Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(٤) - بَابٌ رَجْمِ الثَّيِّبِ فِي الزِّنَا - حديث رقم (٤٤١٠)
رؤوسهم، فلما سُرِّي عنه رفعوا رؤوسهم، فقال: ((خذوا عني، قد جعل الله
لهن سبيلاً: الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، أما الثيب فيُجْلَد، ثم يُرْجَمُ، وأما
البكر فيُجْلَدُ، ثم يُنْفَى)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٤) - (بَابُ رَجْمِ الثَِّّبِ فِي الزِّنَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٤١٠] (١٦٩١) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُتْبَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى
مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّداً وَهِ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ،
فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ(٢) آيَةُ الرَّجْم، قَرَأْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا، وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ
رَسُولُ اللهِ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَىَ إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا
نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي
كِتَابِ اللهِ حَقٌّ، عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أَحْصَنَ، مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّئَةُ،
أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَو الإِعْتِرَافُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﴿هَا، المتوفّى سنة (٦٨) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٤/٦.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ١٢١/٤.
(٢) وفي نسخة: ((فكان مما أنزل الله عليه)).

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
٣ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل العدويّ، أبو حفص الخليفة الراشد،
استُشهد به في ذي الحجة سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
والباقون تقدّموا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد
الخلفاء الراشدين المهديين، وفيه حَبر الأمة، وبحرها، وفيه عبيد الله أحد
الفقهاء السبعة .
شرح الحديث :
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ،
أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَّ عَبَّاسٍ) ◌َ (يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﴿ه، رواية
المصنّف تَخْذَتُهُ مختصرة، وفي الحديث قصّة طويلة، ساقها البخاريّ تَخّْتُهُ في
(كتاب الحدود)) مطوّلةً، فقال:
(٦٨٣٠) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثني إبراهيم بن سعد، عن
صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن
عباس، قال: ((كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف،
فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب، في آخر حَجة حَجَّها، إذ
رجع إليّ عبد الرحمن، فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال:
يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان(١)؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت
فلاناً (٢)، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فَلْتَةً(٣)، فتَمَّتْ، فَغَضِب عمر، ثم
قال: إني إن شاء الله لقائم العشيةَ في الناس، فمحَذّرهم هؤلاء الذين يريدون
أن يَغْصِبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل،
فإن الموسِمَ يجمع رَعَاعَ الناس(٤)، وغَوْغَاءهم(٥)، فإنهم هم الذين يغلبون على
(٢) هو طلحة بن عبيد الله.
(١) لم يُعرف.
(٣) أي: فجأةً.
(٤) الرَّعاع: بفتح الراء: الجهلة الرذلاء، وقيل: الشباب منهم.
(٥) ((الغوغاء)): السفلة المتسرعون إلى الشر، وهو في الأصل: صغار الجراد حين يبدأ بالطيران.

٤٤٣
(٤) - بَابٌ رَجْمِ الثِّّبِ فِي الزِّنَا - حديث رقم (٤٤١٠)
قربك، حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم، فتقول مقالةً، يُطِيرها عنك
كلُّ مُطِير(١)، وأن لا يَعُوها، وأن لا يَضَعُوها على مواضعها، فَأَمْهِلْ حتى تَقْدَم
المدينة، فإنها دار الهجرة، والسُّنَّة، فَتَخْلُصَ بأهل الفقه، وأشراف الناس،
فتقول ما قلت، متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك، ويَضَعُونها على مواضعها،
فقال عمر: والله - إن شاء الله - لأقومنّ بذلك أوّل مقام أقومه بالمدينة، قال
ابن عباس: فقَدِمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة، عَجَّلت
الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجدَ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل جالساً
إلى ركن المنبر، فجلست حوله، تَمَسّ ركبتي ركبته، فلم أَنْشَب أن خرج عمر بن
الخطاب، فلمّا رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولنّ العشيةَ
مقالةً لم يقلها منذ استُخْلِف، فأنكر عليّ، وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل
قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما
هو أهله، ثم قال: أما بعد فإني قائل لكم مقالةً قد قُدِّرَ لي أن أقولها، لا أدري
لعلها بين يدي أجلي، فمن عَقَلها، ووعاها، فليُحَدِّث بها، حيث انتهت به
راحلته، ومن خَشِي أن لا يعقلها، فلا أُحِلّ لأحد أن يكذب عليّ، إن الله بعث
محمداً ﴿﴿ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم،
فقرأناها، وعَقَلْناها، ووعيناها، رجم رسول الله وَّر، ورجمنا بعده، فأخشى إن
طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيَضِلُّوا
بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حقّ على من زنى، إذا أُحصن من
الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحَبَل، أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ
فيما نقرأ من كتاب الله: أنْ لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كُفْر بكم أن ترغبوا عن
آبائكم، أو إنَّ كفراً بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم، ألا ثُمَّ إن رسول الله وَّه قال:
((لا تُطروني كما أُطرِيَ عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله))، ثم إنه
بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترنّ امرؤ
أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَةً، وتَمَّتْ، ألا وإنها قد كانت كذلك،
ولكن الله وَقَى شرها، وليس فيكم من تُقْطَع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع
(١) أي: يحملونها على غير وجهها.
٣٠٠

