Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٣) (قَالَ) بُرِيدة ◌َظُه (ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ) قال صاحب ((التنبيه)): اسمها سُبيعة، وقيل: أميمة، ذكرهما الخطيب البغداديّ(١). (مِنْ غَامِدٍ) بفتح الغين المعجمة، وكسر الميم: بطن من الأزد، وهو غامد، واسمه عمرو بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث، وإنما قيل له غامد؛ لأنه كان بين قومه شرّ، فأصلح بينهم، وتغمّد ما كان من ذلك، قاله في ((اللباب))(٢) . وقال النوويّ: غامد بطن من جهينة. انتهى، وهذا يقتضي أن الغامديّة هي الجهنيّة الآتية في حديث عمران بن حصين ظًا الآتي، وقد مشى على هذا بعضهم، وسيأتي تمام البحث فيه - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (مِنَ الأَزَّدِ) حال من ((غامد))، وأزد أبو قبيلة، وهو أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد كهلان بن سبأ، ويقال: أزدٍ شنوأة - بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وكسر الدال المهملة - أفاده في ((اللباب))(٣). (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: ((وَيْحَكِ، ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ))، فَقَالَتْ: أَرَاَكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي)؛ أي: ترجّعني (كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكِ، قَالَ: ((وَمَا ذَاكِ؟))، قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى) الظاهر أن هذا من الالتفات؛ لأن الظاهر أن تقول: إني حبلى من الزنا . وقال الطيبيّ نَّلُهُ: قوله: ((إنها حبلى)) جملة مستأنَفة بيانٌ لموجب قياس حالها على حال ماعز، والعلّة غير جامعة، فكأنها قالت: إني غير متمكّنة من الإنكار بعد الإقرار؛ لظهور الْحَبَل، بخلافه، فقوله: ((إنها حبلى)) على الغيبة حكاية قولها: إني حبلى، يدلّ عليه قوله وَله: ((أنت؟))؛ لأنه تقرير لِمَا تكلّمت (٤) به. انتهى(٤). وقوله: (مِنَ الزِّنَا) قال ابن الهمام: الزنا مقصور في اللغة الفصحى، لغة (١) (تنبيه المعلم)) ص٢٩٢. (٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٧٣/٢. (٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٦/١. (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥١٧/٨ - ٢٥١٨. ٥٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود أهل الحجاز التي جاء بها القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّفَ﴾ [الإسراء: ٣٢]، ويُمدّ في لغة أهل نجد، قال الفرزق [من الطويل]: أَبَا طَاهِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِنَاؤُهُ وَمَنْ يَشَرَبِ الْخُطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرَا بفتح الكاف، وتشديدها من السُّكر، والْخُطوم من أسماء الخمر(١). (فَقَالَ) وَِّ ((أَنْتِ؟))) بتقدير همزة الاستفهام، وهو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: أأنت زانية؟ (قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: ((حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ)))؛ أي: اصبري إلى أن تلدي، قال الطيبيّ كَُّ: غاية لجواب قولها: طهّرني؛ أي: لن أطهّرك حتى تضعي ما في بطنك(٢). قال النوويّ كَّلُهُ: فيه أنه لا تُرْجَم الحبلى حتى تضع، سواء كان حملها من زنا، أو غيره، وهذا مجمَع عليه؛ لئلا يُقْتَل جنينها، وكذا لو كان حدّها الجَلد، وهي حامل لم تُجلَد بالإجماع حتى تضع. وفيه أن المرأة تُرْجَم إذا زنت، وهي محصَنة، كما يُرجَم الرجل، وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة؛ لأن الأحاديث الصحيحة، والإجماع متطابقان على أنه لا يُرجَم غير المحصن. وفيه أن من وجب عليها قِصاص، وهي حامل، لا يُقتصّ منها حتى تضع، وهذا مجمع عليه، ثم لا تُرجم الحامل الزانية، ولا يقتصّ منها بعد وَضْعها حتى تَسْقِي ولدها اللَّبَنَ، ويستغني عنها بلبن غيرها . وفيه أن الحمل يُعْرَف، ويُحكم به، وهذا هو الصحيح في مذهبنا. انتهى كلام النوويّ كَذْتُ(٣) . (قَالَ: فَكَفَلَهَا) بفتح الفاء الخفيفة، من باب نصر؛ أي: قام بمؤنتها، ومصالحها، قال الفيّوميّ كَخْذُهُ: كَفَلْتُ بالمال، وبالنفس كَفلاً، من باب قَتَلَ، وكُفُولاً أيضاً، والاسم: الَكَفالَةُ، وحَكَى أبو زيد سماعاً من العرب، من بابي تَعِبَ، وقَرُبَ، وحَكَى ابن القطّاعِ: كَفَلتُهُ، وكَفَلتُ به، وعنه: إذا تَحَمَّلتَ به، ويتعدَّى إلى مفعول ثان بالتضعيف، والهمزة، فَتَحْذِفُ الحرفَ فيهما، وقد یثبت (١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٤٢/٧. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/١١. (٢) ((الكاشف)) ٢٥١٨/٨. ٥٠٣ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٣) مع المثقَّل، قال ابن الأنباريّ: تَكَفَّلتُ بالمال: التزمت به، وألزمته نفسي، وقال أبو زيد: تحمّلت به، وقال في ((المَجْمَع)): كَفَلتُ به كَفَالَةً، وكَفَلتُ عنه بالمال لغريمه، ففرَّق بينهما، وكَفَلتُ الرجلَ، والصغيرَ، من باب قَتَلَ كَفَالَةً أيضاً: عُلْتُهُ، وقُمْتُ به، ويتعدى بالتضعيف إلى مفعول ثان، فيقال: كَفَّلتُ زيداً الصغير، والفاعلُ من كَفَالةِ المال: كَفِيلٌ به للرجل، والمرأة، وقال ابن الأعرابيّ: وكَافِلٌ أيضاً، مثل ضَمِين، وضامنٍ، وفرَّق الليث بينهما، فقال: الكَفِيلُ: الضامن، والكَافِلُ: هو الذي يَعُول إنساناً، ويُنفِقِ عليه. انتهى(١). وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت))؛ أي: قام بمؤنتها، ومصالحها، وليس هو من الكفالة التي هي بمعنى الضمان؛ لأن هذا لا يجوز في الحدود التي لله تعالى. انتهى (٢). (رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه. انتهى(٣). (حَتَّى وَضَعَتْ)؛ أي: ولدت حملها (قَالَ: فَأَتَّى) ذلك الرجل (النبيّ وَّهِ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ)؛ أي: وَلَدت (الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ) وَلّـ ((إِذاً) هي جزاء وجواب، وهي من نواصب المضارع إذا توافرت شروطها، وهي المذكورة في قول بعضهم: وَسُقْتَ فِعْلاً بَعْدَهَا مُسْتَقْبَلَا أَعْمِلْ (إِذَنْ)) إِذَا أَتَتْكَ أَوَّلَا إِلَّا بِحَلْفٍ أَوْ نِدَاءٍ أَوْ بِـ(لا)) وَاحْذَرْ إِذَا أَعْمَلْتَهَا أَنْ تَفْصِلَا رَأْيِ ابْنِ عُصْفُورٍ رَئِيسِ النُّبَلَا وَافْصِلْ بِظَرْفٍ أَوْ بِمَجْرُورٍ عَلَى وَإِنْ تَجِىءُ بِحَرْفِ عَظْفٍ أَوَّلَا فَأَحْسَنُ الْوَجْهَيْنِ أَنْ لَا تَعْمَلَا (لَا تَرْجُمُهَا) من باب قتل، وهو منصوب بإذن))؛ لكونه مستقبلاً، ويَحْتَمِل الرفع بتقديره حالاً، وكذا قوله: (وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيراً) وقوله: (لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ)))، بضمّ حرف المضارعة، من الإرضاع، جملة مستأنفة بيّن بها المراد من قوله: ((وندع ولدها صغيراً))، والمعنى أن المانع من إقامة الحدّ عليها الآن كون ولدها صغيراً ليس له من يُرضعه. (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يُعرف اسمه، ويَحْتَمِل أن يكون هو الرجل الأول الذي قام بكفالة المرأة، والله تعالى (١) ((المصباح المنير)) ٥٣٦/٢. (٣) ((تنبيه المعلم)) ص٢٩٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/١١. ٥٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود أعلم (فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ) بفتح الراء، وكسرها؛ أي: أمرُ رضاعه موكول إليّ، أن أتكفّل به (يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا)؛ أي: أمر ◌َّه برجمها، فرُجمت، قال النوويّ كَّلُ: وفي الرواية الأخرى: «فلما ولدت أتته بالصبيّ في خِرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: فاذهبي، فأرضعيه، حتى تَفْطِميه، فلما فَطَمته أنته بالصبيّ، في يده كِسْرَةُ خبزٍ، فقالت: يا نبيّ الله هذا قد فَطَمته، وقد أكل الطعام، فدَفَع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فرجموها». فهاتان الروايتان ظاهرهما الاختلاف، فإن الثانية صريحة في أن رَجْمها كان بعد فطامه، وأكْلِه الخبز، والأُولى ظاهرها أنه رَجَمها عقب الولادة، ويجب تأويل الأُولى، وحَمْلها على وَفْق الثانية؛ لأنها قضيّة واحدة، والروايتان صحيحتان، والثانية منهما صريحة، لا يمكن تأويلها، والأولى ليست صريحة، فيتعين تأويل الأولى، ويكون قوله في الرواية الأولى: ((فقام رجل من الأنصار، فقال: إليّ رضاعه))، إنما قاله بعد الفطام، وأراد بالرضاعة: كفالته، وتربيته، وسمّاه رضاعاً مجازاً. قال: واعلم أن مذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والمشهور من مذهب مالك أنها لا تُرجَم حتى تجد من ترضعه، فإن لم تجد أرضعته حتى تفطمه، ثم رُچِمت. وقال أبو حنيفة، ومالك في رواية عنه: إذا وضعت رُجِمت، ولا يُنتظر حصول مرضعة، وأما هذا الأنصاريّ الذي كفلها فقصد مصلحة، وهو الرفق بها، ومساعدتها على تعجيل طهارتها بالحدّ؛ لِمَا رأى بها من الحرص التامّ على تعجيل ذلك. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الأولون من عدم رجمها إلا إن وُجدت مرضعة، هو الأرجح؛ لموافقته لحديث الباب، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/١١ - ٢٠٣. ٥٠٥ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٤) مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث بريدة بن الحصيب ظُه هذا من أفراد المصنّف نَظّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٢٣/٥ و٤٤٢٤] (١٦٩٥)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٤٣٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٣/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٥/٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٩١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)» (٨٣/٦ و٢١٤/٨ و٢٢٦ و٢٢٩)، وفوائد الحديث تقدّمت قريباً، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٢٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ - حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكِ الأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَزَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: ((أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْساً، تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئاً؟))، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّ وَفِيَّ الْعَقْلِ، مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضاً، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ، حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، قَالَ: فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُذَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزاً، فَوَ اللهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَالَ: ((إِمَّا لَا فَاذْهَبِيٍ، حَتَّى تَلِدِي))، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: ((اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ، حَتَّى تَفْطِمِيهِ»، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَنْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللهِ، قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَحُفِرَ لَهَا إِلَى ٥٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ، فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ الله ◌َّهِ سَبَّهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: ((مَهْلاً يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسِ لَغُفِرَ لَهُ))، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُوهُ) عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرٍ) الغَنَويّ الكوفيّ، صدوقٌ ليّن الحديث، ورُمي بالإرجاء [٥]. رأى أنس بن مالك، وروى عن عبد الله بن بريدة، والحسن البصريّ، وعكرمة، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، ووكيع، وابن نمير، والثوريّ، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: منكر الحديث، قد اعتَبَرت أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وقال البخاريّ: يخالَف في بعض حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: روى ما لا يتابَع عليه، وهو ممن يُكتب حديثه، وإن كان فيه بعض الضعف، وقال ابن حبان في ((الثقات)): دَلِّس عن أنس، ولم يره، وكان يخطىء كثيراً، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال العقيليّ: مرجئ مُتَّهَم، مُتَكَلَّم فيه، وقال الساجيّ: منكر الحديث. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحدیث. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَزَنَيْتُ) مِن عَظْف السبب على المسبَّب، فإنّ زناه هو سبب ظلمه نفسه. وقوله: (فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ) ظاهره أنه كان بين اعتراف ماعز ◌َّه فصل يوم، وهذا معارض لسائر الروايات الأخرى التي تدلّ على أنه اعترف ٥٠٧ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا - حديث رقم (٤٤٢٤) أربع مرّات في نفس ذلك المجلس، وجمع الحافظ بين الروايات، وتقدّم نقل كلامه بتمامه، ولكن الإمام ابن القيّم: يرى أن هذا وَهَمٌّ، ودونك نصّه في (تهذيب السنن))، قال كَّلهُ: وهذا الحديث فيه أمران، سائر طرق حديث مالك تدلّ على خلافهما : أحدهما: أن الإقرار منه، وترديد النبيّ وَّ كان في مجالس متعدّدة، وسائر الأحاديث تدلّ على أن ذلك كان في مجلس واحد. والثاني: ذِكر الحَفْر فيه، والصحيح في حديثه أنه لم يُحفر له، والحفر وَهَمٌ، ويدلّ عليه أنه هرب، وتبِعُوه، وهذا - والله أعلم - من سوء حفظ بشير بن مهاجر، وقد تقدّم قول الإمام أحمد: إن ترديده كان في مجلس واحد، إلا ذلك الشيخ ابن مهاجر. انتهى (١). وقد تقدّم في ترجمته أن الأئمة طعنوا في بشير هذا، منهم الإمام أحمد، فقد قال فيه: منكر الحديث، وقد اعتُبرت أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب، والبخاريّ، وابن عديّ، وابن حبّان، والعقيليّ، والساجيّ، فلا يُستبعد أن يكون هذا الخلاف من أوهامه، فتفطّن. ثم رأيت كلاماً للحافظ المنذريّ كَُّ في ((مختصره)) حيث قال في شأن بشير بن مهاجر هذا ما نصّه: ليس له في ((صحيح مسلم)) سوى هذا الحديث، وقد وثّقه يحيى بن معين، وقال الإمام أحمد: منكر الحديث، يجيء بالعجائب، مرجىء، متّهَمٌ، وقال أبو حاتم الرازي: يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، قال: ولا عيب على مسلم في إخراج هذا الحديث، فإنه أتى به في الطبقة الثانية؛ ليبيّن اطلاعه على طرق الحديث. انتهى كلام المنذريّ كَظّهُ(٢). وقوله: (لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزاً) هذا صريح في أن قصّتها بعد قصّة ماعز چا. وقوله: (إِمَّا لَا فَاذْهَبِي، حَتَّى تَلِدِي) قال القاضي عياض نَّثُهُ: معناه: إن (١) ((تهذيب السنن)) لابن القيّم ٢٥١/٦. (٢) راجع: ((نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)) ٣٢١/٣. ٥٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود لم تفعلي كذا فافعلي كذا؛ أي: إذا أبيت أن تستري على نفسك، وترجعي عن قولك، فاذهبي حتى تلدي، فترجعي . وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: قوله: ((إمَّا لا، فاذهبي حتى تلدي)): ((إمَّا)) بكسر الهمزة التي هي همزة ((إن)) الشَّرطية، زيدت عليها ((ما)) المؤكدة؛ بدليل دخول الفاء في جوابها، و((لا)) التي بعدها للنفي، فكأنه قال: إن رأيت أن تستري على نفسك، وترجعي عن إقرارك، فافعلي، وإن لم تفعلي، فاذهبي حتى تلدي . ثمَّ اختلف العلماء فيها إذا وضعت، فقال مالك: إذا وضعت رُجمت، ولم يُنتظر بها أن تكفل ولدها، وقاله أبو حنيفة، والشافعيّ في أحد قوليه، وهذا قول من لم تبلغه هذه الرواية التي فيها تأخير الغامدية إلى أن فَطَمَت وَلَدها، وقد روي عن مالك: أنها لا تُرجم حتى تجد من يكفل ولدها بعد الرَّضاع، وهو مشهور قول مالك، والشافعيّ، وقول أحمد، وإسحاق. وقد اختلفت الروايات في رجمها متى كان؟ هل كان قبل فطام الولد، أو بعد فطامه؟ والأولى: رواية من روى: أنها لم تُرجم حتى فطمت ولدها، ووجدت من يكفله؛ لأنَّها مُثْبِتَةٌ حكماً زائداً على الرواية الأخرى التي ليس فيها ذلك، ولمراعاة حق الولد. وإذا رُوعي حقه وهو جنين، فلا ترجم لأجله بالإجماع، فمراعاته إذا خرج للوجود أولى. ويستفاد من هذه الرِّواية: أن الحدود لا يُبطلها طول الأزمان، وهو مذهب الجمهور. وقد شذّ بعضهم فقال: إذا طال الزمان على الحدّ بَطَل. قاله أبو حنيفة في الشهادة بالزِّنى والسَّرِقة القَدِيمين، وهو قول لا أصل له. (١) انتھی(١). وقوله: (حَتَّى تَفْطِمِيهِ) قال أهل اللغة: الفِطام قطع الإرضاع؛ لاستغناء الولد عنه، يقال: فَطَمَت المرضِعُ الرضيعَ فَظْماً، من باب ضَرَبَ: فصلته عن الرّضَاعِ، فهي فاطمة، والصغير فَطِيمٌ، والجمع: نُظُمٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُدٍ، وأفطم الصبيّ: دخل في وقت الفِطام، مثلُ أحصَدَ الزرعُ: إذا حان حَصَادُهُ(٢). (١) ((المفهم)) ٩٧/٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٧٧. ٥٠٩ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٤) وقوله: (فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزِ) تقدّم في الرواية الماضية خلافه، وقد تقدّم وجه الجمع والترجيح هناك. وقوله: (فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا) فيه دليل على أن المرأة يُحفر لها. وقوله: (وَأَمَرَ النَّاسَ، فَرَجَمُوهَا) قال القرطبيّ كَُّ: ظاهره: أنَّهِ وَلّ لم يرجمها معهم، لا في أول الأمر، ولا في آخره. فلا يلزم الإمامَ أن يبدأ بالرجم، وهو مذهب الجمهور. وقد ذهب أبو حنيفة: إلى أنَّه إن ثبت الزنى بالإقرار حضر الإمام، وبدأ قبل الناس بالرَّجم، وإن كان بالشهادة حضر الشهود، وبدؤوا بالرَّجم قبل الناس. قال القرطبيّ: وأحاديث هذا الباب كلُّها تردُّ ما قال أبو حنيفة، غير أنَّه وقع في كتاب أبي داود من حديث الغامدية: أن رسول الله وسلّ أخذ حصاة مثل الحِمَّصَة فرماها بها، وهي رواية شاذةٌ، مخالفة للمشهور من حديث الغامدية. (١) انتھی وقوله: (فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ... إلخ) عبّر بصيغة المضارع عن الماضي؛ للدلالة على استحضار المتكلّم الواقعة؛ كأنها تقع الآن، ومثل ذلك كثير في كلام العرب. وفيه دليل على أن قصّة الغامديّة وقعت بعد شهر صفر من سنة ثمان من الهجرة، وذلك لأن خالد بن الوليد ظته، إنما جاء المدينة مسلماً في أول يوم من صفر سنة ثمان، كما في ((طبقات ابن سعد)) (٢٥٢/٤). فثبت بهذا الحديث أن قصّة الغامديّة وقعت بعد نزول ((سورة النور))، فإنها نزلت في السنة الخامسة من الهجرة، قاله بعض المحقّقين(٢). وقوله: (فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ) قال النوويّ كَُّ: رُوي بالحاء المهملة، وبالمعجمة، والأكثرون على المهملة، ومعناه: ترشش، وانصبّ. (٣) ٠ انتھی (١) ((المفهم)) ٩٨/٥ - ٩٩. (٢) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٢/ ٤٥٢. (٣) (شرح النوويّ)) ٢٠٣/١١. ٥١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود وقال القرطبيّ تَّثُ: قوله: ((فتنضخ الدم))؛ أي: تطاير مفرّقاً، وهو بالخاء المعجمة، والعينُ النضّاخة: هي الفوّارة بالماء الغزير الذي يسيل ويتفرّق، وقد رُوي بالحاء المهملة، وهو الرشّ الخفيف، وهو أخفّ من النضخ - بالخاء المعجمة - انتهى(١). وقوله: (مَهْلاً) مفعول مطلق لعامل محذوف؛ أي: تمهّل؛ أي: كفّ عن سبّها، وفيه دليل على أن من أقيم عليه الحدّ لا يُسبّ، ولا يؤذى بالكلام السییء. وقوله: (لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ) - بفتح الميم، وسكون الكاف ـ في الأصل مصدر مَكَس، قال الفيّوميّ تَُّ: مَكَسَ في البيع مَكْساً، من باب ضَرَبَ: نقَصَ الثمن، وماكس مماكسةً، ومِكاساً مثله، والْمَكْسُ: الْجِبَاية، وهو مصدرٌ، من باب ضَرَب أيضاً، وفاعله مَّاسٌ، ثم سُمّي المأخوذ مَكْساً؛ تسميةً بالمصدر، وجُمع على مُكُوس، مثلُ فَلْس وفُلُوسٍ، وقد غَلَب استعمال الْمَكْس فيما يأخذه أعوان السلطان ظلماً عند البيع والشراء، قال الشاعر [من الطويل]: وَفِي كُلِّ مَا بَاعَ امْرُؤٌّ مَكْسُ دِرْهَمٍ وَفِي كُلِّ أَسْوَاقِ الْعِرَاقِ إِنَّاوَةٌ انتھی(٢). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: صاحب المَكس: هو الذي يأخذ من الناس ما لا يلزمهم شرعاً من الوظائف المالية بالقهر والجبر، ولا شك في أنه من أعظم الذنوب، وأكبرها، وأفحشها، فإنَّه غصب، وظلمٌ، وعَسْفٌ على الناس، وإشاعةٌ للمنكر، وعملٌ به، ودوامٌ عليه. ومع ذلك كلِّه: فإن تاب من ذلك، وردَّ المظالم إلى أربابها صحَّت توبته، وقُبلت، لكنَّه بعيد أن يتخلّص من ذلك؛ لكثرة الحقوق وانتشارها في النَّاس، وعدم تعيين المظلومين، وهؤلاء كضمان ما لا يجوز ضمان أصله من الزكوات، والمواريث، والملاهي، والمرتَّبين في الطرق، إلى غير ذلك مِمَّا قد كَثُر في الوجود، وعُمِل عليه في سائر البلاد. (٣) انتھی(٣) . (١) ((المفهم)) ٩٩/٥. (٣) ((المفهم)) ٩٩/٥ - ١٠٠. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٧٧/٢. ٥١١ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٤) وقال النوويّ تَخْذُّ: في الحديث أن الْمَكس من أقبح المعاصي، والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، وتكرر ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقّها، وصَرْفها في غير وجهها، وفيه أن توبة الزاني لا تُسقِط عنه حدّ الزنى، وكذا حُكم حدّ السرقة، والشرب. هذا أصح القولين في مذهبنا، ومذهب مالك، والثاني أنها تُسقط ذلك، وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه فتُسقط حدّ المحاربة بلا خلاف عندنا، وعند ابن عباس وغيره: لا تُسقط. انتهى(١). وقوله: (ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ)، وفي الرواية الثانية: (ثم أمر بها، فرُجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله، وقد زنت؟)). قال النوويّ تَخْلُ: أما الرواية الثانية فصريحة في أن النبيّ وَلقوله صلى عليها، وأما الرواية الأولى، فقال القاضي عياض: هي بفتح الصاد واللام عند جماهير رواة ((صحيح مسلم))، قال: وعند الطبريّ بضم الصاد، قال: وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة، وأبي داود، قال: وفي رواية لأبي داود: ((ثم أمرهم أنْ يُصَلُّوا عليها))، قال القاضي: ولم يَذكر مسلم صلاته بَّ على ماعز، وقد ذَكَرها البخاريّ، وقد اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك، وأحمد للإمام، ولأهل الفضل، دون باقي الناس، فيصلي عليه غير الإمام، وأهل الفضل، قال الشافعيّ، وآخرون: يصلي عليه الإمام، وأهل الفضل، وغيرهم، والخلاف بين الشافعيّ، ومالك، إنما هو في الإمام، وأهل الفضل، وأما غيرهم فاتفقا على أنه يصلي، وبه قال جماهير العلماء، قالوا: فَيُصَلَّى على الفُسّاق، والمقتولين في الحدود، والمحارَبة، وغيرهم، وقال الزهريّ: لا يصلِّي أحدٌ على المرجوم، وقاتِل نفسه، وقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنى، واحتجّ الجمهور بهذا الحديث، وفيه دلالة للشافعيّ أن الإمام، وأهل الفضل يصلّون على المرجوم، كما يصلّي عليه غيرهم، وأجاب أصحاب مالك عنه بجوابين: أحدهما أنهم ضَعَّفُوا رواية الصلاة؛ لكون أكثر الرواة لم يذكروها، (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٣/١١ - ٢٠٤. ٥١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود والثاني: تأوَّلوها على أنه وَّ أَمَر بالصلاة، أو دعا، فَسُمّي صلاةً على مقتضاها في اللغة، وهذان الجوابان فاسدان، أما الأول فإن هذه الزيادة ثابتة في ((الصحيح))، وزيادة الثقة مقبولة، وأما الثاني فهذا التأويل مردود؛ لأن التأويل إنما يصار إليه إذا اضطرّت الأدلة الشرعية إلى ارتكابه، وليس هنا شيء من ذلك، فَوَجَب حَمْله على ظاهره. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، وقد استوفيت البحث في هذا في ((شرح النسائيّ))، فارجع إليه (٢)، وبالله تعالى التوفيق. والحديث من أفراد المصنّف تَخْذَلُهُ، وقد تقدّم شرحه مستوفَى في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٢٥] (١٦٩٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثْنَا مُعَاذٌ - يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ - حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، أَنَّ أَبَا الْمُهَلَّبِ حَدَّثَهُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، أَتْ نَبِيَّ اللهَِّهِ، وَهِيَ خُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللّهِ أَصَبْتُ حَدّاً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيَّ اللهِهِ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: ((أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا))، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِ، فَشُكَّتْ(٣) عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ، وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: ((لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى؟))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٤/١١. (٢) راجع: (ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٢٣٦/١٩ - ٢٣٧. (٣) وفي نسخة: ((فشُدَّت)). ٥١٣ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٥) ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله الدستوائيّ، تقدّم أيضاً قبل باب. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. ٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ، ثقة فاضلٌ كثير الإرسال، وفيه نصْبٌ يسير [٣] (ت١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣. ٦ - (أَبُو الْمُهَلَّبِ) عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، وقيل غيره، ثقةٌ [٢] (بخ م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٩/ ٦ ٧ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًا، مات سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: يحيى عن أبي قلابة، عن أبي المهلّب، وفيه رواية الراوي عن أبيه: معاذ عن أبيه، ورواية الراوي عن عمه، فإن أبا المهلّب عمّ لأبي قلابة. شرح الحديث: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﴿يَا (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْئَةَ)، وتقدّم في حديث بُريدة: ((جاءت امرأة من غامد، من الأزد))، قال القرطبيّ ظُه: كذا في هذه الرواية، وفي الرواية الأخرى: ((من جُهينة))، ولا تباعُد بين الروايتين، فإن غامداً قبيلة من جُهينة، قاله عياض، وأظنّ جُهينة من الأزد، وبهذا تتّفق الروايات. انتهى. ثم رأيت الإمام أبا داود تَُّ ذكر في ((سُننه)) أنها هي الغامديّة المتقدّمة، فقد ترجم في ((السنن)) برقم (٤٤٤٠) بقوله: ((باب المرأة التي أمر رسول الله ولايه برجمها من جهينة))، ثم أتى فيه بحديث عمران بن حصين في الجهنيّة، ثم بحديث بريدة في الغامديّة، ثم قال: ((قال أبو داود: قال الغسّانيّ: جُهينة، وغامد، وبارقُ واحد). انتهى. ٥١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود وقد تقدّم الخلاف في اسم الغامديّة، فقيل: سُبيعة، وقيل: أميّة، وقيل غير ذلك. (أَتَتْ نَبِيَّ اللهِ، وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى) هذا اعتراف منها من غير تكرار، يُطلب منها، ففيه دليلٌ على عدم اشتراطه على ما مرَّ، وكونه بَّ لم يستفصلها كما استفصل ماعزاً؛ لأنَّها لم يظهر عليها ما يُوجب ارتياباً في قولها، ولا شكّاً في حالها، بخلاف حال ماعز، فإنَّه ظهر عليه ما يُشبه الجنون، فلذلك استفصله النبيّ وَ﴿ لِيَسْتَثْبِت في أمره، كما تقدَّم(١). (فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللّهِ أَصَبْتُ حَدّاً)؛ أي: ما يوجبه، وهو الزنا، (فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيَّ اللهِّهِ وَلِيَّهَا) لا يُعرف اسمه، (فَقَالَ: ((أَحْسِنْ إِلَيْهَا) قال النوويّ تَخْثُ: هذا الإحسان له سببان: أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الْغَيرة، ولُحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها؛ تحذيراً لهم من ذلك. والثاني: أمرَ به رحمةً لها؛ إذ قد ثابت، وحَرَص على الإحسان إليها؛ لِمَا في نفوس الناس من النّفرة من مثلها، واسماعها الكلام المؤذي، ونحو ذلك، فنھی عن هذا كله. انتهى(٢). (فَإِذَا وَضَعَتْ)؛ أي: ولدت حملها (فَائْتِنِي بِهَا))، فَفَعَلَ) ذلك الوليّ ما أمره به النبيّ وَِّ (فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِوَ ظله)؛ أي: أمر وَّهُ بشكّ ثيابها عليها حتى لا تتكشّف، (فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا) قال النوويّ تَّلُ: هكذا في معظم النسخ: ((فشُكّت))، وفي بعضها: ((فشُدّت)) بالدال بدل الكاف، وهو معنى الأول، وفي هذا استحباب جَمْع أثوابها عليها، وشدّها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلّبها، وتكرار اضطرابها، واتَّفَق العلماء على أنه لا تُرجَم إلا قاعدةً، وأما الرجل فجمهورهم على أنه يُرجم قائماً، وقال مالك: قاعداً، وقال غيره: يخيَّر الإمام (٣) بینهما. انتهى(٣) . وقال القرطبيّ رظُه: معنى ((شُكّت))؛ أي: جُمع بعضها إلى بعض بشوك (١) ((المفهم)) ٩٦/٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/١١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/١١. ٥١٥ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا - حديث رقم (٤٤٢٥) أو خُيُوط، ومنه: الْمِشَكُّ، وهي الإبرة الكبيرة، وشَكَكْتُ الصيدَ بالرَّمح؛ أي: نفذته به. انتھی. ثم يَحْتَمل أن يكون الفعل مبنيّاً للفاعل، والفاعل ضمير المرأة، و((ثيابها)) منصوب على المفعوليّة، ويَحْتَمل أن يكون مبنيّاً للمفعول، و((ثيابها)) مرفوع على أنه نائب الفاعل، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَمَرَ بِهَا)؛ أي: أمر ◌ِّ الناس برجمها (فَرُجِمَتْ) بالبناء للمفعول، وفي رواية النسائيّ: ((فرجمها))، وفيه إسناد الفعل إلى السبب الآمر، وقال النوويّ كَُّ: قوله في بعض الروايات: ((فأمر بها فرُجمت))، وفي بعضها: ((وأمر الناس فرجموها))، وفي حديث ماعز: ((أمَرَنا أن نرجمه))، ونحو ذلك فيها كلها دلالة لمذهب الشافعيّ، ومالك، وموافقيهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور، وقال أبو حنيفة، وأحمد: يحضر الإمام مطلقاً، وكذا الشهود إن ثبت ببينة، ويبدأ الإمام بالرجم إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود، وحجة الشافعيّ أن النبيّ ◌َ و لم يحضر أحداً ممن رُچِم، والله أعلم. انتهى(١). (ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا)؛ أي: صلّى النبيّ ◌َّز على تلك المرأة، وفيه مشروعيّة (تُصَلِّي عَلَيْهَا) بتقدير الصلاة على المرجوم، (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ) بن الخطّاب همزة الاستفهام، ولفظ النسائيّ: ((أتصلي عليها)) بذكر الهمزة، والاستفهام للإنكار (يَا نَبِيَّ اللهِ، وَقَدْ زَنَتْ؟) جملة حاليّة؛ أي: كيف تصلي عليها، والحال أنها زانية؟