Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١
(٢) - بَابُ قَطْعِ السَّارِقِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ، وَالَّهْيِ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ- حديث رقم (٤٤٠٢)
جاحد الوديعة، والمرأة التي كانت تستعير المتاع، إنما قُطعت لسرقتها، لا
بجحدها، ألا ترى قوله: ((إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم
الضعيف قطعوه))، وقولَهُ: و((الذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة بنت محمد وَلقر،
لقطعت يدها))، وفي بعض ألفاظ رواية هذه القصة، عن عائشة: ((أن قريشاً
أهمَّهم شأن المخزومية، التي سرقت))، وذكرت القصة، رواه البخاريّ، وفي
حديث: ((أنها سرقت قَطِيفة))، فروى الأثرم بإسناده، عن مسعود بن الأسود،
قال: (لَمّا سَرَقت المرأة تلك القطيفة، من بيت رسول الله وَ﴿، أعظمنا ذلك،
وكانت امرأة من قريش، فجئنا إلى رسول الله وَلقه، فقلنا: نحن نَفْديها بأربعين
أوقية، قال: تُطَهَّر خير لها، فلما سمعنا لِين قولِ رسول الله وَّه، أتينا أسامة،
فقلنا: كَلِّم لنا رسول الله وَّر ... )) وذكر الحديث، نحو سياق عائشة، وهذا
ظاهر في أن القصة واحدة، وأنها سرقت، فقُطعت بسرقتها، وإنما عَرَّفَتها
عائشة بجحدها للعارية؛ لكونها مشهورة بذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك سبباً،
كما لو عَرَّفتها بصفة من صفاتها، وفيما ذكرنا جمعٌ بين الأحاديث، وموافقة
لظاهر الأحاديث، والقياس، وفقهاء الأمصار، فيكون أولى، فأما جاحد
الوديعة، وغيرها من الأمانات، فلا نعلم أحداً يقول بوجوب القطع عليه. انتهى
كلام ابن قُدامة كَخَّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال الحافظ تَخّْلهُ: قول سفيان المتقدم: ذهبت أسأل الزهريّ،
عن حديث المخزومية التي سرقت، فصاح عليَّ مما يَكثر السؤال عنه، وعن
سببه، وقد أوضح ذلك بعض الرواة، عن سفيان، فرأينا في كتاب ((المحدِّث
الفاصل)) لأبي محمد الرامهرمزيّ، من طريق سليمان بن عبد العزيز، أخبرني
محمد بن إدريس، قال: قلت لسفيان بن عيينة: كم سمعت من الزهريّ؟ قال:
أما مع الناس، فما أحصي، وأما وحدي فحديث واحد، دخلت يوماً من باب
بني شيبة، فإذا أنا به جالس إلى عمود، فقلت: يا أبا بكر، حدثني حديث
المخزومية، التي قطع رسول الله ◌َ* يدها، قال: فضرب وجهي بالحصى، ثم
(١) ((المغني)) ٤١٦/١٢ - ٤١٨.
٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
قال: قم، فما يزال عبد يَقدَم علينا بما نَكْره، قال: فقمت منكِراً، فمرَّ رجل،
فدعاه، فلم يسمع، فرماه بالحصى، فلم يبلغه، فاضطر إليّ، فقال: ادعه لي،
فدعوته له، فأتاه، فقضى حاجته، فنظر إلي، فقال: تعال، فجئت، فقال:
أخبرني سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلات،
قال: ((العجماء جبار ... )) الحديث، ثم قال لي: هذا خير لك من الذي
أردت.
قال الحافظ: وهذا الحديث الأخير أخرجه مسلم، والأربعة، من طريق
سفيان، بدون قصة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٠٣] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ
لِحَرْمَلَةَ - قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ بَزِيدَ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيّ ◌َ﴿ أَنَّ قُرَيْشاً
أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ فِي غَزْوَةِ الْقَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ
فِيهَا رَسُولَ الله ◌ِ؟، فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُ
رَسُولِ اللهِ وََّ؟، فَأَتِّيَ بِهَا رَسُولُ اللهَِّةِ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ
رَسُولِ اللهِّهِ، فَقَالَ: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟))، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ
لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللهِوَّةِ، فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ
بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا
سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ
الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا، قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ:
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ
حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَاتِ).
(١) ((الفتح)) ٥٦٣/١٥ - ٥٦٤، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٧٨٨).
٤٢٣
(٢) - بَابُ قَطْعِ السَّارِقِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ، وَالنَّهْرِ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ - حديث رقم (٤٤٠٤)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في السند الماضي، والباب الماضي.
وقوله: (شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ) هي على الصحيح فاطمة بنت أبي
الأسود بن عبد الأسد المخزوميّة.
وقوله: (فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله وَلِّ)؛ أي: تغيّر من شدّة غضبه.
وقوله: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟) إنكار على أسامة، يُفهم منه
تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، وهذ لا خلاف فيه، وأما قبل
البلوغ إليه، فأجازها أكثر العلماء؛ لِمَا جاء في الستر على المسلم مطلقاً، لكن
قيّده مالك بمن لم يُعرف منه أذى الناس، وإلا فلا شفاعة(١).
وقوله: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ... إلخ) إخبار عن مقدَّر يفيد القطع بأمر محقّق،
وهو وجوب إقامة الحدّ على البعيد والقريب، والبغيض والحبيب، لا تنفع
شفاعة، ولا تَحُول قرابة.
