Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤١٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ
الْمُثَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ(١): أُتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ بِرَجُلِ قَصِيرٍ، أَشْعَثَ، ذِي
عَضَلَاتٍ، عَلَيْهِ إِزَارٌ، وَقَدْ زَنَى، فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، تَخَلَّفَ أَحَدُكُمْ، بَنِبُّ نَبِیبَ
التَّيْسِ، يَمْتَحُ إِحْدَاهُنَّ الْكُثْبَةَ، إِنَّ اللهَ لَا يُمْكِنِّي مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالاً)،
أَوْ نَكَّلْتُهُ، قَالَ: فَحَدَّثْتُهُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ رَدَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (أَشْعَثَ) يقال: شَعِثَ الشعرُ، فهو شَعِثٌ، من باب تَعِبَ: تغيّر،
وتلبّد؛ لقلّة تعهّده بالدهن، ورجل أشعث، وامرأة شعثاء(٢).
وقوله: (ذِي عَضَلَاتٍ) - بفتح المهملة، ثم المعجمة - قال أبو عبيدة:
العَضَلة: ما اجتمع من اللحم في أعلى باطن الساق، وقال الأصمعيّ: كل
عصبة مع لحم فهي عَضَلة، وقال ابن القطاع: العَضَلة: لحم الساق والذراع،
وكل لحمة مستديرة في البدن، والأعضل: الشديد الخَلق، ومنه أَعضل الأمر:
إذا اشتد، لكن دلت الرواية الأخرى على أن المراد به هنا كثير العَضَلات، قاله
في ((الفتح)).
وقوله: (تَخَلَّفَ أَحَدُكُمْ، بَنِبُ) بفتح الياء، وكسر النون، وتشديد الباء
الموحّدة؛ أي: يصبح.
وقوله: (لَا يُمْكِنِّي) أصله يُمكنني بنونين، فأدغمت نون الفعل في نون
الوقاية.
وقوله: (إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالاً))، أَوْ نَكَّلْتُهُ) ((أو)) للشكّ من الراوي؛ أي: جعلته
عِظَةً وعِبْرةً لمن بعده بما أصابته منه من العقوبة؛ ليمتنعوا من تلك الفاحشة.
(١) وفي نسخة: ((قال)).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١٤/١.
٤٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
والحديث من أفراد المصنّف تَخْذَتُهُ، وقد مضى البحث فيه، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤١٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكِ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النّبِيّ ◌َِّ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنٍ جَعْفَرٍ، وَوَافَقَهُ شَبَابَةُ عَلَى قَوْلِهِ:
فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ، وَفِي حَدِيثٍ أَبِي عَامِرٍ: فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثاً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان
الفزاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو٢٠٦) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٤٠/٦.
٢ - (أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب، والذي قبله.
[تنبيه]: رواية شبابة بن سَوّار، عن شعبة ساقها أبو بكر بن أبي شيبة دَظُّ
في ((مصنّفه))، فقال:
(٢٨٧٧١) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدثنا شَبَابة بن سَوّار، قال: حدّثنا
شعبة، عن سماك، عن جابر بن سَمُرة، قال: رأيت رسول الله وَلّ حين أُتِي
بماعز بن مالك، أُتِي برجل أشعر ذي عَضَلات، في إزاره، فردّه مرتين، ثم أمر
برجمه. انتهى.
وأما رواية أبي عامر العَقَديّ، عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤١٩] (١٦٩٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ -
ء
وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثْنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، أَنَّ النبيّ ◌َهِ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِك: ((أَحَقُّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟))، قَالَ: وَمَا
بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: ((بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ بِجَارِبَةِ آلِ فُلَانٍ))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَشَهِدَ
أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ).
٤٨٣
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا - حديث رقم (٤٤١٩)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو
عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧.
٣ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر عًَّا، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبل حديثين.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌ََّا (أَنَّ النبيّ ◌ِ﴿ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكِ) ◌َّهِ ((أَحَقُّ مَا
بَلَغَنِي عَنْكَ؟))) هذا صريح في كون النبيّ ◌َّ هو الذي سأل ماعزاً عن زناه،
وهو معارِض لِمَا سبق من الروايات الكثيرة أنه هو الذي أتى إليه، فأخبره
بذلك، قال النوويّ كَّثُ: هكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور في باقي
الروايات أنه أتى النبيّ وَله، فقال: ((طَهِّرني))، قال العلماء: لا تناقض بين
الروايات، فيكون قد جيء به إلى النبيّ وَّ﴿ من غير استدعاء من النبيّ ◌َّ، وقد
جاء في غير مسلم أن قومه أرسلوه إلى النبيّ وَّر، فقال النبيّ ◌َّ للذي أرسله:
(لو سترته بثوبك يا هَزّال، لكان خيراً لك))، وكان ماعز عند هَزّال، فقال
النبيّ وَلّ لماعز بعد أن ذكر له الذين حضروا معه ما جرى له: ((أحقّ ما بلغني
عنك؟ ... )) إلى آخره. انتهى(١).
وقال الطيبيّ تَخْتُ: فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث، وبين
حديث بُريدة؟ فإن هذا يدلّ على أنه وَ﴿ كان عارفاً بزنا ماعز، فاستنطقه؛ ليُقرّ
به؛ ليقيم عليه الحدّ، وحديث بُريدة، وأبي هريرة، ويزيد بن نُعيم يدلّ على
أنه وَّي لم يكن عارفاً به، فجاء ماعز، فأقرّ، فأعرض عنه مراراً، ثم جرت بعد
ذلك أحوال جمّةٌ، ثم رُجم؟.