٤٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
رجلاً من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايَع هو، ولا الذي بايعه تَغِرّةً أن
يُقْتَلا (١)، وإنه قد كان من خبرِنا حين توفى الله نبيه و لو أن الأنصار خالفونا،
واجتمعوا بأسْرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا عليّ، والزبير، ومن
معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق
بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلمّا دنونا منهم لقينا
منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا
معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم
أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا، حتى أتيناهم
في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزَمَّلٌ بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟
فقالوا: هذا سعد بن عُبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يُوعَك، فلما جلسنا قليلاً
تشهّد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن
أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دَفَّت دافّة من
قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يَحضُنونا من الأمر،
فلما سكتَ أردتُ أن أتكلم، وكنت قد زَوَّرت مقالةً أعجبتني، أردت أن
أقدِّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحدّ، فلما أردت أن
أتكلم، قال أبو بكر: على رِسْلك، فكرهت أن أُغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان
هو أحلم مني، وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال
في بديهته مثلها، أو أفضل منها، حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من
خير، فأنتم له أهل، ولن يُعْرَف هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، هم
أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما
شئتم، فأخذ بيدي، وبيد أبي عبيدة بن الجرّاح، وهو جالس بيننا، فلم أكره
مما قال غيرها، كان والله أن أُقَدَّم، فتُضرب عنقي، لا يقرّبني ذلك من إثم
أحب إلي من أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تُسَوِّل لي نفسي
عند الموت شيئاً لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جُذَيلها
(١) أي: حذراً من القتل.

٤٤٥
(٤) - بَابٌ رَجْمِ الثَِِّّ فِي الزّنَا - حديث رقم (٤٤١٠)
الْمُحَكَّك، وعُذَيقها الْمُرَجَّب(١)، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش، فكَثُر
اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فَرِقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا
أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزونا(٢)
على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله
سعد بن عبادة (٣)، قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من
مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم
بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم، فيكون فساد، فمن بايع
رجلاً على غير مشورة من المسلمين، فلا يبايَع هو، ولا الذي بايعه تَغِرّةً أن
يُقْتَلا. انتهى.
(وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِوَّهِ: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدَاً وَلَهِ بِالْحَقِّ)
قال الطيبيّ تَخُّْ: قَدَّم عمر ◌ُه هذا الكلام قبل ما أراد أن يقوله؛ توطئةً له؛
ليتيقظ السامع لِمَا يقول، (وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْه)، وفي
بعض النُّسخ: ((فكان مما أنزل الله عليه))، (آيَةُ الرَّجْم) قال الطيبيّ: ((آيةُ الرجم)»
بالرفع اسم ((كان))، وخبرها ((من)) التبعيضية في قوله: ((مما أنزل الله))، ففيه
تقديم الخبر على الاسم، وهو كثير. (قَرَأْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا، وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ
رَسُولُ اللهِ ﴿، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى)، وفي رواية معمر: ((وإني أخافٍ))، (إِنْ
طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ
فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ)؛ أي: في الآية المذكورة التي نُسِخت تلاوتها، وبقي
(١) (جُذيلها المحكك) أصله عود ينصب في العطن لتحتكّ به الإبل الجربى؛ أي: أنا
ممن يُستشفى برأيه، كما تستشفي الإبل الجربى بالاحتكاك به.
(عُذيقها المرجب) هو: القنو العظيم من النخيل. والقنو: الغصن، والمراد أنه
داهية عالم في الأمور.
(٢) (نزونا) وثبنا عليه. (قتلتم سعد بن عبادة) خذلتموه وأعرضتم عنه، واحتسبتموه في
عداد القتلى.
(٣) (قتل الله سعد بن عبادة) القائل هو عمر ظه، والمعنى: إن الله تعالى هو الذي
قدّر خذلانه وعدم صيرورته خليفة، أو هو دعاء عليه؛ لأن موقفه كان ربما أحدث
فرقة في المسلمين.

٤٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
حكمها، وقد وقع ما خشيه عمر ريبه أيضاً، فأنكر الرجم طائفة من الخوارج،
أو معظمهم، وبعض المعتزلة، ويَحْتَمِل أن يكون استند في ذلك إلى توقيف.
وقد أخرج عبد الرزاق، والطبريّ من وجه آخر، عن ابن عباس: أن عمر
قال: سيجيء قوم يكذُّبون بالرجم ... الحديث.
ووقع في رواية سعد بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في
حديث عمر، عند النسائيّ: وأن ناساً يقولون: ما بال الرجم؟ وإنما في
كتاب الله الجلد، ألا قد رَجَمَ رسول الله وَّر. وفيه إشارة إلى أن عمر استحضر
أن ناساً قالوا ذلك، فردّ عليهم.
وفي ((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن عمر:
((إياكم أن تَهلِكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا أجد حدّين في كتاب الله،
فقد رُچِم))(١) .
(وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ
سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، فَبَيَّن النبيّ وَّر أن المراد به رجم الثيب، وجلد البكر،
قاله في ((الفتح))(٢).
وقال القرطبيّ تَُّ: قوله: ((فإن الرَّجم في كتاب الله))؛ أي: في حكم الله
الذي كان نزل في الكتاب، وكان فيه ثابتاً قبل نسخه، كما قدَّمناه، وقد نصَّ
على هذا المعنى فيما ذكره عنه مالك في ((الموطأ))؛ فقال: لولا أن يقول
الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبته بيدي: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا
فارجموهما البتة))، وهذا من قوله يدلّ على أن الكتاب قد أُحكمت آياته،
وانحصرت حروفه، وكلماته، فلا يقبل الزيادة ولا النقصان. انتهى (٣).
وقوله: (حَقٌّ)؛ أي: ثابتٌ يُعمَل به إلى يوم القيامة.
(عَلَى مَنْ زَنَى) متعلّق بـ«حقّ))، (إِذَا أَحْصَنَ) بالبناء للفاعل؛ أي: كان
بالغاً عاقلاً، قد تزوج حرّةً تزويجاً صحيحاً، وجامَعها، وقال الفيّوميّ دَّتُهُ:
وأَخْصَنَ الرجل بالألف: تزوَّج، والفقهاء يزيدون على هذا: وَطِئ في نكاح
(١) ((الفتح)) ٦٥١/١٥.
(٣) ((المفهم)) ٨٦/٥.
(٢) ((الفتح)) ٦٥١/١٥.

