Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٢) يُجْمَع بأن قوله في هذا: ((فقتله))؛ أي: كان سبباً في قتله. وقد وقع في رواية للطبرانيّ في هذه القصة: «فضرب ساقه، فصرعه، ورجموه، حتى قتلوه)»، والوظيف بمعجمة، وزانُ عظيم: خُفّ البعير، وقيل: مُستدقّ الذراع والساق، من الإبل، وغيرها. وفي حديث أبي هريرة، عند النسائيّ: ((فانتهى إلى أصل شجرة، فتوسد يمينه، حتى قُتِل))، وللنسائيّ من طريق أبي مالك، عن رجل من أصحاب رسول الله : ((فذهبوا به إلى حائط، يبلغ صدره، فذهب یَئِب، فرماه رجل، فأصاب أصل أذنه، فصُرٍع، فقتله))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة وجابر (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤١٢/٥ و٤٤١٣ و٤٤١٤ و٤٤١٥] (١٦٩١)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٢٧٠ و٥٢٧٢) و((الحدود)) (٦٨١٤ و٦٨١٦ و٦٨٢٠ و٦٨٢٦ و٧١٦٨)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٤٣٠)، و(الترمذيّ) في ((الحدود)) (١٤٢٩)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٦٢/٤ - ٦٣) و((الكبرى)) (١/ ٦٣٥ و٢٧٦/٤ و٢٨٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٣٣٣٦ و١٣٣٣٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٣/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٦/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٠٦/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٢/٧)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٢٧/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٤/٤ و١٢٥ و١٢٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٤/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨) ٢١٨ و٢٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الاعتراف بالزنا، وأنه يقام عليه الحدّ بذلك. (١) ((الفتح)) ٦١٣/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨١٥). ٤٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود ٢ - (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمةً لماعز بن مالك نظُّّه؛ لأنه استمرّ على طلب إقامة الحدّ عليه، مع توبته؛ لِيَتِمّ تطهيره، ولم يرجع عن إقراره، مع أن الطبع البشريّ يقتضي أنه لا يستمرّ على الإقرار بما يقتضي إزهاق نفسه، فجاهد نفسه على ذلك، وقَوِي عليها، وأقر من غير اضطرار إلى إقامة ذلك عليه بالشهادة، مع وضوح الطريق إلى سلامته من القتل بالتوبة، ولا يقال: لعله لم يعلم أن الحدّ بعد أن يُرْفَع للإمام يرتفع بالرجوع؛ لأنا نقول: كان له طريق أن يُبرِز أمره في صورة الاستفتاء، فيعلم ما يخفى عليه من أحكام المسألة، ويبنى على ما يجاب به، ويعدل عن الإقرار إلى ذلك. ٣ - (ومنها): أنه يستحب لمن وقع في مثل قضية ماعز نظُه أن يتوب إلى الله تعالى، ويستر نفسه، ولا يذكر ذلك لأحد، كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز ﴿ه، وأن من اطَّلَع على ذلك يَستر عليه بما ذكرنا، ولا يَفْضَحه، ولا يرفعه إلى الامام، كما جرت لماعز مع أبي بكر، وعمر ﴿ه، فقد أخرج قصّته معهما مالك في ((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب مرسلةً، ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نُعيم بن هَزّال، عن أبيه، وفي القصّة أنه ( * قال لهزّال: ((لو سترته بثوبك لكان خيراً لك))، وفي (الموطأ)) عن يحيى بن سعيد: ذكرت هذا الحديث في مجلس، فيه يزيد بن نُعيم، فقال: هزّالٌ جدّي، وهذا الحديث حقّ. قال الباجيّ تَخَّتُهُ: المعنى: كان خيراً لك مما أمرته به من إظهار أمره، وكان سَتْره بأن يأمره بالتوبة، والكتمان، كما أمره به أبو بكر وعمر ظها، وذِكرُ الثوب مبالغةٌ؛ أي: لو لم تجد السبيل إلى ستره إلا بردائك، ممن لا يَعلم أمره كان أفضل مما أشرت به عليه من الإظهار. وباستحباب السر جزم الشافعيّ كَّلُ، فقال: أُحِبّ لمن أصاب ذنباً، فستره الله عليه، أن يستره على نفسه، ويتوب، واحتَجَّ بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر وقال ابن العربيّ تَّهُ: هذا كله في غير المجاهِر، فأما إذا كان متظاهراً بالفاحشة، مجاهراً، فإني أحبّ مكاشفته، والتبريح به؛ لينزجر هو وغيره. ٤٦٣ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزَّنَا - حديث رقم (٤٤١٢) [تنبيه]: قد استُشكِلَ استحباب الستر، مع ما وقع من الثناء على ماعز والغامدية وأجاب الحافظ العراقيّ تَّثُ في ((شرح الترمذي)) بأن الغامدية كان ظهر بها الحبل، مع كونها غير ذات زوج، فتعذر الاستتار؛ للاطلاع على ما يُشعر بالفاحشة، ومن ثَمّ قَيَّد بعضهم ترجيح الاستتار، حيث لا يكون هناك ما يُشعر بضدّه، وان وُجِد فالرفع إلى الإمام؛ ليقيم عليه الحدّ أفضل. انتهى. قال الحافظ تَّتُهُ: والذي يظهر أن الستر مستحبّ، والرفع لقصد المبالغة في التطهير أحبّ، والعلم عند الله تعالى. ٤ - (ومنها): أن فيه التثبتَ في إزهاق نفس المسلم، والمبالغة في صيانته؛ لِمَا وقع في هذه القصة من ترديده، والإيماء إليه بالرجوع، والإشارة إلى قبول دعواه، إن ادَّعَى إكراهاً، وأخطأ في معنى الزنا، أو مباشرة دون الفرج مثلاً، أو غير ذلك. ٥ - (ومنها): أن فيه مشروعيةَ الإقرار بفعل الفاحشة عند الامام، وفي المسجد، والتصريح فيه، بما يُستحيَى من التلفظ به، من أنواع الرفَث في القول، من أجل الحاجة الملجئة لذلك. ٦ - (ومنها): مشروعيّة نداء الكبير بالصوت العالي؛ للحاجة. ٧ - (ومنها): إعراض الإمام عمّن أقر بأمر مُحْتَمِل لإقامة الحدّ؛ لاحتمال أن يفسره بما لا يوجب حدّاً، أو يرجع، واستفساره عن شروط ذلك؛ ليرتب عليه مقتضاه. ٨ - (ومنها): أن إقرار المجنون لاغ. ٩ - (ومنها): استحباب التعريض للمقرّ بأن يرجع، وأنه إذا رجع قُبِل. قال ابن العربيّ: وجاء عن مالك رواية أنه لا أثر لرجوعه، وحديث النبيّ وَال أحقّ أن يتّبع. ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على اشتراط تكرير الإقرار بالزنا أربعاً؛ لظاهر قوله: ((فلما شَهِد على نفسه أربع شهادات))، فإن فيه إشعاراً بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحدّ عليه، وإلا لأَمَر برجمه في أول مرة، ولأن في حديث ابن عباس قال لماعز: ((قد شَهِدتَ على نفسك أربع شهادات، اذهبوا ٤٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود به، فارجموه))، ويؤيده القياس على عدد شهود الزنا دون غيره من الحدود، وهو قول الكوفيين، والراجح عند الحنابلة، وزاد ابن أبي ليلى، فاشترط أن تتعدد مجالس الإقرار، وهي رواية عن الحنفية، وتمسكوا بصورة الواقعة، لكن الروايات فيها اختلفت. قال الحافظ: والذي يظهر أن المجالس تعددت، لكن لا بعدد الإقرار، فأكثر ما نُقِل في ذلك أنه أقر مرتين، ثم عاد من الغد، فأقر مرتين، كما تقدم بيانه . وتأول الجمهور بأن ذلك وقع في قصة ماعز، وهي واقعة حال، فجاز أن يكون لزيادة الاستثبات، ويؤيد هذا الجواب ما تقدم في سياق حديث أبي هريرة رضيه، وما يأتي في قصة الغامدية حيث قالت لَمّا جاءت: ((طهرني، فقال: ويحك ارجعي، فاستغفري، قالت: أراك تريد أن تردّدني كما رددت ماعزاً، إنها حبلى من الزنا))، فلم يؤخر إقامة الحدّ عليها إلا لكونها حبلى، فلما وَضعت أمَر برجمها، ولم يستفسرها مرة أخرى، ولا اعتبر تكرير إقرارها، ولا تعدد المجالس، وكذا وقع في قصّة العَسِيف الآتي أيضاً، حيث قال: ((واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها - وفيه -: فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها))، ولم يذكر تعدد الاعتراف، ولا المجالس، وسيأتي قريباً مع شرحه مستوفّی . وأجابوا عن القياس المذكور بأن القتل لا يُقبل فيه إلا شاهدان، بخلاف سائر الأموال، فيُقبل فيها شاهد وامرأتان، فكان قياس ذلك أن يُشترط الإقرار بالقتل مرتين، وقد اتفقوا أنه يكفي فيه مرة. [فإن قلت]: والاستدلال بمجرد عدم الذِّكر في قصة العسيف وغيره فيه نظر، فإن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع، فإذا ثبت كون العدد شرطاً فالسكوت عن ذِكره يَحْتَمِل أن يكون لِعِلم المأمور به، وأما قول الغامدية: تريد أن ترددني كما رددت ماعزاً، فيمكن التمسك به، لكن أجاب الطيبيّ بأن قولها: ((إنها حبلى من الزنا))، فيه إشارة إلى أن حالها مغايرة لحال ماعز؛ لأنهما وإن اشتركا في الزنا، لكن العلة غير جامعة؛ لأن ماعزاً كان متمكناً من ٤٦٥ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٢) الرجوع عن إقراره، بخلافها، فكأنها قالت: أنا غير متمكنة من الإنكار بعد الإقرار؛ لظهور الحمل بها بخلافه. وتُعُقِّب بأنه كان يمكنها أن تَذَّعي إكراهاً، أو خطأً، أو شبهةً. والحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور من عدم اشتراط أربع مرّات في الإقرار لا يخفى قوّته، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): أن الإمام لا يُشترط أن يبدأ بالرجم فيمن أقرّ، وإن كان ذلك مستحبّاً؛ لأن الإمام إذا بدأ مع كونه مأموراً بالتثبت، والاحتياط فيه كان ذلك أدعى إلى الزجر عن التساهل في الحكم، وإلى الحضّ على التثبت في الحكم، ولهذا يبدأ الشهود إذا ثبت الرجم بالبينة . ١٢ - (ومنها): جواز تفويض الإمام إقامة الحد لغيره. ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنه لا يُشترط الحفر للمرجوم؛ لأنه لم يُذْكَر في حديث الباب، بل وقع التصريح في حديث أبي سعيد الآتي: ((قال: فما حفرنا له، ولا أوثقناه))، ولكن وقع في حديث بريدة الآتي: ((فحُفِر له حفيرة)) . ويمكن الجمع بأن المنفي حَفِيرة لا يمكنه الوثوب منها، والمثبت عكسه، أو أنهم في أول الأمر لم يحفروا له، ثم لما فَرّ، فأدركوه حفروا له حفيرة، فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه، وعند الشافعية: لا يُحفر للرجل، وفي وجهٍ : يتخير الإمام، وهو أرجح؛ لثبوته في قصة ماعز، فالمثبت مقدم على النافي، وقد جُمِع بينهما بما دلّ على وجود حَفْر في الجملة، وفي المرأة أَوْجُه: ثالثها الأصحّ: إن ثبت زناها بالبينة استُحِب، لا بالإقرار، وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم: لا يُحفر، وقال أبو يوسف، وأبو ثور: يُحفر للرجل والمرأة. ١٤ - (ومنها): جواز تلقين المقرّ بما يوجب الحدّ ما يدفع به عنه الحدّ، وأن الحد لا يجب إلا بالإقرار الصريح، ومن ثم شُرِط على من شهد بالزنا أن