكسورة، ثم تحتانية ساكنة، وعن المستملي، والكشميهنيّ
بجيم، ونون مفتوحة، ثم همزة، وهو الذي قال ابن دقيق العيد إنه الراجح في
الرواية، وفي رواية أيوب: (يجانئ)) بضم أوله، وجيم مهموز، وقال ابن
عبد البرّ: وقع في رواية يحيى بن يحيى كالسرخسيّ، والصواب: ((يَحْني))؛
أي: يميل، وجملة ما حصل لنا من الاختلاف في ضبط هذه اللفظة عشرة
أوجه: الأولان، والثالث، بضم أوله، والجيم، وكسر النون، وبالهمزة،
والرابع كالأول، إلا أنه بالموحدة، بدل النون، والخامس كالثاني، إلا أنه بواو
بدل التحتانية، والسادس كالأول، إلا أنه بالجيم، والسابع بضم أوله، وفتح
المهملة، وتشديد النون، والثامن ((يجاني)) بالنون، والتاسع مثله، لكن بالحاء،
والعاشر مثله، لكنه بالفاء بدل النون، وبالجيم أيضاً.
قال الحافظ: ورأيت في ((الزهريات)) للذهلي بخط الضياء في هذا
الحديث من طريق معمر، عن الزهريّ: ((يجافي)) بجيم وفاء، بغير همز، وعلى
الفاء صح صح. انتهى.
وفي حديث ابن عباس ﴿ها عند الطبرانيّ: «فلما وجد مَسَّ الحجارة قام
على صاحبته يحني عليها، يقيها الحجارة حتى قُتلا جميعاً، فكان ذلك مما
صنع الله لرسوله في تحقيق الزنا منهما))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
٥٤٣
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الدُّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٢٩)
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٢٩/٦ و٤٤٣٠ و٤٤٣١] (١٦٩٩)،
و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٢٩) و((المناقب)) (٣٦٣٥) و((التفسير)) (٤٥٥٦)
و((الحدود)) (٦٨١٩ و٦٨٤١) و((الاعتصام)) (٧٣٣٢) و(«التوحيد)» (٧٥٤٣)، و(أبو
داود) في ((الحدود)) (٤٤٤٦)، و(الترمذيّ) في ((الحدود)) (١٤٣٦)، و(النسائيّ)
في ((الكبرى)) (٣٢١/٤)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٨١٩/٢)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّقه)) (١٣٣٣١ و١٣٣٣٢)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٨١/٢)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٦٣/٢ و٧٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٨/٢ - ١٧٩)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (٤٤٣٤ و٤٤٣٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤١/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٤/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٥٨٣)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الحد على الكافر الذميّ إذا زنى، وهو قول
الجمهور، وفيه خلاف عند الشافعية، وقد ذَهِلَ ابنُ عبد البرّ، فَتَقَل الاتفاق على
أن شَرْطَ الإحصان الموجب للرجم الإسلام، ورُدّ عليه بأن الشافعية، وأحمد لا
يشترطان ذلك، ويؤيد مذهبهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين رُجما، كانا
قد أَخْصنا، كما تقدم نَقْله، وقال المالكية، ومعظم الحنفية، وربيعة شيخ مالك:
شرط الإحصان الإسلام، وأجابوا عن حديث الباب بأنه رَّه إنما رجمهما بحكم
التوراة، وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم
عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصَن، وغير المحصَن،
قالوا: وكان ذلك أول دخول النبيّ وَ ﴿ المدينة، وكان مأموراً باتباع حكم
التوراة، والعمل بها حتى يُنسَخ ذلك في شرعه، فرَجَم اليهوديين على ذلك
الحكم، ثم نُسِخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَلَّتِى يَأْتِينَ اُلْفَاحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ
فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:
١٥]، ثم نُسخ ذلك بالتفرقة بين من أَحصن، ومن لم يُحصن، كما تقدم. انتهى.
وفي دعوى الرجم على من لم يُحصن نَظَر؛ لِمَا تقدَّم من رواية الطبريّ
وغيره، وقال مالك: إنما رجم اليهوديين؛ لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة،
فتحاكموا إليه .... الر اللا هوتالأ فلان ،منهمورية متعالو بايد
٥٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
وتعقَّبه الطحاويّ بأنه لو لم يكن واجباً ما فَعَله، قال: وإذا أقام الحد
على من لا ذمة له، فَلَأَن يقيمه على من له ذمة أولى.
وقال المازريّ: يُعتَرض على جواب مالك بكونه رَجَم المرأة، وهو
يقول: لا تُقتل المرأة، إلا إن أجاب أن ذلك كان قبل النهي عن قتل النساء،
وأيد القرطبيّ أنهما كانا حربيين، بما أخرجه الطبريّ، كما تقدم، ولا حجة
فيه؛ لأنه منقطع.