وقوله: (فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ ... إلخ) هذا يدلّ على صحة توبة السارق،
وأنها ماحية لإثم السرقة، وللمعرّة اللاحقة، فيَحْرُم تعبيره بذلك، وهكذا حُكْم
أهل الكبائر إذا تابوا، وحَسُنَت توبتهم.
وقولها: (وَتَزَوَّجَتْ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف زوجها(٢)
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٠٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُ ومِيَّةٌ،
تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ، وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النبيّ وَّهِ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ
زَيْدٍ، فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فِيهَا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ،
وَيُونُسَ).
(١) راجع: ((المفهم)) ٧٨/٥ - ٧٩.
(٢) ((تنبيه المعلم)) ص ٢٩٠.
٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها أبو عوانة تَُّ في
((مسنده))، فقال:
(٦٢٣٨) - حدّثنا محمد بن يحيى، قثنا عبد الرزاق (ح) وحثنا الدَّبَريّ،
قثنا عبد الرزاق، قال: أنبا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت:
كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع، وتجحده، فأمر النبيّ وَّ بقطع يدها، فَأَتَّى
أهلُها أسامةَ فكلّموه، فكلَّمَ أسامةُ بن زيد رسول الله وَّ فيها، فقال له
رسول الله وسلم: ((يا أسامة ألا أراك تُكَلِّم في حدّ من حدود الله))، ثم قام
النبيّ وَ ﴿ خطيباً، فقال: ((إنما هَلَك من كان قبلكم بأنه إذا سَرَق فيهم الشريف
تركوه، وإذا سَرَق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت
محمد لقطعت يدها))، فقطعوا يد المخزومية. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٠٥] (١٦٨٩) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ،
حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأْتِيَ
بِهَا النّبِيّ ◌َّ، فَعَاذَتْ بِأُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النّبِيّ وَّهِ، فَقَالَ النبيّ ◌َ: ((وَاللهِ لَوْ
كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ بَدَهَا))، فَقُطِعَتْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) المِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من کبار
[١١] مات سنة بضع و(٢٤) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، نُسِب لجدّه، أبو
عليّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٣ - (مَعْقِلُ) بن عبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ مولاهم، صدوقٌ
يُخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ١١٨/٤.
٤٢٥
(٢) - بَابُ قَطْعِ السَّارِقِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ، وَالنَّهْرِ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ - حديث رقم (٤٤٠٥)
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿ه، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
وقوله: (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُوم) تقدّم أنها فاطمة بنت أبي الأسود بن
عبد الأسد المخزوميّة.
وقوله: (سَرَقَتْ) هذا هو الذي تمسّك به الجمهور، وهو الصحيح على
أن قطع هذه المرأة كان لسرقتها، لا لجحدها العارية، ويؤيّد هذا ما في
الحديث الآخر، من قوله {وَلقه: (لِتَتُب هذه المرأة، وتؤدّي ما عندها)) مرَاراً؛
لأنه لو كان القطع للجحد لَمَا أمرها بالتوبة، وردّ ما أخذته، بل قطعها فوراً؛
لأن السارق لا يؤمر بالتوبة بعد ثبوت السرقة عليه، بل يُقطع، وقد سبق تمام
هذا البحث قريباً، فلا تنس نصيبك، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: (فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ ... إلخ)؛ أي: التجأت إليها؛ لِتَشْفع لها حتى
لا تُقطع يدها .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فعادت بأم سلمة)) بذال معجمة؛ أي:
استجارت، وقد أخرجه الحاكم من طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن
جابر بلفظ: ((فعادت بزينب بنت رسول الله (وَّليو))، قال المنذريّ: يجوز أن تكون
عاذت بكل منهما، وتعقبه العراقيّ بأن زينب بنت رسول الله صل18 كانت ماتت
قبل هذه القصة، ولعلها عاذت بزينب ربيبة النبيّ وَلقر، فتصحفت على بعض
الرواة، أو نُسبت زينب بنت أم سلمة إلى النبيّ وَ﴿ مجازاً؛ لكونها ربيبته،
وجاء أيضاً: فعاذت بربيب النبيّ وَّةٍ، وتقدّم أنه عمر بن أبي سلمة، قال
الحافظ: ولا منافاة بين الروايتين عن جابر ظه، فإنه يُحْمَل على أنها
استجارت بأم سلمة، وبأولادها، واختصها بذلك؛ لأنها قريبتها، وزوْجَها
عمُّها، ووقع عند أبي الشيخ من طريق أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر أن
امرأة من بني مخزوم سرقت، فعاذت بأسامة، وكأنها جاءت مع قومها، فكلموا
أسامة بعد أن استجارت بأم سلمة.
قال الجامع عفا الله عنه: قولهم فيما عزوه إلى الحاكم: ((فعاذت بزينب
٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
بنت رسول الله (وَ)) هكذا قالوا، ولم أجده في ((المستدرك)»، بل الذي فيه - كما
سيأتي -: ((فعاذت بربيب النبيّ وَّ))، وقد بيّن الحاكم أن الربيب هو سلمة بن
أبي سلمة، فتنبّه، وراجع تمامه فيما سبق قريباً، وبالله تعالى التوفيق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ربه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ.
[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم رواية معقل بن عُبيد الله، وهو متكلّم
فيه؟ .
