Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ (١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٢) وحُكي عن الزهريّ أن عليه الغرةَ؛ لأن الظاهر أنه قتل الجنين، فلزمته الغرة، كما لو أسقطت. وحجة الأولين أنه لا يثبت حكم الولد، إلا بخروجه، ولذلك لا تصح له وصية، ولا ميراث، ولأن الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت، ولا يجب الضمان بالشك، فأما إذا ألقته ميتاً، فقد تحقق، والظاهر تَلَفُه من الضربة، فيجب ضمانه، سواء ألقته في حياتها، أو بعد موتها، وبهذا قال الشافعيّ، وأحمد؛ لأنه جنين تَلِف بجنايته، وعُلم ذلك بخروجه، فوجب ضمانه، كما لو سقط في حياتها، ولأنه لو سقط حيّاً ضَمِنه، فكذلك إذا سقط ميتاً، كما لو أسقطته في حياتها . وقال مالك، وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها لم يضمنه؛ لأنه يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها . وتُعُقّب بأن هذا ليس بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك، لكان إذا سقط ميتاً ثم ماتت، لم يضمنه كأعضائها، ولأنه آدمي موروث فلا يدخل في ضمان أمه، كما لو خرج حياً . فأما إن ظهر بعضه من بطن أمه، ولم يخرج باقيه ففيه الغرّة، وبه قال الشافعيّ، وأحمد؛ لأنه قاتِل لجنينها، فلزمته الغرة، كما لو ظهر جميعه، ويفارِق ما لو لم يظهر منه شيء؛ لأنه لم يتيقن قتله، ولا وجوده. وقال مالك، وابن المنذر: لا تجب الغرة حتى تلقيه؛ لأن النبيّ وَلّ إنما أوجب الغرة في الجنين الذي ألقته المرأة، وهذه لم تُلق شيئاً، فأشبه ما لو لم يظهر منه شيء. انتهى كلام ابن قدامة تَخْذُ بتصرّف، واختصار (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالغرّة: قال ابن قدامة تَظْلَثُ ما ملخّصه: المراد بالغرّة في قول أكثر أهل العلم: هو عبد، أو أمة. وقال عروة، وطاوس، ومجاهد: عبد، أو أمة، أو فرس؛ قال: ((قضى ، لأن الغرة اسم لذلك، وقد جاء في حديث أبي هريرة (١) ((المغني)) بتصرّف، واختصار ٦٠/١٢ - ٦٣. ٣٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ رسول الله وَّ في الجنين بغرة: عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل))، وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة، ونحوه، قال الشعبيّ: لأنه رُوي في حديث عن النبيّ ◌َّر، أنه جعل في ولدها مائة شاة، رواه أبو داود. ورُوي عن عبد الملك بن مروان، أنه قضى في الجنين، إذا أُمْلِص بعشرين ديناراً، فإذا كان مضغة فأربعين، فإذا كان عظماً فستين، فإذا كان العظم قد كُسي لحماً فثمانين، فإن تمَّ خَلْقه، وكُسي شعره فمائة دينار، وقال قتادة: إذا كان عَلَقَة فِثُلُث غرّة، وإذا كان مضغة فثلثي غرة. وحجة الأولين قضاءُ رسول الله وَل، في إملاص المرأة بعبد، أو أمة، وسُنَّة رسول الله وَ لِّ قاضية على ما خالفها، وذِكْر الفرس والبغل في الحديث وَهَمٌّ، انفرد به عيسى بن يونس عن سائر الرواة، فالظاهر أنه وَهِمَ فيه، وهو متروك في البغل بغير خلاف، وكذلك في الفرس. قال ابن قدامة كَثُ: وهذا الحديث الذي ذكرناه أصح ما رُوي فيه، وهو متفق عليه، وقد قال به أكثر أهل العلم، فلا يُلتفت إلى ما خالفه، وقول عبد الملك بن مروان تَحَكُم بتقدير لم يَرِد به الشرع، وكذلك قتادة، وقول رسول الله وَ*، أحقّ بالاتباع من قولهما. انتهى كلام ابن قُدامة دَّثُهُ باختصار، وتصرّف(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره ابن قُدامة تَخُّْهُ، من ترجيح قول الجمهور في المراد بالغرّة، وأن تقدير الشارع هو الأحقّ بالاتباع، هو الصواب؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): إذا ثبت ما تقدّم فإنه تلزمه الغرّة، فإن أراد دفع بدلها، ورضي المدفوع إليه جاز؛ لأنه حقّ آدمي، فجاز ما تراضيا عليه، وأيهما امتنع من قبول البدل، فله ذلك؛ لأن الحقّ فيها، فلا يُقبَل بدلها إلا برضاهما، وتجب الغرة سالمة من العيوب، وإن قلَّ العيب؛ لأنه حيوان وجب بالشرع فلم يُقبل فيه المعيب، كالشاة في الزكاة؛ لأن الغرة الخيار؛ والمعيب ليس من (١) ((المغني)) ١٢ /٦٤ - ٦٥. ٣٢٣ (١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَّإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٢) الخيار، ولا يقبل فيها هَرِمة، ولا ضعيفة، ولا خُنثى، ولا خصي، وإن كثرت قيمته؛ لأن ذلك عيب، ولا يتقدر سنُّها عند أحمد، وأبي حنيفة، وقال بعضهم: لا يقبل فيها من له دون سبع سنين، وهو مرويّ عن أصحاب الشافعيّ، وبعض الحنابلة؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله له، ويحضنه، وليس من الخيار، وذكر بعض أصحاب الشافعي، أنه لا يقبل فيها غلام بلغ خمسة عشر سنة؛ لأنه لا يدخل على النساء، ولا ابنة عشرين؛ لأنها تتغير، قال ابن قدامة: وهذا تَحَكُّم لم يَرِد الشرع به، فيجب أن لا يُقبَل، وما ذكروه من الحاجة إلى الكفالة باطل بمن له فوق السبع، ولأن بلوغه قيمة الكبير مع صغره، يدل على أنه خيار، ولم يشهد لِما ذكروه نَصُّ، ولا له نظير يقاس عليه، والشاب البالغ أكمل من الصبي عقلاً وبِنْيَةً، وأقدر على التصرف، وأنفع في