، وهذا ظنّ من عمر لله أن فعل الفاحشة يوجب منع الصلاة على الميت، (فَقَالَ) وَِّ (لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً)؛ أي: عظيمةً، فالتنوين للتعظيم والتكثير (لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ)؛ أي: لَكَفَتْهم؛ لِكَثْرتها (وَهَلْ (تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا وَجَدْتَ) بتاء الخطاب، والخطاب لعمر و لِلَّهِ تَعَالَى؟) من الجُود؛ كأنها تصدّقت بنفسها لله تعالى، حيث أقرّت عليها بما أدّى إلى موتها؛ يعني: أنها بذلت نفسها في مرضاة الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/١١ - ٢٠٦. ٥١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٢٥/٥ و٤٤٢٦] (١٦٩٦)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٤٤٠)، و(الترمذيّ) في ((الحدود)) (١٤٣٥)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٦٣/٤) و((الكبرى)) (٦٣٦/١ و٤٨٤/٤ و٤٨٦)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٨٥٤/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٢٥/٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١١٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٩/٤ و٤٣٥ و٤٣٧ و٤٤٠)، و(الدارميّ) في ((سُننه)) (٢٣٥/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٣/٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٠٧/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٩٨/١٨)، و(الدارقطنيّ) في ((سُننه)) (١٢٧/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨/٤ و٢١٧ و٢٢١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َلَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٢٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا أَبَانٌ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا بَحْتَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَقَّنُ بْنُ مُسْلِم) الصفّار، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبَانُ الْعَطَّارُ) بن يزيد، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ، له أفراد [٧] مات في حدود الستين ومائة (خ م د ت) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٠/١. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية أبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها الإمام أحمد تَّتُ في («مسنده))، فقال: (١٩٩٦٨) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عفان، ثنا أبان - يعني: العطار - ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهَلِّب، عن عمران بن حُصين: أن امرأة من جهينة أتت نبيّ الله وَّ﴿، فقالت له: إني أصبت حدّاً، ٥١٧ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٧) فأقمه عليّ، وهي حامل، فأمر بها أن يُحْسَن إليها، حتى تضع، فلما وضعت جيء بها إلى رسول الله وَلِلّهِ، فَأَمَر بها، فَشُكّت عليها ثيابها، ثم رجمها، ثم صلى عليها، فقال عمر: يا نبي الله تصلي عليها، وقد زنت؟ فقال: ((لقد تابت توبةً، لو قُسمت بين سبعين من أهل المدينة لوَسِعتهم، وهل وَجَدتَ أفضلَ من أن جادت بنفسها لله تبارك وتعالى)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٢٧] (١٦٩٧/ ١٦٩٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَّى رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدَُكَ اللهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ -: نَعَمْ، فَاقْضٍ بَيْئَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَائْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((قُلْ))، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَاقْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةٍ شَاةٍ، وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَام، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَذٌ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامِ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ(٢) إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا))، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهََِّ، فَرُجِمَتْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن مهاجر التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) تقدّم في الباب الماضي. (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤/ ٤٤٠. (٢) وفي نسخة: ((اغد يا أنيس)). ٥١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود ٣ - (زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ) المدنيّ الصحابيّ المشهور، مات ◌َله سنة (٧٦ أو ٧٠) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٨/٣٤. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون، سوى قتيبة، فبغلانيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعي هو أحد الفقهاء السبعة، وهو يروي عن صحابيين . شرح الحديث : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ)، وفي رواية للبخاريّ: ((أنه سمع أبا هريرة، وزيد بن خالد))، قال في ((الفتح)): وفي رواية الحميديّ، عن زيد بن خالد الجهنيّ، وأبي هريرة، وشِبْل، وكذا قال أحمد، وقتيبة عند النسائيّ، وهشام بن عمار، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح عند ابن ماجه، وعمرو بن عليّ، وعبد الجبار بن العلاء، والوليد بن شجاع، وأبو خيثمة، ويعقوب الدَّوْرقيّ، وإبراهيم بن سعيد الجوهريّ، عند الإسماعيليّ، وآخرون، عن سفيان، وأخرجه الترمذيّ عن نصر بن عليّ، وغير واحد، عن سفيان، ولفظه: ((سمعت من أبي هريرة، وزيد بن