Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا - حديث رقم (٤٤٢٧)
ويَحْتَمِل أن يراد بكتاب الله: الآية التي نُسِخت تلاوتها، وهي: ((الشيخ
والشيخة إذا زنيا، فارجموهما))، وبهذا أجاب البيضاويّ، ويبقى عليه التغريب.
وقيل : المراد بكتاب الله: ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل؛ لأن
خصمه كان أخذ منه الغنم، والوليدة بغير حقّ، فلذلك قال: ((الغنم، والوليدة
رَدّ علیك)).
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: والذي يترجح أن المراد بكتاب الله: ما يتعلق بجميع
أفراد القصّة، مما وقع به الجواب الآتي ذِكره، والعلم عند الله تعالى. انتهى
كلام الحافظ كَُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((فقام خصمه،
وكان أفقه منه))، في رواية مالك: ((فقال الآخر، وهو أفقههما)).
قال القرطبيّ تَخّْثُ: إنما فَضَّل الراوي الثاني على الأول بالفقه؛ لأنَّ
الثاني ترفّق، ولم يستعجل، ثمَّ تلطّف بالاستئذان في القول، بخلاف الأوَّل،
فإنَّه استعجل، وأقسم على النبيّ وَّر في شيء كان يفعله بغير يمين، ولم
يستأذن، وهذا كله من جفاء الأعراب، فكان للثاني عليه مزيّة في الفهم والفقه،
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك؛ لأنَّ الثاني وَصَفَ القضية بكمالها، وأجاد سياقتها.
(٢)
انتھی(٢).
وقال النوويّ تَخْتُ: قال العلماء: يجوز أن يكون أراد أنه بالإضافة أكثر
فقهاً منه، ويَحْتَمِل أن المراد: أفقه منه في هذه القضية؛ لِوَصْفُه إياها على
وجهها، ويَحْتَمِل أنه لأدبه، واستئذانه في الكلام، وحَذَره من الوقوع في النهي
في قوله تعالى: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِ﴾ [الحجرات: ١] بخلاف خطاب
الأول في قوله: أنشدك الله إلى آخره، فإنه من جفاء الأعراب. انتهى(٣).
وقال الحافظ العراقيّ تَُّ في ((شرح الترمذيّ)): يَحْتَمِل أن يكون الراوي
كان عارفاً بهما قبل أن يتحاكما، فوصَفَ الثاني بأنه أفقه من الأول، إما
مطلقاً، وإما في هذه القصة الخاصة، أو استدَلَّ بحسن أدبه، في استئذانه،
(١) ((الفتح)) ٦٣٥/١٥ - ٦٣٦، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٢٧).
(٢) ((المفهم)) ١٠٤/٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠٦/١١.

٥٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
وتَرْك رفع صوته، إن كان الأول رفعه، وتأكيده السؤال على فقهه، وقد ورد:
((أن حسن السؤال نصف العلم))، وأورده ابن السنيّ في ((كتاب رياضة
المتعلمین)) حديثاً مرفوعاً بسند ضعيف. انتهى.
(نَعَمْ، فَاقْضٍ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) وفي رواية مالك: ((فقال: أجل))، وفي
رواية ابن أبي ذئب، وشعيب: ((فقال: صدق، اقض له يا رسول الله
بكتاب الله))، (وَاتْذَنْ لِي) زاد ابن أبي شيبة، عن سفيان: ((حتى أقول))، وفي
رواية مالك: ((أن أتكلم))، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((قُلْ)))؛ أي: تكلّم بما تشاء،
وفي رواية مالك: ((قال: تكلّم)). (قَالَ) ظاهر السياق أن القائل هو الثاني،
وجزم الكرمانيّ بأن القائل هو الأول، واستَنَد في ذلك بما وقع عند البخاريّ
في ((كتاب الصلح)) عن آدم، عن ابن أبي ذئب: ((فقال الأعرابيّ: إن ابني)) بعد
قوله في أول الحديث: ((جاء أعرابيّ))، وفيه: ((فقال خصمه))، قال الحافظ:
وهذه الزيادة شاذّة، والمحفوظ ما في سائر الطرق، وكذا وقع في ((الشروط))
عن عاصم بن عليّ، عن ابن أبي ذئب، موافقاً للجماعة، ولفظه: ((فقال:
صدق، اقض له يا رسول الله بكتاب الله، إن ابني ... إلخ))، فالاختلاف فيه
على ابن أبي ذئب، وقد وافق آدمَ أبو بكر الحنفيّ، عند أبي نعيم في
((المستخرج))، ووافق عاصماً يزيد بن هارون، عند الإسماعيليّ.
(إِنَّ ابْنِي) زاد في رواية البخاري: ((هذا))، فقال في ((الفتح)»: فيه أن
الابن كان حاضراً، فأشار إليه، وخلا معظم الروايات عن هذه الإشارة.
انتهى. (كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذَا) هذه الإشارة الثانية لخصم المتكلِّم، وهو زوج
المرأة، زاد شعيب في روايته: ((والعسيف الأجير))، وهذا التفسير مُذْرَج في
الخبر، وكأنه من قول الزهريّ؛ لِمَا عُرِف من عادته أنه كان يُدخل كثيراً من
التفسير في أثناء الحديث، وقد فصله مالك، فوقع في سياقه: ((كان عسيفاً على
هذا)). قال مالك: والعسيف: الأجير، وحَذَفها سائر الرواة، و((الْعَسِيف)»
بمهملتين كالأجير وزناً، ومعنى، والجمع ◌ُسَفاء كأجراء، ويُطلق أيضاً على
الخادم، وعلى العبد، وعلى السائل، وقيل: يُطلق على من يُستهان به، وفسَّره
عبد الملك بن حبيب بالغلام الذي لم يَحتلم، وإن ثبت ذلك فإطلاقه على
صاحب هذه القصة باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار.