الخدمة، وقضاء الحاجة، وكونُه لا يدخل على النساء، إن أريد به النساء الأجنبيات، فلا حاجة إلى دخوله عليهن، وإن أريد به سيدته فليس بصحيح؛ فإن الله تعالى قال: ﴿ لِيَسْتَذِينَكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُ مِنْكُرْ﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيَّهِمْ جُنَاتٌ بَعْدَهُنَّ لَّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَى بَعْضٍِ﴾ الآية [النور: ٥٨]، ثم لو لم يدخل على النساء لحصل من نفعه أضعاف ما يحصل من دخوله، وفوات شيء إلى ما هو أنفع منه لا يعدّ فواتاً، كمن اشترى بدرهم ما يساوي عشرة، لا يعد فواتاً، ولا خسراناً. ولا يُعتبَر لون الغرة؛ ولأن النبيّ ◌َّهَ، قضى بعبد، أو أمة وأطلق، مع غلبة السواد على عبيدهم وإمائهم، ولأنه حيوان يجب ديةً فلم يُعتبر لونه، كالإبل في الدية. وذُكر عن أبي عمرو بن العلاء: أن الغرة لا تكون إلا بيضاء، ولا يقبل عبد أسود، ولا جارية سوداء. انتهى كلام ابن قدامة ◌َُّ بتصرّف، واختصار(١)، وهو بحث نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قال ابن قدامة دَخْدَثُ ما حاصله: قيمة الغرة نصف (١) ((المغني)) / ٦٤ - ٦٦. ٣٢٤ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ عُشر الدية، وهي خمس من الإبل، وروي ذلك عن عمر، وزيد ◌ًا، وبه قال النخعيّ، والشعبيّ، وربيعة، وقتادة، ومالك، والشافعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولأن ذلك أقل ما قدّره الشرع في الجنايات، وهو أَرْشُ المُوضِحَة، ودیة السن فرددناه إليه. [فإن قيل]: فقد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وذلك دون ما ذكر تموه. [قلنا]: الذي نص عليه صاحب الشريعة غرةً، قيمتها أرش الموضحة، وهو خمس من الإبل. انتهى(١)، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم الغرّة، هل يورَّث، أم لا؟ : ذهبت طائفة إلى أن الغرّة موروثة عن الجنين، كأنه سقط حيّاً؛ لأنها دية له، وبدل عنه، فيرثها ورثته كما لو قُتل بعد الولادة، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي. وذهب الليث إلى أنه لا يورَّث، بل يكون بدلُهُ لأمه؛ لأنه كعضو من أعضائها، فأشبه يدها . وحجة الأولين أنها دية آدميّ حرّ، فوجب أن تكون موروثة عنه، كما لو ولدته حيّاً، ثم مات، وقوله: إنه عضو من أعضائها لا يصح؛ لأنه لو كان عضواً لدخل بدلُهُ في دية أمه كَيَدِها، ولَمَا مُنِع القصاص من أمه، وإقامة الحد عليها من أجله، ولَمَا وجبت الكفارة بقتله، ولَمَا صَحّ عتقه دونها، ولا عتقها دونه، ولا تَصَوُّرُ حياتِهِ بعد موتها، ولأن كل نفس تُضْمَن بالدية، تورث كَدِية الحيّ. انتهى بتصرّف، واختصار (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): فيما قاله أهل العلم فيما إذا كان الجنين أكثر من واحد : (١) ((المغني)) ٦٦/١٢ باختصار. (٢) ((المغني)) ٦٧/١٢. ٣٢٥ (١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَّإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٣) قال ابن قدامة كَظْتُ: إذا ضَرَب بطن امرأة، فألقت أجنة، ففي كل واحدة غرّة، وبهذا قال الزهريّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، قال: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم، وذلك لأنه ضمان آدميّ، فتعدد بتعدده كالديات، وإن ألقتهم أحياء، في وقت يعيشون في مثله، ثم ماتوا ففي كل واحدة دية كاملة، وإن كان بعضهم حيّاً فمات، وبعضهم ميتاً ففي الحي دية، وفي الميت غرة. انتهى كلام ابن قُدامة كَّتُهُ، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم، هل تتحمل العاقلة دية الجنين، أم لا؟: قال ابن قدامة كَّتُهُ أيضاً: وتَحْمِل العاقلة دية الجنين، إذا مات مع أمه، نَصَّ عليه أحمد، إذا كانت الجناية عليها خطأ، أو شِبْه عمد؛ لِمَا رَوَى المغيرة بن شعبة ظه: ((أن رسول الله وَّر، قضى في الجنين بغرة عبد، أو أمة، على عصبة القاتلة))، وإن كان قتل الأم عمداً، أو مات الجنين وحده لم تحمله العاقلة. وقال الشافعيّ: تحمله العاقلة على كل حال، بناء على قوله: إن العاقلة تحمل القليل والكثير، والجناية على الجنين ليست بعمد؛ لأنه لا يتحقق وجوده، ليكون مقصوداً بالضرب. قال: ولنا أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، على ما ذكرناه، وهذا دون الثلث، وإذا مات وحده، أو من جناية عمد فدية أمه على قاتلها، فكذلك دیته؛ لأن الجناية لا يَحمل بعض ديتها الجاني، وبعضها غيره، فيكون الجميع على القاتل، كما لو قطع عمداً، فَسَرَت الجناية إلى النفس. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ أرجح؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٣٨٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (ح) وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى الُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتِ ٣٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ امْرَأَتَانٍ، مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا، وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ لَّهِ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا، وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ، وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانٍ الْكُمَّانِ))، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم قريباً . ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى التُّجِبِيُّ) المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) مضوعيه (قَالَ: اقْتَتَلَّتِ امْرَأَتَانٍ، مِنْ هُذَيْلِ) بضمّ الهاء: أبو قبيلة، وهو هُذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، (فَرَمَتْ إِخْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ) وفي حديث المغيرة بن شعبة رضُّه الآتي: ((قتلت ضرّتها بعمود فُسطاط))، (فَقَتَلَتْهَا، وَمَا فِي بَطْنِهَا)؛ أي: جنينها، وفي رواية للبخاريّ: ((فأصاب بطنها، وهي حامل))، في رواية: ((فخذفت، فأصاب قبلها))، ووقع في رواية حمل بن مالك: ((فضربت إحداهما الأخرى بمسطح))، وفي رواية عُبيد بن نُضيلة، عن المغيرة بن شعبة نظُه الآتي: ((أن امرأة قتلت ضرتها بعمود فُسطاط))، وكذا في حديث أبي المليح بن أسامة، عن أبيه: ((فضربت الْهُذلية بطن العامرية بعمود فسطاط، أو خباء))، وفي حديث عُوَيم: ((ضربتها بمسطح بيتها، وهي حامل)). أفاده في ((الفتح))(١). (١) ((الفتح)) ١٠٦/١٦ - ١٠٧. ٣٢٧ (١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَّةِ فِي قَتْلِ الْخَطَّإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٣) وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((ضربتها بعمود فُسطاط))، هذا محمول على حجر صغير، وعمود صغير، لا يُقصد به القتل غالباً، فيكون شِبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص، ولا دية على الجاني، وهذا مذهب الشافعيّ، والجماهیر. انتهى. (فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِنَّهِ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ) بفتح الواو، وكسر اللام: هي الأمة، وجَمْعها ولائد، (وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ)؛ أي: المقتولة (عَلَى عَاقِلَتِهَا)؛ أي: عاقلة القاتلة. وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((وقضى بدية المرأة على عاقلتها)) فيه تلفيفٌ في الضمائر، أزالته الرواية الأخرى التي قال فيها: ((فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة)). وقد احتجّ بظاهر الحديث من رأى أنه لا يُستقاد ممن قَتَل بمثقّل، وإنما عليه الدية، وهم الحنفيّة، ولا حجة لهم في ذلك؛ لِمَا تقدّم من أن النبيّ وَلّ قد أقاد ممن قتل بحجر، كما تقدّم في حديث اليهوديّ، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيَّهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والمماثلة بالمثقّل ممكنة، ولإمكان كون هذا القتل خطأ، أو شبه العمد، فاندفع القصاص بذلك، ولو سُلّم أنه كان عمداً لكان ذلك برضا العصبة، وأولياء الدم، لا بالحكم، وكلّ ذلك مُحْتَمِلٌ، فلا حجة لهم فيه. وفيه ما يدلّ على أن العاقلة تحمل الدية، وقد أجمع المسلمون على أنها تحمل دية الخطإ، وما زاد على الثلث، واختلفوا في الثلث، فقال الزهريّ: الثلث، فدونه هو في مال الجاني، ولا تحمله العاقلة. وقال سعيد بن المسيب: الثلث فما زاد على العاقلة، وما دون الثلث في مال الجاني، وبه قال مالك، وعطاء، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وأما ما دون الثلث فلا تحمله العاقلة عند من ذُكر، ولا عند أحمد. وقالت طائفة: عقل الخطإ على عاقلة الجاني، قَّت الجناية، أو كثرت، وهو قول الشافعيّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ تَُّ، مِنْ تحمّل العاقلة عقل الخطإ مطلقاً هو الأرجح عندي؛ لإطلاق النصوص الواردة في ذلك، والله تعالى أعلم. ٣٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: كيف ألزم العاقلة الدية، والقتل عمدٌ، والعاقلة لا تعقل عمداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً؟. [فالجواب]: أن هذا الحديث خرّجه النسائيّ من حديث حمل بن مالك نظرته، وقال فيه: ((قضى رسول الله وَّ في جنينها بغرّة، وأن تُقتل بها))، وهو طريقٌ صحيح، وهذا نصّ في أنه قضى بالقصاص من القاتلة، بخلاف الأحاديث المتقدّمة، فإن فيها: أنه قضى على العاقلة بالدية. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تصحيحه الحديث على الإطلاق، نظر، فإن هذه الزيادة - وهي قوله: ((وأن تُقتل المرأة)) - غير صحيحة، كما بيّنته في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد. قال: ووجه التلفيق، وبه يحصل الجواب على التحقيق: أن رسول الله وَله قضى بقتل القاتلة أوّلاً، ثم إن العصبة، والألياء اصطلحوا، على أن التزم العصبة الدية، ويعفو الأولياء، فقضى النبيّ ◌َ﴿ بالدية على العصبة، لَمّا التزموها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَظّهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ تَخُّْ من كون قتل هذه المرأة عمداً، وأن القصاص كان واجباً، إلا أنهم اصطلحوا على الدية، وهو مقتضى ما مشى عليه النسائيّ في ((باب قتل المرأة بالمرأة)) (٤٧٤١/١١)، حيث استدلّ بالحديث على مشروعيّة قتل المرأة إذا قتلت امرأة عمداً، لكنه خالف ذلك في الباب التالي حيث استدلّ بالحديث على أن هذا من شبه العمد، وليس عمداً، وأن الواجب فيه الدية على العاقلة، وهذا هو الحقّ؛ لأن زيادة: ((وأن تُقتل المرأة)) غير صحيحة، وأحاديث أبي هريرة، والمغيرة بن شعبة ﴿ّ، على خلافها، كما حقّقته في ((شرح النسائيّ))(٢)، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَوَرَّلَهَا وَلَدَهَا، وَمَنْ مَعَهُمْ) وفي رواية: ((وورّثها عصبتها، ومن معهم)): قال القرطبيّ: أعاد الضمير الأول على الدية، والثاني على المقتولة، (١) ((المفهم)) ٦٥/٥ - ٦٧. (٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٢٣١/٣٦ - ٢٤١. ٣٢٩ (١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٣) وعَنَى بالعصبة: بنيها، وبمن معهم الزوج، ولم يُختلف في أن الزوج يرث هنا من دية زوجته فرضه، وإن كانوا قد اختلفوا فيه، هل يرث من دية الجنين؟. والدية موروثة على الفرائض، سواء كانت عن خطإ، أو عن عمد تعذّر فيه القوَد، والذي يبيّن الحقّ في هذا الباب حديثان خرّجهما الترمذيّ: [أحدهما] (٢١١٠): عن سعيد بن المسيّب، قال: قال عمر ظلاله: الدية على العاقلة، ولا ترث المرأة من زوجها شيئاً، فأخبره الضحّاك بن سفيان الكلابيّ ◌َُّه أن رسول الله وَ له كتب إليه: أن ورِّث امرأة أَشيم الضّبابيّ من دية زوجها، وقال: هذا حديث حسن صحيح. [وثانيهما] (٢١١١): عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ◌َُّله: ((أن رسول الله و ﴿ قضى في جنين امرأة من بني لحيان، سقط ميتاً، بغرّة: عبد، أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بغرّة توفّيت، فقضى رسول الله وَلتر بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن عَقْلها على عصبتها)). ثم حيث وجبت الدية على العاقلة، فلا تؤخذ منهم حالّةً، بل منجّمةً في ثلاث سنين، وهو قول عامّة أهل العلم من السلف والخلف، وتُوزَّعُ على الأحرار البالغين الأغنياء الذكور، فلا تؤخذ من عبد، ولا من صبيّ، ولا من امرأة، ولا من فقير بالإجماع، على ما حكاه ابن المنذر. واختلفوا في قدر ما يُوزّع على من يُطالب بها، فقال الشافعيّ: من كثر ماله أُخذ منه نصف دينار، ومن كان دونه ربع دينار، لا يُنقص منه، ولا يُزاد عليه. وحكى أبو ثور عن مالك أنه قال: على كلّ رجل ربع دينار، وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: يُحَمَّلون بقدر ما يُطيقون. وقال أصحاب الرأي: ثلاثة دراهم، أو أربعة. قال القرطبيّ: والقول ما قاله أحمد، فإن التحديد يحتاج إلى شرع (١) جديد. انتهى قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ تَخْشُهُ من ترجيح (١) ((المفهم)) ٦٧/٥ - ٦٨. ٣٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ مذهب الإمام أحمد رَّتُهُ في تحميل العاقلة بقدر الطاقة، هو الأرجح عندي؛ لإطلاق النصوص، والله تعالى أعلم. وقوله: ((وورّثها ولدها)): بتشديد الراء: قال السنديّ: والظاهر أن الضمير للقاتلة، بناء على أنها ماتت بعد ذلك أيضاً. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ غير بعيد من ظاهر السياق، لكن تقدّم في كلام النوويّ ما يدلّ على أن الصواب أن الضمير للمرأة المجنيّ عليها، لا للجانية، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ) (حَمَل)) - بفتح الحاء المهملة، والميم - وهو: حَمَلٍ بن مالك بن النابغة، نُسب لجدّه، وهو هذليّ من قبيلة القاتلة، ولحيانُ فَخْذٌ من هُذيل، ولذلك صدق أن يقال على القاتلة أنها هذليّة، لحيانيّة، ولحيان يقال: بفتح اللام، وكسرها. قاله القرطبيّ كَّتُهُ(١). وقوله: (وَلَا اسْتَهَلَّ)؛ أي: ولا صاح عند الولادة؛ ليُعرَف به أنه مات بعد أن كان حيّاً. وقوله: (فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ): قال النوويّ تَخْلُهُ: رُوي في ((الصحيحين))، وغيرهما بوجهین: [أحدهما]: يُطلّ - بضم الياء المثناة، وتشديد اللام -: ومعناه: يُهدَر، ويُلغَى، ولا يُضمَن. [والثاني]: ((بَطَلَ)) - بفتح الباء الموحدة، وتخفيف اللام - على أنه فعلٌ ماضٍ، من البطلان، وهو بمعنى الْمُلغَى أيضاً، وأكثر نُسخ بلادنا بالمثناة، ونقل القاضي أن جمهور الرواة في ((صحيح مسلم)) ضبطوه بالموحّدة، قال أهل اللغة: يقال: ظُلَّ دمُهُ - بضم الطاء، وأُطِلّ؛ أي: أُهدر، وأطلّه الحاكم، وطَلَّه: أهدره، وجوّز بعضهم: طَلَّ دَمُهُ - بفتح الطاء - في اللازم، وأباها الأكثرون. وقوله بَّهِ: (إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ)، وفي الرواية الأخرى: ((سَجْعٌ كسجع الأعراب)»: (١) ((المفهم)) ٦٥/٥. ٣٣١ (١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَّإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٣) قال النوويّ: قال العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين: [أحدهما]: أنه عارَضَ به حكمَ الشرع، ورام إبطاله. [والثاني]: أنه تكلفه في مخاطبته، وهذان الوجهان من السجع مذمومان، وأما السجع الذي كان النبيّ والله يقوله في بعض الأوقات، وهو مشهور في الحديث، فليس من هذا؛ لأنه لا يعارَض به حكم الشرع، ولا يتكلفه، فلا نهي فيه، بل هو حسن، ويؤيد ما ذكرنا من التأويل، قوله وَله: ((كسجع الأعراب))، فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم، والله أعلم. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) - عند قوله: ((فقال حَمَل بن النابغة ... إلخ)) -: وفي رواية عبد الرحمن بن خالد: ((فقال وليّ المرأة التي غُرِّمت: كيف أَغْرَمُ يا رسول الله، من لا شَرِب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطَلّ، فقال النبيّ وَّر: إنما هذا من إخوان الكهان))، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند مالك: ((قضى في الجنين يُقتَل في بطن أمه، بغرة: عبد، أو وليدة))، وفي رواية الليث، من طريق سعيد، الموصولة نحوه عند الترمذي، ولكن قال: ((إن هذا ليقول بقول شاعر، بل فيه غرة))، وفيه: ((ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله وَ ﴿ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها))، وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس: ((فقال عمها: إنها قد أسقطت غلاماً، قد نبت شعره، فقال أبو القاتلة: إنه كاذب، إنه والله ما استهلّ، ولا شرب ولا أكل، فمثله يُطَلّ، فقال النبيّ ◌َليقول: أسجع كسجع الجاهلية، وكهانتها؟))، وفي رواية عُبيد بن نُضَيلة، عن المغيرة ◌َظُبه: ((فجعل رسول الله وَلـ دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرّةً لِمَا فيه بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم من لا أكل))، وفي آخره: «أسجعٌ كسجع الأعراب؟ وجعل عليهم الدية))، وفي حديث عُويم، عند الطبراني: ((فقال أخوها، العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ؟ فمثل هذا يطلّ، فقال: أسجع كسجع الجاهلية؟))، ونحوه عند أبي يعلى، من حديث جابر، لكن قال: ((فقالت عاقلة القاتلة))، وعند البيهقي، من حديث أسامة بن (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١١. ٣٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ عمير: ((فقال أبوها: إنما يعقلها بنوها، فاختصموا إلى رسول الله وَله، فقال: الدية على العصبة، وفي الجنين غرة، فقال: ما وُضع فحل، ولا صاح فاستهلّ، فأبطله فمثله يطل)). قال الحافظ: وبهذا يُجمَع الاختلاف، فيكون كلٌّ من أبيها وأخيها وزوجها قالوا ذلك؛ لأنهم كلهم من عصبتها، بخلاف المقتولة، فإن في حديث أسامة بن عمير أن المقتولة عامرية، والقاتلة هذلية، ووقع في رواية أسامة، فقال: ((دعني من أراجيز الأعراب))، وفي لفظ: ((أسجاعة بك؟))، وفي آخر: ((أسجع كسجع الجاهلية؟، قيل: يا رسول الله، إنه شاعر))، وفي لفظ: ((لسنا من أساجيع الجاهلية في شيء))، وفيه: ((فقال: إن لها ولداً هم سادة الحي، وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم، قال: بل أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها، فقال: ما لي شيء، قال: يا حمل - وهو يومئذ على صدقات هذيل، وهو زوج المرأة، وأبو الجنين - اقبض من صدقات هذيل))، أخرجه البيهقي، وفي رواية ابن أبي عاصم: ((ما له عبد، أو أمة، قال: عَشر من الإبل، قالوا: ما له من شيء، إلا أن تعينه من صدقة بني لحيان، فأعانه بها، فسعى حمل عليها حتى استوفاها))، وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة: ((فقضى أن الدية على عاقلة القاتلة، وفي الجنين غرة: عبد، أو أمة، أو عَشر من الإبل، أو مائة شاة)). ووقع في حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عنه: ((قضى رسول الله وَ﴿ في الجنين بغرّة: عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل))، وكذا وقع عند عبد الرزاق في رواية ابن طاوس، عن أبيه، عن عمر مرسلاً، فقال حمل بن النابغة: ((قضى رسول الله عليه بالدية في المرأة، وفي الجنين غرة عبد، أو أمة، أو فرس)). وأشار البيهقيّ إلى أن ذِكر الفرس في المرفوع وَهَمٌ، وأن ذلك أُدرج من بعض رواته على سبيل التفسير للغرّة، وذكر أنه في رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار، عن طاوس، بلفظ: ((فقضى أن في الجنين غرة))، قال طاوس: الفرس غرة. قال الحافظ: وكذا أخرج الإسماعيليّ من طريق حماد بن زيد، عن ٣٣٣ (١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَّةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٤) هشام بن عروة، عن أبيه، قال: الفرس غرة، وكأنهما رأيا أن الفرس أحقّ بإطلاق لفظ الغرة من الآدميّ. ونقل ابن المنذر، والخطابيّ عن طاوس، ومجاهد، وعروة بن الزبير: الغرة عبد، أو أمة، أو فرس، وتوسّع داود، ومن تبعه من أهل الظاهر، فقالوا: يجزئ كل ما وقع عليه اسم غرة، والغرة في الأصل البياض، يكون في جبهة الفرس، وقد استعمل للآدميّ في الحديث المتقدم في الوضوء: ((إن أمتي يُدْعَون يوم القيامة غُرّاً ... ))، وتُطلق الغرة على الشيء النفيس آدميّاً كان، أو غيره، ذكراً كان، أو أنثى، وقيل: أُطلق على الآدمي غرةٌ؛ لأنه أشرف الحيوان، فإن محل الغرة الوجه، والوجه أشرف الأعضاء. انتهى(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٨٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَوَرَّتَهَا وَلَدَهَا، وَمَنْ مَعَهُمْ، وَقَالَ: فَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ نَعْقِلُ؟