قلت: للبلغاء مقامات، وأساليب، فمن مقام يقتضي الإيجاز، فيقتصرون
على كلمات معدودة، ومن مقام يقتضي الإطناب، فيُطنبون فيه كلَّ الإطناب، قال:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٦/١١ - ١٩٧.
٤٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
يَرْمُونَ بِالْخُطَبِ الطَّوَالِ وَتَارَةٌ
وَحْيَ الْمُلَاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَاءِ
فابن عبّاس سلك طريق الاختصار، فأخذ من أول القصّة وآخرها؛ إذ
كان قصده بيان رجم الزاني المحصَن بعد إقراره، وبُريدة، وأبو هريرة، ويزيد
سلكوا سبيل الإطناب في بيان مسائل مهمّة للأمة، وذلك لا يَبعد أنه وَلّ بلغه
حديث ماعز، فأحضره بين يديه، فاستنطقه؛ ليُنكر ما نُسب إليه؛ لدرء الحدّ،
فلما أقرّ أعرض عنه، فجاءه من قِبَل اليمين بعدما كان ماثلاً بين يديه، فأعرض
عنه، فجاءه من قِبَل الشمال، يدلّ عليه حديث أبي هريرة: ((ثم جاءه من شقّه
الآخر))، وكلُّ ذلك ليرجع عما أقرّ، فلمّا لم يجد فيه ذلك، قال: ((أبِكَ
جنون؟» إلى آخره.
ونظير سلوك ابن عبّاس في أخذ أول القصّة وآخرها قوله تعالى:
أَزْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ﴿ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥ -
١٦]، فالفاء في ((فأخذناه))؛ كالفاء في ((أَمَرَ به، فرُجِم))، فالفاء تستدعي
حالات، وتارات، وشؤوناً لا تكاد تنضبط إلى أن يتّصل إلى أول القصّة من
قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ ﴿فَعَصَى﴾، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
(قَالَ) ماعز ◌َظْبُه (وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ) بَّهِ ((بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ بِجَارِبَةٍ
آلِ فُلانٍ»)؛ أي: زنيت بها، واسمها فاطمة، فقد أخرج الحديث النسائيّ في
((الكبرى)) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن يزيد بن نعيم بن هزال،
وكان هزال استرجم ماعزاً، قال: كانت لأهلي جارية ترعاهم غنماً لهم، يقال
لها: فاطمة، قد أملكت، وأن ماعزاً وقع عليها، وأن هزالاً أخذه، فقال له:
انطلق إلى النبيّ وَ﴾، فنخبره بالذي صنعت، عسى أن ينزل فيك قرآن، فأمر به
النبيّ وََّ، فرُجم، فلمّا عظمت مَسّ الحجارة انطلق، فاستقبله رجل بكذا
وكذا، وبساق بعير، فضربه، فصرعه، فقال: ((يا هزال لو سترته بثوبك، كان
خيراً لك)). انتهى(٢).
وقال صاحب ((التنبيه)): اسمها فاطمة فتاة هزّال، وقيل: منيرة، وقيل:
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٢٢/٨.
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٠٧/٤.
٤٨٥
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٠)
مُهيرة. انتهى(١).
(قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ) ببناء الفعل للفاعل؛
أي: أَمَر ◌ِِّ برجمه (فَرُجِمَ) بالبناء للمفعول؛ أي: قُتل رجماً بالحجارة، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
■ هذا بهذا السياق من أفراد
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس
المصنّف نَظَاهُ .
وإنما قلت: بهذا السياق؛ لأن البخاريّ أخرجه بسياق آخر، فقال:
(٦٨٢٤) - حدّثني عبد الله بن محمد الجعفيّ، حدّثنا وهب بن جرير،
حدّثنا أبي، قال: سمعت يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس
قال: لما أَتَّى ماعز بن مالك النبيّ وَّ قال له: (لعلك قَبّلت، أو غَمَزت، أو
نظرت))، قال: لا يا رسول الله، قال: ((أنكتها؟))(٢) لا يَكني(٣)، قال: فعند
ذلك أمر برجمه. انتھی.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤١٩/٥] (١٦٩٣)، و(أبو داود) في ((الحدود))
(٤٤٢٥)، و(الترمذيّ) في ((الحدود)) (١٤٢٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤/
٢٧٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٥/١ و٣١٤ و٣١٨)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٢٩/٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٢/٣)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧/١٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣٤٢/١)، وفوائد
الحديث تقدّمت، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٢٠] (١٦٩٤) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى،
حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ:
(١) ((تنبيه المعلم)» ص٢٩٢.
(٢) قوله: ((أنكتها؟)) مقول ((قال)).
(٣) جملة حالية؛ أي: قال ذلك مُصَرَّحاً به غير مكنيّ عنه. اهـ. ((الكاشف)) ٢٥١٦/٨.
٤٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
مَاعِزُ بْنُ مَالِكِ، أَتَى رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ فَاحِشَةً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ،
فَرَدَّهُ النبيّ ◌َّهِ مِرَاراً، قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَوْمَهُ، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأْساً، إِلَّا أَنَّهُ
أَصَابَ شَيْئاً، يَرَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى
النبيّ ◌َّهِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَرْجُمَهُ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: فَمَا
أَوْثَقْنَاهُ، وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْمِ(١)، وَالْمَدَرِ، وَالْخَزَفِ، قَالَ: فَاشْتَدَّ،
فَاشْتَدَدْنَا خَلْفَهُ، حَتَّى أَتَى عُرْضَ الْحَرَّةِ، فَانْتَصَبَ لَنَا، فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ؛
يَعْنِي: الْحِجَارَةَ، حَتَّى سَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ خَطِيباً مِنَ الْعَشِيِّ،
فَقَالَ: ((أَوَ كُلَّمَا انْطَلَقْنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ الهِ، تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا، لَهُ نَبِيبٌ
كَتَبِيبِ التَّيْسِ؟ عَلَيَّ أَنْ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ، إِلَّا نَكَّلْتُ بِهِ))، قَالَ: فَمَا
اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَلَا سَبَّهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) ذُكر قبل حدیثین.
٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيري مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
البصريّ، ثقةً متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧/ ٢٢١.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة الْعَوَفيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت٨
أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ .
المتوفّى سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٨٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن
تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ ظُه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠)
حديثاً .
(١) وفي نسخة: ((فرميناه بالعظام)).
٤٨٧
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٠)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، المنذر بن مالك،
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ سعد بن مالك ﴿هَا (أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ) القبيلة
المعروفة، (يُقَالُ لَهُ: مَاعِزُ بْنُ مَالِكِ) ◌َّهِ (أَتَى رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: إِنِّي
أَصَبْتُ فَاحِشَةً) اسم فاعل من فَحُشِ الشيءُ يفحُش فُحشاً، مثلُ قَبُحَ قُبْحاً وزناً
ومعنّى، وفي لغة من باب قتل، وكلُّ شيء جاوز الحدّ فهو فاحش، والمراد به
هنا الزنا. (فَأَقِمْهُ عَلَيَّ)؛ أي: أقم الحدّ عليّ، فهو بمعنى قوله في رواية بريدة
الآتية: (فطهّرني))، (فَرَدَّهُ النبيّ ◌َّهِ مِرَاراً) تقدّم أنه أربع مرّات، (قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ
قَوْمَهُ)، وفي رواية بُريدة: ((فسأل رسول الله وَي أبه جنون؟، فأخبر أنه ليس
بمجنون))، (فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأْساً) المراد: الجنون، (إِلَّا أَنَّهُ أَصَابَ شَيْئاً) هو
الزنا (يَرَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ)؛ أي: مما يترتب عليه من العذاب (إِلَّا أَنْ يُقَامَ
فِيهِ الْحَدُّ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى النبيّ وَّهِ، فَأَمَرَنَا)؛ أي: بعد الرابعة (أَنْ نَرْجُمَهُ) من
باب قتل. (قَالَ) أبو سعيد (فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) هو الموضع المعروف
بالمدينة، وهو مقبرة أهلها، وقال القرطبيّ تَخْتُ: الغرقد: شجر من شجر البادية
كانت في ذلك الموضع، فنُسب إليها، فذهبت تلك الشجرة، واتُّخِذ ذلك
الموضع مقبرة، وهو الذي عُبّر عنه في الرواية الأخرى بـ((المصلَّى))؛ أي:
مصلَّى الجنائز. انتهى(١).
(قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ)؛ أي: ما ربطناه بحبل، أو غيره (وَلَا حَفَرْنَا لَهُ)، وفي
الرواية الأخرى في ((صحيح مسلم)): ((فلما كان الرابعة حَفَرَ له حُفْرةً، ثم أَمَرَ
به، فَرُجِم))، وذكر بعده في حديث الغامدية: ((ثم أَمَر بها، فحُفِر لها إلى
صدرها، وأمر الناس، فرجموها)).
قال النوويّ تَخّْثُ: أما قوله: ((فما أوثقناه)) فهكذا الحكم عند الفقهاء،
وأما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء، قال مالك، وأبو حنيفة،
وأحمد - رحمهم الله تعالى - في المشهور عنهم: لا يُحفر لواحد منهما، وقال
قتادة، وأبو ثور، وأبو يوسف، وأبو حنيفة في رواية: يُحفر لهما، وقال بعض
(١) ((المفهم)) ١٠١/٥.
٤٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
المالكية: يُحفر لمن يُرجم بالبينة، لا من يرجم بالإقرار، وأما أصحابنا
فقالوا: لا يحفر للرجل، سواء ثبت زناه بالبينة، أم بالإقرار، وأما المرأة
ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا، أحدها: يُستحب الحفر لها إلى صدرها؛ ليكون
أستر لها، والثاني: لا يستحب، ولا يُكره، بل هو إلى خِيَرة الإمام،
والثالث: وهو الأصح: إن ثبت زناها بالبينة استُحِبّ، وإن ثبت بالإقرار فلا؛
ليمكنها الهرب إن رجعت، فمن قال بالحفر لهما احتَجَّ بأنه حُفِر للغامدية،
وكذا لماعز في رواية، ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز أنه لم
يُحفر له: أن المراد حَفِيرة عظيمة، أو غير ذلك من تخصيص الحفيرة، وأما
من قال: لا يُحفر فاحتَجّ برواية من روى: ((فما أوثقناه، ولا حفرنا له))،
وهذا المذهب ضعيف؛ لأنه منابذ لحديث الغامدية، ولرواية الحفر لماعز،
وأما من قال بالتخيير فظاهرٌ، وأما من فرَّق بين الرجل والمرأة، فَيَحْمِل رواية
الحفر لماعز على أنه لبيان الجواز، وهذا تأويل ضعيف، ومما احتَجَّ به من
ترك الحفر حديث اليهوديين المذكور بعد هذا، وقوله: ((جَعَلَ يجنأ عليها))،
ولو حُفِر لهما لم يجنأ عليها، واحتجوا أيضاً بقوله في حديث ماعز: ((فلما
أذلقته الحجارة هَرَبَ))، وهذا ظاهر في أنه لم تكن حفرة، والله أعلم. انتهى
كلام النوويّ كَذَهُ(١).
(قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْم)، وفي بعض النسخ: ((بالعظام)) (وَالْمَدَرِ) - بفتحتين -
جمع مَدَرَة، مثلُ قَصَب وَقصبَة، وهو التراب المتلبّد، قال الأزهريّ: الْمَدَرُ:
قِطَعُ الطين، وبعضهم يقول: الطين الْعِلْكُ الذي لا يُخالطه رملٌ. انتهى (٢).
(وَالْخَزَفِ) - بفتحتين -: الطين المعمول آنيةً قبل أن يُطبَخ، وهو
الصلصال، فإذا شُوِيَ فهو الفَخَّار(٣).
قال النوويّ تَخْلَتُهُ: قال أهل اللغة: الخزف: قِطَعُ الْفَخّار المتكسّر، قال:
هذا دليلٌ لِمَا اتَّفَقَ عليه العلماء أن الرجم يحصُل بالحجر، أو المدر، أو
العظام، أو الخزف، أو الخشب، وغير ذلك، مما يحصل به القتل، ولا تتعيّن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٧/١١ - ١٩٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٦٨/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٦٦.
٤٨٩
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٠)
الأحجار، وقد قدّمنا أن قوله وَلاهو: ((ثم رَجْمٌ بالحجارة)) ليس للاشتراط.
انتھی(١).
(قَالَ: فَاشْتَدَّ)؛ أي: أسرع (فَاشْتَدَدْنَا)؛ أي: أسرعنا (خَلْفَهُ، حَتَّى أَتَّى
عُرْضَ الْحَرَّةِ) بضمّ العين، وسكون الراء؛ أي: جانبها، والحرّة: أرض ذات
حجارة سُود، (فَانْتَصَبَ لَنَا)؛ أي: قام لأجلنا (فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ)؛ أي:
حجارتها الكبار، وهو: جمع جَلْمَد بفتح الجيم والميم، وجُلمود بضمّ الجيم،
وهو الحجر الكبير، قال امرؤ القيس [من الطويل]:
مِكَرُّ مِفَرٍّ مُقْبِلٌ مُذْبِرٌ مَعاً كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلْ
وقوله: (يَعْنِي: الْحِجَارَةَ) تفسير من بعض الرواة (حَتَّى سَكَتَ) بالتاء في
آخره، هذا هو المشهور في الروايات، قال القاضي: ورواه بعضهم: ((حتى
سَكَنَ)) بالنون، والأول هو الصواب، ومعناهما: مات. (قَالَ) أبو سعيد (ثُمَّ قَامَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ خَطِيباً مِنَ الْعَشِيِّ)؛ أي: في وقت العشيّ، فـ(من)) بمعنى ((في))،
أو هي بمعنى ((بعض))، والعشيّ: قيل: ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال
للظهر والعصر: صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العشيّ، والعشاء
من صلاة المغرب إلى العتمة (٢).
(فَقَالَ) وَلِ («أَوَ كُلَّمَا) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، تقدّمت على العاطف؛
لوجوب الصدارة لها، (انْطَلَقْنَا غُزَاةً) بالضمّ: جمع غاز، وهو منصوب على
الحال، (فِي سَبِيلِ اللهِ، تَخَلَّفَ)؛ أي: تأخّر عن الخروج معنا (رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا،
لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ)؛ أي: صوت كصوت الفحل عند السفاد، (عَلَيَّ)؛ أي:
حتمٌّ، أو واجب عليّ (أَنْ لَا أُوتَى) بالبناء للمفعول (بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ، إِلَّا نَكَّلْتُ
بِهِ))؛ أي: جعلته عبرة وَعِظة لغيره. (قَالَ) أبو سعيد (فَمَّ اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَلَا سَبَّهُ)
قال النوويّ تَّتُهُ: أما عدم سبّه، فلأن الحدّ كفّارة له، مَظْهَرَة له من معصيته،
وأما عدم الاستغفار، فلئلا يغترّ غيره، فيقع في الزنا؛ اتكالاً على استغفاره وَله .
انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/١١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/١١ - ١٩٩.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤١٢/٢.
٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه هذا من أفراد
المصنّف نَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٢٠/٥ و٤٤٢١ و٤٤٢٢] (١٦٩٤)، و(أبو
داود) في ((الحدود)» (٤٤٣١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٨/٤)، و(أحمد)
في «مسنده)) (٦١/٣ -٦٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٨/٢)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (٤٤٣٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٦٢/٤ - ٣٦٣)، و(أبو
عوانة) في («مسنده)) (١٣٠/٤ - ١٣١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٠/٨ -
٢٢١)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى وليّ التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٢١] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَيْع، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَاهُ، وَقَالََ فِي الْحَدِيثِ: فَقَامَ النبيّ وَّل
مِنَ الْعَشِيِّ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ أَقْوَامِ إِذَا غَزَوْنَا،
يَتَخَلَّفُ أَحَدُهُمْ عَنَّا، لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ))، وَلَمْ يَقُلْ: ((فِي عِبَالِنَا))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريباً.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد اَلْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، تقدّم قريباً.
و((داود بن أبي هندً)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل ((قال)) ضمير يزيد بن زُريع.