٤٤٧
(٤) - بَابٌ رَجْمِ الثَّيِّبِ فِي الزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٠)
صحيح، قال الشافعيّ: إذا أصاب الحرّ البالغ امرأته، أو أصيبت الحرّة البالغة
بنكاح، فهو إِحْصَانٌ في الإسلام، والشرك، والمراد في نكاح صحيح، واسم
الفاعل من أَحْصَنَ إذا تزوج: مُحْصِنٌ بالكسر على القياس، قاله ابن القطاع،
ومُحْصَنٌ بالفتح على غير قياس، والمرأة مُحْصَنَةٌ بالفتح أيضاً، على غير قياس،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ اُلْنِسَآءِ﴾ [النساء: ٢٤]؛ أي: ويحرم عليكم
المتزوجات، وأما أَحْصَنَتِ المرأة فرجها: إذا عَفَّتْ، فهي مُحْصِنَةٌ بالفتح
والكسر أيضاً، وقرئ بذلك في السبعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنَكُمْ
طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٢٥] المراد: الحرائر العفيفات،
وقوله: ﴿وَالمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:
٥] المراد: الحرائر أيضاً. انتهى(١).
وقوله: (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) بيان لـ ((من زَنَى))، قال القرطبيّ تَظْتُ: هذا
مجمَع عليه؛ إذ لم يُسْمَع بمن فرَّق فيه بين الرجال والنساء، وقد رجم
رسول الله وَ لجر ماعزاً والغامدية ﴿ها على ما يأتي. انتهى(٢).
(إِذَا قَامَتِ الْبَيِّئَةُ)؛ أي: بشرطها، قاله في ((الفتح))، وقال القرطبيّ تَظْتُهُ:
يعني بالبينة: الأربعةَ الشهداء العدول، المؤدِّين للشهادة في فَوْرٍ واحد، الذين
يَصفُون رؤية فرجه في فرجها؛ كالْمِرُّود في المكحلة، المقيمين على شهادتهم
إلى أن يقام الحدّ، على ما يُعرَف في كتب الفقه. انتهى (٣).
(أَوْ كَانَ الْحَبَلُ) - بفتح المهملة، والموحدة - في رواية معمر: (الْحَمْلُ))؛
أي: وُجدت المرأة الخليّة من زوج، أو سيّد حبلى، ولم تَذكر شبهة، ولا
إكراهاً .
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((الْحَبَلُ))؛ يعني به: أن يَظهر بامرأة لا زوج
لها، ولا سيِّد، وكانت غير طارِئةٍ(٤): حَبَلٌ، ولم يظهر ما يدلُّ على الإكراه مثل
(١) (المصباح المنير)) ١٣٩/١.
(٢) ((المفهم)) ٨٦/٥.
(٣) ((المفهم)) ٨٦/٥.
(٤) أي: غريبة، يقال للغرباء: الظُّرّاءُ، وهم الذين يأتون من مكان بعيد، قاله في
((اللسان)).

٤٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
أن تتعلق به، وتفضح نفسها، وهي تُدْمَى، فأما لو لم يكن إلا قولها: إنها
أُكرهت، ولم يظهر ما يدلّ على الإكراه، فإنَّها لا يَدْفَع الحدّ عنها مجرَّدُ قولِها،
ولا يكون قولها شبهة عندنا - يعني: المالكيّة - وهو شبهة عند أبي حنيفة يدْرأ
بها الحدّ، وبه قال ابن المنذر، والكوفيون، والشافعيّ، قالوا: إذا وُجدت
المرأة حاملاً فلا حدّ عليها إلا أن تُقِرَّ بالزنى، أو تقوم عليها بيِّنة، ولم يفرِّقوا
بين الطارئة وغيرها، ويرُدّ عليهم قول عمر ◌َُّه: ((أو الْحَبَل)) بحضرة
الصحابة ﴿ه، ولا منكِر، وأيضاً: فمثل هذا لا يقوله عمر ظلاله عن اجتهاد،
إنَّما يقوله عن النبيّ وَِّ، لم يصرَّح بالرفع، ولا يضرُّنا ذلك، ولو سلَّمنا: أنَّه
قاله عن اجتهاد فاجتهاده راجحٌ على اجتهاد غيره؛ لشهادة النبيّ ◌َ ﴿ بأن الله
تعالى جعل الحق على لسانه وقلبه، وسيأتي الكلام في الاعتراف، إن شاء الله
تعالى. انتهى كلام القرطبيّ(١)، وفي بعض ما قاله نظر لا يخفى، والله تعالى
أعلم.
(أَو الإِعْتِرَافُ)؛ أي: الإقرار بالزنا، والاستمرار عليه، وفي رواية
سفيان: ((أو كان حَمْلاً، أو اعترافاً))، بالنصب على نزع الخافض؛ أي: كان
الزنا عن حمل، أو عن اعتراف، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤١٠/٤ و٤٤١١] (١٦٩١)، و(البخاريّ) في
((الحدود)) (٦٨٢٩ و٦٨٣٠)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٤١٨)، و(الترمذيّ)
في ((الحدود)) (١٤٣٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٣/٤ - ٢٧٤)، و(مالك)
في ((الموطأ)) (٨٢٣/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٣٣٢٩)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٧٥/١٠ -٧٦ و٥٦٣/١٤ - ٥٦٤)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١) ((المفهم)) ٨٦/٥ - ٨٧.
(٢) ((الفتح)) ٦٥١/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٣٠).