يقول: رأيته وَلَج ذَكّره في فرجها، أو ما أشبه ذلك، ولا يكفي أن يقول: أشهد أنه زَنَا، وثبت عن جماعة من الصحابة تلقين المقرّ بالحدّ، كما أخرجه مالك عن عمرو بن أبي شيبة، عن أبي الدرداء، وعن عليّ في قصة شراحة، ومنهم من خَصّ التلقين بمن يُظَنّ به أنه يَجهل حكم الزنا، وهو قول أبي ثور، وعند ٤٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود المالكية: يستثنى تلقين المشتهِر بانتهاك الحرمات، ويجوز تلقين من عداه، وليس ذلك بشرط. ١٥ - (ومنها): تركُ سَجْن من اعتراف بالزنا في مدة الاستثبات، وفي الحامل حتى تضع، وقيل: إن المدينة لم يكن بها حينئذ سجن، وإنما كان يُسَلّم كل جانٍ لوليّه، وقال ابن العربيّ: إنما لم يأمر بسجنه، ولا التوكيل به؛ لأن رجوعه مقبول، فلا فائدة في ذلك مع جواز الإعراض عنه إذا رجع. ١٦ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله وَلفر: ((هل أَحْصنتَ؟)) وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف الأحكام باختلافها . ١٧ - (ومنها): أن إقرار السكران لا أثر له، يؤخذ من قوله: ((استنكهوه))، والذين اعتبروه، وقالوا: إن عقله زال بمعصيته، ولا دلالة في قصة ماعز؛ لاحتمال تقدّمها على تحريم الخمر، أو أن سُكْره وقع عن غير معصية. ١٨ - (ومنها): أن المقر بالزنا إذا هَرَبَ يُتْرَك، فإن صرَّح بالرجوع فذاك، وإلا اتُّبع، ورُجِم، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، ودلالته من قصة ماعز ظاهرة، وقد وقع في حديث نعيم بن هَزّال: ((هلا تركتموه، لعله يتوب، فيتوب الله عليه))، أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وللترمذيّ نحوه من حديث أبي هريرة ظته، وصححه الحاكم أيضاً، وعند أبي داود من حديث بريدة قال: ((كنا أصحاب رسول الله وسلم نتحدث أن ماعزاً، والغامدية لو رجعا لم يطلبهما))، وعند المالكية في المشهور، لا يُتْرَك إذا هَرَبَ، وقيل: يشترط أن يؤخذ على الفور، فإن لم يؤخذ تُرِك، وعن ابن عيينة: إن أُخذ في الحال كمل عليه الحدّ، وإن أُخذ بعد أيام تُرِك، وعن أشهب: إن ذَكَر عذراً يُقبل تُرك، وإلا فلا، ونقله القعنبي عن مالك، وحكى الكجي عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة، ومنهم من قيّده بما بعدَ إقراره عند الحاكم، واحتجوا بأن الذين رجموه حتى مات بعد أن هَرَب لم يُلْزَموا بديته، فلو شُرع تَرْكه لوجبت عليهم الدية. والجواب أنه لم يُصَرّح بالرجوع، ولم يقل أحد: إن حد الرجم يسقط بمجرد الهرب، وقد عَبَّر في حديث بُريدة بقوله: ((لعله يتوب)). ١٩ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على الاكتفاء بالرجم في حدّ من أُحصن من غير جَلْد، وقد تقدم البحث فيه. ٤٦٧ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٢) ٢٠ - (ومنها): أن المصلَّى إذا لم يكن وقفاً لا يثبت له حكم المسجد. ٢١ - (ومنها): أن المرجوم في الحدّ لا تُشرع الصلاة عليه إذا مات بالحدّ، وقد استوفيت البحث فيه في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد(١)، وبالله تعالى التوفيق. ٢٢ - (ومنها): أن من وُجد منه ريح الخمر وجب عليه الحد من جهة استنكاه ماعز بعد أن قال له: ((أشربت خمراً؟))، قال القرطبيّ: وهو قول مالك، والشافعيّ، كذا قال. ٢٣ - (ومنها) ما قال المازريّ: استَدَلّ به بعضهم على أن طلاق السكران لا يقع. وتعقبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحدّ به أنه لا يقع طلاقه؛ لوجود تهمته على ما يظهره من عدم العقل، قال: ولم يُختلف في غير الطافح(٢) أن طلاقه لازم، قال: ومذهبنا التزامه بجميع أحكام الصحيح؛ لأنه أدخل ذلك على نفسه، وهو حقيقة مذهب الشافعيّ، واستثنى من أُكره، ومن شرب ما ظَنّ أنه غير مُسْكِر، ووافقه بعض متأخري المالكية، وقال النوويّ: الصحيح عندنا صحة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له وعليه، قال: والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكراناً لم يُقَم عليه الحد، كذا أَظْلَق، فأُلزم التناقض، وليس كذلك، فإن مراده: لم يُقَم عليه الحد؛ لوجود الشبهة كما تقدم من كلام عیاض. ومن المذاهب الظريفة فيه قول الليث: يُعْمَل بأفعاله، ولا يُعْمَل بأقواله؛ لأنه يلتذ بفعله، ويَشفِي غيظه، ولا يفقه أكثر ما يقول، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ شُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ذكر هذا كلّه في ((الفتح))(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٢٣٦/١٩ - ٢٣٧. (٢) يقال: سكران طافح؛ أي: ملأه الشراب. (٣) ((الفتح)) ٦١٣/١٥ - ٦١٨، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨١٤). ٤٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود [٤٤١٣] ( ... ) - (قَالَ مُسْلِمٌ (١): وَرَوَاهُ اللَّيْثُ أَيْضاً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ) ويقال: اسم جدّه ثابت بن مسافر، ويقال غير ذلك، أبو خالد، ويقال: أبو الوليد الْفَهميّ، أمير مصر، صدوقٌ [٧]. رَوَى عن الزهريّ، وروى عنه الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب المصريّ. قال ابن معين: كان على مصر، وكان عنده عن الزهريّ كتاب فيه مائتا حديث، أو ثلاث مائة، كان الليث يحدّث بها عنه، وكان جدّه شَهِد فتح بيت المقدس مع عمر، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال العجليّ: مصريّ ثقة، وقال الذهليّ: ثبت، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال الساجيّ: هو عندهم من أهل الصدق، وله مناكير، وقرنه النسائيّ في طبقات أصحاب الزهريّ بابن أبي ذئب وغيره، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن يونس: كانت ولايته على مصر سنة (١١٨)، وعُزل سنة (١٩) وكان ثبتاً في الحديث، يقال: توفي سنة سبع وعشرين ومائة، وجزم القرّاب، وابن حبان بوفاته سنة سبع. استشهد به مسلم في حديث واحد: ((أرأيتم ليلتكم هذه)). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٦٩١) تعليقاً، واستشهد به في حديث (٢٥٣٧): ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ... )) الحديث. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. [تنبيه]: هكذا أورد المصنّف تََّثُ هذا الإسناد معلّقاً، وأحاله على ما قبله، وقد وصله البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه))، وساقه تماماً، فقال: (١) قوله: ((قال مسلم)) زاده في النسخة الهنديّة، ومسلم هو صاحب الكتاب، فتنبّه. ٤٦٩ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٣) (٦٤٣٩) - حدّثنا سعيد بن عُفير، قال: حدّثني الليث، حدّثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، وأبي سلمة، أن أبا هريرة قال: أَتَّى رسول الله وَّه رجل من الناس، وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله، إني زنيت - يريد نفسه - فأعرض عنه النبيّ وَّز، فتنحى لشقّ وجهه الذي أعرض قِبَلَهُ، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشقّ وجه النبيّ وَ ﴿ الذي أعرض عنه، فلما شَهِد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبيّ وَل﴿، فقال: ((أبك جنون؟)) قال: لا يا رسول الله، فقال: ((أَحْصَنْتَ؟)) قال: نعم يا رسول الله، قال: ((اذهبوا به، فارجموه))، قال ابن شهاب: أخبرني من سمع جابراً قال: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ، حتى أدركناه بالحرّة، فرجمناه)). انتهى. وقوله: ((جَمَز)) بالجيم، من باب ضرب: عدا، وأسرع، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قال الحافظ الرشيد العطار تَّلُهُ في كتابه ((غرر الفوائد المجموعة)): أخرج مسلم في ((كتاب الحدود))، حديث الليث بن سعد مقطوعاً، عن عبد الرحمن بن خالد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة كليهما عن أبي هريرة، أنه قال: أَتَى رجل من المسلمين رسول الله وَّـ، وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأعرض عنه ... الحدیث. قال ابن شهاب: أخبرني من سمع جابراً قال: فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ حتى أدركناه بالحرّة فرجمناه. هكذا أورده البخاريّ في باب سؤال الإمام المُقِرَّ: هل أَحْصَنتَ؟ فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر - والحمد لله -. والرجل المرجوم المبهم اسمه في هذا الحديث هو ماعز بن مالك الأسلميّ، وقد جاء مسمى هكذا في ((الصحيح)) من حديث أبي سعيد الخدريّ، وبُريدة بن الْحُصيب، وغيرهما، وذكر بعض العلماء أنه لا خلاف بين أصحاب الحديث في ذلك. وقيل: إن ماعزاً لقب له، واسمه عريب بن مالك، حكى ذلك الحافظ ٤٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود أبو القاسم خلف بن عبد الملك القرطبي، وعزاه إلى الحافظين أبي عليّ بن السكن، وأبي الوليد ابن الفرضيّ، والله أعلم. وفي ((سنن أبي داود)): أن ماعزاً كان يتيماً في حِجر هزال الأسلمي، وأنه الذي عنى النبيّ وَّ بقوله لهزال: ((يا هزال لو سترته بردائك كان خيراً لك)». وقول الزهري: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول: فكنت فيمن رجمه، يدخل في باب المقطوع على مذهب من يرى ذلك كما تقدم بيانه، ويَحْتَمِل(١) أن يكون المخبر للزهري هو أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ لأن مسلماً أخرج بعد حديث عُقيل عن الزهري الذي ذكرناه أوّلاً حديث يونس ومعمر وغيرهما عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبيّ وَّ، وقال: نحو حديث عُقيل عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة عن أبي هريرة، والله دَّق أعلم. وقوله: ((أذلقته الحجارة))؛ يعني: بلغت به الجهد، ومعناه: أوجعته وأوهنته، وقيل: أصابته بحدّها فعَقَرته، ومعنى الجميع متقارب، وقوله: (جَمَزَ)»: معناه: أسرع يُهروِل، والْجَمَزى: ضرب من السير؛ كأنه قَفَز، ويقال: جَمَز وأجمز، والله الموفق. انتهى كلام الرشيد العطّار ◌َظَُّ(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال: [٤٤١٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا(٣) أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ أَيْضاً، وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعاً: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، كَمَا ذَكَرَ عُقَيْلٌ). (١) هذا الاحتمال هو الصواب، وأما