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: فِي عِيَالِنَا)؛ يعني: أن يزيد بن زريع لم يذكر في
روايته لفظً: ((في عيالنا))، هذا هو مراد المصنّف، لكن الذي وجدته في
(صحيح ابن حبّان))، وكذا في ((مسند أبي عوانة))، و((مستدرك الحاكم)) أنها
٤٩١
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٢)
مذكورة في روايته، والظاهر أن المصنّف وقعت له رواية لم تُذكر فيها، ولم
أجدها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية يزيد بن زُريع، عن داود بن أبي هند هذه ساقها ابن
حبّان رَّثُ في ((صحيحه))، فقال:
(٤٤٣٨) - أخبرنا محمد بن إسحاق بن خُزيمة، قال: حدّثنا أحمد بن
عبدة الضبيّ، قال: حدّثنا يزيد بن زُريع، قال: حدّثنا داود بن أبي هند، عن
أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، أن ماعز بن مالك أتى النبيّ وَّر، فقال:
إني أصبت فاحشةً، فردّه النبيّ وَّ مراراً، قال: فسأل قومه: أبه بأس؟ فقيل:
ما به بأس، غير أنه أتى أمراً يرى أنه لا يُخرجه منه إلا أن يُقام الحدّ عليه،
قال: فأمَرَنا، فانطلقنا به إلى بقيع الغَرْقَد، قال: فلم نَحْفِر له، ولم نوثقه،
فرميناه بخزف، وعظام، وجَندل، قال: فاشتكى، فسعى، فاشتددنا خلفه، فأتى
الحرّة، فانتصب لنا، فرميناه بجلاميدها، حتى سكن، فقام النبيّ وَّه من العشيّ
خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد، ما بال أقوام، إذا غزونا
تخلف أحدهم في عيالنا، له نبيب كنبيب التيس، أما إنّ عليّ أن لا أُوتَى بأحد
فَعَلَ ذلك إلا نَكّلت به))، قال: ولم يسبّه، ولم يستغفر له. انتهى(١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ
أَبِي زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ دَاوُدَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ فِيَّ حَدِيثٍ
سُفْيَانَ: فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم البغداديّ، أبو الحارث مروزيّ
الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٢٨٦/١٠.
٤٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
٢ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) الهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ
متقنٌّ، من كبار [٩] (ت٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَام) القصّار، الأسديّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ،
ويقال له: معاوية بن أبي الَّعبّاس، صدوقٌ له أوهامٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٤)
(بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٩١/ ٤٩١.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ دَاوُدَ)؛ يعني: أن يحيى بن أبي زكريا، وسفيان
الثوريّ رویا هذا الحديث عن داود بن أبي هند.
وقوله: (فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَى ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) هكذا قال المصنّف تَخْتُ: ((ثلاث
مرّات))، وكذا هو عند أبي عوانة في ((مسنده))، ولكن وقع عند النسائيّ - كما
يأتي في التنبيه التالي -: ((فاعترف بالزنا أربع مرّات))، فليُتأمل، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: رواية يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند،
ساقها أبو عوانة تَخُّْ في ((مسنده))، فقال:
(٦٢٨١) - حدّثنا أبو داود السجزيّ، قثنا أبو كامل، قثنا يزيد بن زريع،
قال: وثنا أحمد بن منيع، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن داود، عن
أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدّريّ، قال: لمّا أمر النبيّ وَّهِ برجم ماعز بن
مالك، خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما أوثقناه، ولا حفرنا له، ولكنه قام لنا
- هذا لفظ يحيى بن زكريا، زاد أبو كامل -: فرميناه بالعظام، والمدَر،
والخزف، فاشتدّ، واشتددنا خلفه، حتى أَتَى عُرْض الحرّة، فانتصب لنا،
فرميناه بجلاميد الحرّة، حتى سكت، قال: فما سبّه، ولا استغفر له. انتهى(١).
وأما رواية سفيان الثوريّ، عن داود، فقد ساقها النسائيّ كَُّ في
((الكبرى))، فقال:
(٧١٩٩) - أخبرنا عبد الرحمن بن خالد الرَّقّيّ، قال: ثنا معاوية بن هشام،
(١) ((مسند أبي عوانة)) ١٣١/٤.
٤٩٣
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٣)
عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: جاء
ماعز بن مالك إلى النبيّ وَّ ي، فاعترف بالزنا أربع مرّات، فسأل عنه النبيّ وَله
ثم أَمَر به، فرُجِم، فرجمناه بالخزف، والجندل، والعظام، وما حفرنا له، وما
أو ثقناه، فاشتدّ، واشتددنا خلفه إلى الحرّة، فاتّبعناه، فقام لنا، فرميناه حتى
سكت، فما استغفر له رسول الله وَ له، ولا سبّه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٢٣] (١٦٩٥) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
يَعْلَى - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ - عَنْ غَيْلَانَ - وَهُوَ ابْنُ جَامِعِ الْمُحَارِبِيُّ -
عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ مَّاعِزُ بْنُ مَالِكِ
إِلَى النبيّ ◌َِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: ((وَيْحَكَ ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ،
وَتُبْ إِلَيْهِ))، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ
رَسُولُ اللهَِّهِ: ((وَيْحَكَ، ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ))، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ،
ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ النبيّ ◌َّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ
الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌ِ: ((فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟)) فَقَالَ(٢): مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَبِهِ جُنُونٌ؟))، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: ((أَشَرِبَ خَمْراً؟»،
فَقَامَ رَجُلٌ، فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:
(أَزَنَيْتَ؟))، فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنٍ: قَائِلٌ يَقُولُ:
لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزِ،
أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النبيّ ◌َ﴿ِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ، قَالَ:
فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِوَهَ، وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ
جَلَسَ، فَقَالَ: ((اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِك))، قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ
مَالِكِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ))،
قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ، مِنَ الأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ:
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٢٨٨/٤.
(٢) وفي نسخة: ((قال)).