٤٤٩
(٤) - بَابٌ رَجْمِ الثَِّبِ فِي الزِّنَا - حديث رقم (٤٤١٠)
(٥٥/١)، و(الدارميّ) في «سننه)) (٢٣٤/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤١٣
و٤١٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٠/٨ و٢١٢ و٢٣٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائدة:
١ - (منها): بيان وجوب الرجم على الزاني المحصن.
٢ - (ومنها): بيان أن بعض القرآن يُنسخ لفظه، ويبقى حكمه، ومن ذلك
آية الرجم: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة))، فهذا مما نُسِخ لفظه،
وبقي حكمه، قال النوويّ تَظّتُهُ: وقد وقع نسخ الحكم دون اللفظ، وقد وقع
نَسخهما جميعاً، فما نُسخ لفظه ليس له حكم القرآن في تحريمه على الجُنُب،
: كتابة هذه الآية دلالة ظاهرة أن المنسوخ
ونحو ذلك، وفي ترك الصحابة
لا يُكتب في المصحف، وفي إعلان عمر بالرجم، وهو على المنبر، وسكوت
الصحابة وغيرهم من الحاضرين عن مخالفته بالإنكار دليل على ثبوت الرجم،
وقد يُستَدَلّ به على أنه لا يُجدد مع الرجم، وقد تُمنَع دلالته؛ لأنه لم يتعرض
للجلد، وقد ثبت في القرآن والسُّنَّة. انتهى(١).
وقال القرطبيّ ◌َُّ: هذا نصٌّ من عمر ◌َبه على أنَّ هذا كان قرآناً يُتلى،
وفي آخره ما يدلُّ على أنَّه نُسخَ كُونُها من القرآن، وبقي حُكْمُها معمولاً به،
وهو الرَّجم. وقال ذلك عمر بمحضرٍ الصحابة ﴿ه، وفي مَعْدن الوحي،
وشاعت هذه الخطبة في المسلمين، وتناقلها الرُّكبان، ولم يُسْمَع في الصحابة
ولا فيمن بعدهم من أنكر شيئاً مِمَّا قاله عمر، ولا راجعه في حياته ولا بعد
موته، فكان ذلك إجماعاً منهم على صحة هذا النوع من النسخ، وهو نسخ
التلاوة مع بقاء الحكم، ولا يُلتَفَت لخلاف من تأخر زمانه، وقَلَّ علمه في
ذلك، وقد بيَّنا في الأصول: أن النسخ على ثلاثة أضرب: نسخ التلاوة، ونسخ
الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َُّ(٢).
٣ - (ومنها): أن فيه منقبة لعمر له، فإن هذا الذي توقعه قد وقع بعده
للخوارج، والنّظَّام؛ فإنَّهم أنْكَرُوا الرَّجم، فهم ضالّون بشهادة عمر ﴿ه، وهذا
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩١/١١.
(٢) ((المفهم)) ٨٥/٥.

٤٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
من الحقّ الذي جعل الله تعالى على لسان عمر وقلبه ﴿به، ومما يدلُّ على أنَّه
كان محدِّثاً بكثير مما غاب عنه، كما شهد له بذلك رسول الله وَ له. قاله
القرطبيّ ◌َخَذْهُ(١).
وقال النوويّ تَخْتُ: هذا الذي خشيه عمر ته قد وقع من الخوارج،
ومن وافقهم، كما سبق بيانه، وهذا من كرامات عمر حُه، ويَحْتَمِل أنه عَلِمَ
ذلك من جهة النبيّ بَطِّ. انتهى(٢).
٤ - (ومنها): أن فيه أن المرأة إذا وُجِدت حاملاً، ولا زوج لها، ولا
سيّد وجب عليها الحدّ، إلا أن تقيم بيّنة على الحمل، أو الاستكراه.
وقال ابن العربيّ: إقامة الحمل عليه إذا ظهر وَلَدٌ لم يسبقه سبب جائز
يُعْلَم قطعاً أنه من حرام، ويسمى قياسَ الدلالة؛ كالدخان على النار، ويَعْكُر
عليه احتمال أن يكون الوطء من شبهة.
وقال ابن القاسم: إن ادّعت الاستكراه، وكانت غريبة، فلا حدّ عليها،
وقال الشافعيّ، والكوفيون: لا حدّ عليها إلا ببينة، أو إقرار.
وحجة مالك قول عمر في خطبته، ولم ينكرها أحد، وكذا لو قامت
القرينة على الإكراه، أو الخطأ .
قال المازريّ: في تصديق المرأة الخليّة إذا ظهر بها حمل، فادعت
الإكراه خلافٌ، هل يكون ذلك شبهةً، أم يجب عليها الحدّ؛ لحديث عمر؟ قال
ابن عبد البرّ: قد جاء عن عمر في عدّة قضايا أنه درأ الحد بدعوى الإكراه
ونحوه، ثم ساق من طريق شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النَّزال بن
سَبْرة قال: ((إِنا لَمَعْ عمر بمنى، فإذا بامرأة حبلى ضخمة تبكي، فسألها،
فقالت: إني ثقيلة الرأس، فقمت بالليل أصلي، ثم نِمت، فما استيقظت إلا
ورجل قد ركبني، ومضى، فما أدري من هو؟ قال: فدرأ عنها الحدّ).
وجَمَع بعضهم بأن من عُرِف منها مخايل الصدق في دعوى الإكراه قُبِل
منها، وأما المعروفة في البلد التي لا تُعْرَف بالدِّين، ولا الصدق، ولا قرينة
(١) ((المفهم)) ٨٥/٥ - ٨٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩١/١١ - ١٩٢.