الأول، فغير صحيح، وقد أوضحت ذلك فيما سبق قريباً من هذا الشرح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (٢) ((غرر الفوائد المجموعة)) ١٩/١ - ٢١. (٣) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٤٧١ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا - حديث رقم (٤٤١٤) رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) تقدم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الحمصيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب بن أبي حمزة مناولة [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. و ((الزهريّ)) ذُكر قبله. وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعاً) الضمير لعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وشعيب بن أبي حمزة. [تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ هذه، ساقها أبو عوانة تَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٦٢٦٢) - حدّثنا محمد بن يحيى، قثنا أبو اليمان، قئنا شعيب، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: أَتَى رجل من أسْلَمَ النبيَّ بَّ، وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إن الآخر زنا - يعني: نفسه - فأعرض عنه النبيّ وَّة، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قِبَلَهُ، فقال: يا رسول الله، إن الآخر قد زنا، فأعرض عنه النبيّ وَّ، فتنحى لِشقّ وجهه الذي أعرض من قِبَلِهِ، فقال: يا رسول الله، إن الآخر زنا، فأعرض عنه رسول الله وَيّر، فتنحى إلى الرابعة، فلمّا شَهِد على نفسه أربع مرات، دعاه رسول الله وَ﴾، فقال: ((هل بك جنون؟)) فقال: لا، فقال النبيّ وَّل: ((اذهبوا به، فارجموه))، وكان قد أَخْصَنَ. قال الزهريّ: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمدينة بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ، حتى أدركناه بالحرّة، فرجمناه حتى مات. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. (١) ((مسند أبي عوانة)) ١٢٤/٤. ٤٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤١٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْج، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النبيّ وَّهِ نَخْوَ رِوَايَةٍ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي. وقوله: (كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ)؛ يعني: كلّ هؤلاء الثلاثة، وهم: يونس بن یزید الأيليّ، ومعمر بن راشد، وابن جريج. [تنبيه]: رواية يونس، عن الزهريّ، ساقها أبو عوانة تَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٦٢٦٤) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، أن رجلاً من أسلم، أتى رسول الله صلي، وهو في المسجد، فناداه، فحدثه أنه زنا، فأعرض عنه رسول الله وَله، فتنحى لشقه الذي أعرض قِبَلَه، فأخبره بأنه زنا، وشَهِد على نفسه أربع مرات، فدعاه رسول الله وَالت، فقال: ((هل بك جنون؟)) قال: لا، قال: ((فهل أَحْصَنت؟)) قال: نعم، فَأَمَر به رسول الله وَ﴿ أن يُرْجَم بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ، حتى أُدْرِكَ بالحرّة، فَقُتِل بها رَجْماً. انتهى(١). (١) ((مسند أبي عوانة)) ١٢٥/٤. ٤٧٣ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٥) وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فساقها البخاريّ تَّتُ في ((صحيحه))، فقال : (٦٤٣٤) - حدّثني محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر، أن رجلاً من أسلم، جاء النبيّ وَّ، فاعتَرَف بالزنا، فَأَعْرض عنه النبيّ وَّرِ حتى شَهِد على نفسه أربع مرات، قال له النبيّ وَّهِ: ((أبك جنون؟)) قال: لا، قال: ((أَحْصَنتَ؟)) قال: نعم، فَأَمَر به، فرُجِم بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة فَرّ، فَأُدْرِك، فرُجِم حتى مات، فقال له النبيّ وَّه خيراً، وصلَّى عليه، لم يقل يونس، وابن جريج، عن الزهريّ: فصلى عليه، سئل أبو عبد الله، هل قوله: فصلى عليه يصح أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: رواه غير معمر؟ قال: لا. انتهى. وقوله: ((فقال له النبيّ وَل﴿ خيراً))؛ أي: ذَكَره بجميل، ووقع في حديث أبي سعيد الآتي: ((فما استغفر له، ولا سبَّه))، وفي حديث بريدة الآتي أيضاً: (فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، فَلَبِثوا ثلاثاً، ثم جاء رسول الله وَّهِ، فقال: استغفروا لماعز بن مالك))، وفي حديث بريدة أيضاً: (لقد تاب توبةً، لو قُسمت على أُمَّة لَوَسِعتهم))، وفي حديث أبي هريرة عند النسائيّ: ((لقد رأيته بين أنهار الجنة ينغمس))، وفي حديث جابر عند أبي عوانة: ((فقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة))، وفي حديث اللجلاج عند أبي داود، والنسائيّ: ((ولا تقل له: خبيث، لَهُو عند الله أطيب من ريح المسك))، وفي حديث أبي الفيل عند الترمذيّ: ((لا تشتمه))، وفي حديث أبي ذرّ عند أحمد: ((قد غُفِر له، وأُدخل الجنة))، ذكره في ((الفتح))(١) . وقوله: ((وصلى عليه)): قال في ((الفتح)): هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، وخالفه