قال القرطبيّ: ويعكُر عليه أن مجيئهم سائلين يوجب لهم عهداً، كما لو
دخلوا لغرض كتجارة، أو رسالة، أو نحو ذلك، فإنهم في أمان، إلى أن يُرَدُّوا
إلى مَأمنهم.
قال الحافظ: ولم ينفصل عن هذا إلا أن يقول: إن السائل عن ذلك ليس
هو صاحب الواقعة.
وقال النوويّ: دعوى أنهما كانا حربيين باطلة، بل كانا من أهل العهد،
كذا قال، وسلَّم بعض المالكية أنهما كانا من أهل العهد، واحتَج بأن الحاكم
مخيَّر إذا تحاكم إليه أهل الذمة، بيْن أن يَحكم فيهم بحكم الله، وبيْن أن يُعرض
عنهم على ظاهر الآية، فاختار وي له في هذه الواقعة أن يحكم بينهم.
وتُعُقِّب بأن ذلك لا يستقيم على مذهب مالك؛ لأن شرْط الإحصان عنده
الإسلام، وهما كانا كافرين، وانفصل ابن العربيّ عن ذلك بأنهما كانا محكِّمَيْن
له في الظاهر، ومُخْتَبِرَيْن ما عنده في الباطن، هل هو نبيّ حقّ، أو مسامِح في
الحقّ؟ وهذا لا يرفع الإشكال، ولا يَخْلُص عن الإيراد، ثم قال ابن العربيّ:
في الحديث أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان، والجواب بأنه إنما رجمهما
الإقامة الحجة على اليهود فيما حَكّموه فيه من حُكم التوراة فيه نَظَر؛ لأنه كيف
يقيم الحجة عليهم بما لا يراه في شرعه، مع قوله: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنْزَلَ
اُللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]؟ قال: وأجيب بأن سياق القصة يقتضي ما قلناه، ومن ثَمَّ
استدعى شهودهم ليقيم الحجة عليهم منهم، إلى أن قال: والحق أحقّ أن يُتبع،
ولو جاءوني لحكمت عليهم بالرجم، ولم أعتبر الإسلام في الإحصان.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد ابن العربيّ تَخْلَثُ حيث اتبع الدليل مع
طول مدافعته عن مذهبه، لكنه ما منعه ذلك عن الاستسلام للدليل، فقال:
٥٤٥
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الذِّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٢٩)
والحقّ أحقّ أن يتبع ... إلخ، وتَرَك اعتبار الإسلام في الإحصان، لهذا
الحديث، وهذا هو واجب كلّ مسلم أن يخضع للدليل، ولو خالف مذهبه؛
لأن الدليل هو المرجع، والفيصل عند التنازع، كما قال الله رَك: ﴿فَإِن تَنَزَعْتُمْ
فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
وقال ابن عبد البر: حدّ الزاني حقّ من حقوق الله، وعلى الحاكم إقامته،
وقد كان لليهود حاكم، وهو الذي حكم رسول الله صل18 فيهما، وقول بعضهم:
إن الزانیین حگماه دعوى مردودة.
واعتُرِض بأن التحكيم لا يكون إلا لغير الحاكم، وأما النبيّ وَّ فحُكمه
بطريق الولاية، لا بطريق التحكيم.
وأجاب الحنفية عن رجم اليهوديين، بأنه وقع بحكم التوراة.
وردّه الخطابيّ؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وإنما جاءه
القوم سائلين عن الحكم عنده، كما دلّت عليه الرواية المذكورة، فأشار عليهم
بما كتموه من حكم التوراة، ولا جائز أن يكون حكم الإسلام عنده مخالفاً
لذلك؛ لأنه لا يجوز الحكم بالمنسوخ، فدل على أنه إنما حكم بالناسخ.
وأما قوله في حديث أبي هريرة: ((فإني أحكم بما في التوراة)) ففي سنده
رجل مبهم، ومع ذلك فلو ثَبَت لكان معناه: لإقامة الحجة عليهم، وهو موافق
لشریعته .
ويؤيده - كما قال الحافظ - أن الرجم جاء ناسخاً للجلد، كما تقدم
تقريره، ولم يقل أحد: إن الرجم شُرع، ثم نُسِخ بالجلد، ثم نسخ الجلد
بالرجم، وإذا كان حكم الرجم باقياً منذ شُرِع، فما حَكَم عليهما بالرجم بمجرد
حكم التوراة، بل بشرعه الذي استمرّ حكم التوراة عليه، ولم يقدّر أنهم بدّلوه
فيما بدلوا .
وأما ما تقدم من أن النبيّ وَّله رجمهما أول ما قدم المدينة؛ لقوله في
بعض طرق القصة: ((لَمّا قَدِم النبيّ وَلّهِ المدينة أتاه اليهود)).