٥٢٣
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٧)
ووقع في رواية للنسائيّ تعيين كونه أجيراً، ولفظه، من طريق عمرو بن
شعيب، عن ابن شهاب: ((كان ابني أجيراً لامرأته))، وسُمِّي الأجير عسيفاً؛ لأن
المستأجِر يَعْسِفه في العمل، والْعَسْفُ: الْجَوْرُ، أو هو بمعنى الفاعل؛ لكونه
يَعْسف الأرض بالتردّد فيها، يقال: عَسَفَ الليلَ عَسْفاً من باب ضرب: إذا أكثر
السير فيه، ويطلق العسف أيضاً على الكفاية، والأجير يكفي المستأجر الأمر
الذي أقامه فيه.
وقوله: (عَلَى هَذَا) ضَمّن ((على)) معنى ((عند)) بدليل رواية عمرو بن شعيب
المذكورة، وفي رواية محمد بن يوسف: ((كان عسيفاً في أهل هذا))، وكأن
الرجل استخدمه فيما تحتاج إليه امرأته من الأمور، فكان ذلك سبباً لِمَا وقع له
معها .
(فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ) قال القرطبيّ كَُّ: لم يكن هذا من الأب قذفاً لابنه، ولا
للمرأة؛ لاعترافهما بالزنى على أنفسهما. انتهى (١).
(وَإِنِّي أُخْبِرْتُ) بالبناء للمفعول، وفي رواية: ((فأخبروني)) (أَنَّ عَلَى ابْنِي
الرَّجْمَ، فَاقْتَدَيْتُ مِنْهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((فزنى بامرأته، فافتديت)) لم يذكر
((أُخبرتُ))، قال في ((الفتح)): وقد ذكر عليّ ابن المدينيّ رواية في آخره هنا: أن
سفيان كان يشكّ في هذه الزيادة، فربما تركها، وغالب الرواة عنه، كأحمد،
ومحمد بن يوسف، وابن أبي شيبة لم يذكروها، وثبتت عند مالك، والليث،
وابن أبي ذئب، وشعيب، وعمرو بن شعيب، ووقع في رواية آدم: ((فقالوا لي:
على ابنك الرجم))، وفي رواية أبي بكر الحنفيّ: ((فقال لي)) بالإفراد، وكذا عند
أبي عوانة، من رواية ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، فإن ثبتت
فالضمير في قوله: ((فافتديت منه)) لخصمه، وكأنهم ظنوا أن ذلك حقّ له يستحقّ
أن يعفو عنه على مال يأخذه، وهذا ظنّ باطل.
ووقع في رواية عمرو بن شعيب: ((فسألت من لا يعلم، فأخبروني أن
على ابني الرجم، فافتدیت منه)).
(بِمِائَةِ شَاةٍ، وَوَلِيدَةٍ) هي الأمة، وجَمْعها: ولائد، وفي رواية البخاريّ:
(١) ((المفهم)) ١٠٥/٥.

٥٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
((وخادم))، والمراد بالخادم: الجارية المعدّة للخدمة، بدليل قوله هنا:
((ووليدة))، وفي رواية مالك: ((وجارية لي)).
(فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْم) وفي رواية للبخاريّ: ((ثم سألت رجالاً من أهل
العلم))، قال الحافظ تَُّ: لم أقف على أسمائهم، ولا على عددهم، ولا على
اسم الخصمين، ولا الابن، ولا المرأة، وفي رواية مالك، وصالح بن کیسان،
وشعيب: ((ثم إني سألت أهل العلم، فأخبروني))، ومثله لابن أبي ذئب، لكن
قال: ((فزعموا))، وفي رواية معمر: ((ثم أخبرني أهل العلم))، وفي رواية
عمرو بن شعيب: ((ثم سألت من يعلم)).
(فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي) وفي رواية: ((أن على ابني)) (جَلْدُ مِائَةٍ) قال في
((الفتح)): بالإضافة للأكثر، وقرأه بعضهم بتنوين ((جَلْدٌ)) مرفوعاً، وتنوين ((مائة))
منصوباً على التمييز، ولم يَثْبت رواية. انتهى(١).
(وَتَغْرِيبُ عَام)؛ أي: إبعاده من محلّه إلى محلّ آخر مدّة سنة، (وَأَنَّ عَلَى
امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ) وَّفي رواية مالك، والأكثر: ((وإنما الرجم على امرأته))، وفي
رواية عمرو بن شعيب: ((فأخبروني أن ليس على ابني الرجم))، (فَقَالَ
رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) وفي رواية مالك: ((أما والذي نفسي بيده))
الأَقْضِيَنَّ) بنون التوكيد المشدّدة، (بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ) في رواية عمرو بن
شعيب: ((بالحقّ))، وهي تُرَجِّح أول الاحتمالات الماضي ذِكْرها.
وقال النوويّ تَّثُ: قوله وَله: ((الأقضين بينكما بكتاب الله)) يَحْتَمِل أن
المراد: بحكم الله، وقيل: هو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ
سَبِيلًا﴾، وفسَّر النبي وَر السبيل بالرجم في حق المحصَن، كما سبق في
حديث عبادة بن الصامت ◌ُه، وقيل: هو إشارة إلى آية: ((الشيخ والشيخة إذا
زنيا فارجموهما))، وقد سبق أنه مما نُسخت تلاوته، وبقي حُكمه، فعلى هذا
يكون الجَلْد قد أخذه من قوله تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالَّنِ﴾ [النور: ٢]، وقيل: المراد
نقض صُلحهما الباطل على الغنم والوليدة. انتهى (٢).
(الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌ) وفي رواية للبخاريّ عن سفيان: ((المائة شاة،
(١) ((الفتح)) ٦٣٨/١٥ رقم (٦٨٢٧).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٦/١١.