٤٥١
(٤) - بَابٌ رَجْمِ الثَّيِّبِ فِي الزِّنَا - حديث رقم (٤٤١٠)
معها على الإكراه، فلا، ولا سيما إن كانت متهمة، وعلى الثاني يدلّ قوله:
((أو كان الْحَبَل)).
واستَنْبَط منه الباجيّ أن مَن وَطِىء في غير الفرج، فدخل ماؤه فيه،
فادَّعت المرأة أن الولد منه لا يُقبل، ولا يُلْحَق به إذا لم يَعترف به؛ لأنه لو
لَحِق به لَمَا وجب الرجم على حبلى؛ لجواز مثل ذلك، وعَكَسَه غيره، فقال:
هذا يقتضي أن لا يجب على الحبلى بمجرد الحَبَل حدّ؛ لاحتمال مثل هذه
الشبهة، وهو قول الجمهور.
وأجاب الطحاويّ أن المستفاد من قول عمر ظه: الرجم حقّ على من
زنى، أن الْحَبَل إذا كان من زنا وجب فيه الرجم، وهو كذلك، ولكن لا بُدّ من
ثبوت كونه من زنى، ولا تُرجم بمجرد الحبل مع قيام الاحتمال فيه؛ لأن
عمر ظُه لَمّا أُتي بالمرأة الحبلى، وقالوا: إنها زنت، وهي تبكي، فسألها ما
يبكيك؟ فأخبرت أن رجلاً ركبها، وهي نائمةٌ، فدرأ عنها الحدّ بذلك.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلّفه، فإن عمر ظُهُ قابل الْحَبَل بالاعتراف،
وقسيم الشيء لا يكون قِسْمه، وانما اعتمد من لا يرى الحدّ بمجرد الحبل على
قيام الاحتمال بأنه ليس عن زنى محقّق، وأن الحد يُدفَع بالشبهة، والله أعلم.
انتھی(١).
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: أَجْمَعَ العلماء على أن الرجم لا
يكون إلا على من زنى، وهو محصَن، وسبق بيان صفة المحصن.
وأجمعوا على أنه إذا قامت البينة بزناه، وهو محصن يُرجم.
وأجمعوا على أن البينة أربعة شهداء، ذكورٌ عدولٌ، هذا إذا شهدوا على
نفس الزنى، ولا يُقبل دون الأربعة، وإن اختلفوا في صفاتهم.
وأجمعوا على وجوب الرجم على من اعترف بالزنى، وهو محصن،
يصح إقراره بالحدّ، واختلفوا في اشتراط تكرار إقراره أربع مرات، وسنذكره
قريباً - إن شاء الله تعالى -.
وأما الحَبَل وحده: فمذهب عمر بن الخطاب نظُّه وجوب الحدّ به، إذا
(١) ((الفتح)) ١٥/ ٦٦١ - ٦٦٢.

٤٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
لم يكن لها زوج، ولا سيد، وتابعه مالك، وأصحابه، فقالوا: إذا حبلت، ولم
يُعْلَم لها زوج، ولا سيد، ولا عرفنا إكراهها لزمها الحدّ، إلا أن تكون غريبة
طارئة، وتَدَّعي أنه من زوج، أو سيد، قالوا: ولا تُقبل دعواها الإكراه إذا لم
تَقُم بذلك مستغيثةً عند الإكراه، قبل ظهور الحمل.
وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء: لا حدّ عليها بمجرد
الحبل، سواء كان لها زوج، أو سيّد، أم لا، وسواء الغريبة وغيرها، وسواء
ادّعَت الإكراه أم سكتت، فلا حدّ عليها مطلقاً إلا ببينة، أو اعتراف؛ لأن
الحدود تسقط بالشبهات. انتهى(١).
وقال الشوكانيّ كَُّ عند ذكر الخلاف: وذهب الجمهور إلى أن مجرد
الحبل لا يثبت به الحدّ، بل لا بُدّ من الاعتراف، أو البينة، واستدلّوا
بالأحاديث الواردة في درء الحدود بالشبهات.
والحاصل: أن هذا من قول عمر ◌ُه، ومثل ذلك لا يثبت به مثل هذا
الأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس، وكونه قاله في مجمع من الصحابة،
ولم يُنْكَر عليه لا يستلزم أن يكون إجماعاً، كما بيّنا ذلك في غير موضع من هذا
الشرح؛ لأن الإنكار في مسائل الاجتهاد غير لازم للمخالف، ولا سيما والقائل
بذلك عمر، وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم، اللهم إلا أن
يُدّعَى أن قوله: ((إذا قامت البينة، أو كان الْحَبَل، أو الاعتراف)) من تمام ما يرويه
عن كتاب الله تعالى، ولكنه خلاف الظاهر؛ لأن الذي كان في كتاب الله هو ما
أسلفنا في أول كتاب الحدود. انتهى كلام الشوكانيّ تَخَذّثهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من عدم الحدّ
بالحبل إلا بالبيّنة، أو الاعتراف هو الأرجح؛ لقوّة حجتهم، كما مرّ تفصيله،
فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤١١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ
أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
(١) ((شرح النوويّ)) ١١/ ١٩٢.
(٢) ((نيل الأوطار)) ٢٧٣/٧.

٤٥٣
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٢)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا قبل بابين، و((ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي
عمر العدنيّ، ثم المكيّ، و((سفيان)) هو: ابن عيينة.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ في
((السنن الكبرى))، فقال:
(٧١٥٦) - أخبرنا محمد بن منصور المكيّ، قال: ثنا سفيان، عن
الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر يقول:
قد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: ما نجد الرجم في
كتاب الله، فَيَضِلُّوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حقّ على من زنا،
إذا أَحْصَنَ، وكانت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، وقد قرأناها: ((الشيخ
والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة))، وقد رجم رسول الله وَل *، ورجمنا بعده.
قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أن أحداً ذكر في هذا الحديث: ((الشيخ والشيخة
فارجموهما البتة))، غير سفيان، وينبغي أنه وَهَمٌ، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أعلّ النسائيّ تَخُّْ زيادة: ((الشيخ والشيخة ...
إلخ)) في هذه الرواية؛ لتفرّد ابن عيينة بها، ولم لا تُجعل من زيادة الثقة؟
فليُتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .
(٥) - (بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا)
[٤٤١٢] (١٦٩١) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ،
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَّى رَجُلٌ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي
زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَخَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ،
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٢٧٣/٤.

