Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(١٠) - بَابُ صِحَّةِ الإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينٍ وَلِيِّ الْقَتِلِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٧٩)
طلب النبيّ وَ ﴿ منه العفو، وإنما قال النبيّ ◌َ و ما قال بهذا اللفظ الذي هو
صادق فيه للإيهام لمقصود صحيح، وهو أن الوليّ ربما خاف، فعفا، والعفو
مصلحة للوليّ، والمقتولِ في دِينهما؛ لقوله ◌َير: ((يبوء بإثمك، وإثم صاحبك))،
وفيه مصلحة للجاني، وهو إنقاذه من القتل، فلمّا كان العفو مصلحة توصّل إليه
بالتعريض.
وقد قال الضمريّ(١) وغيره، من علماء أصحابنا وغيرهم: يستحب للمفتي
إذا رأى مصلحة في التعريض للمستفتي أن يُعَرِّض تعريضاً يحصل به المقصود،
مع أنه صادق فيه، قالوا: ومثاله أن يسأله إنسان عن القاتل، هل له توبة؟
ويَظْهَر للمفتي بقرينة أنه إن أفتى بأن له توبة، ترتب عليه مفسدة، وهي أن
الصائل يستهون القتل؛ لكونه يجد بعد ذلك منه مخرجاً، فيقول المفتي في
الحالة هذه: صحّ عن ابن عباس ﴿ه أنه قال: لا توبة لقاتل، فهو صادق في
أنه صح عن ابن عباس، وإن كان المفتي لا يعتقد ذلك، ولا يوافق ابن عباس
في هذه المسألة، لكن السائل إنما يفهم منه موافقته ابن عباس، فيكون سبباً
لزجره، فهكذا، وما أشبه ذلك، كمن يُسأل عن الغيبة في الصوم، هل يُفطر
بها؟ فيقول: جاء في الحديث: ((الغيبة تفطر الصائم))، والله أعلم.
وأما قوله ◌َّير: ((القاتل والمقتول في النار))، فليس المراد به في هذين،
فكيف تصحّ إرادتهما، مع أنه إنما أخذه ليقتله بأمر النبيّ وَيّ، بل المراد
غيرهما، وهو إذا التقى المسلمان بسيفيهما في المقاتلة المحرَّمة، كالقتال
عصبيةً، ونحو ذلك، فالقاتل والمقتول في النار، والمراد به التعريض، كما
ذكرناه، وسبب قوله ما قدّمناه؛ لكون الوليّ يفهم منه دخوله في معناه، ولهذا
ترك قتله، فحصل المقصود، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: التأويلان اللذان ذكرهما النوويّ في قوله ◌َلّ:
((إن قتلته كنت مثله)) نقلهما عن المازريّ، والقاضي عياض، وأحسن منهما ما
يأتي في كلام القرطبيّ كَُّ، الآتي بعدُ فتنبّه.
(١) هكذا النسخة، ولعله الصّيمريّ بالصاد المهملة، بعدها ياء، فليُحرّر.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٣/١١ - ١٧٤.

٣٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
وقال القرطبيّ تَخْتُ: ظاهره إنْ قتله كان عليه من الإثم مثل ما على القاتل
الأول، وقد صرّح بهذا في الرواية الأخرى التي قال فيها: ((القاتل والمقتول في
النار))، وهذا فيه إشكالٌ عظيم، فإن القاتل الأول قَتَل عمداً، والثاني قصاصاً،
ولذلك لَمّا سمع الوليّ ذلك، قال: يا رسول الله قلت ذلك، وقد أخذته
بأمرك؟، فاختلف العلماء في تأويل هذا على أقوال:
[الأول]: قال الإمام أبو عبد الله المازريّ: أَمْثَلُ ما قيل فيه: أنهما
استويا بانتفاء التباعة عن القاتل بالقصاص.
قال القرطبيّ: وهذا كلام غير واضح، ويعني به - والله أعلم - أن القاتل
إذا قُتل قصاصاً، لم يبق عليه تبعة من القتل، والمقتصّ لا تبعة عليه؛ لأنه
استوفى حقّه، فاستوى الجاني والوَلِيّ المقتصّ في أن كلّ واحد منهما لا تبعة
عليه .
[الثاني]: قال القاضي عياض: معنى قوله: ((فهو مثله))؛ أي: قاتلٌ مثله،
وإن اختلفا في الجواز والمنع، لكنهما اشتركا في طاعة الغضب، وشفاء
النفس، لا سيّما مع رغبة النبيّ وَّر في العفو، على ما جاء في الحديث.