[قلت]: لم ينفرد به معقل، بل تابعه غيره، فقد تابعه موسى بن عقبة،
عن أبي الزبير، فقد أخرجه الحاكم في ((مستدركه))، قال:
(٨١٤٥) - حدثني علي بن حمشاد العدل، ثنا إسماعيل بن إسحاق
القاضي، ثنا سليمان بن داود الهاشميّ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن
موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر ﴿به قال: أُتي النبيّ ◌َّ بامرأة قد
سرقت، فعاذت بربيب رسول الله ور، فقال النبيّ ويقول: ((لو كانت فاطمة
لقطعت يدها))، فقطعها(١).
ثم ذكر الحاكم أن الربيب المذكور هو سلمة بن أبي سلمة، لكن تقدّم أن
الحافظ رجّح أنه عمر بن أبي سلمة، فتفطّن.
وتابعه أيضاً ابن لهيعة، عن أبي الزبير، فقد أخرجه الإمام أحمد في
«مسنده))، فقال:
(١٥١٨٨) - ثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدّثنا أبو الزبير، أخبرني
جابر: أن امرأة من بني مخزوم سرقت، فعاذت بأسامة بن زيد حِبّ
رسول الله وَلهم، فأتي بها رسول الله وَ له، فقال: ((لو كانت فاطمة لقطعت
يدها))، فقطعها. انتهى.
وابن لهيعة، وإن تُكُلّم فيه، لكنه لا بأس به في المتابعات، فتنبّهِ، والله
تعالى أعلم.
(١) ((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص ٣٧٩/٤.
٤٢٧
(٣) - بَابُ حَدِّ الزِّنَا
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٠٥/٢] (١٦٨٩)، و(النسائيّ) في ((المجتبى))
(٧١/٨) و((الكبرى)) (٤٣٣١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٨٦/٣)، و(أبو عوانة)
في («مسنده)) (١٢٠/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨١/٨)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ حَدِّ الزِّنَا)
((الزنا)): لغةً: الرُّقيّ على الشيء، وشرعاً: إيلاج الحشفة بفرج مُحَرَّم ..
لعينه، خالٍ عن شُبهة، مُشتهى، وقيل: هو وطءٌ من قِبَلِ خالٍ عن ملكٍ،
ونكاح، وشِبهه، قاله المناويّ(١).
وقال الفيّوميّ كَّلُ: زَنَى يَزْنِي زِناً مقصورٌ، فهو زَانٍ، والجمع: زُنَاةٌ،
مثلُ قاض وقُضاة، وزَانَاهَا مُزَانَاةً، وزِنَاءً، مثلُ قاتل مقاتلةً، وقتالاً، ومنهم من
يجعل المقصور والممدود لغتين في الثلاثيّ، ويقول: المقصور لغة الحجاز،
والممدود لغة نجد، وهو وَلَدُ زِنْيَةٍ بالكسر، والفتحُ لغةٌ، وهو خلاف قولهم:
هو وَلَدُ رِشْدَةٍ، قال ابن السِّكِّيت: زِنْيَةٌ، وغِيَّةٌ بالكسر والفتح، والزِّنَا بالقصر
يُثَنَّى بقلب الألف ياءً، فيقال: زِنَيَانٍ، والنسبة إليه على لفظه، لكن بقلب الياء
واواً، فيقال: زِنَوِيٌّ؛ استثقالاً لتوالي ثلاث ياءات، فقول الفقهاء: قذفه بِزِنَيْنِ،
هو مثنى الزِّنَا المقصور، والزَّنْيَةُ بالفتح: المَرّةُ، وزَنَّاهُ تَزْنِيَةً: نَسَبَهُ إلى الزِّنَا.
(٢)
انتھی(٢).
وقال ابن قُدامة تَظُّ في ((المغني)): الزنا حرام، وهو من الكبائر العظام،
بدليل قول الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ, كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا
٣٢
[الإسراء: ٣٢].
(١) ((التوقيف بمهمّات التعريف)) ص٣٨٩ - ٣٩٠.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٥٧/١.
٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَآخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ آَلَّتِىِ
يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ
حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامً
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانَا ﴾﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].
ورَوَى عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله صل ◌ٍ: أَيُّ الذنب
أعظم؟ قال: ((أن تجعل الله نِدّاً، وهو خلقك))، قال: قلت: ثم أيّ؟ قال: ((أن
تَقْتُل ولدك مخافة أن يَطْعَم معك))، قال: ثم أيّ؟ قال: ((أن تزاني حليلة
جارك))، متّفقٌ عليه.
وكان حدّ الزاني في صدر الإسلام الحبس للثيب، والأذى بالكلام من
التقريع والتوبيخ للبِكر؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّتِ يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ
فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَّ يَتَوَفَّهُنَّ
وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا فَإِنْ تَابَا
وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَابًا رَّحِيمًا
اَلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (٥)
[النساء: ١٥ - ١٦].
قال بعض أصحاب أهل العلم: المراد بقوله: ﴿مِّن نِسَابِكُمُ﴾ الثَيِّب؛
لأن قوله: من نسائكم إضافة زوجية؛ كقوله: ﴿لَّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآئِهِمْ﴾ الآية
[البقرة: ٢٢٦]، ولا فائدة في إضافته ها هنا نعلمها إلا اعتبار الثيوبة، ولأنه قد
ذكر عقوبتين إحداهما أغلظ من الأخرى، فكانت الأغلظ للثيب، والأخرى
للأبكار؛ كالرجم والجلد، ثم نُسخ هذا بما رَوَى عبادة بن الصامت ظاه: أن
النبيّ رَ ﴿ قال: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر
جَلْد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم))، رواه مسلم،
وأبو داود.