٤٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ
شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: ((أَبِكَ جُنُونٌ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَهَلْ
أَحْصَنْتَ؟)، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((اذْهَبُوا بِهِ، فَارْجُمُوهُ). قَالَ ابْنُ
شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الهِ يَقُولُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ
بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو
عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك
المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان))
٢١١/٢٦.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن، تقدّم قبل بابين.
٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ الأمويّ مولاهم، أبو خالد، سكن المدينة،
ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل بابين.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم قريباً .
٧ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أيضاً قريباً.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه تقدّم أيضاً قريباً.
٩ - (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) هو أبو سلمة المذكور، كما سيأتي
بيانه .
١٠ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام ﴿تًا، تقدّم قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه أبو سلمة،
وابن المسيِّب من الفقهاء السبعة، وفيه صحابيّان من المكثرين السبعة، روى
الأول (٥٣٧٤) والثاني (١٥٤٠)، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيين، والله تعالى
أعلم.

٤٥٥
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا - حديث رقم (٤٤١٢)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ) هذه رواية
شعيب بن الليث عن أبيه، ووافقه يحيى بن بكير عن الليث عند البخاريّ، (عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وفي رواية عبد الرحمن بن
خالد بن مسافر عند البخاريّ: ((من الناس))، وفي رواية يونس ومعمر: ((إن رجلاً
من أسلم))، وفي حديث جابر بن سمرة الآتي: ((رأيت ماعز بن مالك الأسلميّ
حين جيء به رسول الله وَلٍ ... )) الحديث، وفيه: ((رجلٌ قصيرٌ، أعضل، ليس
عليه رداء))، وفي لفظ: ((ذو عَضَلات)). (رَسُولَ اللهِ وَّ) بالنصب على أنه مفعول
((أَتَى))، وقوله: (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنه وَّ جالس في
المسجد النبويّ، (فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّ زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ) يقال:
أعرضتُ عنه: أضربتُ، وولّيتُ عنه، وحقيقته جعل الهمزة للصيرورة؛ أي:
أخذت عُرْضاً؛ أي: جانباً غير الجانب الذي هو فيه، قاله الفيّومي(١).
والمعنى: حوّل النبيّ وَيّ وجهه إلى جهة أخرى؛ كراهية لما قاله، وستراً
عليه .
(فَتَنَخَّى)؛ أي: انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يَستقبل
بها وجه النبيّ وََّ، (تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) منصوب على الظرفية، وأصله مصدرٌ أقيم
مُقام الظرف؛ أي: مكان تلقاء، فحُذِف مكان، قيل: وليس من المصادر تِفعال
بكسر أوله إلا هذا، و((تِبيان))، وسائرها بفتح أوله، وأما الأسماء بهذا الوزن
فكثيرة، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال الفيّوميّ تَظْتُهُ: يجيء المصدر من فعل ثلاثيّ على تَفْعال بفتح التاء،
نحو التَّضْرَابِ، والتَّقْتَال، قالوا: ولم يجىء بالكسر إلا تِبْيَانٌ، وتِلْقَاءُ، تِنْضَالٌ،
من المناضلة، وقيل: هو اسم، والمصدر تَنْضَالٌ - أي: بالفتح - على الباب.
انتھی (٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٤٠٣/٢.
(٢) ((الفتح)) ٦١٠/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨١٥).
(٣) ((المصباح المنير)) ٦٩٩/٢ - ٧٠٠.

٤٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
(فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَى) بثاء مثلّثة،
بعدها نون خفيفة؛ أي: كرّر، وفي رواية: ((حتى ردّد)» (ذَلِكَ)؛ أي: قوله:
((إني زنيتُ))، (عَلَيْهِ)؛ أي: على النبيّ وَِّ (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ)، وفي حديث بريدة
الآتي: ((قال: ويحك ارجع، فاستغفر الله، وتُب إليه، فرجع غير بعيد، ثم
جاء، فقال: يا رسول الله طَهِّرني))، وفي لفظ: ((فلما كان من الغد أتاه))، ووقع
في مرسل سعيد بن المسيِّب، عند مالك، والنسائيّ من رواية يحيى بن سعيد
الأنصاريّ، عن سعيد: ((إن رجلاً من أسلم قال لأبي بكر الصديق: إن الآخر
زنى، قال: فتب إلى الله، واستتر بستر الله، ثم أتى عمر كذلك، فأتى
رسول الله وَّر، فأعرض عنه، ثلاث مرات، حتى إذا أكثر عليه بعث إلى
أهله)» .
وهذا كلّه فيه التعريض للمُقِرّ بالزنا بأن يرجع، ويُقْبَل رجوعه بلا خلاف،
قاله النوويّ.
(فَلَمَّا شَهِدَ) بكسر الهاء، من باب علم (عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ)، وفي
رواية: ((أربع مرّات))، وفي حديث بريدة الآتي: ((حتى إذا كانت الرابعة، قال:
فيم أطهرك؟))، وفي حديث جابر بن سمرة، من طريق أبي عوانة، عن سماك
الآتي: ((فشهد على نفسه أربع شهادات))، وفي رواية شعبة، عن سماك: ((قال:
فردّه مرتين))، وفي أخرى: ((مرتين، أو ثلاثاً، قال شعبة: قال سماك: فذكرته
لسعيد بن جبير، فقال: إنه ردّه أربع مرات))، ووقع في حديث أبي سعيد الآتي
أيضاً: ((فاعترف بالزنا ثلاث مرات)).
قال في ((الفتح)): والجمع بينهما: أما رواية مرتين فتُحْمل على أنه اعترف
مرتين في يوم، ومرتين في يوم آخر؛ لِمَا يشعر به قول بريدة: ((فلمّا كان من
الغد))، فاقتصر الراوي على أحدهما، أو مراده: اعترف مرتين في يومين،
فيكون مِنْ ضَرْب اثنين في اثنين.
وقد وقع عند أبي داود، من طريق إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس: ((جاء ماعز بن مالك إلى النبيّ ◌َّ، فاعترف بالزنا
مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين)).
وأما رواية الثلاث فكأن المراد الاقتصار على المرات التي ردّه فيها،