٥٢٥
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزّنَا - حديث رقم (٤٤٢٧)
والخادم ردّ))، وكذا في رواية مالك، ولفظه: ((أما غنمك، وجاريتك فردّ
عليك))؛ أي: مردود، من إطلاق لفظ المصدر على اسم المفعول، كقولهم:
ثوب نَسْجُ؛ أي: منسوج، ووقع في رواية صالح بن كيسان: ((أما الوليدة،
والغنم، فَرُدّها))، وفي رواية عمرو بن شعيب: ((أما ما أعطيته، فَرَدٌّ عليك))،
(وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَام) ووقع في رواية عمرو بن شعيب: ((وأما
ابنك فنجلده مائةً، ونُغَرِّبه سنةً))، وفِي رواية مالك، وصالح بن كيسان: ((وجَلَد
ابنه مائةً، وغرّبه عاماً))، وهذا ظاهر في أن الذي صدر حينئذ كان حكماً، لا
فتوى، بخلاف رواية: ((وعلى ابنك جلدُ مائة، وتغريب عام)).
قال النوويّ تَخّْثُ: هو محمول على أنه وَّ عَلِمَ أن الابن كان بكراً، وأنه
اعترف بالزنا، ويَحْتَمِل أن يكون أضمر اعترافه، والتقدير: وعلى ابنك إن
اعترف، والأول أَلْيق، فإنه كان في مقام الحكم، فلو كان في مقام الإفتاء لم
يكن فيه إشكال؛ لأن التقدير: إن كان زنى، وهو بكر، وقرينة اعترافه حضوره
مع أبيه، وسكوته عما نسبه إليه، وأما العلم بكونه بكراً، فوقع صريحاً من كلام
أبيه، في رواية عمرو بن شعيب، ولفظه: ((كان ابني أجيراً لامرأة هذا، وابني
لم يُحْصِنْ)).
(وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ) بنون، ومهملة، مصغّراً، قال القرطبيّ تَّتُهُ: معناه:
امض، وسِرْ، وليس معناه: سِرْ إليها بُكرةً، كما هو موضوع الغداة، وكذلك
قوله: ((فغدا عليها))؛ أي: مشى إليها، وسار نحوها.
وفيه ما يدلُّ على أن زنى المرأة تحت زوجها لا يَفْسَخ نكاحها، ولا
يوجب تفرقةً بينها وبين زوجها؛ إذ لو كان ذلك لفرَّق بينهما قبل الرَّجم ولَفَسَخَ
النِّكاحَ، ولم يُنْقَل شيءٌ من ذلك، ولو كان لَنُقِل كما نُقِلَت القضيَّة، وكثيرٌ من
تفاصيلها، وفيه دليلٌّ على صحة الإِجَارَة. انتهى(١).
[تنبيه]: قال النوويّ كَّلُهُ: أنيس هذا صحابيّ مشهور، وهو أنيس بن
الضحاك الأسلميّ، معدود في الشاميين، وقال ابن عبد البرّ: هو أنيس بن
(١) ((المفهم)) ١٠٧/٥ - ١٠٨.

٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
مرثد، والأول هو الصحيح المشهور، وأنه أسلميّ، والمرأة أيضاً أسلمية.
(١)
انتھی
وقال في ((الفتح)): قال ابن السكن في ((كتاب الصحابة)): لا أدري من
هو؟ - يعني: أنيساً هذا - ولا وجدت له روايةً، ولا ذكراً، إلا في هذا
الحدیث.
وقال ابن عبد البرّ: هو ابن الضحاك الأسلميّ، وقيل: ابن مرثد، وقيل:
ابن أبي مرثد، وزيّفوا الأخير بأن أنيس بن أبي مرثد صحابيّ مشهور، وهو
غَنَوِيّ - بِالغَيْن المعجمة، والنون - لا أسلميّ، وهو بفتحتين، لا بالتصغير،
وغَلِط من زعم أيضاً أنه أنس بن مالك، وصُغِّر كما صُغِّر في رواية أخرى عند
مسلم؛ لأنه أنصاريّ، لا أسلميّ.
ووقع في رواية شعيب، وابن أبي ذئب: ((وأما أنت يا أنيس - لرجل من
أسلم - فاغدُ))، وفي رواية مالك، ويونس، وصالح بن كيسان: ((وأمر أُنيساً
الأسلميّ أن يأتي امرأة الآخر))، وفي رواية معمر: ((ثم قال لرجل من أسلم،
يقال له: أنيس: قم يا أنيس، فَسَل امرأة هذا))، وهذا يدل على أن المراد
بالغدوّ: الذهاب، والتوجه، كما يُطلق الرواح على ذلك، وليس المراد حقيقة
الغدوّ، وهو التأخير إلى أول النهار، كما لا يراد بالرواح التوجه نصف النهار،
وقد حَكَى عياض أن بعضهم استدلّ به على جواز تأخير إقامة الحد عند ضيق
الوقت، واستضعفه بأنه ليس في الخبر أن ذلك كان في آخر النهار. انتهى(٢).
(إِلَى امْرَأَةِ هَذَا) زاد محمد بن يوسف: «فاسألها» (فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»)
وفي رواية يونس: ((وأمَرَ أنيساً الأسلميّ أن يرجُم امرأة الآخر إذا اعتَرفت))،
(قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَ، فَرُ جِمَتْ) هكذا في رواية
الليث، وفي رواية سفيان عند البخاريّ: ((فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها))،
قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، ووقع في رواية الليث: ((فاعترفت، فأمر بها
رسول الله وَلّ، فرُجِمت))، واختصره ابن أبي ذئب، فقال: ((فغدا عليها،
فَرَجَمها)»، ونحوه في رواية صالح بن كيسان، وفي رواية عمرو بن شعيب:
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/١١.
(٢) ((الفتح)) ٦٣٩/١٥.

٥٢٧
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا - حديث رقم (٤٤٢٧)
((وأما امرأة هذا فتُرْجَم))، ورواية الليث أتمّها؛ لأنها تُشعر بأن أنيساً أعاد
جوابها على النبيّ وَّةٍ، فأمر حينئذ برجمها .
ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أمرُه الأول المعلَّق على اعترافها، فيتحد مع
رواية الأكثر، وهو أولى. انتهى(١).
وقال النوويّ تَخّْتُهُ: [واعلم]: أن بَعْث أنيس تظلبه محمول عند العلماء
من أصحابنا، وغيرهم على إعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفها بابنه، فيُعَرِّفها
بأن لها عنده حدَّ القذف، فتطالب به، أو تعفو عنه، إلا أن تعترف بالزنى، فلا
يجب عليه حدّ القذف، بل يجب عليها حدّ الزنى، وهو الرجم؛ لأنها كانت
محصَنة، فذهب إليها أنيس، فاعترفت بالزنى، فأمر النبيّ وَل﴿ برجمها،
فرُجمت، ولا بد من هذا التأويل؛ لأن ظاهره أنه بُعث لإقامة حدّ الزنى، وهذا
غير مراد؛ لأن حد الزنى لا يحتاج له بالتجسس، والتفتيش عنه، بل لو أقرّ به
الزاني استُحِبّ أن يُلَقَّن الرجوع، كما سبق، فحينئذ يتعيّن التأويل الذي ذكرناه.
وقد اختَلَف أصحابنا في هذا البعث، هل يجب على القاضي إذا قُذِف
إنسان معيَّن في مجلسه أن يَبعث إليه؛ ليُعَرِّفه بحقه من حدّ القذف أم لا يجب؟
والأصح وجوبه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: في تصحيحه الوجوب نظر؛ لأنه لا دليل عليه،
فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الْجُهَنيّ ◌َ ◌ّ هذا
متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٢٧/٥ و٤٤٢٨] (١٦٩٧ / ١٦٩٨)،
و(البخاريّ) في ((الوكالة)) (٢٣١٤) و((الصلح)) (٢٦٩٦) و((الشروط)) (٢٧٢٥)
(١) ((الفتح)) ٦٣٩/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٢٧).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/١١ - ٢٠٨.