[فإن قيل]: فكيف يُنسخ القرآن بالسُّنَّة؟.
[قلنا]: قد ذهب بعض أصحابنا إلى جوازه؛ لأن الكلّ من عند الله، وإن
اختلفت طرقه، ومن منع ذلك قال: ليس هذا نسخاً، إنما هو تفسير للقرآن
وتبيين؛ لأن النسخ رفعُ حكم ظاهره الإطلاق، فأما إن كان مشروطاً بشروط،
وزال الشرط لا يكون نسخاً، وها هنا شَرَط الله تعالى حَبْسهن إلى أن يجعل
لهن سبيلاً، فبيَّنت السُّنَّة السبيل، فكان بياناً لا نسخاً.
ويمكن أن يقال: إن نَسخه حصل بالقرآن، فإن الجلد في كتاب الله،
٤٢٩
(٣) - بَابُ حَدِّ الزُّنَا - حديث رقم (٤٤٠٦)
والرجم كان فيه، فنُسخ رَسْمه، وبقي حكمه. انتهى كلام ابن قُدامة تَقَّهُ(١).
وسيأتي البحث فيه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٠٦] (١٦٩٠) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً:
الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مَنْصُورُ) بن زاذان (٢) الثقفيّ، أبو المغيرة الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ
[٦] (ت١٢٩) على الصحيح (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠١٩/٣٥.
٤ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
فاضلٌ مشهورٌ، لكنه يرسل كثيراً، ويدلّس، رأس الطبقة [٣] (ت١١٠) وقد
قارب التسعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٦.
٥ - (حِطَّانُ(٣) بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [٢] مات بعد السبعين
(م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٩٠٩/١٦.
٦ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) بن قيس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو الوليد
الصحابيّ المدنيّ، أحد النقباء، البدريّ، مات بالرملة سنة (٣٤) وله (٧٢)
سنةً، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٨/١٠.
(١) ((المغني)) ٣٨/٩.
(٢) وقع في برنامج الحديث هنا غلط في هذه الترجمة؛ لأنهم ذكروا منصور بن
المعتمر، والصواب منصور بن زاذان، صرّح به أبو عوانة في ((مسنده))، وابن حبّان
في (صحيحه))، والمزيّ في ((تحفته))، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(٣) بكسر الحاء، وتشديد الطاء المهملتين.
٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد :
أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، الحسن، عن حِطّان، وأنَّ صحابيّه من
مشاهير الصحابة
وَّ، عَقَبَيّ، بدريّ، ويقال: كان طوله عشرة أشبار، كما في
((التقريب))، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حِطَّانَ) بكسر الحاء، وتشديد الطاء المهملتين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ)
بفتح الراء، وتخفيف القاف، بعدها شين معجمة: نسبة إلى امرأة، اسمها
رَقَاش بنت قيس، كثُر أولادها، فنُسبوا إليها، قاله في ((اللباب))(١). (عَنْ
عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَطِّ: ((خُذُوا عَنِّي، خُذُوا
عَنِّي)؛ أي: اسمعوا منّي حكم الزنا، واعملوا به، وقال القرطبيّ تَظّثهُ: أي:
افهموا عنّي تفسير السبيل المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى
يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، واعملوا به، وذلك أن
مقتضى هذه الآية: أن من زنى حُبِس في بيته إلى أن يموت، كذا قاله ابن
عبّاس ◌َّ في النساء، وحُكي عن ابن عمر ظها أن ذلك حكم الزانيين؛ يعني:
الرجل والمرأة، فكان ذلك الحبس هو حدّ الزناة؛ لأنه كان يحصل به إيلام
الجاني وعقوبته، بأن يُمنع من التصرّف والنكاح وغيره طول حياته، وذلك
عقوبة وزجر، كما يحصل من الجلد والتغريب، فحقيق أن يُسمّى ذلك الحبس
حدّاً، غير أن ذلك الحكم كان محدوداً إلى غاية، وهي أن يبيّن الله لهنّ سبيلاً
آخر غير الحبس، فلمّا بلغ وقت بيانه المعلوم عند الله أوضحه الله تعالى
النبيِّهِ وَ﴿، فبلَّغه لأصحابه، فقال لهم: ((خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً:
البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثّيِّب بالثّيِّب جلد مائة والرَّجم))، فارتفع
حكم الحبس في البيوت؛ لانتهاء غايته، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الْصِيَامَ
إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام؛ لانتهاء غايته، لا
لنسخه، وبهذا يُعلم بطلان قول من قال: إن الحبس في البيوت في حقّ البكر
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٣/٢.
٤٣١
(٣) - بَابُ حَدِّ الزِّنَا - حديث رقم (٤٤٠٦)
منسوخ بالجلد المذكور في النُّور، وفي حق الثيِّب بالرَّجم المجمَع عليه، وهذا
ليس بصحيح؛ لِمَا ذكرناه أوّلاً، ولأن الجمع بين الحبس، والجلد، والرَّجم
ممكن، فلا تعارض، وهو شَرْط النسخ مع عِلْم المتأخّر من المتقدِّم. انتهى
كلام القرطبيّ كَذُ(١).