٤٥٧
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٢)
وأما الرابعة فإنه لم يرُدّه، بل استثبت فيه، وسأل عن عقله، لكن وقع في
حديث أبي هريرة ظُه عند أبي داود، من طريق عبد الرحمن بن الصامت، ما
يدل على أن الاستثبات فيه إنما وقع بعد الرابعة، ولفظه: ((جاء الأسلميّ،
فشَهِد على نفسه أنه أصاب امرأة حراماً أربع مرات، كل ذلك يُعْرِض عنه
رسول الله وَر، فأقبل في الخامسة، فقال: تدري ما الزاني؟)) إلى آخره،
والمراد بالخامسة: الصفة التي وقعت منه عند السؤال، والاستثبات؛ لأن صفة
الإعراض وقعت أربع مرات، وصفة الإقبال عليه للسؤال وقع بعدها. انتهى (١).
(دَعَاهُ رَسُولُ اللهِوَّةِ، فَقَالَ: (أَبِكَ جُنُونٌ؟)) قال النوويّ ◌َّتُهُ: إنما قاله
ليتحقق حاله، فإن الغالب أن الإنسان لا يُصِرّ على الإقرار بما يقتضي قتله من
غير سؤال، مع أن له طريقاً إلى سقوط الإثم بالتوبة، وفي الرواية الأخرى: أنه
سأل قومه عنه، فقالوا: ما نعلم به بأساً، وهذا مبالغة في تحقق حاله، وفي
صيانة دم المسلم، وفيه إشارة إلى أن إقرار المجنون باطلٌ، وأن الحدود لا
تجب عليه، وهذا كله مجمع عليه. انتهى(٢).
(قَالَ: لَا)، وفي البخاريّ: ((وهل بك جنون؟))، وفي حديث بريدة:
((فسأل أبه جنون؟ فأُخبر بأنه ليس بمجنون))، وفي لفظ: ((فأرسل إلى قومه،
فقالوا: ما نعلمه إلا وَفِيَّ العقل، من صالحينا))، وفي حديث أبي سعيد: ((ثم
سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأساً، إلا أنه أصاب شيئاً يَرى أنه لا يَخرج منه
إلا أن يقام فيه الحد لله))، وفي مرسل أبي سعيد: ((بعث إلى أهله، فقال:
أشتكى؟ به جِنة؟ فقالوا: يا رسول الله إنه لصحيح)).
ويُجْمَع بينهما بأنه سأله، ثم سأل عنه احتياطاً، فإن فائدة سؤاله أنه لو
ادَّعَى الجنون، لكان في ذلك دفعٌ لإقامة الحد عليه، حتى يظهر خلاف دعواه،
فلما أجاب بأنه لا جنون به، سأل عنه؛ لاحتمال أن يكون كذلك، ولا يُعْتَدّ
بقوله.
وعند أبي داود، من طريق نعيم بن هَزّال: ((قال: كان ماعز بن مالك يتيماً في
(١) ((الفتح)) ٦١٠/١٥ - ٦١١، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨١٥).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٣/١١.

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
حِجر أبي، فأصاب جارية من الحيّ، فقال له أبي: ائت رسول الله وَله، فأخبره بما
صنعت، لعله يستغفر لك، وإنّما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجاً))، فذكر الحديث.
قال القاضي عياض(١): فائدة سؤاله أبك جنون؟ سترٌ لحاله، واستبعادٌ أن
يُلِحّ عاقلٌ بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه، ولعله يرجع عن قوله، أو لأنه سمعه
وحده، أو ليتم إقراره أربعاً عند من يشترطه، وأما سؤاله قومه عنه بعد ذلك
فمبالغة في الاستثبات.
وتعقّب بعض الشراح قوله: ((أو لأنه سمعه وحده)) بأنه كلام ساقطٌ؛ لأنه
وقع في نفس الخبر أن ذلك كان بمحضر الصحابة في المسجد.
قال الحافظ: ويُرَدّ بوجه آخر، وهو أن انفراده وَّهِ بسماع إقرار المقرّ
كافٍ في الحكم عليه بعلمه اتفاقاً؛ إذ لا ينطق عن الهوى، بخلاف غيره، ففيه
احتمال. انتھی(٢).
(قَالَ: ((فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟))؛ أي: أتزوّجت؟ هذا معناه هنا جزماً؛ لافتراق
الحكم في حدّ من تزوّج، ومن لم يتزوّج.
وقال النوويّ تَّتُهُ: فيه أن الإمام يسأل عن شروط الرجم، من الإحصان
وغيره، سواء ثبت بالإقرار، أم بالبيّنة، وفيه مؤاخذة الإنسان بإقراره. انتهى (٣).
(قَالَ: نَعَمْ) زاد في حديث بريدة قبل هذا: ((أشربت خمراً؟ قال: لا))،
وفيه: ((فقام رجل، فاستنكهه، فلم يجد منه ريحاً))، وزاد في حديث ابن عباس
عند البخاريّ: ((لعلك قَبَّلت؟ أو غمزت؟ - بمعجمة، وزاي ــ أو نظرت؟))؛
أي: فأطلقتَ على كل ذلك زنا، ولكنه لا حدّ في ذلك - قال: لا))، وفي
حديث نعيم: ((فقال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟ قال:
نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم))، وفي حديث ابن عباس المذكور: ((فقال:
أنكتها؟ لا يكني - بفتح التحتانية، وسكون الكاف ـ من الكناية؛ أي: أنه ذكر
هذا اللفظ صريحاً، ولم يُكَنِّ عنه بلفظ آخر؛ كالجماع.
(١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٥١٠/٥.
(٢) ((الفتح)) ٦١١/١٥ - ٦١٢ رقم (٦٨١٥).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٣/١١.