٤٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
(وَيْحَكِ، ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ))، فَقَالَتْ: أَرَالَك تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا
رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكِ، قَالَ: ((وَمَا ذَاكِ؟))، قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَ:
((أَنْتٍ؟))، قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: ((حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِك))، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ
مِنَ الأَنْصَارِ، حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النّبِيّ ◌َهِ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ،
فَقَالَ: ((إِذاً لَا نَرْجُمَهَا، وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيراً، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ
الأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ يَعْلَى بْنُ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ) هو: يحيى بن يعلى بن
الحارث بن حرب بن جرير بن عبد الحارث المحاربيّ، أبو زكريا الكوفيّ،
ثقةٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن أبيه، وزائدة بن قُدامة، وعنه البخاريّ، وروى الباقون سوى
الترمذيّ له بواسطة أبي كريب، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن
نمير، ومحمد بن يحيى بن كثير الحراني، ومحمد بن مسلم بن وَارَة،
وإبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو زرعة، وأبو
حاتم، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال مُطَيَّن: مات سنة ست عشر ومائتين.
روى عنه البخاريّ، وأخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن
ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (غَيْلَانُ بْنُ جَامِع بن أشعث الْمُحَارِبِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، قاضيها،
ثقةٌ [٦].
روى عن أبي وائل شقيق بن سلمة، وأبي إسحاق السبيعيّ، وإسماعيل بن
أبي خالد، وعلقمة بن مرثد، وإياس بن سلمة بن الأكوع، وغيرهم.
وروى عنه يعلى بن الحارث المحاربيّ، وعمرو بن أبي قيس، وشعبة،
والثوريّ، وشريك، وعلي بن عاصم الواسطيّ، وآخرون.
٤٩٥
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا - حديث رقم (٤٤٢٣)
قال ابن معين، وابن المدينيّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقةٌ، وقال
أبو حاتم: شيخٌ، وقال محمد بن حميد الرازي، عن جرير: رأيت غيلان بن
جامع على قضاء الكوفة، وكان أَحْمَدَ من محمد بن أبي ليلى، وقال الآجريّ،
عن أبي داود: جاء غيلانُ أبا حَصِين، فسأل رجل أبا حصين عن مسألة، فقال:
اسكت أما ترى القاضي؟ فقال: إنه أمرني، وجعل أبو داود يثني عليه، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات في ولاية يزيد بن هُبيرة على العراق،
وقال ابن سعد: قتلته الْمُسَوِّدة أوَّلَ ما جاءوا بين واسط والكوفة، وكان ثقةً - إن
شاء الله تعالى - قال الحافظ: كان ذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْئَدٍ) الحَضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥.
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ
[٣] (ت١٠٥) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥.
٦ - (أَبُوهُ) بريدة بن الحصيب، أبو عبد الله، وقيل غير ذلك، الأسلميّ، الصحابيّ
الشهير، أسلم قبل بدر، ومات ظ سنة (٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٥٣٣/١٠٠.
[تنبيه] قوله في هذا السند: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى، عن غيلان) قال
النوويّ تَخْلُ: هكذا في النسخ: ((عن يحيى بن يعلى، عن غيلان))، قال القاضي
عياض: والصواب ما وقع في نسخة الدمشقيّ: ((عن يحيى بن يعلى، عن أبيه،
عن غيلان))، فزاد في الإسناد ((عن أبيه))، وكذا أخرجه أبو داود، في ((كتاب
السنن))، والنسائيّ من حديث يحيى بن يعلى، عن أبيه، عن غيلان، وهو
الصواب، وقد نبَّه عبد الغنيّ على الساقط من هذا الإسناد في نسخة أبي
العلاء بن ماهان، ووقع في ((كتاب الزكاة)) من ((السنن)) لأبي داود: حدّثنا
عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يحيى بن يعلى، حدّثنا أبي، حدّثنا غيلان، عن
جعفر، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: لمّا نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]. فهذا السند يشهد بصحة ما تقدم، قال
البخاريّ في ((تاريخه)): يحيى بن يعلى، سمع أباه، وزائدة بن قدامة، هذا آخر
٤٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
كلام القاضي نَّثُهُ، وهو صحيح كما قال، ولم يذكر أحد سماعاً ليحيى بن
يعلى هذا من غيلان، بل قالوا: سمع أباه، وزائدة. انتهى كلام
النوويّ(١).
وقال الحافظ أبو عليّ الجيّاني تَُّ في ((التقييد)) (٨٧٢/٣): هكذا إسناد
هذا الحديث لجميع الرواة عندنا، وخرّجه أبو مسعود الدمشقيّ عن مسلم، عن
أبي كريب، عن يحيى بن يعلى، عن أبيه، عن غيلان، فزاد في الإسناد رجلاً،
وهو يعلى بن الحارث، وكذلك خرّجه أبو داود في ((كتاب السنن)) (٤٤٣٣)
وأبو عبد الرحمن النسائيّ في كتابه ((الكبرى)) (٧١٤٨) أيضاً من حديث يحيى بن
يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بن جامع، وهو الصواب، وقد نبّه أبو
محمد عبد الغنيّ على الساقط من هذا الإسناد في نسخة أبي العلاء بن ماهان
- فالحمد لله ۔۔
وفي ((كتاب الزكاة)) من ((السنن)) لأبي داود (١٦٦٤): حدّثنا عثمان بن
أبي شيبة، قال: نا يحيى بن يعلى المحاربيّ، قال: نا أبي، قال: نا غَيلان،
عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: لَمّا نزلت هذه الآية:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤] كبُر ذلك على
المسلمين ... الحديث، وهذا السند يشهد بصحّة ما تقدّم.
وقال البخاريّ في ((التاريخ الكبير)) (٣١١/٨): يحيى بن يعلى سمع أباه،
وزائدة بن قُدامة.