(٢)، وَلَمْ يُسَمِّ حَمَلَ بْنَ مَالِكِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعله ضمير معمر، وكذا فاعل ((لم يَذكُرُ)). (١) ((الفتح)) ١٠٧/١٦ - ١٠٩، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠٤). (٢) وفي نسخة: ((كيف يُعْقَل؟)). ٣٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وقوله: (كَيْفَ نَعْقِلُ) وفي بعض النسخ: ((كيف يُعقَل))، بالياء، وعليه فالفعل مبنيّ للمفعول، فتنبّه. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها البيهقيّ في ((الكبرى))، فقال : (١٥٩٠٩) - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: اقتتلت امرأتان من هُذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فأصابت بطنها، فقتلتها، وألقت جنيناً، فقضى رسول الله وَجه بديتها على عاقلة الأخرى، وفي الجنين غُرّة، عبد، أو أمة، قال: فقال قائل: كيف نعقل من لا يأكل، ولا يشرب، ولا نطق، ولا استهلّ؟ فمثل ذلك يُطَلّ، فقال النبيّ وَ﴿ ﴿ - كما زعم أبو هريرة -: (هذا من إخوان الكهان)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٨٥] (١٦٨٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ الْخُزَاعِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً، قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودٍ فُسْطَاطٍ، وَهِيَ خُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا، قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِوَّهِ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَائِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَّةَ مَنْ لَا أَكَلَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟»، قَالَ: وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابین. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. (١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٧٠/٨. (٢) وفي نسخة: ((فمثل ذلك بطل)) بالباء الموحّدة. ٣٣٥ (١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَّإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٥) ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السَّلميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، لا يدلّس [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٦. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٥ - (عُبَيْدُ بْنُ نُضَيْلَةَ الْخُزَاعِيُّ) أبو معاوية الكوفيّ المقرىء، ثقةٌ، ووَهِمَ من ذَكَر أن له صحبةً [٢]. رَوَى عن ابن مسعود، والمغيرة بن شعبة، وسليمان بن صُرَد، وقرأ القرآن على علقمة، وروى عنه، وعن مسروق، وعَبِيدة السلمانيّ. وروى عنه إبراهيم النخعيّ، وأشعث بن سُليم، والحسن الْعُرَنيّ، وحمران بن أعين، وقرأ عليه. قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، كان مقرئ أهل الكوفة في زمانه، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات في ولاية بِشْر بن مروان على العراق سنة أربع وسبعين، وذكره أبو أحمد العسكريّ في ((الصحابة))، ثم قال: وليس يصح سماعه، وأكبر ظني أنه مرسل، وقال أبو نعيم الحافظ في ((المعرفة)): مختلف في صحبته، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وقال: روى عن عليّ في الفريضة، وقيل: إنه قرأ على عبد الله، ثم قرأ على علقمة، وذكره ابن حزم في كتاب طبقات القراء في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، مع أبي عمرو الشيبانيّ، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وتميم بن حَذْلَم، وأبي ميسرة عمرو بن شُرَحبيل، والحارث بن قيس، وهُزيل بن شُرَحبيل، وقال: كل هؤلاء أخذ القراءة عن ابن مسعود، وأدركوا كلهم النبيّ وَّهِ إلا أنهم لم يَلْقَوه، وقال عاصم بن بَهْدلة: كان والله قارئاً للقرآن، وقال ابن حبان في ((الثقات)): عُبيد بن نُضيلة، وقال خليفة: مات في ولاية بشر بن مروان سنة (٣) أو (٧٤)، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب(١) إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. [تنبيه]: ((نُضيلة)) والد عُبيد بالتصغير، كما وقع في جميع نسخ (صحيح (١) وفي ((تهذيب التهذيب)): له في الكتب - أي: عند مسلم، والأربعة - حديثان. ٣٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ مسلم))، ولم يذكر الشرّاح خلافاً في ذلك، وهو الذي في ((تبصير المنتبه)) للحافظ، وكذا هو في ((التهذيبين))، ووقع في ((التقريب)) ضَبْطه بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، وهو مخالف لما وقع في كتب الحديث، والرجال، لكن ذكر ابن حبّان