٥٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
و((الأيمان والنذور)) (٦٦٣٣) و((الحدود)) (٦٨٢٨ و٦٨٣٦ و٦٨٤٣ و٦٨٦٠)
و((الأحكام)) (٧١٩٣) و((أخبار الآحاد)) (٧٢٦٠)، و(أبو داود) في ((الحدود))
(٤٤٤٥)، و(الترمذيّ) في ((الحدود)) (١٤٣٣)، و(النسائيّ) في ((آداب القضاة))
(٢٤٠/٨ - ٢٤١) و((الكبرى)) (٤٧٧/٣ و٤٧٨ و٢٨٥/٤ و٤١٤/٦)، و(ابن
ماجه) في ((الحدود)) (٢٥٤٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٨٨٢/٢)، و(الشافعيّ)
في ((مسنده)) (٧٨/٢ - ٧٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٣٣٠٩ و١٣٣١٠)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٢٨/١ و١٢٩ و٣٢٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(٨١١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٣٤/٣ و٥٤٠ و٨/٦ ٢٨٥/٧)،
و(أحمد) في («مسنده)) (١١٥/٤ - ١١٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٧/٢)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٣٤/٣ - ١٣٥)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (٢٣٣/٥ و٢٣٤ و٢٣٥ و٢٣٦ و٢٣٧ و٢٣٨)، و(البزّار) في ((مسنده))
(٢٢٦/٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٧/٤ و١٣٩ و١٩٠)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٨١١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤٣٧)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٩/٨ و٢٢٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة))
(٢٥٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن من اعترف بالزنا يقام عليه الحدّ.
٢ - (ومنها): بيان صون النساء عن مجلس الحُكم، حيث إنه رَّيقول أمر
أنيساً ظ له أن يغدو إلى المرأة، ويسألها، فإن اعترفت رجمها، ولم يُلزمها
حضور مجلس الحكم
٣ - (ومنها): أن الْمُخَدَّرَة التي لا تعتاد البروز، لا تكلّف الحضور
المجلس الحُكم، بل يجوز أن يُرْسَل إليها من يَحْكم لها وعليها .
٤ - (ومنها): الرجوع إلى كتاب الله نصّاً، أو استنباطاً.
٥ - (ومنها): جواز القَسَم على الأمر؛ لتأكيده، والحلف بغير استحلاف.
٦ - (ومنها): حُسن خُلق النبيّ وَله، وحِلمه على من يخاطبه بما الأَوْلَى
خلافه، وأن من تأسى به من الحكام في ذلك يُحْمَد، كمن لا ينزعج لقول
الخصم مثلاً: احكم بيننا بالحقّ، وقال البيضاوي: إنما تواردا على سؤال

٥٢٩
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٧)
الحكم بكتاب الله، مع أنهما يعلمان أنه ◌َ ا و لا يحكم إلا بحكم الله؛ ليحكم
بينهما بالحق الصرف، لا بالمصالحة، ولا الأخذ بالأرفق؛ لأن للحاكم أن
يفعل ذلك برضا الخصمين.
٧ - (ومنها): أن حسن الأدب في مخاطبة الكبير، يقتضي التقديم في
الخصومة، ولو كان المذكور مسبوقاً .
٨ - (ومنها): أن للإمام أن يأذن لمن شاء من الخصمين في الدعوى، إذا
جاءا معاً، وأمكن أنّ كلّاً منهما يَدّعِي.
٩ - (ومنها): استحباب استئذان المدعي، والمستفتي الحاكم، والعالم
في الكلام، ويتأكد ذلك إذا ظن أن له عذراً.
١٠ - (ومنها): أن من أقر بالحدّ، وجب على الإمام إقامته عليه، ولو لم
يعترف مشاركه في ذلك.
١١ - (ومنها): أن من قَذف غيره لا يقام عليه الحدّ، إلا إن طلبه
المقذوف، خلافاً لابن أبي ليلى، فإنه قال: يجب ولو لم يطلب المقذوف.
وتعقّبه الحافظ: بأن محل الخلاف، إذا كان المقذوف حاضراً، وأما إذا
كان غائباً كهذا، فالظاهر أن التأخير لاستكشاف الحال، فإن ثبت في حق
المقذوف، فلا حدّ على القاذف، كما في هذه القصة.
وقد قال النوويّ تبعاً لغيره: إن سبب بعث النبيّ ◌َل﴿ أنيساً للمرأة؛
ليُعْلِمها بالقذف المذكور؛ لتطالب بحدّ قاذفها، إن أنكرت، قال: هكذا أوَّله
العلماء من أصحابنا وغيرهم، ولا بد منه؛ لأن ظاهره أنه بعث يطلب إقامة حد
الزنا، وهو غير مراد؛ لأن حد الزنا لا يُحتاط له بالتجسس، والتنقيب عنه، بل
يُستحب تلقين المقِرّ به ليرجع، كما تقدم في قصة ماعز، وكأن لقوله: ((فإن
اعترفت))، مقابلاً: أي وإن أنكرت، فأعلمها أن لها طلب حد القذف، فحُذف
لوجود الاحتمال، فلو أَنكرت، وطلبت لأُجيبت.
وقد أخرج أبو داود، والنسائيّ من طريق سعيد بن المسيِّب، عن ابن
عباس: ((أن رجلاً أقر بأنه زنى بامرأة، فجَلَده النبيّ وَّه مائة، ثم سأل المرأة،
فقالت: كَذَب، فجَلَده حدّ الفرية ثمانين))، وقد سكت عليه أبو داود، وصححه
الحاكم، واستنكره النسائيّ.