وقال الطيبيّ نَّثُ: التكرير في قوله: ((خُذوا عنّي)) يدلّ على ظهور أمر قد
خَفِي شأنه، وأُبْهِمَ بيانه، فإن قوله: ((قد جعل الله لهن سبيلاً)) مبهم في التنزيل،
ولم يُعلم ما تلك السبيل؛ أي: الحدّ الثابت في حقّ المحصَن وغيره، فقوله:
((البكر بالبكر)) إلى آخره بيان للمبهم، وتفصيل للمجمَل، على طريقة
الاستئناف؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ
إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، والتقسيم حاصرٌ من حيث المفهوم؛ لأن اللاتي يأتين
الفاحشة لا تخلو إما أن تكون بكراً، أو ثيّباً، والأُولى إما زنت بالبكر، أو
بالثيّب، والثانية أيضاً كذلك، فبيَّن في الحديث ما حدّ البكر بالبكر، والثيّب
بالثّيّب، وتَرَك ذِكر الثيّب مع البكر؛ لظهوره، ولحديث العسيف الآتي.
(٢)
انتھی(٢).
(قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) قال التوربشتيّ كَخْتُهُ: كان هذا القول حين شُرع
الحدّ في الزاني والزانية، والسبيل هنا الحدّ؛ لأنه لم يكن مشروعاً ذلك
الوقت، وكان الحكمُ فيه ما ذُكر في كتاب الله رَّت: ﴿وَالَّتِ يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ
مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنڪُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى
(٥)﴾ [النساء: ١٥].
يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
(الْبِكْرُ بِالْبِكْرٍ)؛ أي: زنا البكر بالبكر، وهو مبتدأ، خبره قوله: (جَلْدُ
مِائَةٍ)؛ أي: حدّ زنا البكر جلد مائة؛ أي: ضربه مائة مرّة، يقال: جلدت
الجاني جَلْداً، من باب ضرب: ضربته بالْمِجْلَد - بكسر الميم - وهو السَّوْط،
الواحدة جَلْدَةٌ، مثلُ ضَرْب، وضَرْبةٍ(٣).
(١) ((المفهم)) ٨٠/٥ - ٨١.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥١٣/٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٠٤/١.
٤٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
وقال الفيّوميّ: والبكر: خلاف الثّب رجلاً كان، أو امرأةً، وهو الذي
لم يتزوّج، وعليه قوله وَ له: ((البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام))، والمعنى:
زنا البكر بالبكر فيه جلد مائة، أو حدُّه جلد مائة، والجمع أبكار، مثلُ حِمْل
وأحمال.
قال: وقيل للإنسان إذا تزوّج: ثيّبٌ، وهو فَيْعِلُ اسم فاعل، من ثاب:
إذا رجع، وإطلاقه على المرأة أكثر؛ لأنها ترجع إلى أهلها بوجه غير الأول،
ويستوي فيه الذكر والأنثى، كما يقال: أَيِّمٌ، وبِكْرٌ للذكر والأنثى، وجمْع
المذكّر: ثَيِّبون بالواو والنون، وجمْع المؤنّث: ثيّبات، والمولَّدون يقولون:
ثُيَّبٌ، وهو غير مسموع، وأيضاً فَيَعِلٌ لا يُجمع على فُعَّل. انتهى(١).
وقال النوويّ تَخْذَلُهُ: وأما قوله وَله: ((البكر بالبكر، والثيب بالثيب)):
فليس هو على سبيل الاشتراط، بل حدّ البكر الجلد، والتغريب، سواء زنى
ببكر، أو ثيّب، وحدّ الئيّب الرجم، سواء زنى بثيّب، أو ببكر، فهو شبيه
بالتقييد الذي يخرج على الغالب.
قال: واعلم أن المراد بالبكر من الرجال والنساء من لم يجامع في نكاح
صحيح، وهو حرّ، بالغٌّ، عاقلٌ، سواء كان جامَعَ بوطءٍ شبهة، أو نكاح فاسد،
أو غيرهما، أم لا، والمراد بالثيب مَن جامع في دهره مرّة، من نكاح صحيح،
وهو بالغٌّ، عاقلٌ، حرّ، والرجل والمرأة في هذا سواء، وسواء في كلّ هذا
المسلم، والكافر، والرشيد، والمحجور عليه لِسَفَه، والله أعلم. انتهى (٢).
(وَنَفْيُ سَنَةٍ)؛ أي: طَرْده، وإبعاده عن البلد سنةً حتى يستوحش، ويذوق
مرارة فراق أهله، وأصحابه؛ عقوبةً لجنايته، (وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ) إعرابه كسابقه؛
أي: زنا الثّب بالثّب (جَلْدُ مِائَةٍ).
(وَالرَّجْمُ)))؛ أي: رميه بالحجارة، يقال: رجمته، من باب نصر: ضربته
بالرَّجَم، بفتحتين، وهي الحجارة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآبَ.
(١) ((المصباح المنير)) ٥٩/١. مادة: (بكر)، و٨٧/١ مادة: (ثاب).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١١.
٤٣٣
(٣) - بَابُ حَدِّ الزِّنَا - حديث رقم (٤٤٠٦)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت ظُه هذا من أفراد
المصنّف رَّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٠٦/٣ و٤٤٠٧ و ٤٤٠٨ و٤٤٠٩] (١٦٩٠)،
و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٤١٥ - ٤٤١٦)، و(الترمذيّ) في ((الحدود))
(١٤٣٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٠/٤ و٣٢٠/٦)، و(ابن ماجه) في
((الحدود)) (٨٥٢/٢)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (١٦٤/١)، و(الطيالسيّ) في
(«مسنده)) (٧٩/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٨٠/١٠)، و(أحمد) في
(«مسنده)) (٣١٣/٥ و٣١٧ و٣١٨ و٣٢٠)، و(الدارميّ) في ((سُننه)) (١٨١/٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤٢٥ و٤٤٢٦ و٤٤٢٧)، و(سعيد بن منصور) في
((سُننه)) (١١٩١/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٨١٠)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (١٢٠/٤ -١٢١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٨٧/٢)، و(البزار)
في ((مسنده)) (١٣٤/٧)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٣٤/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٢/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بیان ثبوت حدّ الزنا.