قال القرطبيّ: والعجيب من هذين الإمامين، كيف قَنِعا بهذين الْخَيالين،
ولم يتأمّلا مَساق الحديث، وكأنهما لم يسمعا قول النبيّ وَّ هِ حين انطلق به
يجرّه ليقتله: ((القاتل والمقتول في النار))، وهذه الرواية مفسّرة لقوله في الرواية
المتقدّمة: ((إن قتله فهو مثله))؛ لأنها ذُكرت بدلاً منها، فعلى مقتضى قوله:
((مثله))؛ أي: هو في النار مثله، ومن هنا عَظُم الإشكال، ولا يُلتفت لقول من
قال: إن ذلك إنما قاله ◌َ﴿ للوليّ لِمَا علم منه من معصية يَستحقّ بها دخول
النار؛ لأن المعصية المقدّرة إما أن يكون لها مدخلٌ في هذه القصّة، أو لا
مدخل لها فيها، فإن كان الأولُ، فينبغي لنا أن نبحث عنها حتى نتبيّنها،
ونعرف وجه مناسبتها لهذا الوعيد الشديد، وإن لم يكن لها مدخلٌ في تلك
القضيّة، لم يلق بحكمة النبيّ وَ ﴾، ولا ببلاغته، ولا ببيانه أن يذكر وعيداً
شديداً في قضيّةٍ ذات أحوال، وأوصاف متعدّدة، ويقرُن ذلك الوعيد بتلك
القصّة، وهو يُريد أن ذلك الوعيد إنما هو لأجل شيء لم يذكره هو، ولا جرى
له ذكرٌ من غيره، ثم إن المقول له ذلك، قد فَهِم أن ذلك إنما كان لأمر جری

٣٠٣
(١٠) - بَابُ صِحَّةِ الإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينٍ وَلِيِّ الْقَتِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٧٩)
في تلك القصّة، ولذلك قال للنبيّ ◌َله: تقول ذلك، وقد أخذته بأمرك؟، ولو
كان كما قاله هذا القائل؛ لقال له النبيّ وَلهو: إنما قلت ذلك للمعصية التي
فعلتَ، أو الحالة التي أنت عليها، لا لهذا، ولَمَا كان يسكت عن ذلك، ولبادر
لبيانه في تلك الحال؛ لأن الحاجة له داعيةٌ، والنصيحة، والبيان واجبان
عليه وَّة، والله تعالى أعلم.
[الثالث]: أن أبا داود روى هذا الحديث من طريق أبي هريرة نصبه وقال
فيه: قُتل رجلٌ على عهد رسول الله وَّةَ، فرُفع إلى النبيّ ◌َّرَ، فدفعه إلى وليّ
المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله، والله ما أردت قتله، فقال رسول الله والخفره
للوليّ: ((أمَا إنه إن كان صادقاً، ثم قتلته دخلت النار))، فحاصله أن هذا
المعترف بالقتل زعم أنه لم يُرد قتله، وحَلَف عليه، فكان القتل خطأً، فكأن
النبيّ ◌َّ خاف أن يكون القاتل صدق فيما حلَف عليه، وأن القاتل يعلم ذلك،
لكن سلّمه له بحكم إقراره بالعمد، ولا شاهد يشهد له بالخطإ، ومع ذلك،
فتوقّع صدقه، فقال: ((إن قتلته دخلت النار))، فكأنه قال: إن كان صادقاً،
وعلمت أنت صدقه، ثم قتلته، فأنت في النار، وهذا على ما فيه من التكلّف
يُبطله قوله: ((القاتل، والمقتول في النار))، فسوّى بينهما في الوعيد، فلو كان
القاتل مخطئاً لَمَا استحقّ بذلك النار، ولَمَا باء بإثمه، وإثم صاحبه، فإن
المخطىء لا يكون آئماً، ولا يتحمّل إثم من أخطأ عليه.