٥٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
١٢ - (ومنها): أن السائل يذكر كل ما وقع في القصة؛ لاحتمال أن يَفهَم
المفتي، أو الحاكم من ذلك، ما يستدل به على خصوص الحكم في المسألة؛
لقول السائل: ((إن ابني كان عسيفاً على هذا))، وهو إنما جاء يسأل عن حكم
الزنا، والسر في ذلك أنه أراد أن يقيم لابنه معذرةً مّا، وأنه لم يكن مشهوراً
بالعَهْر، ولم يَهجُم على المرأة مثلاً، ولا استكرهها، وإنما وقع له ذلك لطول
الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس، والإدلال، فيستفاد منه الحثّ على إبعاد
الأجنبي من الأجنبية، مهما أمكن؛ لأن العشرة قد تفضي إلى الفساد، ويتسوّر
بها الشيطان إلى الإفساد.
١٣ - (ومنها): جواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، والرَّدّ على من
منع التابعيّ أن يفتي مع وجود الصحابيّ مثلاً.
١٤ - (ومنها): جواز الاكتفاء في الحُكم بالأمر الناشىء عن الظن، مع
القدرة على اليقين، لكن إذا اختلفوا على المستفتي يرجع إلى ما يفيد القطع،
وإن كان في ذلك العصر الشريف من يفتي بالظن الذي لم ينشأ عن أصل،
ويَحْتَمِل أن يكون وقع ذلك من المنافقين، أو مَن قَرُب عهده بالجاهلية، فأقْدَم
على ذلك.
كانوا يُفتون في عهد النبيّ وَِّ، وفي
١٥ - (ومنها): أن الصحابة
بلده، وقد عقد محمد بن سعد في ((الطبقات)) باباً لذلك، وأخرج بأسانيد فيها
الواقديّ، أن منهم: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليّاً، وعبد الرحمن بن
عوف، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت
[تنبيه]: من كان مشهوراً بالفتوى من الصحابة ﴿ سبعة: عمر بن
الخطّاب، وابنه عبد الله بن عمر، وعليّ، وابن عباس، وعائشة، وابن مسعود،
وزيد بن ثابت ﴿ه، قال ابن حزم كَُّهُ: يمكن أن يُجمع من فتيا كلّ منهم
مجلّد ضخم، وإليهم أشار الحافظ السيوطيّ كََّثُ في ((ألفية الحديث))، حيث
قال :
وَنَجْلُهُ وَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرَّ
وَالْبَحْرُ أَوْنَاهُمْ فَتَاوَى وَعُمَرْ
وَبَعْدَهُمْ عِشْرُونَ لَا تُقَلِّلِ
ثُمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ وَعَلِي
وبعد هؤلاء من كان قليل الفتوى منهم، وهم عشرون: أبو بكر،

٥٣١
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا - حديث رقم (٤٤٢٧)
وعثمان، وأبو موسى الأشعريّ، ومعاذ بن جبل، وسعد بن أبي وقّاص، وأبو
هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وسلمان الفارسيّ، وجابر بن
عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف،
وعمران بن حُصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير،
وأم سلمة ﴿ه، قال ابن حزم تَخْلَتُهُ: يمكن أن يُجمع من فتوى كلّ منهم جزء
صغير
وقد نظمت هؤلاء العشرين، فقلت:
سَلْمَانُ جَابِرٌ مُعَاذُ الأَكْيَسُ
صِدِّيقُهُمْ عُثْمَانُ سَعْدٌ أَنَسٌ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِي عُبَادَةٌ
وَالأَشْعَرِيُّ وَالزُّبَيْرُ طَلْحَةُ
نَجْلُ حُصَيْنٍ وَنُفَيعٌ حَبَّذَا
وَنَجْلُ عَمْرٍ وَابْنُ عَوْفٍ وَكَذَا
وَابْنُ الزُّبَيْرِ هُمْ حَلِيفُو الْمَكْرَمَهْ
سَعْدٌ مُعَاوِيَةُ أُمُّ سَلَمَهْ
فِي عَصْرِهِمْ لِمُعْضِلِ الأَحْكَامِ
فَهَؤُلَاءِ مَرْجِعُ الأَنَامِ
١٦ - (ومنها): أن الحكم المبني على الظن، يُنقض بما يُفيد القطع.
١٧ - (ومنها): أن الحد لا يَقبل الفداء، وهو مجمَع عليه في الزنا،
والسرقة، والحرابة، وشُرب المُسْكِر، واختُلف في القذف، والصحيح أنه
كغيره، وإنما يجري الفداء في البَدَن، كالقصاص في النفس والأطراف.
١٨ - (ومنها): أن الصلح المبني على غير الشرع، يُردّ، ويعاد المال
المأخوذ فیه.
قال ابن دقيق العيد تَخْدَّتُهُ: وبذلك يتبيّن ضَعف عُذْر من اعتذر من الفقهاء
عن بعض العقود الفاسدة، بأن المتعاوضَين تراضيا، وأَذِن كل منهما للآخَر في
التصرف، والحق أن الأذن في التصرف مقيَّد بالعقود الصحيحة. انتهى.
١٩ - (ومنها): جواز الإستنابة في إقامة الحدّ.
٢٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب الإعذار، والاكتفاء فيه بواحد،
وأجاب عياض، باحتمال أن يكون ذلك ثبت عند النبيّ وَّر بشهادة هذين
الرجلين، كذا قال، والذي تُقبل شهادته من الثلاثة والد العسيف فقط، وأما
العسيف، والزوج فلا، وغَفَل بعض من تَبع القاضي، فقال: لا بد من هذا
الحمل، وإلا لزم الاكتفاء بشهادة واحد في الإقرار بالزنا، ولا قائل به، ويمكن

٥٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
الانفصال عن هذا، بأن أُنيساً بُعث حاكماً، فاستوفى شروط الحكم، ثم استأذن
في رجمها، فأَذِن له في رجمها، وكيف يُتصور من الصورة المذكورة إقامة
الشهادة عليها، من غير تقدم دعوى عليها، ولا على وكيلها، مع حضورها في
البلد، غير متوارية؟ إلا أن يقال: إنها شهادة حِسْبة، ويجاب بأنه لم يقع هناك
صيغة الشهادة المشروطة في ذلك.
٢١ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز الحكم بإقرار الجاني، من غير
ضبط بشهادة عليه، ولكنها واقعة عَيْن، فَيَحْتَمِل أن يكون أنيس أُشهد قبل
رجمها، قال عياض: احتج قوم بجواز حكم الحاكم في الحدود وغيرها، بما
أقر به الخصم عنده، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أبو ثور، وأبى ذلك
الجمهور، والخلاف في غير الحدود أقوى، قال: وقصة أنيس يطرقها احتمال
معنى الإعذار كما مضى، وأن قوله: ((فارجُمْها))؛ أي: بعد إعلامي، أو أنه
فَوَّض الأمر اليه، فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهم تُحْكَم، وقد دل
قوله: (فأمر بها رسول الله وَّرَ، فرُجمت))، أن النبيّ وَّ، هو الذي حَكَم فيها
بعدَ أن أعلمه أنيس باعترافها، كذا قال، والذي يظهر أن أنيساً لَمّا اعترفت
أعلم النبيّ ◌َّز، وبالغ في الاستثبات، مع كونه كان عَلّق له رجمها على
اعترافها .
٢٢ - (ومنها): أنه استدل به على أن حضور الإمام الرجم ليس شرطاً.
وتُعُقّب باحتمال أن أنيساً كان حاكماً، وقد حضر، بل باشر الرجم؛
لظاهر قوله: («فرجمها)).
٢٣ - (ومنها): أن فيه تركَ الجمع بين الجلد والتغريب.
٢٤ - (ومنها): أن فيه الاكتفاءَ بالاعتراف بالمرة الواحدة؛ لأنه لم يُنقل
أن المرأة تكرر اعترافها، والاكتفاء بالرجم من غير جَلْد؛ لأنه لم يُنقل في
قصتها أيضاً، وفيه نظر؛ لأن الفعل لا عموم له، فالترك أولى.
٢٥ - (ومنها): أن فيه جوازَ استئجار الحرّ، وجواز إجازة الأب ولده
الصغير لمن يستخدمه، إذا احتاج لذلك.
٢٦ - (ومنها): أنه استدلّ به على صحة دعوى الأب لمحجوره، ولو كان
بالغاً؛ لكون الولد كان حاضراً، ولم يتكلم إلا أبوه.