وقال الحافظ الرشيد العطّار في ((غرر الفوائد)) (١٦): هكذا إسناد هذا
الحديث في جميع النسخ التي رأيتها من ((صحيح مسلم))، ثم ذكر كلام الجيّاني
في ((التقييد))، وقال: وإذا ثبت انقطاعه من هذا الوجه، فإنه متّصلٌ في ((كتاب
مسلم)) من وجه آخر، ومع ذلك فقد اتّصل حديث يحيى بن يعلى، عن أبيه في
كتاب النسائيّ، وأبي داود أيضاً في ((سُننه))، فثبت اتّصاله من هذا الوجه الآخر
- ولله الحمد - انتهى، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٠/١١.
٤٩٧
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٣)
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصيب ◌َبه أنه (قَالَ: جَاءَ
مَاعِزُ بْنُ مَالِكِ) الأسلميّ ◌َظُهُ (إِلَى النبيّ ◌َّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي) قال
النوويّ كَّثُ: قوله: ((طهرني)) إلى آخره، ومثله في حديث الغامدية: ((قالت:
طَهِّرني، قال: ويحك ارجعي، فاستغفري الله، وتوبي إليه)): هذا دليل على أن
الحدّ يكفّر ذنب المعصية التي حُدَّ لها، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث
عبادة بن الصامت عته، وهو قوله وَله: ((فَمَن فَعل شيئاً من ذلك، فعوقب به
في الدنيا، فهو كفارته))، ولا نَعلم في هذا خلافاً، وفي هذا الحديث دليل على
سقوط إثم المعاصي الكبائر بالتوبة، وهو بإجماع المسلمين، إلا ما قدمناه عن
ابن عباس ها في توبة القاتل خاصّة، والله أعلم.
[فإن قيل]: فما بال ماعز، والغامدية لم يقنعا بالتوبة، وهي محصِّلة
لغرضهما، وهو سقوط الإثم، بل أصرّا على الإقرار، واختارا الرجم؟.
[فالجواب]: أن تحصيل البراءة بالحدود، وسقوط الإثم متيقَّن على كل
حال، لا سيما وإقامة الحدّ بأمر النبيّ وَ﴾، وأما التوبة فيُخاف أن لا تكون
نَصُوحاً، وأن يُخِلّ بشيء من شروطها، فتبقى المعصية، وإثمها دائماً عليه،
فأرادا حصول البراءة بطريق متيقَّن، دون ما يتطرق إليه احتمال، والله أعلم (١).
(فَقَالَ) وَ ((وَيْحَكَ) قال الطيبيّ نَُّهُ: ((ويح)) كلمة ترحّم، وتوجّع،
تقال لمن وقع في هَلَكة لا يستحقّها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجّب، وهي
منصوبة على المصدر، وقد تُرفع، وتضاف، ولا تُضاف، يقال: وَيْحَ زیدٍ،
ووَيْحاً له، وويَحُ له. انتهى (٢)، وقال النوويّ تَخُّْ: ورَوَينا عن الحسن البصريّ
قال: ((ويح كلمة رحمة)). انتهى(٣).
(ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ))، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ)؛ أي: غير زمان
بعيد؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢]؛ أي: غير زمان بعيد؛
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/١١.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥١٧/٨.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/١١.
٤٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
كقولك: عن قريب (١)، قاله الطيبيّ، وقال القاري: والأظهر غير مكان بعيد،
أو رجوعاً غير بعيد، بمعنى غيبة غير بعيدة. انتهى(٢). (ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((وَيْحَكَ، ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ
إِلَيْهِ))، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِ، فَقَالَ النبيّ وَلـ
مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ)؛ أي: حتى إذا وقعت المرة الرابعة، فـ((كان))
هنا تامّة، (قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟))) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا في
جميع النسخ (فيم)) بالفاء، والياء، وهو صحيح، وتكون ((في)) هنا للسبيّة؛ أي:
بسبب ماذا أُطهّرك؟. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((فيم أُطهّرك؟)) وفي نُسخ ((المصابيح)): ((مما
أطهّرك؟))، والرواية الأولى في ((صحيح مسلم))، و((كتاب الحميديّ))، ثم ذكر
كلام النوويّ المذكور، ثم قال: أقول: ((ما)) يُسأل بها عن عموم الأحوال،
و((من)) الابتدائيّة في الجواب مضمَّنة معنى السبب؛ لأنها لإنشاء الابتداء،
فخُصّت ((ما)) به؛ لتطابقها؛ كأنه قيل: في أيّ سبب أُطهّرك؟، فأجاب بسبب
الزنا، ونظيره في المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ الآية [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧]؛ لأن في قوله: ﴿مَن رَّبُّ
العظيم
السَّمَوَتِ﴾ معنى المالكيّة؛ كأنه قيل: لمن السماوات والأرض؟. انتهى(٤).
(فَقَالَ) وفي بعض النسخ: ((قال)) بحذف الفاء، (مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ
رَسُولُ اللهِوَّةِ)؛ أي: قومه ((أَبِهِ جُنُونٌ؟))، فَأُخْبِرَ) بالبناء للمفعول (أَنَّهُ لَيْسَ
بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: ((أَشَرِبَ خَمْراً؟)))، (فَقَامَ رَجُلٌ) قال صاحب ((التنبيه)): لا
أعرفه. انتهى(٥). (فَاسْتَنْكَهَهُ)؛ أي: شمّ رائحة فمه، قال الجوهريّ تَُّهُ:
استنكهتُ الرجلَ، فَنَكَهَ في وجهي يَنْكِهُ - بالكسر، ويَنْكَهُ - بالفتح - نَكْهاً: إذا
أمرتَه بأن يَنكِهَ؛ لتَعلَم أشارب هو أم غير شارب؟ والنَّكْهة ريح الفم. انتهى(٦).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥١٦/٨ - ٢٥١٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠٠/١١.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٧/ ١٤١.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥١٧/٨.
(٥) (تنبيه المعلم)) ص٢٩٣.
(٦) ((الصحاح)) ص ١٠٦٩.