محمد بن يحيى الذّهليّ، وجماعة، عن عبد الرزاق، فقالوا في آخره: ((ولم يصلِّ عليه)). (١) ((الفتح)) ٦٢٢/١٥ - ٦٢٣، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٢٠). : ٠ ٤٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود قال المنذريّ في ((حاشية السنن)): رواه ثمانية أنفس عن عبد الرزاق، فلم يذكروا قوله: ((وصلى عليه)). قال الحافظ: قد أخرجه أحمد في ((مسنده)) عن عبد الرزاق، ومسلم عن إسحاق بن راهويه، وأبو داود، عن محمد بن المتوكل العسقلانيّ، وابن حبان من طريقه، زاد أبو داود: والحسن بن عليّ الخلال، والترمذيّ عن الحسن بن عليّ المذكور، والنسائيّ، وابن الجارود، عن محمد بن يحيى الذَّهليّ، زاد النسائيّ: ومحمد بن رافع، ونوح بن حبيب، والإسماعيليّ، والدارقطنيّ من طريق أحمد بن منصور الرماديّ، زاد الإسماعيليّ: ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وأخرجه أبو عوانة عن الدَّبَريّ، ومحمد بن سهل الصغاني، فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس، خالفوا محموداً، منهم من سكت عن الزيادة، ومنهم من صرّح بنفيها. انتهى. وقوله: ((سئل أبو عبد الله، هل قوله: فصلى عليه، يصح أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا)). قال الحافظ تَخَّثُ: وقع هذا الكلام في رواية المستملي وحده، عن الفربريّ، وأبو عبد الله هو البخاريّ، وقد اعتُرِض عليه في جزمه بأن معمراً روى هذه الزيادة، مع أن المنفرد بها إنما هو محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، وقد خالفه العدد الكثير من الحفاظ، فصرّحوا بأنه لم يصلّ عليه، لكن ظهر لي أن البخاريّ قَوِيت عنده رواية محمود بالشواهد، فقد أخرج عبد الرزاق أيضاً، وهو في ((السنن)) لأبي قُرّة من وجه آخر، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف في قصة ماعز، قال: ((فقيل: يا رسول الله أتصلي عليه؟ قال: لا، قال: فلما كان من الغد قال: صلوا على صاحبكم، فصلى عليه رسول الله (صل﴿ والناس)). فهذا الخبر يجمع الاختلاف، فتُحْمَل رواية النفي على أنه لم يصلِّ عليه حين رُجِم، ورواية الإثبات على أنه وَّ صلى عليه في اليوم الثاني، وكذا طريق الجمع لِمَا أخرجه أبو داود، عن بريدة، أن النبيّ وَّ لم يأمر بالصلاة على ماعز، ولم ينه عن الصلاة عليه، ويتأيد بما أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة الجهنية التي زَنَت، ورُجِمت أن النبيّ وَّه صلى عليها، فقال له ٤٧٥ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٥) عمر: أتصلي عليها، وقد زنت؟ فقال: ((لقد تابت توبةً، لو قُسمت بين سبعين لوسعتهم». وحكى المنذريّ قول مَن حمل الصلاة في الخبر على الدعاء، ثم قال: في قصة الجهنية دلالة على توهين هذا الاحتمال، قال: وكذا أجاب النوويّ، فقال: إنه فاسد؛ لأن التأويل لا يصار إليه إلا عند الاضطرار إليه، ولا اضطرار هنا . وقال ابن العربيّ: لم يثبت أن النبيّ وَلّ صلى على ماعز، قال: وأجاب من منع عن صلاته على الغامدية؛ لكونها عَرَفت حكم الحدّ، وماعز إنما جاء مستفهماً، قال: وهو جوابٌ واهٍ، وقيل: لأنه قتله غضباً لله، وصلاته رحمة، فتنافيا، قال: وهذا فاسد؛ لأن الغضب انتهى، قال: ومحل الرحمة باق. والجواب المرضي أن الإمام حيث ترك الصلاة على المحدود كان ردعاً لغيره، قال الحافظ: وتمامه أن يقال: وحيث صلى عليه يكون هناك قرينة لا يحتاج معها إلى الردع، فيختلف حينئذ باختلاف الأشخاص. وقد اختَلَف أهل العلم في هذه المسألة، فقال مالك: يأمر الإمام بالرجم، ولا يتولاه بنفسه، ولا يُرفع عنه حتى يموت، ويخلي بينه وبين أهله يغسلونه، ويصلّون عليه، ولا يصلي عليه الإمام ردعاً لأهل المعاصي، إذا عَلِموا أنه ممن لا يصلى عليه، ولئلا يجترئ الناس على مِثل فعله، وعن بعض المالكية: يجوز للإمام أن يصلي عليه، وبه قال الجمهور، والمعروف عن مالك أنه يكره للإمام، وأهل الفضل الصلاة على المرجوم، وهو قول أحمد، وعن الشافعيّ: لا يُكره، وهو قول الجمهور، وعن الزهريّ: لا يصلى على المرجوم، ولا على قاتل نفسه، وعن قتادة: لا يصلى على المولود من الزنا، وأَطلق عياض، فقال: لم يختلف العلماء في الصلاة على أهل الفسق، والمعاصي، والمقتولين في الحدود، وإن كَرِه بعضهم ذلك لأهل الفضل، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة في المحارِبين، وما ذهب إليه الحسن في الميتة من نفاس الزنا، وما ذهب إليه الزهريّ، وقتادة. قال: وحديث الباب في قصة الغامدية حجة للجمهور، والله أعلم. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ٦٢٣/١٥ - ٦٢٤، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٢٠). ٤٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود قال الجامع عفا الله عنه: قد حققت هذه المسألة في ((شرح النسائيّ))، ورجَّحت مذهب الجمهور، فراجعه تستفد(١)، وبالله تعالى التوفيق. وأما رواية ابن جُريج، عن الزهريّ، فساقها أبو عوانة تَّتُ في ((مسنده))، فقال : (٦٢٦٦) - حدّثنا أبو داود الحرانيّ، قثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب (ح) حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، أن رجلاً من أسلم، يقال له: ماعز، أَتَى رسول الله وَلِهِ، فحدثه أنه زنا، وشَهِد أربع مرّات، أو شهادات، فَأَمَر به رسول اللهِ وَّرَ، فرُجِم، وكان قد أَحْصَن، قال عبد الرزاق: زعموا أنه ماعز بن مالك. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخََّفُ أوّل الكتاب قال: [٤٤١٦] (١٦٩٢) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكِ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَى النبيّ وَّهِ رَجُلٌ قَصِيرٌ(٣)، أَعْضَلُ، لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((فَلَعَلَّكَ))، قَالَ: لَا وَاللهِ، إِنَّهُ قَدْ زَنَى الأَخِرُ، قَالَ: فَرَجَمَهُ، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ((أَلَا كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ خَلَفَ أَحَدُهُمْ، لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، يَمْنَحُ أَحَدُهُمُ الْكُثْبَةَ (٤)، أَمَا وَاللهِ إِنْ يُمْكِنِّي(٥) مِنْ أَحَدِهِمْ لأُنْكِّلَنَّهُ عَنْهُ)). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. (١) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٢٣٦/١٩ - ٢٣٧. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ١٢٦/٤. (٣) وفي نسخة: ((وهو رجل قصير)). (٤) وفي نسخة: ((يمنح إحداهنّ الكثبة)). (٥) وفي نسخة: ((إن يُمَكِنِّي)). ٤٧٧ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٦) ٣ - (سِمَاُكُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً. ٤ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة سبعين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وهو (٢٩١) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (حِینَ (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ◌ِ﴿َه أنه (قَالَ: رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكِ) جِيءَ بِهِ إِلَى النبيّ ◌َّ)؛ أي: ليعترف بالزنا، (رَجُلٌ قَصِيرٌ)، وفي بعض النسخ: ((وهو رجل قصير))، فقوله: ((رجل)) على النسخة الأولى خبر لمحذوف؛ أي: وهو رجل، والجملة حاليّة من ((ماعز))، (أَعْضَلُ) بالضاد المعجمة؛ أي: مشتدّ الخَلْق، وفي الرواية التالية: ((أُتي رسول الله وَ ل برجل قصير، أشعث، ذي عَضَلات)) - بفتح المهملة، ثم المعجمة -: ما اجتمع من اللحم في أعلى باطن الساق، وسيأتي شرحه هناك. (لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ)، وفي الرواية التالية: ((عليه إزار)). (فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى)، وفي الرواية التالية: ((فردّه مرّتين))، وفي أخرى: ((فردّه مرّتين، أو ثلاثاً))، وقد تقدّم وجه الجمع قريباً، فلا تغفل. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((فَلَعَلَّكَ))) خبره محذوف؛ أي: لعلّك قبّلت، أو غمزت، أو نحو ذلك، كما صُرّح به في الروايات الأخرى، قال النوويّ ◌َُّهُ : معنى هذا الكلام: الإشارة إلى تلقينه الرجوع عن الإقرار بالزنى، واعتذاره بشبهة يتعلق بها، كما جاء في الرواية الأخرى: ((لعلك قَبَّلت، أو غَمَزت))، فاقتصر في هذه الرواية على (لعلك))؛ اختصاراً، وتنبيهاً، واكتفاءً بدلالة الكلام والحال على المحذوف؛ أي: لعلك قَبَّلت، أو نحو ذلك، ففيه استحباب تلقين المُقِرّ بحدّ الزنى، والسرقة، وغيرهما من حدود الله تعالى، وأنه يُقبل رجوعه عن ذلك؛ لأن الحدود مبنية على المساهلة والدرء، بخلاف حقوق الآدميين، وحقوق الله تعالى المالية؛ كالزكاة، والكفارة، وغيرهما، لا يجوز التلقين فيها، ولو رَجَع لم يُقبل رجوعه، وقد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبيّ وَّر، ٤٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود وعن الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: فيه من الفقه جواز تلقين الإمام للمقرِّ ما يدرأ عنه الحدّ، وقد رُوي ذلك عن رسول الله وَلجر، وأئمة العلماء، وروي عنه وَلَّ أنَّه قال السارقٍ: ((ما أخالُك سَرَقْتَ))(٢)، وروي عن أبي بكر، وعمر، وأبي الدرداء قالوا لسارقٍ: ((أسرقتَ؟ قُل: لا))، وعن عمر: ما أَرَى يد سارقٍ، وعن ابن مسعود: لعلك وجدته، وعن عليٍّ ◌َ﴿به وقال لِحُبْلَى: لعلَّكِ اسْتُكْرِهْتِ، لعلَّك وُطِئْتِ نائمةً، وقال للحُبْلى الباكِيَة: إن المرأة قد تُسْتَكْرَه، وقد أجاز ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم. انتهى (٣). البه (لَا)؛ أي: لم أكتف بالتقبيل، أو نحوه (وَاللهِ، إِنَّهُ قَدْ (قَالَ) ماعز زَنَى)؛ أي: بإدخال الذّكر في الفرج الحرام، وقوله: (الأَخِرُ) بهمزة مقصورة، وخاء مكسورة، ومعناه الأرذل، والأبعد، والأدنى، وقيل: اللئيم، وقيل: الشقيّ، وكله متقارب، ومراده نفسه، فحقّرها، وعابها، لا سيما وقد فعل هذه الفاحشة، وقيل: إنها كناية يَكْنِي بها عن نفسه، وعن غيره إذا أَخبر عنه بما يُستقبح (٤). (قَالَ) جابر بن سَمُرَة ◌َُّبِهِ (فَرَجَمَهُ)؛ أي: أمر وَّ برجمه (ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ((أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه، يُلقى بها للمخاطب؛ تنبيهاً له، وإزالة لغفلته، (كُلَّمَا نَفَرْنَا)؛ أي: ذهبنا، قال الفيّوميّ نَّتُهُ: نَفَرَ نَفْراً، من باب ضرب، في اللغة العالية، وبها قرأ السبعة، ونَفَرَ نُفُوراً، من باب قعد لغةٌ، وقُرِئ بمصدرها في قوله تعالى: ﴿إِلَّا نُورًا﴾ [الإسراء: ٤١]، والنَّغِيرُ: مثل النُّفُورِ، والاسم: النَّفَرُ - بفتحتين - ونَفَرَ القومُ: أعرضوا، وصَدُّوا، ونَفَرُوا نَفَراً: تفرقوا، ونَفَرُوا إلى الشيء: أسرعوا إليه، ويقال للقوم النّافرين لحرب، أو غيرها: نَفِيرٌ؛ تسميةً بالمصدر، ونَفَرَ الوحش نُفُوراً، والاسم: النِّفَارُ (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٥/١١. (٢) حديث ضعيف، رواه أحمد، وأبو داود. (٣) ((المفهم)) ٩٥/٥ - ٩٦. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٩٥/١١. ٤٧٩ (٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٦) بالكسر، ويتعدى بالتضعيف، ونَفَرَ الجرح نُفُوراً: وَرِمَ، ونَفَرَ الحاجّ من مِنَّى: دفعوا. انتهى (١)، وقوله: (غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ) منصوب على الحال، (خَلَفَ أَحَدُهُمْ) يقال: خَلَفَ فلاناً على أهله وماله، من باب ◌َعَد: صار خليفته، وخَلَفته: جئتُ بعده، والْخِلْفَةُ بالكسر اسم منه؛ كالقِعْدة لهيئة القُعُود(٢). (لَهُ نَبِيبٌ كَتَبِيبِ التَّيْسِ)؛ أي: له صوت كصوت التيس عند السفاد، يقال: نَبَّ يَنِبّ، من باب ضرب نَبّاً، ونبيباً، ونُباباً بالضمّ، ونَبْنب: صاح عند الْهِيَاج. والتيس: الفحل من الغنم، والمراد أن بعض الناس يظهرون شهوتهم على النساء الْمُغِيبات بعدما خرج رجالهنّ إلى الغزو، ولعل بعض المنافقين كانوا يفعلون ذلك. قال صاحب ((التكملة)): وبهذه الخطبة اغترّ بعض المعاصرين، وقالوا: إن ماعزاً ◌ُّبه كان يفعل ذلك، ولذلك ذكره النبيّ وَّ بعد رجمه، والحقّ أنه ليس في هذه الخطبة ما يدلّ على ذلك، وإنما ذكره النبيّ وَّر بعد رجمه؛ ليعتبر هؤلاء المفسدون بعقوبة ماعز، وينتبهوا بأنه يمكن معاقبتهم أيضاً بمثل هذه العقوبة، وأما ماعز ربه فسيأتي للمصنّف أن أهله شهدوا له بقولهم: ((ما نعلمه إلا وفيّ العقل، من صالحينا))، ولقد شَهِد له النبيّ وَّر بقوله: ((إنه الآن لفي أنهار الجنّة ينغمس))، كما أخرجه أبو داود، فكيف يصحّ فيه أنه كان معتاداً بمثل هذه الفاحشة؟ والعياذ بالله، وأما صدور الإثم فكان اتفاقيّاً، ولم يكن متعوّداً لذلك، كما يدلّ عليه اعترافه، وندمه ظُه. انتهى (٣). (يَمْنَحُ) بفتح الياء والنون؛ أي: يعطي (أَحَدُهُمُ) بالرفع على الفاعليّة، ومفعوله الأول محذوف؛ أي: النساءَ، وفي بعض النسخ: ((يمنح إحداهنّ)»، فيكون ((إحداهنّ)) هو المفعول الأول، وفاعله ضمير ((أحدهم))، (الْكُتْبَةَ) - بضم الكاف وإسكان المثلثة -: القليل من اللبن وغيره، وقيل: هي مثلُ الْجُرعة تبقى في الإناء، وقيل: قدرُ حَلْبة، وقيل: ملء القَدَح من اللبن(٤) . (١) ((المصباح المنير)) ٦١٧/٢. (٣) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٤٤٣/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ١٧٨/١. (٤) ((لسان العرب)) ٧٠٢/١. ٤٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود والمراد: أن ذلك الرجل يُظهر شهوته عند النساء المغيبات، يخدعهنّ بإعطاء كُثبة؛ ليفوز بما يريد منهنّ. (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، مثل ((ألا)) السابقة، (وَاللهِ إِنْ يُمْكِنِّي) بضم أوله، وكسر الكاف، من الإمكان، وفي بعض النسخ: ((إن يُمَكّنِّي)) بفتح الميم، وتشديد الكاف، (مِنْ أَحَدِهِمْ، لأَنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ)))؛ أي: لأجعلّنه نَكَالاً، يقال: نَكَلَ به يَنْكُلُ، من باب قَتَل نُكْلَةً قَبيحةً: أصابه بنازلة، ونَكّل به بالتشديد للمبالغة أيضاً، والاسم: النكال بالفتح(١). والمعنى: إن أعطاني الله تعالى القدرة على أحدهم لأعاقبنّه حتى يصير نكالاً لمن بين يديه، ومن خلفه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﴿ هذا من أفراد المصنّف نَخْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤١٦/٥ و٤٤١٧ و٤٤١٨] (١٦٩٢)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٤٢٢ و٤٤٢٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٧١٨٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٣٣٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠/ ٧٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٠٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٢/٥ - ١٠٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٣١/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤٣٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٧/٤ - ١٢٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٢/٣ - ١٤٣)، و(الطبرانيّ) (٢٢٢/٢ و٢٣٥ و٢٤٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٤٤/١٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٦/٨ - ٢٢٧)، وفوائد الحديث تقدّمت في شرح الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٢٥/٢.