٥٣٣
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٨)
وتُعُقّب باحتمال أن يكون وكيله، أو لأن التداعي لم يقع إلا بسبب المال
الذي وقع به الفداء، فكأن والد العسيف ادّعى على زوج المرأة بما أخذه منه،
إما لنفسه، وإما لامرأته بسبب ذلك حين أعلمه أهل العلم، بأن ذلك الصلح
فاسد؛ ليستعيده منه، سواء كان من ماله، أو من مال ولده، فَأَمَره النبيّ وَله بردّ
ذلك إليه، وأما ما وقع في القصة من الحدّ، فباعتراف العسيف، ثم المرأة.
٢٧ - (ومنها): أن حال الزانيين إذا اختلفا، أقيم على كل واحد حدّه؛
لأن العسيف جُلِدَ، والمرأة رُجمت، فكذا لو كان أحدهما حرّاً، والآخر
رقيقاً، وكذا لو زنى بالغ بصبية، أو عاقل بمجنونة حُدّ البالغ والعاقل دونهما،
و کذا عکسه.
٢٨ - (ومنها): أن من قَذَف ولده لا يُحد له؛ لأن الرجل قال: إن ابني
زنى، ولم يثبت عليه حدّ القذف (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٢٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ،
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِح (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ
مَعْمَرٍ، كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو
إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٣٩/١٥ - ٦٤٢، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٢٧).

٥٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو (١٤٠) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٥ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ... إلخ)؛ أي: أن كلّاً من يونس بن يزيد،
وصالح بن كيسان، ومعمر رووا هذا الحديث عن الزهريّ بسنده الماضي.
[تنبيه]: رواية يونس، عن الزهريّ، لم أجد من ساقها مفردة، إلا أن
النسائيّ ساقها في ((الكبرى)) مقرونة برواية مالك، فقال:
(٥٩٧١) - أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، قال:
سمعت مالك بن أنس، وأخبرني يونس بن يزيد (١)، عن ابن شهاب، أخبره،
والحارث بن مسكين(٢) قراءة عليه، وأنا أسمع، عن ابن وهب، قال: أخبرني
يونس، وغيره عن ابن شهاب، أخبره عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن
خالد، وأبي هريرة: أن رجلين أتيا رسول الله وَ﴿ يختصمان إليه، فقال
أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر، وكان أفقههما: أجل فاقض بيننا
بكتاب الله، وأُذَنْ لي في أن أتكلم، قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا، وإنه
زنا بامرأته، فأخبرني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة، وجارية، ثم
إني سألت أهل العلم، فأخبروني، أنما على ابني جلد مائة، وتغريب عام،
وإنما الرجم على امرأته، قال رسول الله وَلقوله: ((والذي نفسي بيده، لأقضينّ
بينكما بكتاب الله: أما غنمك، وجاريتك فردٌّ إليك))، وجَلَدَ ابنه مائة، وغرَّبه
عاماً، وأمر أنيساً أن يَرجُم امرأة الآخر إن اعترفت، فاعترفت، فرجمها.
(٣).
.
انتھی
(١) قوله: ((أخبرني يونس بن يزيد)) من كلام ابن وهب، فهو معطوف على جملة
((سمعت مالكاً))، فتنبه.
(٢) قوله: ((والحارث بن مسكين ... إلخ)) من كلام النسائيّ، فهو معطوف على
((يونس بن عبد الأعلى))، فاعل لـ((أخبرنا))، فتنبّه.
(٣) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٧٨/٣.

٥٣٥
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٨)
وأما رواية صالح بن كيسان، عن الزهريّ، فقد ساقها أبو عوانة تَّلهُ في
((مسنده))، فقال:
(٦٣٠٣) - حدّثنا عباس الدُّوريّ، قثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قثنا
أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن عبيد الله بن عبد الله أخبره، أن أبا هريرة
وزيد بن خالد الجهنيّ أخبراه، أن رجلين أتيا رسول الله وَله يختصمان إليه، فقال
أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، قال الآخر، وهو أفقههما: أجل،
فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم، قال: تكلم، قال: يا رسول الله إن
ابني كان عسيفاً على هذا، وأنه زنا بامرأته، فأُخبرت أن على ابني الرجم،
فافتديت منه بمائة شاة، وجارية، ثم إني سألت أهل العلم، فأخبروني أن على
ابني مائة جلدة، وتغريب عام، وأن الرجم على امرأة هذا، فقال رسول الله وَ لقوله :
((أقضي بينكما بكتاب الله، أما غنمك، وجاريتك، فَرَدِّ إليك))، قال: وجَلَد ابنه
مائةً، وغرّبه عاماً، وأمر أنيساً الأسلميّ برجم امرأة الآخر، فرجمها. انتهى(١).
وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فقد ساقها أبو عوانة تَّتُهُ في ((مسنده))؛
أيضاً، فقال:
(٦٢٩٧) - حدثنا محمد بن يحيى، قثنا عبد الرزاق (ح) وحدثنا الدَّبَريّ،
عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
عن أبي هريرة، وعن زيد بن خالد الجهنيّ، أن رجلاً جاء النبيّ وَّة، فقال: يا
رسول الله، إن ابني كان عسيفاً على هذا، فزنا بامرأته، فأخبروني أن علي ابني
الرجم، فافتديت منه بوليدة، ومائة شاة، ثم أخبرني أهل العلم أن على ابني
جلدَ مائة، وتغريبَ عام، وأن على امرأة هذا الرجم، حسبته قال: فاقض بيننا
بكتاب الله، فقال النبيّ وَّ﴾: ((والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: أما
الغنم، والوليدة، فَرَدّ عليك، وأما ابنك فإن عليه جلدَ مائة، وتغريبَ عام))، ثم
قال لرجل من أسلم، يقال له: أنيس: ((قم يا أنيس، فسل امرأة هذا، فإن
اعترفت، فارجمها)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ١٣٩/٤.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ١٣٧/٤ - ١٣٨.