فالجواب: أنه لا يلزم من ذلك الفور، ففي بعض طرقه الصحيحة - كما
٥٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
تقدم ــ أنهم تحاكموا إليه، وهو في المسجد بين أصحابه، والمسجد لم يَكْمُل
بناؤه إلا بعد مدة من دخوله * المدينة، فبَطَل الفور.
وأيضاً ففي حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء أنه حَضَر ذلك، وعبد الله
إنما قَدِم مع أبيه مسلماً بعد فتح مكة.
وقد تقدم حديث ابن عباس، وفيه ما يشعر بأنه شاهد ذلك. انتهى ما في
((الفتح))، وهو تحقيق نفيسٌ، وبحث أنيس، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن المرأة إذا أقيم عليها الحدّ تكون قاعدة، هكذا استَدَلّ به
الطحاويّ، وقد تقدم أنهم اختلفوا في الحفر للمرجومة، فمن يَرى أنه يُحفر لها
تكون في الغالب قاعدة في الحفرة، واختلافهم في إقامة الحدّ عليها قاعدة، أو
قائمة إنما هو في الجلد، ففي الاستدلال بصورة الجلد على صورة الرجم نظرٌ
لا یخفی.
٣ - (ومنها): قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وزعم ابن
العربيّ أن معنى قوله في حديث جابر: ((فدعا بالشهود))؛ أي: شهود الإسلام
على اعترافهما، وقوله: ((فرجمهما بشهادة الشهود))؛ أي: البيّنة على اعترافهما.
ورُدّ هذا التأويل بقوله في نفس الحديث: إنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها
كالميل في المكحلة، وهو صريح في أن الشهادة بالمشاهدة، لا بالاعتراف.
وقال القرطبيّ: الجمهور على أن الكافر لا تُقبل شهادته على مسلم، ولا
على كافر، لا في حدّ، ولا في غيره، ولا فرق بين السفر والحضر في ذلك،
وقَبِل شهادتهم جماعة من التابعين، وبعض الفقهاء، إذا لم يوجد مسلم،
واستثنى أحمد حالة السفر، إذا لم يوجد مسلم.
وأجاب القرطبيّ عن الجمهور عن واقعة اليهود بأنه ◌َ ﴿ نَفَّذَ عليهم ما
عَلم أنه حكم التوراة، وألزمهم العمل به؛ إظهاراً لتحريفهم كتابهم، وتغييرهم
حُكمه، أو كان ذلك خاصّاً بهذه الواقعة، كذا قال، والثاني مردود.
وقال النوويّ: الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر،
فلعل الشهود كانوا مسلمين، وإلا فلا عبرة بشهادتهم، ويتعيَّن أنهما أقرّا بالزنا .
قال الحافظ: لم يثبت أنهم كانوا مسلمين، ويَحْتَمِل أن يكون الشهود
أخبروا بذلك لسؤال بقية اليهود لهم، فسمع النبيّ ◌َّ كلامهم، ولم يحكم فيهم
٥٤٧
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الدِّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٢٩)
إلا مستنداً لما أطلعه الله تعالى، فحَكَم في ذلك بالوحي، وألزمهم الحجة
بينهم، كما قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، وأن
شهودهم شهدوا عليهم عند أحبارهم بما ذُكر، فلما رَفَعُوا الأمر إلى النبيّ وَل
استعلم القصة على وجهها، فذكر كلّ من حضره من الرواة ما حفظه في ذلك،
ولم يكن مستند حكم النبيّ وَلّ إلا ما أطلعه الله عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه التكلفات من الحافظ في تأويل هذه
المسألة مما يُستغرب من مثله، فإنه مما لا يليق بجلالته، أفلا يقول كما قال
بعضهم: إن شهادة أهل الذمّة بعضهم على بعض جائزة؛ لهذا الحديث؟ وما
المانع من ذلك مع ثبوت النصّ فيه؟، فليُتأمل بالإنصاف، والله تعالى الهادي
إلى سواء السبيل.
٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعض المالكية على أن المجلود يُجلد قائماً،
إن كان رجلاً، والمرأة قاعدة؛ لقول ابن عمر طًا: «رأيت الرجل يَقيها
الحجارة))، فدلّ على أنه كان قائماً، وهي قاعدة.
وتُعُقّب بأنه واقعة عين، فلا دلالة فيه على أن قيام الرجل كان بطريق
الحكم عليه بذلك.
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على رجم المحصَن، وقد تقدم البحث فيه
مستوفّی .
٦ - (ومنها): أنه استدلّ به على الاقتصار على الرجم، ولا يُضم إليه
الجلد، وقد تقدم الخلاف فيه، وأن الأرجح القول بالجمع بينهما؛ لِمَا تقدّم
عند مسلم: ((والثّب بالثّب جلد مائة، والرجم))، فتبصّر.