٤٥٩
(٥) - بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٤١٢)
ويَحْتَمِل أن يُجْمَع بأنه ذَكر بعد ذِكر الجماع بأن الجماع قد يُحْمَل على
مجرد الاجتماع، وفي حديث أبي هريرة المذكور: ((أَنِكتها؟ قال: نعم، قال:
حتى دخل ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب الْمِرْوَد في
الْمُكْحُلة، والرِّشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت
منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال:
تطهّرني، فَأَمَر به، فَرُجِم))، وقَبْله عند النسائيّ هنا: ((هل أدخلته، وأخرجته؟
قال: نعم)) (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((اذْهَبُوا بِهِ، فَارْجُمُوهُ))؛ أي: ارموه بالحجارة حتى
يموت، قال النوويّ كَّلُهُ: فيه جوار استنابة الإمام من يقيم الحدّ، قال
العلماء: لا يستوفي الحد إلا الإمام، أو مَن فَوَّض ذلك إليه، وفيه دليل على
أنه يكفي الرجم، ولا يُجلد معه، وقد سبق بيان الخلاف في هذا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الراجح الجمع بين الجلد والرجم؛
لقوّة دليله، فتنبّه.
وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هو موصول بالسند الماضي، كما قال الحافظ
في ((الفتح))(٢)، وليس معلّقاً، كما قال بعضهم (٣)، فتنبّه. (فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ﴾ ◌َّ، قد أصَرَّ يونس، ومعمر في روايتهما بأنه أبو سلمة بن
عبد الرحمن بن عوف، فكأن الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة، كما
عند سعيد بن المسيِّب، وعنده زيادة عليه عن جابر ◌َُّه. (يَقُولُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ
رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى)؛ أي: بالمكان الذي تصلّ فيه صلاة الجنائز، وفي
رواية معمر: ((فأمر به، فرُجِم بالمصلى))، قال النوويّ: قال البخاريّ وغيره من
العلماء: فيه دليل على أن مصلى الجنائز والأعياد، إذا لم يكن قد وُقِفَ
مسجداً لا يثبت له حكم المسجد؛ إذ لو كان له حكم المسجد تجنب الرجم
فيه، وتلطخه بالدماء والميتة، قالوا: والمراد بالمصلّى هنا مصلى الجنائز،
(١) ((الفتح)) ٦١٢/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨١٥).
(٢) راجع: ((الفتح)) ٦١٢/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨١٥).
(٣) سيأتي كلام الرشيد العطار في ذلك، وسأتعقّبه هناك - إن شاء الله تعالى - فتنبّه.

٤٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
ولهذا قال في الرواية الأخرى: ((في بَقِيع الغَرْقد))، وهو موضع الجنائز
بالمدينة، وذكر الدارميّ من أصحابنا أن المصلى الذي للعيد ولغيره إذا لم يكن
مسجداً، هل يثبت له حكم المسجد؟ فيه وجهان: أصحهما: ليس له حكم
المسجد، والله أعلم. انتهى (١).
وفي حديث أبي سعيد: ((فما أوثقناه، ولا حَفَرنا له، قال: فرميناه
بالعظام، والمدَر، والخزَف - بفتح المعجمة، والزاي، وبالفاء - وهي الآنية
التي تُتَّخَذ من الطين المشويّ، وكأن المراد: ما تَكَسَّر منها.
(فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ) - بذال معجمة، وفتح اللام، بعدها قاف - أي:
أقلقته، بوزنه ومعناه، قال أهل اللغة: الذَّلَق - بالتحريك -: الْقَلَق، وممن ذَكَره
الجوهريّ، وقال في ((النهاية)): أذلقته: بلغت منه الجهد، حتى قَلِقَ، يقال:
أذلقه الشيءُ: أجهده، وقال النوويّ: معنى أذلقته الحجارة: أصابته بحدّها،
ومنه انذَلَقَ: صار له حَدٌّ يَقطَع(٢).
(هَرَبَ)، وفي رواية ابن مسافر عند البخاريّ: ((جَمَزَ)) - بجيم، وميم
مفتوحتين، ثم زاي ـ أي: وَثَبَ مُسرعاً، وليس بالشديد العَدْوِ، بل كالقَفْز،
ووقع في حديث أبي سعيد: ((فاشتدّ، وأسند لنا خلفه))، (فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ) - بفتح
الحاء، وتشديد الراء - الأرض ذات الحجارة السُّود، (فَرَجَمْنَاهُ) زاد معمر في
روايته: ((حتى مات))، وفي حديث أبي سعيد: ((حتى أتى عُرْض - بضم أوله -
أي: جانب الحرّة، فرميناه بجلاميد الحرّة، حتى سكت))، وعند الترمذيّ من
طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، في قصة ماعز: ((فلمّا
وَجَدَ مَسَّ الحجارة، فَرَّ يشتدّ حتى مر برجل معه لَحيُّ جَمَلٍ، فضربه، وضربه
الناس حتى مات)).
وعند أبي داود، والنسائيّ من رواية يزيد بن نعيم بن هَزّال، عن أبيه، في
هذه القصة: ((فَوَجد مسّ الحجارة، فخرج يشتدّ، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد
عجز أصحابه، فَتَزَع له بوظيف بعير، فرماه، فقتله)).
وهذا ظاهره يخالف ظاهر رواية أبي هريرة، أنهم ضربوه معه، لكن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٤/١١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١/ ١٩٤.