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
(٦) - (بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الذَّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا،
إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا)
[٤٤٢٩] (١٦٩٩) - (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِح، حَدَّثَنَا
شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَهِ حَتَّى جَاءَ
يَهُودَ، فَقَالَ: ((مَا تَجِدُونَ فِي الثَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟))، قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا،
وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا، قَالَ: ((فَأَتُّوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ)، فَجَاءُوا بِهَا، فَقَرَءُوهَا، حَتَّى إِذَا مَرُوا بِآيَةِ الرَّجْم وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ
يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْم، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ بَدَيْهَا، وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامِ،
وَهْوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ بِّهِ: مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا، فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمِّرَ
بِهِمَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَرُجِمَا، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَاَ، فَلَقَدْ
رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِح) البغداديّ الْقَنْطَريّ، ثقةٌ(١) [١٠]
(ت٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦.
٢ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ،
ثم الدمشقيّ، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت١٨٩) (خ م د س ق)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤١٨/٣٤.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ المدنيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ﴿ها، تقدّم أيضاً قريباً.
(١) هذا أولى من قول ((التقريب)): صدوق؛ كما يظهر من ترجمته في ((التهذيب))،
فتنبه .

٥٣٧
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الذِّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٢٩)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ظ﴿ه أحد العبادلة الأربعة،
المشهور بالتشدّد في اتباع الأثر، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(أَخْبَرَهُ،
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َّ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّهِ أَتِيَ) بالبناء للمفعول، (بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا) وفي رواية
عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: ((أحدثا))، وفي حديث عبد الله بن الحارث،
عند البزار: ((أن اليهود أتوا بيهوديين زنيا، وقد أَحْصَنَا)).
[تنبيه]: ذكر السهيليّ عن ابن العربيّ أن اسم المرأة بُسْرَة - بضم
الموحدة، وسكون المهملة - ولم يُسمّ الرجل، وذكر أبو داود السبب في ذلك،
من طريق الزهريّ: سمعت رجلاً من مزينة، ممن تَبع العلم، وكان عند سعيد بن
المسيِّب، يحدث عن أبي هريرة، قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال
بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبيّ، فإنه بُعِث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا
دون الرجم قَبِلناها، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبيّ من أنبيائك، قال:
فَأَتَوُا النبيّ ◌َّ، وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما
ترى في رجل وامرأة زنيا منهم؟.
ونَقَل ابن العربيّ، عن الطبريّ، والثعلبيّ عن المفسرين قالوا: ((انطَلَق قومٌ
من قريظة، والنضير، منهم كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وسعيد بن
عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الْحُقَيق، وشاس بن قيس،
ويوسف بن عازوراء، فسألوا النبيّ وَ﴿، وكان رجل وامرأة من أشراف أهل
خيبر زنيا، واسم المرأة بُسْرَة، وكانت خيبر حينئذ حرباً، فقال لهم: اسألوه،
فنزل جبريل على النبيّ وَّر، فقال: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا))، فذكر
القصّة مطولةً.
ولفظ الطبريّ من طريق الزهري المذكورة: ((إن أحبار اليهود اجتمعوا في
بيت الْمِدراس، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة منهم، قد أَحصنت))،
فذكر القصة، وفيها: ((فقال: أخرجوا إليّ عبد الله بن صوريا الأعور))، قال ابن

٥٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
إسحاق: ((ويقال: إنهم أخرجوا معه أبا ياسر بن أحطب، ووهب بن يهودا،
فخلا النبيّ ◌َ﴿ بابن صوريا))، فذكر الحديث.
وسيأتي عند مسلم من حديث البراء ظُه: ((مُرّ على النبيّ وَّ بيهوديّ
مُحَمَّماً مَجْلُوداً، فدعاهم، فقال: هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قالوا:
نعم))، وهذا يخالف الأول من حيث إن فيه أنهم ابتدءوا السؤال قبل إقامة
الحدّ، وفي هذا أنهم أقاموا الحدّ قبل السؤال.
قال الحافظ تَّهُ: ويمكن الجمع بالتعدد، بأن يكون الذين سألوا عنهما
غير الذي جلدوه، ويَحْتَمِل أن يكون بادروا، فجَلدوه، ثم بدا لهم فسألوا،
فاتفق المرور بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك، فأمرهم بإحضارهما، فوقع
ما وقع، والعلم عند الله.
أن رهطاً
ويؤيد الجمع ما وقع عند الطبرانيّ من حديث ابن عباس ـ
من اليهود أتوا النبيّ وَّة، ومعهم امرأة، فقالوا: يا محمد ما أُنزل عليك في
الزنا؟، فيتجه أنهم جلدوا الرجل، ثم بدا لهم أن يسألوا عن الحكم، فأحضروا
المرأة، وذكروا القصة والسؤال. انتهى(١).
وحاصل هذا الجمع أنهم جلدوا وحمّموا الرجل فقط قبل أن يسألوه وله
عن ذلك، ولم يجلدوا المرأة، ثم بدا لهم أن يسألوه، فجاءوا بالمرأة غير
مجلودة، فوقع ما وقع، والله تعالى أعلم. (فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى جَاءَ
يَهُودَ، فَقَالَ: (مَا) استفهاميّة، (تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟))) وفي رواية
للبخاريّ: ((ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟))، قال الباجيّ تَخُّْهُ: يَحْتَمِل
أن يكون عَلِمَ بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شُرع لم يلحقه تبدیل،
ويَحْتَمِل أن يكون عَلِم ذلك بإخبار عبد الله بن سلام وغيره، ممن أسلم منهم
على وجه حَصَل له به العلم بصحة نقلهم، ويَحْتَمِل أن يكون إنما سألهم عن
ذلك لِيَعلم ما عندهم فيه، ثم يتعلم صحة ذلك من قِبَل الله تعالى. انتهى(٢).
(قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، وَنُحَمِّلُهُمَا) قال النوويّ ◌َُّ: هكذا هو في أكثر
(١) (الفتح)) ٦٨٢/١٥ - ٦٨٣، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٤١).
(٢) راجع: ((الفتح)) ٦٨٣/١٥.