٢ - (ومنها): بيان أن حدّ الزنا قبل هذا الحديث كان الحبس في
البيوت، كما بيَّنته آية النساء، ثم أتى البيان، فبيّن النبيّ وَّ ر أن هذا هو ذلك
السبيل، واختلف العلماء في هذه الآية، فقيل: هي محكمة، وهذا الحديث
مفسِّر لها، وقيل: منسوخة بالآية التي في أول سورة النور، وقيل: إن آية النور
في البِكْرَين، وهذه الآية في الثَّيَّيْن(١).
٣ - (ومنها): بيان أن حدّ زنا البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام.
٤ - (ومنها): بيان أن حدّ الزاني الثيّب هو الرجم بالحجارة إلى أن
يموت، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/١١.
٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حدّ الزنا:
قال النوويّ تَخْثُ: أجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة،
ورجم المحصَن، وهو الثيب، ولم يُخالف في هذا أحد من أهل القبلة، إلا ما
حَكَى القاضي عياض وغيره عن الخوارج، وبعض المعتزلة؛ كالنظام،
وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم، واختلفوا في جلد الثيب مع الرجم، فقالت
طائفة: يجب الجمع بينهما، فيُجلد، ثم يرجم، وبه قال عليّ بن أبي
طالب ◌َُّه، والحسن البصريّ، وإسحاق بن راهويه، وداود، وأهل الظاهر،
وبعض أصحاب الشافعيّ، وقال جماهير العلماء: الواجب الرجم وحده،
وحكى القاضي عن طائفة من أهل الحديث أنه يجب الجمع بينهما، إذا كان
الزاني شيخاً ثيباً، فإن كان شابّاً ثيباً اقتُصِر على الرجم، قال: وهذا مذهب
باطل، لا أصل له.
وحجة الجمهور أن النبيّ ◌َ﴿ اقتَصَر على رجم الثيب في أحاديث كثيرة،
منها قصة ماعز، وقصة المرأة الغامدية، وفي قوله وَله: ((واغدُ يا أنيس على
امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)).
قالوا: وحديث الجمع بين الجلد والرجم منسوخ، فإنه كان في أول
الأمر.
قال: وأما قوله وَ﴿ في البكر: ونفيُ سنة، ففيه حجة للشافعيّ،
والجماهير أنه يجب نفيه سنةً، رجلاً كان، أو امرأةً، وقال الحسن: لا يجب
النفي، وقال مالك، والأوزاعيّ: لا نفي على النساء، ورُوي مثله عن
عليّ رَّه، وقالوا: لأنها عورة، وفي نفيها تضييع لها، وتعريض لها للفتنة،
ولهذا نُهيت عن المسافَرة إلا مع مَحْرَم.
وحجة الشافعيّ قوله ◌َله: ((البكر بالبكر جلد مائة، ونفيُ سنة)).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ من ثبوت
التغريب هو الأرجح؛ لقوة حجته، فتأمل، والله تعالى أعلم.
قال: وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعيّ:
أحدها: يُغَرَّب كلُّ واحد منهما سنة؛ لظاهر الحديث، وبهذا قال سفيان
الثوريّ، وأبو ثور، وداود، وابن جرير.
٤٣٥
(٣) - بَابُ حَدِّ الزُّنَا - حديث رقم (٤٤٠٦)
والثاني: يُغَرَّب نصف سنة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وهذا أصح الأقوال
عند أصحابنا، وهذه الآية مخصِّصة لعموم الحديث، والصحيح عند الأصوليين
جواز تخصيص السُّنَّة بالكتاب؛ لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب،
فتخصيص السُّنَّة به أولى.
والثالث: لا يُغَرَّب المملوك أصلاً، وبه قال الحسن البصريّ، وحماد،
ومالك، وأحمد، وإسحاق؛ لقوله وَلّل في الأَمة إذا زنت: ((فليجلدها))، ولم
يذكر النفي، ولأن نفيه يَضُرّ سيده، مع أنه لا جناية من سيده.
وأجاب أصحاب الشافعيّ عن حديث الأَمة إذا زنت أنه ليس فيه تعرُّض
للنفي، والآية ظاهرة في وجوب النفي، فوجب العمل بها، وحَمْل الحديث
على موافقتها. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي القول الثالث، وهو عدم تغريب المملوك
هو الأرجح؛ لوضوح حجته، فتأمل، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: أجمعت الأمّة على أن البكر، وتعني به الذي لم
يُحْصَن إذا زنى جُلِدَ الحدَّ، وجمهور العلماء من الخلفاء، والصحابة،
والتابعين، ومن بعدهم، على وجوب التغريب مع الحدّ إلا أبا حنيفة، وصاحبه
محمد بن الحسن، فإنّهما قالا: لا تغريب عليه، فإن النصّ الذي في الكتاب
إنَّما هو على جلد الزاني، والتغريب زيادةٌ عليه، والزيادة على النصّ نسخٌ فَيَلْزم
عليه نسخ القرآن القاطع بخبر الواحد، فإن التغريب إنما ثبت بخبر الواحد.