٧ - (ومنها): أن أنكحة الكفار صحيحة؛ لأن ثبوت الإحصان فرع ثبوت
صحة النكاح.
٨ - (ومنها): أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وهو الصحيح، وقيل:
لا يخاطبون بها، وقيل: إنهم مخاطبون بالنهي، دون الأمر.
٩ - (ومنها): أن اليهود كانوا يَنسُبون إلى التوراة ما ليس فيها، ولو لم
يكن مما أقدموا على تبديله، وإلا لكان في الجواب حيدة عن السؤال؛ لأنه
سأل عما يجدون في التوراة، فعَدَلوا عن ذلك؛ لِمَا يفعلونه، وأوهموا أن
٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
فِعلهم موافق لِمَا في التوراة، فأكذبَهم عبد الله بن سلام
١٠ - (ومنها): أنه قد استَدَلّ به بعضهم على أنهم لم يُسقطوا شيئاً من
ألفاظها، قال الحافظ: والاستدلال به لذلك غير واضح؛ لاحتمال خصوص
ذلك بهذه الواقعة، فلا يدل على التعميم، وكذا من استَدَلّ به على أن التوراة
التي أُحضرت حينئذ كانت كلها صحيحة سالمة من التبديل؛ لأنه يطرقه هذا
الاحتمال بعينه، ولا يردّه قوله {وَ﴾: ((آمنت بكِ، وبمن أنزلكِ))؛ لأن المراد:
أصل التوراة.
١١ - (ومنها): اكتفاء الحاكم بترجمان واحد، موثوق به؛ لاكتفاء
النبيّ وَ لّ بعبد الله بن سلام
ئه.
١٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن شَرْع من قبلنا شَرْع لنا إذا ثَبَت
ذلك، إما بدليل قرآن، أو حديث صحيح، ما لم يثبت نسخه بشريعة نبيّنا، أو
نبيّهم، أو شريعتهم، وعلى هذا فيُحْمَل ما وقع في هذه القصة على أن النبيّ وَله
عَلِمَ أن هذا الحكم لم يُنسخ من التوراة أصلاً (١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٣٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ
عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ نَافِعاً أَخْبَرَهُمْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ رَجَمَ فِي الزِّنَى يَهُودِيَّيْنِ، رَجُلاً وَامْرَأَةَ زَنَيَا، فَأَتَتِ الْيَهُودُ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِهِمَا، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قريباً.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٨٦/١٥ - ٦٩٠، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٤١).
٥٤٩
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الذِّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٣٠)
٤ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع، ساقها الإمام أحمد تَّتُهُ في
((مسنده))، فقال:
(٤٤٩٨) - حدّثنا عبد الله (١)، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن
نافع، عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبيّ ◌َ﴿ برجل، وامرأة منهم قد زنيا،
فقال: ((ما تجدون في كتابكم؟))، فقالوا: نُسَخّم وجوههما، ويُخْزَيَان، فقال:
((كذبتم، إن فيها الرجمَ، فأُتُوا بالتوراة، فاتلوها إن كنتم صادقين))، فجاؤوا
بالتوراة، وجاءوا بقارئ لهم أعور، يقال له: ابن صُوريا، فقرأ، حتى إذا انتهى
إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا هي
تلوح، فقال، أو قالوا: يا محمد، إن فيها الرجمَ، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا،
فَأَمَر بهما رسول الله وَّهِ، فَرُجما، قال: فلقد رأيته يجانئ عليها، يقيها
الحجارة بنفسه. انتھی(٢).
وأما رواية مالك بن أنس، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ تَّتُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٣٤٣٦) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك بن أنس، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﴿ه أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله وَله، فذكروا له أن
رجلاً منهم، وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ويهي: ((ما تجدون في التوراة، في
شأن الرجم؟)) فقالوا: نَفْضَحُهم، ويُجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم،
إن فيها الرجمَ، فَأَتَوا بالتوراة، فنشروها، فوَضَع أحدهم يده على آية الرجم،
فقرأ ما قبلها، وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده،
فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأَمَر بهما
رسول الله وَ﴿، فرُجِما، قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنا على المرأة، يقيها
الحجارة. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم.
(١) هو ابن الإمام أحمد، راوي ((المسند)) عنه.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٥/٢.
(٣) ((صحيح البخاريّ)) ١٣٣٠/٣.
٥٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَقُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٣١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ
عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ،
وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَاً، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ
الْيَرْبوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وله (٩٤)
سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش المدنيّ، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ ... إلخ) فاعل ((ساق)) ضمير موسى بن عُقبة.