خالد، وشِبْل؛ لأنهم كانوا عند النبيّ وَّ))، قال الترمذيّ: هذا وَهَمٌ من سفيان، وإنما رُوي عن الزهريّ بهذا السند حديث: ((إذا زَنَت الأمة ... )) فذكر فيه شِبلاً، ورُوي حديث الباب بهذا السند ليس فيه شِبْل، فَوَهِمَ سفيان في تسويته بين الحديثين. قال الحافظ: وسقط ذِكر شبل من رواية ((الصحيحين)) من طريقه لهذا الحديث، وكذا أخرجاه من طرق عن الزهريّ، منها عن مالك، والليث، وصالح بن كيسان، وللبخاريّ، من رواية ابن أبي ذئب، وشعيب بن أبي حمزة، ولمسلم من رواية يونس بن يزيد، ومعمر، كلهم عن الزهريّ، ليس فيه شِبْلٌ، قال الترمذيّ: وشبل لا صحبة له، والصحيح ما رَوَى الزُّبيديّ، ويونس، وابن أخي الزهريّ، فقالوا: عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن شِبْل بن خالد، عن عبد الله بن مالك الأوسيّ، عن النبيّ وَلّر في الأمة إذا زنت. ٥١٩ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٧) قال الحافظ: ورواية الزُّبيديّ عند النسائيّ، وكذا أخرجه من رواية يونس، عن الزهريّ، وليس هو في الكتب الستة من هذا الوجه، إلا عند النسائيّ، وليس فيه: (كنت عند النبيّ وَّ)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قال النسائيّ كَّثُ في ((السنن الكبرى)) (٤٧٧/٣ - ٤٧٨) بعد أن ساق الحديث من رواية سفيان بن عيينة ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً تابع سفيان على قوله: ((وشِبْلٍ))، رواه مالك، عن الزهريّ، عن عُبيد الله، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد، ورواه بُكير بن الأشجّ، عن عمرو بن شُعيب، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة فقط، وحديث مالك، وعمرو بن شعيب أولى بالصواب من قول ابن عُيينة: ((وشِبْلٍ)). انتهى كلام النسائيّ تَُّهُ. (أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَّى رَسُولَ اللهِ﴾، وفي رواية للبخاريّ: ((قالا: كنّا عند النبيّ وَّ، فقام رجل، فقال: أَنْشُدك الله ... ))، وفي رواية شعيب: ((بينما نحن عند النبيّ وَّ))، وفي رواية ابن أبي ذئب: ((وهو جالس في المسجد)). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ اللهَ) - بفتح أوله، ونون ساكنة، وضمّ الشين المعجمة - أي: أسألك بالله، وضَمَّنَ ((أنشدُك)) معنى أُذَكِّرُكَ، فحذف الباء؛ أي: أذكّرك رافعاً نَشِيدتي؛ أي: صوتي، هذا أصله، ثم استُعْمِل في كل مطلوب مؤكّد، ولو لم يكن هناك رفع صوت، وبهذا التقرير يندفع إيراد من استَشْكَل رفع الرجل صوته عند النبيّ وَّر مع النهي عنه، ثم أجاب عنه بأنه لم يبلغه النهي؛ لكونه أعرابياً، أو النهي لمن يرفعه حيث يتكلم النبيّ ◌َ﴿ على ظاهر الآية، وذكر أبو عليّ الفارسيّ أن بعضهم رواه بضم الهمزة، وكسر المعجمة، وغلّطه، قاله في ((الفتح))(٢). وقال النوويّ تَُّ: معنى ((أنشدك)): أسألك رافعاً نَشِيدي؛ أي: صوتي، وهو - بفتح الهمزة، وضم الشين - وقوله: ((بكتاب الله))؛ أي: بما تضمّنه كتاب الله، وفيه أنه يُستحب للقاضي أن يصبر على من يقول من جفاة (١) ((الفتح)) ٦٣٥/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٢٧). (٢) ((الفتح)) ٦٣٥/١٥ رقم (٦٨٢٧) .: ?.... انس: ١٨٠ ٥٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود الْخُصُومِ: احكم بالحقّ بيننا ونحو ذلك. انتهى(١). [تنبيه]: وقع في نسخة القرطبيّ في ((مختصره)): ((فقال: يا رسول الله أنشدك إلا قضيت لي بكتاب الله))، بحذف لفظ الجلالة، فقال القرطبيّ: هكذا وقع في صحيح الرواية: ((أنشدك)) من غير ذكر اسم الله، وهو المراد، لكنَّه حُذِف لفظاً للعلم به، وقد وقع في بعض النُّسخ: ((أنشدك الله!))، ومعناه: أُقسم عليك بالله، وكتاب الله هنا: يُراد به: حكم الله إن كانت هذه القضية وقعت بعد نسخ تلاوة آية الرَّجم كما تقدم، وإن كانت قبل ذلك: فكتاب الله محمول على حقيقته. انتهى (٢). (إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ الهِ) قيل: فيه استعمال الفعل بعد الاستثناء بتأويل المصدر، وإن لم يكن فيه حرف مصدريّ؛ لضرورة افتقار المعنى إليه، وهو من المواضع التي يقع فيها الفعل موقع الاسم، ويراد به النفي المحصورُ فيه المفعولُ، والمعنى هنا: لا أسألك إلا القضاء بكتاب الله. ويَحْتَمِل أن تكون ((إلا)) جواب القسم؛ لما فيها من معنى الحصر، وتقديره: أسألك بالله لا تفعل شيئاً إلا القضاء، فالتأكيد إنما وقع لعدم التشاغل بغيره، لا لأن لقوله: ((بكتاب الله)) مفهوماً، وبهذا يندفع إيراد من استَشْكَل، فقال: لم يكن النبيّ وَّه يحكم إلا بكتاب الله، فما فائدة السؤال، والتأكيد في ذلك؟ ثم أجاب بأن ذلك من جَفاء الأعراب، والمراد بكتاب الله: ما حَكَمَ به، وكَتَب على عباده، وقيل: المراد: القرآن، وهو المتبادَر. وقال ابن دقيق العيد تَّثُ: الأول أولى؛ لأن الرجم والتغريب ليسا مذكورين في القرآن، إلا بواسطة أمْر الله باتباع رسوله وَّله، قيل: وفيما قال نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون المراد ما تضمّنه قوله تعالى: ﴿أَوَ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، فَبَيَّن النبيّ وَّ﴿ أن السبيل جلد البِكر، ونَفْيه، ورَجْم الثّيّب . قال الحافظ ◌َّهُ: وهذا أيضاً بواسطة التبيين. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٦/١١. (٢) ((المفهم)) ١٠٤/٥.