والجواب: أنّا لا نسلِّم: أن الزيادة على النص نسخٌ، بل زيادة حكم آخر
مع الأصل، فلا تعارض، فلا نَسْخ، وقد بيَّنا ذلك في الأصول، سلَّمنا ذلك،
لكن هذه الآية ليست بنصٍّ، بل عموم ظاهرٌ، فيخصَّص منها بعض الزناة
بالتغريب، كما يخصَّص بعضهم بالرَّجم، ثمَّ يلزمهم ردُّ الحكم بالرجم فإنه
زيادة على نصّ القرآن، وهو ثابت بأخبار الآحاد. ولو سلَّمنا: أن الرَّجم ثبت
بالتواتر، فشَرْطه الذي هو الإحصان ثَبَت بأخبار الآحاد، ثم هُمْ قد نقضوا هذه
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/١١.
٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
القاعدة التي تعدَّوها في مواضع كثيرةٍ بَيَّناها في الأصول.
ومن أوضح ذلك: أنهم أجازوا الوضوء بالنبيذ معتمدين في ذلك على
خبر ضعيف لم يصحّ عند أهل العلم بالحديث، وهو زيادة على ما نصّ عليه
القرآن من استعمال الماء.
ثم القائلون بالتغريب اختلفوا فيه، فقال مالك: ينفى من مصر إلى
الحجاز وشَغْب وأسوان ونحوها، ومن المدينة إلى خيبر وفدك، وكذلك فَعَل
عمر بن عبد العزيز. وقد نفى عليٍّ ◌َلُبه من الكوفة إلى البصرة. قال مالك:
ويحبس في البلد الذي نُفي إليه. وقيل: يُنفى إلى عمل غير عمل بلده. وقيل:
إلى غير بلده. وقال الشافعي: أقلُّ ذلك يوم وليلة.
قلت: والحاصل: أنَّه ليس في ذلك حدٍّ محدود، وإنَّما هو بحسب ما
يراه الإمام، فيختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص على حسب ما يراه
أردع.
ثمَّ القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحرّ. واختلفوا في
تغريب المرأة والعبد. فمن رأى التغريب فيهما؛ أخذ بعموم حديث التغريب،
وحاصل ذلك: أن في إخراجها من بيتها إلى بلد آخر تعريضها لكشف عورتها،
وتضييعٌ لحالها، وربما يكون ذلك سبباً لوقوعها فيما أُخرجت من سببه، وهو
الفاحشة. ومآل هذا البحث تخصيص عموم التغريب بالمصلحة المشهود لها
بالاعتبار، وهو مختلف فيه، كما ذكرناه في الأصول. قال: وقوله: ((والثيِّب
بالثّيِّب جلد مائة والرَّجم)): الثيب هنا: هو المحصَن، وهو البالغ، العاقل،
الحرّ، المسلم، الواطىء وطئاً مباحاً في عقد صحيح، هذه شروط الإحصان
عند مالك، وقد اختلف في بعضها. ولبيان ذلك موضع آخر. فإذا زنى
المحصَن وجب الرَّجم بإجماع المسلمين، ولا التفات لإنكار الخوارج
والنّظَّام الرَّجْمَ، إمَّا لأنهم ليسوا بمسلمين عند من يكفِّرهم، وإما لأنَّهمَ
لا يُعتدُّ بخلافهم؛ لظهور بدعتهم وفِسقهم على ما قرَّرنا في الأصول.
وهل يُجمع عليه الجلد والرَّجم؟ كما هو ظاهر هذا الحديث؛ وبه قال
الحسن البصريّ، وإسحاق، وداود، وأهل الظاهر. وروي عن عليّ بن أبي
طالب ربه: أنَّه جمع ذلك على شراحة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها
٤٣٧
(٣) - بَابُ حَدِّ الزّنَا - حديث رقم (٤٤٠٧)
بسُنَّة رسول الله وَ﴾، أو يقتصر على الرَّجم وحده؟ وهو مذهب الجمهور،
متمسكين بأن النبيّ وَلّ رجم ماعزاً والغامدية ولم يجلدهما، وقال: ((اغْدُ يا
أُنَيْس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))، ولم يذكر الجَلْد، فلو كان
مشروعاً لَمَا سكت عنه، وكأنَّهم رأوا: أن هذا أرجح من حديث الجمع بين
الجلد والرَّجم، إما لأنَّه منسوخ إن عُرِف التاريخ، وإمَّا لأن العمل المتكرر من
النبيّ وَ ﴿ في أوقات متعددة أثبت في النفوس، وأوضح، فيكون أرجح، وقد
شذَّت طائفة فقالت: يُجْمَع الجلد والرجم على الشيخ، ويُجلد الشابُّ تمسُّكاً
بظاهر لفظ ((الشيخ))، وهو خطأ، فإنَّه قد سَمَّاه في الحديث الآخَر: ((الثيب)).
انتهى كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت الأرجح عندي في هذه المسائل عند
كلام النوويّ، فلا تنس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٠٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، تقدّم قبل
باب.
و((هُشیم))، و((منصور بن زاذان)) ذُكرا قبله.
وقوله: (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ) قال
النوويّ كَُّهُ: في هذا الكلام فائدتان:
إحداهما: بيان أن الحديث رُوِي من طريق آخر، فيزداد قُوّةً.
والثانية: أن هُشيماً مُدلِّس، وقد قال في الرواية الأولى: ((عن منصور))،
وبَيَّن في الثانية أنه سمعه من منصور، وقد سبق التنبيه على مثل هذا مرات.