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة، عن نافع، ساقها الدارميّ تَظُّ في
(السنن))، فقال:
(٢٣٢١) - أخبرنا أحمد بن عبد الله، ثنا زهير، ثنا موسى بن عقبة، عن
نافع، عن ابن عمر: أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله وَله برجل منهم وامرأة قد
زنيا، فقال: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: لا نجد فيها شيئاً، فقال لهم
عبد الله بن سلام: كذبتم، في التوراة الرجمُ، فأتوا بالتوراة، فاتلوها، إن كنتم
صادقين، فجاؤوا بالتوراة، فوضع مِدراسُها الذي يَدْرُسها منهم كفّه على آية
الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك، قال: هي آية الرجم، فَأَمَر بهما
رسول الله وَّر، فرُجِما قريباً من حيث توضع الجنائز، عند المسجد، قال
عبد الله: فرأيت صاحبها يَحني عليها، يقيها الحجارة. انتهى(١)، والله تعالى
أعلم.
(١) ((سنن الدارميّ)) ٢٣٣/٢.
٥٥١
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الدُّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزُّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٣٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٣٢] (١٧٠٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ بِيَهُودِيٌّ مُحَمَّماً،
مَجْلُوداً، فَدَعَاهُمْ وَِّ، فَقَالَ: ((هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟))، قَالُوا:
نَعَمْ، فَدَهَا رَجُلاً مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: ((أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى
مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟))، قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي
بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْلَكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ
تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا (١): تَعَالَوْا، فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى
شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ، مَكَانَ الرَّجْمِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ(٢) وَّةِ: ((اللَّهُمَّ إِنَّ أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرََكَ إِذْ أَمَاتُوهُ)، فَأَمَرَ بِهِ،
فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ اَلْكُفْرِ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ أُوتِتُرْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] يَقُولُ: اثْتُوا مُحَمَّداً وَّهِ، فَإِنْ
أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ، وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ، فَاحْذَرُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ
تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]،
﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَن لَّمْ
يَحْكُمْ بِمَا أَلَ اللَّهُ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريباً.
٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم أيضاً قريباً .
(١) وفي نسخة: ((فقلنا)).
(٢) وفي نسخة: ((قال رسول الله وَلات)).
٥٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الْهَمْدانيّ الْخَارفيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠)
وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
٦ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ﴿ّ، نزل الكوفة، استُصغِر يوم بدر، مات ◌َظُه سنة (٧٢) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه يحيى، فنيسابوريّ، وفيه رواية تابعيّ،
عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﴿هَا أنه (قَالَ: مُرَّ) بالبناء للمفعول، (عَلَى النَّبِيِّ ◌َه
بِيَهُودِيِّ مُحَمَّماً) منصوب على الحال، والمحَمَّم: اسم مفعول من التحميم،
وهو التسويد بالْحُمَم، بضمّ الحاء المهملة، وفتح الميم، واحدته: حُمَمٌ،
وزانُ رُطَبة، وهو ما أُحرق من خشب، ونحوه، يقال: حَمَّ الْجَمْرُ يَحَمُّ حَمَماً،
من باب تَعِبَ: إذا اسودّ بعد خُمُوده، وتُطلق الْحَمَمَة على الجمر مجازاً باسم
ما يؤول إليه، قاله الفيّوميّ كَذَتُهُ(١).
وقال المجد تَُّهُ: والْحُمَم، كصُرَدٍ: الْفَحْمُ، واحدته بِهاء، وحَمَّمَ:
سَخَّمَ الوجهَ به. انتهى(٢).
وقوله: (مَجْلُوداً) منصوب على الحال أيضاً، فتكون من الأحوال
المترادفة، أو المتداخلة، و((الْمَجْلُودُ)): اسم مفعول من جَلَدْتُ الجاني جَلْداً،
من باب ضَرَبَ: إذا ضربته بالْمِجْلَدِ، بكسر الميم، وهو السوط(٣).
(فَدَعَاهُمْ وَِّ، فَقَالَ: ((هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟) ظاهر هذا
الحديث يعارض ما سبق في حديث ابن عمر ها، حيث إن فيه أنهم ابتدءوا
بالسؤال قبل إقامة الحدّ عليه، وفي هذا أنهم أقاموا الحدّ قبل السؤال، وقد
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٥٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٠٤/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٣٢٤.
٥٥٣
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الذِّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزُّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٣٢)
تقدّم أن الحافظ ذكر هذا التعارض، وأجاب بإمكان التعدّد، أو بأنهم بادروا
فجلدوا، ثم سألوا، فاتفق المرور بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك، فأمر
بإحضارهما، فوقع ما وقع، والله تعالى أعلم.
(قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلاً مِنْ عُلَمَائِهِمْ) الظاهر أنه عبد الله بن صُوريا
المتقدّم ذكره. (فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ الثَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا
تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟)))؛ أي: التوراة، (قَالَ: لَا)؛ أي: لا نجد
التحميم، والجلد في كتابنا، (وَلَوْلَا أَنََّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا)؛ أي: بقولك المغلّظ،
حيث قُلت: ((أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى))، (لَمْ أُخْبِرْلَكَ، نَجِدُهُ)؛
أي: حدّ الزاني (الرَّجْمَ) منصوب على أنه مفعول ثان لـ((نجد))، (وَلَكِنَّهُ)؛ أي:
الزنى (كَثُرَ) بضمّ الثاء المثلّثة، (فِي أَشْرَافِنَا)؛ أي: في الملوك، وأعوانهم،
(فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ) لشرفه (وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ)
لعدم من يحميه، (قُلْنَا) وفي بعض النسخ: ((فقلنا))؛ أي: قال بعضنا لبعض:
(تَعَالَوْا) بفتح اللام، وإنما فُتح، وإن كان آخر الفعل يُضمّ للواو؛ لأن اللام
ليست آخر الفعل حقيقةً، إذ أصله: تعالَيُوا، بوزن تقاتَلُوا، فقُلبت الياء ألفاً؛
لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثمّ حُذفت الألف؛ للالتقاء الساكنين؛ أي: الألف
المنقلبة، وواو الجماعة، فبقي ما قبل الواو مفتوحاً على أصله، وما قبلها
محذوف، فافهم.
(فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ)؛
أي: تسويد الوجه بالْحُمَم، وهو الفحم، وفسّره بعضهم بصبّ الماء الحارّ على
الوجه، (وَالْجَلْدَ، مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا
أَمْرَلَكَ)؛ أي: في شأن الرجمَ (إِذْ أَمَاتُوهُ)))؛ أي: أماته اليهود، حيث تركوا
العمل به، (فَأَمَرَ) بالبناء للفاعل، أمر ◌َّرِ (بِهِ)؛ أي: برجم ذلك اليهوديّ
الزاني، (فَرُجِمَ) بالبناء للمفعول.
قال الحافظ ابن كثير ◌َخْتُ في ((تفسيره)) بعد إيراده الأحاديث المتقدّمة ما
نصّه: فهذه أحاديث دالة على أن رسول الله وَ ل ﴿ حَكَم بموافقة حُكْم التوراة،
وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع
الشرع المحمديّ لا محالةَ، ولكن هذا بوحي خاص من الله رَّك إليه بذلك،
٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
وسؤالُهُ إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم، مما تراضوا على كتمانه
وجحده، وعدم العمل به تلك الدهورَ الطويلة، فلما اعترفوا به مع عَملهم على
خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لِمَا يعتقدون صحته من الكتاب الذي
بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول 4* إنما كان عن هوى منهم، وشهوة
الموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، لهذا قالوا: ﴿إِنْ أُوتِلِتُمْ
هَذَا﴾ [المائدة: ٤١]؛ أي: الجلد والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾؛ أي: اقبلوه، ﴿وَإِن ◌َّمْ
تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾ [المائدة: ٤١]؛ أي: من قبوله واتباعه. انتهى (١).
(فَأَنْزَلَ اللهُ رَكْ ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُئِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ اَلْكُفْرِ﴾ إِلَى
قَوْلِهِ ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُ: اثْتُوا مُحَمَّداً وٍَّ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ،
وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ)؛ أي: اقبلوا حكمه، واعملوا به، (وَإِنْ أَقْتَاكُمْ بِالرَّجْمَ،
فَاحْذَرُوا)؛ أي: لا تقبلوا حكمه، (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾،
﴿وَمَن لَّْ يَحْكُم بِمَا أَنَّ اللَّهُ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾)، وقوله: (فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا)
يعني: أن هؤلاء الآيات كلها إنما نزلت في شأن الكفّار، لا في المسلمين.
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْكَفِرُونَ﴾؛ يحتجُّ بظاهره من يُكفِّرُ بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حجّة لهم
فيه؛ لأنَّ هذه الآيات نزلت في اليهود المحرِّفين كلام الله تعالى، كما جاء في
هذا الحديث، وهم كفار، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب نزولها،
وبيان هذا: أن المسلم إذا علم حكم الله تعالى في قضيّة قطعاً، ثم لم يحكم
به؛ فإن كان عن جَحْدٍ كان كافراً، لا يُخْتَلَف في هذا، وإن كان لا عن جَحْدٍ
كان عاصياً مرتكب كبيرة؛ لأنَّه مُصَدّق بأصل ذلك الحكم، وعالم بوجوب
تنفيذه عليه، لكنه عصى بترك العمل به، وهكذا في كل ما يُعلم من ضرورة
الشرع حُكمه، كالصلاة، وغيرها من القواعد المعلومة، وهذا مذهب أهل
السُّنَّة، وقد تقدم ذلك في ((كتاب الإيمان)) حيث بيَّنَّا: أن الكفر هو الجحد
والتكذيب بأمرٍ معلوم ضروريّ من الشرع، فما لا يكن كذلك فليس بكفر،
(١) ((تفسير ابن كثير)) ١١٦/٣.