٤٩٩
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤٢٣)
وقال الفيّوميّ تَخْذُ: نَكَهَ الرجلُ على زِيد، ونَكَهَ له نَكْهاً، من بابي نَفَعَ،
وضَرَبَ: إذا تنفّس على أنفه، ونَكَهَهُ نَكْهاً، يتعدّى بنفسه أيضاً: إذا فَعَلَ ذلك؛
لَيَشُمَّ ريح فمه؛ لِيَعْلَمَ هل شَرِب أم لا؟، واستنكهه كذلك، والنَّكْهَةُ، مثلُ
تَمرة: اسم منه. انتهى(١) .
(فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ) قال النوويّ تَخْتُ: مذهبنا الصحيح المشهور
صحة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له وعليه، والسؤال عن شربه الخمر
محمول عندنا أنه لو كان سكران لم يُقَم عليه الحدّ، قال: واحتجّ أصحاب
مالك، وجمهور الحجازيين أنه يُحَدّ من وُجِد منه ريح الخمر، وإن لم تَقُم عليه
بيّنة بشربها، ولا أقرّ به، ومذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وغيرهما: لا يُحَدّ
بمجرد ريحها، بل لا بدّ من بيّنة على شُربه، أو إقراره، وليس في هذا الحديث
دلالة لأصحاب مالك. انتهى (٢).
(قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللّه ◌ِ: (أَزَنَيْتَ؟»، فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ)؛ أي: بعد
إقراره أربع مرّات، كما سبق في الروايات، (فَرُجِمَ) بالبناء للمفعول، (فَكَانَ
النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ: قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ:
مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ) ((ما)) حجازيّة تعمل عمل ((ليس))، و(توبة)) اسمها مرفوع،
و((أفضل)) خبرها منصوب، قال في ((الخلاصة)):
إِعْمَالَ (لَيْسَ)) أُعْمِلَتْ ((مَا)) دُونَ ((إِنْ)) مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
ويَحْتَمِلُ أن تكون تميميّة، فيرتفع ما بعدها على أنه مبتدأ وخبر، كما قال
قائلهم:
وَمُهَفْهَفِ الأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ
وقوله: (مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزِ) صلة ((أفضل)) (أَنَّهُ) يَحْتَمل كسر الهمزة، على أن
الجملة تعليليّة، ويَحْتَمل فتحه على تقدير حرف التعليل؛ أي: لأنه (جَاءَ إِلَى
النبيّ ◌َّهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي بَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِئُوا بِذَلِكَ
يَوْمَيْنٍ، أَوْ ثَلاثَةً)؛ أي: بعد رجمه (ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ الله ◌َِّ، وَهُمْ جُلُوسٌ) جملة
حاليّةَ، (فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: ((اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِك)))؛ أي: اطلبوا له
(١) ((المصباح المنير)) ٦٢٥/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٠/١١ - ٢٠١.
٥٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
مزيدة المغفرة، وترقّي الدرجات. (قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ:
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً)؛ أي: من ذنبه هذا (لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ)؛
أي: جماعة كثيرة، فالتنوين للتكثير، والله تعالى أعلم، (لَوَسِعَتْهُمْ))) بكسر
السين؛ أي: لَكَفَتْهُم، وكفّرت خطايا جميعهم.
قال الفيّوميّ تَُّهُ: وَسِعَ المكانُ القومَ، وَوَسِعَ المكانُ؛ أي: انَّسَعَ،
يتعدى، ولا يتعدى، قال النابغة [من الكامل]:
تَسَعُ البِلادُ إذاً أَتَيْتُكَ زَائِراً وَإِذَا هَجَرْتُكَ ضَاقَ عَنِّيَ مَقْعَدِي
ووَسُعَ المكانُ بالضم: بمعنى اتَّسَعَ أيضاً، فهو وَاسِعٌ، من الأُولى،
ووَسِيعٌ من الثانية.
قال: قيل: الأصل في المضارع الكسر، ولهذا حُذفت الواو؛ لوقوعها
بين ياء مفتوحة، وكسرة، ثم فُتِحت بعد الحذف؛ لمكان حرف الحلق، ومثله
يَهَبُ، ويَقَعُ، ويَدَعُ، وَلَغُ، ويَطَأْ، ويَضَعُ، وَلَعُ، ويَزَعُ الجيشَ؛ أي: يَحبِسه،
والحذف في يَسَعُ، ويَطَأْ، ممّا ماضيه مكسور شاذّ؛ لأنهم قالوا: فَعِلَ بالكسر
مضارعه يَفْعَل بالفتح، واستثنوا أفعالاً ليست هذه منها. انتهى كلام
الفيّوميّ كَُّهُ(١).
وقال الطيبيّ نَّثُ: قوله: (لوسعتهم))؛ أي: لكفتهم سعةً؛ يعني: توبة
تستوجب مغفرةً ورحمةً تستوعبان جماعةً كثيرةً من الخلق، يدلّ عليه قوله في
الغامديّة: ((لقد تابت توبةً لو تابعها صاحب مكس لغُفر له))، قال:
[فإن قلت]: فإذن ما فائدة قوله {وَ له: ((استغفروا لماعز))؟.
[قلت]: فائدة قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ إلى قوله:
W
﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ الآية [النصر: ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا غُبِيْنَا جَ لِيَغْفِرَ
لَكَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ١ - ٢]، فإن الثاني طلب مزيد الغفران، وما يستدعيه من
الترقّي في المقامات، والثبات عليها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنِ أَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ
تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ الآية [هود: ٣]. انتهى كلام الطيبيّ رَظُّهُ(٢).
(١) ((المصباح المنير)) ٦٥٩/٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥١٧/٨.