(٢) .
.
انتھی
(١) ((المفهم)) ٨١/٥ - ٨٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١١.
٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
[تنبيه]: رواية عمرو الناقد، عن هُشيم هذه ساقها سعيد بن منصور ◌َّلُهُ
في ((سُننه))، فقال:
(٥٩٤) - حدّثنا سعيد، قال: نا هُشيم، قال: نا منصور، عن الحسن،
قال: نا حِطّان بن عبد الله الرَّقَاشِيّ، عن عبادة بن الصامت، قال: قال
رسول الله ◌َّل: ((خذوا عني، فقد جعل الله لهنّ سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة،
وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة، ثم الرجم)). انتهى(١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٠٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ جَمِيعاً، عَنْ
عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ
الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كَانَ
نَبِيُّ اللهَ وَهَ إِذَا أَنْزِلَ عَلَيْهِ كُرِبَ لِذَلِكَ، وَتَرَبَّدَ لَهُ وَجْهُهُ - قَالَ - فَأَنْزِلَ عَلَيْهِ ذَاتَ
يَوْمٍ(٢)، فَلُقِيَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: ((خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ الله(٣) لَهُنَّ
سَبِيِّلاً: النَّيِّبُ بِالنَّيِّبِ، وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، النَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ رَجْمٌ(٤) بِالْحِجَارَةِ،
وَالْبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف بيندار، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، أبو محمد، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
٤ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مِهران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختَلَط [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
(١) ((سنن سعيد بن منصور)) ١١٩١/٣.
(٣) وفي نسخة: ((قد جعل الله)).
(٢) وفي نسخة: ((فأنزل الله ذات يوم).
(٤) وفي نسخة: ((ثم رجماً)).
٤٣٩
(٣) - بَابُ حَدِّ الزِّنَا - حديث رقم (٤٤٠٨)
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس،
رأس الطبقة [٤] (١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧٠/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَانَ نَبِيُّ اللهِهِ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كُرِبَ لِذَلِكَ) ببناء الفعلين
للمفعول؛ أي: إذا أنزل الله تعالى عليه الوحي أصابه لذاك همّ؛ لشدّته، يقال:
كَرَبه الأمر کَرْباً، من باب نصر: شقّ عليه، فهو مكروب؛ أي: مهموم،
والْكُربة: اسم منه، مثلُ غُرْفة وغُرَف(١).
وقوله: (وَتَرَبَّدَ لَهُ وَجْهُهُ)؛ أي: عَلَتْه غَبَرة، والرُّبْدَةُ: تغيّر البياض إلى
السواد(٢)، وإنما حصل له ◌َ﴾ ذلك؛ لعِظم موقع الوحي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا
(٣)
[المزمل: ٥]
٥
سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا نَقِيلًا
وقوله: (فَأَنْزِلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْم) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ:
((فأنزل الله عليه ذات يوم)).
وقوله: (فَلُقِيَ كَذَلِكَ) بالبناء للمفعول؛ أي: لقي الناسُ النبيّ ◌َّ، وهو
في تلك الحالة، من كَرْبه، وتربّد وجهه؛ لنزول الوحي.
وقوله: (فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ) بضم أوله، وتشديد الراء، مبنيّاً للمفعول؛ أي:
كُشف ذلك الكرب، وأزيل عنه بَلّ بانتهاء الوحي.
وقوله: (ثُمَّ رَجْمٌ) بالرفع عطفاً على ((جلد)»، وفي بعض النسخ: ((ثم
رجماً)) بالنصب، فيكون مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف؛ أي: ثم يُرجم رجماً.
وقوله: (بِالْحِجَارَةِ) قال النوويّ كَّقُ: التقييد بالحجارة للاستحباب، ولو
رُجم بغيرها جاز، وهو شبيه بالتقييد بها في الاستنجاء. انتهى (٤).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبیان مسائله قبل حديث،
ولله الحمد والمنّة.
(١) ((المصباح المنير)) ٥٢٩/٢.
(٢) وفي ((المصباح)): الرُّبْدَة وزانُ غُرْفة: لونٌ يختلط سواده بكُدرة، وشاةٌ رَبْدَاءُ، وهي
السوداء الْمُنَقَّطة بحمرة وبیاض. انتھی.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١١.
٤٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٠٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ،
حَدَّثَنِي أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: ((الْبِكْرُ
يُجْلَدُ، وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ))، لَا يَذْكُرَانِ سَنَةً، وَلَا مِائَةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم قبل بابين.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٩]
(ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن قتادة ساقها الإمام أحمد نَّتُ في ((مسنده))،
فقال :
(٢٢٧٨٢) - ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن
حِطّان بن عبد الله الرَّقَاشيّ، عن عُبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله وَّه:
(خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب
يُجْلَد، ويُرْجَم، والبكر يُجْلَد، ويُنْفَى)). انتهى (١).
وأما رواية هشام الدَّستوائيّ، عن قتادة، فساقها أبو عوانة تَّتُهُ في
(مسنده)، فقال:
(٦٢٥٣) - حدّثنا يزيد بن سنان في ((المسند))، قئنا معاذ بن هشام، قال:
حدّثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حِطَّان بن عبد الله الرَّقَاشِيّ، عن
عُبادة بن الصامت: أن نبيّ الله وَ﴿ أُنزِل عليه ذاتَ يومٍ، فنَكَّس أصحابه
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٢٠/٥.