٥٣٩
(٦) - بَابُ رَجْمٍ أَهْلِ الذِّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٢٩)
النسخ: ((نُحَمِّلهما)) بالحاء، واللام، وفي بعضها: (نُجَمِّلهما)) بالجيم، وفي
بعضها: (نُحَمِّمهما)) بميمين، وكلّه متقارب، فمعنى الأول: نَحْملهما على
الدابّة، ومعنى الثاني: نجعلهما جميعاً على الجمل، ومعنى الثالث: نسوّد
وجههما بالْحُمَم - بضمّ الحاء، وفتح الميم - وهو الفحم، وهذا الثالث
ضعيف؛ لأنه قال قبله: (نُسَوِّد وجوههما)). انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَظُّ: وروى العذريّ، والسمر قنديّ: «نُسوِّد وجوههما،
ونُحَمِّمهما))، ورواه السجزيّ: ((نجملهما)) - بنون مضمومة، وجيم - يعني
نحملهما على جمل، ويُطاف بهما، ورواها الطبريّ: ((نحملهما)) بنون مفتوحة،
وحاء مهملة، من الحمل، وكلتا الروايتين أحسن من رواية العذريّ؛ لأن فيها
تكراراً، فإن قوله: نسوّدهما بمعنى نُحمِّمهما.
قال: وهذا الفعل إنما كان مما اخترعته اليهود، وابتدعوه، وجعلوه
عِوَضاً عن حكم الرجم، ولذلك لم يَقُل به أحد من أهل الإسلام في الزنى،
وإنما عمِل بعض أهل العلم في شاهد الزور، فرأى أن يُحمّم وجهه، ويُجلد،
ويُحلق رأسه، ويُطاف به، وروي ذلك عن عمر بن الخطّاب، وقد روي ذلك
عن بعض قضاة البصرة، ولم يره مالك. انتهى(٢).
(وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا) بأن يُجعل قفا أحدهما مقابل قفا الآخر،
(وَيُطَافُ بِهِمَا)؛ أي: بين الناس حتى يُفضحا بينهم، وفي رواية البخاريّ:
((فقالوا: نفضحهم، ويُجلدون))، قال في ((الفتح)): وقع بيان الفضيحة في رواية
أيوب، عن نافع الآتية في ((التوحيد)) بلفظ: ((قالوا: نُسَخِّم وجوههما،
ونُخزيهما))، وفي رواية عبد الله بن عمر: ((قالوا: نُسَوِّد وجوههما، ونُحَمِّمهما،
ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما))، وفي رواية عبد الله بن دينار: ((إن
أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه، والتجبية))، وفي حديث أبي هريرة: ((يُحَمَّم،
ويُجَبَّهُ، ويُجدد، والتجبية أن يُحمل الزانيان على حمار، وتقابَل أقفيتهما،
ويطاف بهما))، وقد قال إبراهيم الحربيّ بأن تفسير التجبية من قول الزهريّ،
فكأنه أُدرج في الخبر؛ لأن أصل الحديث من روايته.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٨/١١.
(٢) ((المفهم)) ١١٥/٥.

٥٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
وقال المنذريّ: يُشبه أن يكون أصله الهمزة، وأنه التجبئة، وهي الردع
والزجر، يقال: جَبّأته تجبيئاً؛ أي: ردعته، والتجبية: أن يُنَكِّس رأسه، فَيَحْتَمِل
أن يكون مَن فُعل به ذلك يُنَكِّس رأسه استحياء، فسُمّي ذلك الفعل تجبية،
ويَحْتَمِل أن يكون من الجَبْه، وهو الاستقبال بالمكروه، وأصله من إصابة
الجبهة، تقول: جَبَهْته: إذا أصبت جَبْهته، كرَأَسْتُه: إذا أصبت رأسه.
وقال الباجيّ: ظاهر الأمر أنهم قصدوا في جوابهم تحريف حكم التوراة،
والكذب على النبيّ وَل9، إما رجاء أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله، وإما لأنهم
قصدوا بتحكيمه التخفيف عن الزانيين، واعتقدوا أن ذلك يُخرجهم عما وجب
عليهم، أو قصدوا اختبار أمره؛ لأنه من المقرَّر أن من كان نبيّاً لا يُقَرّ على
باطل، فظهر بتوفيق الله نبيَّه وَّ﴿ كَذِبهم، وصِدْقه، ولله الحمد. انتهى(١).
(قَالَ) ◌ِ ((فَأَتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)))؛ أي: فيما زعمتم من في
شأن الزانيين، وفي رواية البخاريّ: ((قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها
الرِجمَ))، (فَجَاءُوا بِهَا)؛ أي: بالتوراة (فَقَرَءُوهَا) وفي رواية زيد بن أسلم:
«فأُتِي بها، فَنَزَع الوسادة من تحته، فوضع التوراة عليها، ثم قال: آمنت بك،
وبمن أنزلك))، وفي حديث البراء الآتي: ((فدعا رجلاً من علمائهم، فقال:
أَنشدك بالله، وبمن أنزله))، وفي حديث جابر عند أبي داود: ((فقال: ائتوني
بأعلم رجلين منكم، فأُتي بابن صوريا))، زاد الطبريّ في حديث ابن عباس:
((ائتوني برجلين من علماء بني إسرائيل، فأتوه برجلين، أحدهما شاب، والآخر
شيخ قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر))، ولابن أبي حاتم من طريق
مجاهد: ((أن اليهود استفتوا رسول الله ﴿ في الزانيين، فأفتاهم بالرجم،
فأنكروه، فأمرهم أن يأتوا بأحبارهم، فناشدهم، فكتموه إلا رجلاً من أصاغرهم
أعور، فقال: ((كذبوك يا رسول الله في التوراة)). (حَتَّى إِذَا مَرُوا بِآيَةِ الرَّجْمِ
وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْم) واسم هذا الفتى عبد الله بن
صوريا، ووقع عند النقاش في ((تفسيره)) أنه أسلم، لكن ذكر مكيّ في ((تفسيره))
أنه ارتدّ بعد أن أسلم، وذكر الطبري بسنده أن النبيّ وَلُّ لمّا ناشده قال: يا
(١) ((الفتح)) ٦٨٣/١٥ - ٦٨٤ رقم (٦٨٤١).