٥٥٥
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الذِّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٣٣)
ومقصود هذا البحث: أن هذه الآيات المراد بها: أهل الكفر، والعناد، وأنها
كانت ألفاظها عامة، فقد خرج منها المسلمون؛ لأنَّ ترك العمل بالحكم مع
الإيمان بأصله هو دون الشرك، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ،
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨]، وترك الحكم بذلك ليس بشرك
بالاتفاق، فيجوز أن يُغفر، والكفر لا يُغفر، فلا يكون ترك العمل بالحكم كفراً.
ويعتضد هذا بالقاعدة المعلومة من الشرع المتقدمة، والظلم والفسق في هاتين
الآيتين المراد بهما: الكفر؛ لأنَّ الكافر وَضَعَ الشيء في غير موضعه، وخرج
عن الحق، فصدق على الكافر: أنَّه ظالم وفاسق، بل هو أحق بذينك الاسمين
ممن ليس بكافر؛ لأنَّ ◌ُلمه أعظم الظلم، وفسقه أعظم الفسق. وقد تقدَّم في
الإيمان بيان كُفر دون كُفر، وظُلم دون ظُلم. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(١)، وهو
بحث مفيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
حديث البراء بن عازب ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٣٢/٦ و٤٤٣٣] (١٧٠٠)، و(أبو داود) في
((الحدود)) (٤٤٤٧ ٤٤٤٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٤/٤ و٦ /٣٣٤)،
و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٣٣٧ و٢٥٥٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٦/٤
و٢٩٠ و٣٠٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٤٤/٤ و١٤٥)، و(ابن أبي عاصم)
في ((الأوائل)) (٩٩/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٢/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٤/٨ و٢٤٦)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٣٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ ثُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ،
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ: (فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َلِ فَرُجِمَ))، وَلَمْ
يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ نُزُولِ الآيَةِ).
(١) ((المفهم)) ٣٦/١٦.
٥٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ، الكوفيّ،
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤، وهو أحد
مشايخ الجماعة بلا واسطة.
٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الكوفيّ، تقدّم قريباً.
و((الأعمش)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ نُزُولِ الآيَةِ) فاعل ((يذكر)) ضمير وكيع.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن الأعمش هذه ساقها البيهقيّ كَّلُ في
((الكبرى))، فقال:
(١٦٧٠٧) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد، ثنا
إبراهيم بن أبي طالب، أنبأ أبو سعيد الأشج، قال: وأخبرني أبو أحمد
الحافظ، واللفظ له، ثنا محمد بن محمد بن سليمان، ثنا محمد بن عبد الله بن
نُمير، قالا: ثنا وكيع، وثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن
عازب، قال: مَرُّوا على رسول الله وَّهِ بيهوديّ، قد جُلِد وحُمِّم وجهُهُ، فسأل
اليهود: ((مَن عالمكم؟)) فقالوا: فلان، فأرسل إليه، فجاء، فقال: ((ما تجدون
حدّ الزنا في كتابكم؟)) فقالوا: نجده الرجم، ولكن فشا الزنا في أشرافنا، فكان
الشريف إذا زنى لم يُرْجَم، وإذا زنى السفيه رُجم، فاصطلحنا على الجلد
والتحميم، فَأَمَر النبيّ وَِّ به، فُرُجِم، ثم قال: ((اللهم أني أُشهدك أني أول من
أحيا سُنَّة أماتوها)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٣٤] (١٧٠١) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
يَقُولُ: رَجَمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ، وَامْرَأَتَهُ).
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢١٤/٨.
٥٥٧
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ اللِّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٣٥)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، أبو موسى البغداديّ البزاز، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصيصيّ، أبو محمد ترمذيّ الأصل،
نزيل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ، اختلط في آخره [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٩٤.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب
الماضي.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام ﴿ًّا، تقدّم في الباب
الماضي.
وقوله: (رَجَمَ النَّبِيُّ وَ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ) هو ماعز بن مالك
الأسلميّ رڅبه.
وقوله: (وَرَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ، وَامْرَأَتَهُ) أراد: صاحبته التي زنى بها، ولم
يُرِد: زوجته، وفي رواية: ((وامرأةً))، وهي واضحة، وتقدّم اسم المرأة بُسْرة،
ولم يُسمَّ الرجل.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ما هذا من أفراد
المصنّف نَظّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٣٤/٦ و٤٤٣٥] (١٧٠١)، و(أبو داود) في
((الحدود)) (٤٤٥٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢١/٣ و٣٨٦)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٣٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا
ابْنُ مُرَيْج، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَامْرَأَةً)).
٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء الْقَيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ،
له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٧٦/٩٠.
و((ابن ◌ُریج)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية ابن جُريج هذه ساقها الإمام أحمد نَّثُ في ((مسنده)) فقال:
(١٤٤٨٧) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، أنا ابن
جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ((رَجَمَ
رسول الله وَ﴿ رجلاً من أسلم، ورجلاً من اليهود، وامرأةً)). انتهى(١)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٣٦] (١٧٠٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ،
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ الهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ نِ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ بَعْدَمَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ، أَمْ قَبْلَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْوَّاحِدِ) بن زياد الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٣ - (سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ) ابن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ
[٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٩/٣٨.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قريباً.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ،
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٢١/٣.
٥٥٩
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الذِّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٣٦)
الصحابيّ الشهير، شَهِد الحديبية، وعُمّر بعد النبيّ بَّهِ دهراً، ومات سنة (٨٧)،
وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة تقدم في ((الصلاة)) ١٠٧٢/٤١.
و ((ابن أبي شيبة)) ذُكر قبل ثلاثة أحاديث.
[تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين:
أنهما من رباعيّات المصنّف كَّلُهُ، وهما (٢٩٢) و(٢٩٣) من رباعيّات
الكتاب، وصحابيّه من المعمّرين، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، كما
أسلفناه آنفاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْيَانِيِّ) سليمان بن أبي سليمان، واسم أبيه فيروز،
أنه (قَالَ: سَأَلَّتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) رَبُهُ (هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ وَلِ؟ قَالَ:
نَعَمْ)؛ أي: رجم، (قَالَ: قُلْتُ بَعْدَمَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ، أَمْ قَبْلَهَا؟) قال في
((الفتح)): فائدة هذا السؤال أن الرجم إن كان وقع قبلها، فيمكن أن يُدَّعَى
نسخه بالتنصيص فيها على أن حدّ الزاني الجَلْد، وإن كان وقع بعدها، فيمكن
أن يستدلّ به على نسخ الجَلْد في حقّ المحصَن، لكن يَرِدُ عليه أنه من نَسْخ
الكتاب بالسُّنَّة، وفيه خلاف، وأجيب بأن الممنوع نَسْخ الكتاب بالسُّنَّة إذا
جاءت من طريق الآحاد، وأما السُّنَّة المشهورة فلا، وأيضاً فلا نَسْخ، وإنما هو
مخصَّص بغير المحصَن. انتهى(١).
(قَالَ: لَا أَدْرِي) قال في ((الفتح)): قد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد
(سورة النور))؛ لأن نزولها كان في قصّة الإفك، واختُلِف هل كان سنة أربع،
أو خمس، أو ستّ؟ على ما تقدّم بيانه، والرجم كان بعد ذلك، فقد حضره أبو
هريرة رضيه، وإنما أسلم سنة سبع، وابن عبّاس ﴿ّ، وإنما جاء مع أمه إلى
المدينة بعد سنة تسع(٢).
وفيه أن الصحابيّ الشهير قد تخفى عليه بعض الأمور الواضحة، وأن
(١) ((الفتح)) ٦٠٦/١٥ - ٦٠٧، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨١٣).
(٢) ((الفتح)) ٦٠٧/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨١٣).
٥٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
الجواب من الفاضل بـ((لا أدري)) لا عيب فيه، بل يدلّ على تحرّيه، وتثبّته،
ڤيُمدح به(١) .
[تنبيه]: أشار البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)) إلى أنه وقع لبعضهم مخالفة
الجماعة في السورة، هل هي النور، أم المائدة؟ فقال: وقال بعضهم:
((المائدة))، والأول أصحّ. انتهى.
والمراد بالبعض هو: عَبيدة بن حُميد، فقد أخرجه الإسماعيليّ من
طريقه، ولفظه: ((فقلت: بعد سورة المائدة، أو قبلها؟))، قال الحافظ تَظُّهُ:
ولعلّ من ذَكَره توهّم مِنْ ذِكر اليهوديّ واليهوديّة أن المراد ((سورة المائدة))؛ لأن
فيها الآية التي نزلت بسبب سؤال اليهود عن حكم اللذين زنيا. انتهى(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى حبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٣٦/٦] (١٧٠٢)، و(البخاريّ) في ((الحدود))
(٦٨١٣ و٦٨٤٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٦/٣ و٤٢٣/٤)، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٧) - (بَابُ إِقَامَةِ السَّيِّدِ الْحَدَّ عَلَى أَمَتِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٣٧] (١٧٠٣) - (وَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ هِ يَقُولُ: ((إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا
(١) ((الفتح)) ٦٨١/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٤٠).
(٢) ((الفتح)) ١٨٢/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٤٠).