في ((الثقات)) أنه يقال فيه بالتصغير، والتكبير، ونصّه: ((عُبيد بن نضلة الخزاعيّ الأزديّ، من أهل الكوفة، كنيته أبو معاوية، وقد قيل: عُبيد بن نُضَيلة)). انتهى (١)، فعلى هذا ففيه اختلاف، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. ٦ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ الشهير، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة خمسين على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، فمروزيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول من يقول: إن منصوراً تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ) بالتصغير فيهما، كما هو الغالب في الكتب، وذكر ابن حبّان أنه يقال فيه نَضْلة أيضاً، بالتكبير (الْخُزَاعِيِّ) نسبة إلى خزاعة قبيلة مشهورة، (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً) رَبُهُ أنه (قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا) - بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الراء -: قال أهل اللغة: كل واحدة من زوجَتَي الرجل ضَرَّةٌ للأخرى، سمِّيت بذلك لحصول الْمُضَارَّة بينهما في العادة، وتَضَرُّر كل واحدة بالأخرى. قاله النوويّ ◌َّتُهُ(٢). وقال الفيّوميّ ◌َُّ: ضرّة المرأة: امرأة زوجها، والجمع ضَرّات على القياس، وسُمع ضَرَائر، وكأنها جمع ضَرِيرة، مثلُ كَرِيمة وكرائم، ولا يكاد يوجد لها نَظير، ورجلٌ مُضِرّ: ذو ضَرَائر، وامرأة مُضِرّ أيضاً: لها ضرائر، وهو اسم فاعل من أضرّ: إذا تزوّج على ضَرّ. انتهى(٣). (١) راجع: ((الثقات)) لابن حبّان ١٣٨/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١١. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٦٠/٢. ٣٣٧ (١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَّإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٥) (بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ) ((العَمُود)) - بفتح العين -: الخشبة القائمة في وسط الخِباء، والجمع أَعمِدةٌ، وعُمُدٌ - بضمتين - والعَمَد - بفتحتين - اسم للجمع. أفاده في ((اللسان)) (١). و((الفُسطاط)) - بضمّ الفاء، وكسرها -: بيتٌ من الشَّعْر، والجمع فَسَاطيط، قاله في ((المصباح))(٢). وفي رواية أخرى: ((بحَجَر))، ولا تعارض بينهما؛ إذ يَحتمل أن تكون جَمَعت ذلك عليها، فأخبر أحد الراويين بإحدى الآلتين، والثاني بالأخرى، قاله القرطبيّ ◌َّهُ(٣) . (وَهِيَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا) وفي رواية: ((فقتلتها، وما في بطنها)). قال القرطبيّ تَخْلُهُ: ظاهر العطف بالفاء أن القتل وقع عقب الضرب، وليس كذلك؛ لِمَا في رواية سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة به، قال: ((إن رسول الله وَله قضى في جنين امرأة، من بني لحيان، سقط ميتاً، بغرّة: عبد، أو وليدة، ثم إن المرأة تُوفّيت))، متّفقٌ عليه، قال: وهذا نصّ في تأخّر موتها عن وقت الضرب. (٤) انتھی (٤). (قَالَ) المغيرة ◌َظُه: (وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ) بكسر اللام على المشهور، وحُكي فتحها: نسبة إلى لِحيان بطن من هُذيل، وهو: لحيان بن هُذيل بن مُدركة بن مُضَر(٥). (قَالَ) المغيرة ◌َبه: (فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِوَِّ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةٍ الْقَاتِلَةِ) قال النوويّ ◌َخْذُ: هذا دليلٌ لِمَا قاله الفقهاء: إن دية الخطأ على العاقلة إنما تختصّ بعصبات القاتل، سوى أبنائه، وآبائه. انتهى (٦). (وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا) قال القرطبيّ تَخُّْهُ: وهذا نصّ في أن الغرّة تقوم بها العاقلة، وبه قال الكوفيّون، والشافعيّ، وهو أحد قَوْلي مالك. وقيل: على الجاني، وهو المشهور من قول مالك، وقاله أهل البصرة. واختلفوا، هل تلزمه الكفّارة مع (١) ((لسان العرب)) ٣٠٣/٣. (٣) ((المفهم)) ٥٩/٥ - ٦٠ (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣. (٤) ((المفهم)) ٦٠/٥. (٥) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١٢٩/٣، و((شرح النوويّ)) ١٧٨/١١. (٦) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١١ - ١٧٩. ٣٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ الغرّة، أم لا؟، قولان: الأول لمالك. انتهى (١). (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ) هو حَمَل بن مالك بن النابغة الْهُذليّ، كما تقدّم. (أَنَغْرَمُ) بفتح الراء، يقال: غَرِمت الديةَ، والدَّينَ، وغير ذلك أَغْرَمُ، من باب تَعِبَ: أدّته، غُرْماً، ومَغْرَماً، وغَرَامةً، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: غرّمته، وأغرمته بالألف: جعلته غارماً (٢). (دِيَةَ مَنْ لَا أَكَلَ) يقال: وَدَى القاتلُ القتيلَ يَدِيهِ دِيَةً: إذا أعطى وَلِيَّه المالَ الذي هو بدل النفس، وفاؤها محذوفة، والهاء عِوَض، والأصل: وِذْيَةٌ، مثل وِعْدَةٌ، وفي الأمر تقول: دِ القتيلَ بدال مكسورة لا غير، فإن وقفت قلت: دِهْ، ثم سُمِّي ذلك المال دِيَةً تسمية بالمصدر، والجمع: دِيَاتٌ، مثل هِبَة وهِبات، وعِدة وعِدات، واتَّدَى الوليّ، على افتَعَلَ: إذا أخذ الدية، ولم يثأر بقتيله، قاله الفيّوميّ(٣). (وَلَا شَرِبَ) بكسر الراء (وَلَا اسْتَهَلَّ)؛ أي: صاح، والاستهلال هو: الصياح عند الولادة، (فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ) مبتدأ وخبر؛ أي: مِثل هذا الجنين الذي سقط ميتاً يُهدر دمه، ولا يستحقّ الضمان، ووقع في بعض النَّسخ: (بَطَل)) بالباء الموحّدة، وهو بمعناه. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و((سجعٌ)) بالرفع خبر لمقدّر؛ أي: أهذا سجعٌ مثلُ سجع الأعراب؟، والسجع - بفتح، فسكون: الكلام المقَفَّى، أو موالاة الكلام على رويّ، جَمْعه أَسجاعٌ؛ كالأُسجوعة بالضمّ، جمعه أَساجيع، وكمنع: نَطَق بكلام له فواصل، فهو سجّاعةٌ، وسجعت الحمامة: ردّدت صوتها، فهي ساجعةٌ، وسجوعٌ، قاله في ((القاموس)) (٤) . (قَالَ) المغيرة ◌َّهِ (وَجَعَلَ) وَلَِّ (عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ)؛ أي: جعل على عاقلة القاتلة أداء دية المقتولة. والحديث متّفقٌ عليه، وستأتي مسائله في شرح الحديث الآتي بعد ثلاثة أحاديث - إن شاء الله تعالى - وهو تعالى وليّ التوفيق. (١) ((المفهم)) ٦٣/٥. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٥٤/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٦/٢. (٤) ((القاموس المحيط)) ص٥٩٥. ٣٣٩ (١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٦) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٨٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضِّيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ امْرَأَةً قَتَلَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَأَتِيَ فِيهِ رَسُولُ اللهَِّ، فَقَضَى عَلَى عَاقِلَتِهَا بِالدِّيَةِ، وَكَانَتْ حَامِلاً، فَقَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ، فَقَالَ بَعْضُ عَصَبَتِهَا: أَنَدِي مَنْ لَا طَعِمَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا صَاحَ، فَاسْتَهَلَّ؟ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، قَالَ: فَقَالَ: ((سَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ)»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قريباً . ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّاء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٣ - (مُفَضَّلُ) بن الْمُهَلْهَلِ السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ نَبِيلٌ عابد [٧] (ت١٦٧) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَأَنِيَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ) ببناء الفعل للمفعول. وقوله: (فَقَالَ بَعْضُ عَصَبَتِهَا) تقدّم أنه حَمَل بن مالك وقوله: (أَنَدِي) الهمزة للاستفهام، و(نَدِي)) بفتح، فكسر: مضارع وَدَى القاتلُ القتيلَ، وتقدّم تصريفه في الحديث الماضي. وقوله: (مَنْ لَا طَعِمَ، وَلَا شَرِبَ) كلاهما من باب تَعِبَ. وقوله: (وَلَا صَاحَ)؛ أي: رفع صوته عند الولادة. وقوله: (فَاسْتَهَلَّ)؛ أي: فيقال: إنه استهلّ، ولا بدّ من تقدير مثل هذا، والاستهلال: هو الصياح عند الولادة، فلا يصحّ أن يُعطف على ((صاح)) بالفاء، أفاده السنديّ تَخُّْ في ((حاشيته على النسائيّ)). والحديث متّفقٌ عليه، ويأتي تخريجه بعد حديث - إن شاء الله تعالى -. ٣٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٨٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثٍ جَرِيرٍ ، وَمُفَضَّلٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قريباً. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) تقدّم أيضاً قريباً . ٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضاً قريباً. و((منصور)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن منصور هذه ساقها النسائيّ تَظْلَّتُهُ في ((المجتبى))، فقال: (٤٨٢٣) - أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا عبد الرحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عُبيد بن نُضَيلة، عن المغيرة بن شعبة: أن ضَرّتين ضربت إحداهما الأخرى بعمود فُسطاط، فقتلتها، فقضى رسول الله ﴿ بالدية على عصبة القاتلة، وقضى لِمَا في بطنها بغُرّة، فقال الأعرابيّ: تُغَرِّمني مَن لا أكل، ولا شرب، ولا صاح، فاستهلّ؟ فمثل ذلك يُطَلّ، فقال: ((سجعٌ كسجع الجاهلية))، وقَضَى لِمَا في بطنها بغُرّة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُّ أوّل الكتاب قال: [٤٣٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِمُ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: فَأَسْقَطَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النبيّ نَّهِ، فَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ، وَجَعَلَهُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ دِيَةَ الْمَرْأَةِ). (١) ((سنن النسائي - المجتبى)) ٥٠/٨.