[الرابع]: أن أبا داود روى هذا الحديث عن وائل بن حُجْرِ نَُّه، وذكر
فيه ما يدلّ على أن النبيّ وَّل﴿ قصد تخليصه، فعَرَضَ الدية، أو العفوَ على الوليّ
ثلاث مرّات، والوليّ في كلّ ذلك يأبى إلا القتل، مُعْرِضاً عن شفاعة النبيّ وَّر،
وعن حرصه على تخليص الجاني من القتل، فكأن الوليّ صدر منه جفاءٌ في
حقّ النبيّ وَِّ، حيث ردّ متأكَّدَ شفاعته، وخالفه في مقصوده، ويظهر هذا من
مساق الحديث، وذلك أن وائل بن حُجْر ◌َظُه قال: كنت عند النبيّ وَلّ، إذ
جيء برجلٍ قاتل، في عُنُقْه نِسْعَةٌ، قال: فدعا وليّ المقتول، فقال: ((أتعفو؟))،
قال: لا، فقال: ((أتأخذ الدية؟))، قال: لا، قال: ((أتقتل؟))، قال: نعم، قال:
((اذهب به))، فلما ولّى، قال: ((أتعفو؟))، قال: لا، قال: ((أفتأخذ الدية؟))،
قال: لا، قال: ((أفتقتل؟))، قال: نعم، قال: ((اذهب به))، فلما كان في

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
الرابعة، قال: ((أما إنك إن عفوت عنه، يبوء بإثمه، وإثم صاحبه))، قال: فعفا
عنه. فهذا المساق يُفهم منه صحّة قصد النبيّ وَ﴿ لتخليص ذلك القاتل، وتأكّد
شفاعته له في العفو، أو قبول الدية، فلمّا لم يلتفت الوليّ إلى ذلك كلّه،
صدرت منه ﴿ تلك الأقوال الوعيديّة، مشروطةً باستمراره على لَجَاجِه، ومُضيّه
على جفائه، فلمّا سمع الوليّ ذلك القول عفا، وأحسن، فقُبل، وأُكرم، وهذا
أقرب من تلك التأويلات، والله أعلم بالمشكلات، وهذا الذي أشار إليه ابن
أشوع، حيث قال: إن النبيّ وَّفي سأله أن يعفو، فأبى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن أشوع المذكور هو الآتي
للمصنّف في الرواية التالية لهذه الرواية - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: قال القرطبيّ: إنما عَظُم الإشكال من جهة قوله وَّ: ((القاتل
والمقتول في النار))، ولَمّا كان ذلك قال بعض العلماء: إن هذا اللفظ - يعني:
قوله: ((القاتل والمقتول في النار)) -، إنما ذكره النبيّ وَّر في حديث آخر، وهو
قوله : ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار)) متفقّ
عليه، فَوَهِم بعض الرواة، فضمّه إلى هذا الحديث الآخر.
قال القرطبيّ: وهذا بعيدٌ، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي قاله القرطبيّ كَّثُ في
تأويل قوله وَّجه: ((إنْ قَتَله، فهو مثله)) تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ (٢) قُلْتَ: ((إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ))،
وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرَِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ) بهمزة، بعد الواو؛ أي:
ينقلب، ويرجع، قال القرطبيّ كَّتُهُ: وأكثر ما يُستعمل باء بكذا في الشرّ، ومنه
قوله تعالى: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] انتهى. (بِإِثْمِكَ وَإِثْم
صَاحِبِكَ؟)) قال القرطبيّ كَّثُ: يعني بذلك - والله تعالى أعلم - أن المقتولَ
ظلماً تُغفر ذنوبه عند قتل القاتل له، والوليّ يُغفر له عند عفوه عن القاتل، فصار
(١) ((المفهم)) ٥٤/٥ - ٥٨.
(٢) وفي نسخة: ((يا رسول الله، بلغني أنك قلت)).

٣٠٥
(١٠) - بَابُ صِحَّةِ الإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينٍ وَلِيِّ الْقَتِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٧٩)
ذهاب ذنوبهما بسبب القاتل، فلذلك قيل عنه: إنه باء بذنوب كلّ واحد منهما.
هذا أحسن ما قيل فيه، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
وقال السنديّ تَخْلُ: ظاهره أن الوليّ إذا عفا عن القاتل بلا مال يتحمّل
القاتل إثم الوليّ والمقتول جميعاً، ولا يخلو عن إشكال، فإن أهل التفسير قد
أوّلوا قوله تعالى: ﴿إِنِّ أُرِيدُ أَن تَبُوَّأَ بِثْمِى وَإِّكَ﴾ الآية [المائدة: ٢٩]، فضلاً
عن إثم الوليّ، ولعل الوجه في هذا الحديث أن يقال: المراد برجوعه بإثمهما
هو رجوعه متلبّساً بزوال إثمهما عنهما .
ويَحْتَمِل أنه تعالى يرضى بعفو الوليّ، فيغفر له، ولمقتوله، فيرجع
القاتل، وقد أُزيل عنهما إثمهما بالمغفرة.
والمشهور هي الرواية الآتية، وهي: ((يبوء بإثمه، وإثم صاحبه))؛ أي:
المقتول، وقيل في تأويله: أي: يرجع متلبّساً بإثمه السابق، وبالإثم الحاصل له
بقتل صاحبه، فأُضيف إلى الصاحب؛ لأدنى ملابسة، بخلاف ما لو قُتِلَ، فإن
القتل يكون كفّارة له عن إثم القتل، وهذا المعنى لا يصلح للترغيب، إلا أن
يقال: الترغيب باعتبار إيهام الكلام بالمعنى الظاهر، ويجوز الترغيب بمثله
توسّلاً به إلى العفو، وإصلاح ذات البين، كما يجوز التعريض في محلّه. والله
تعالى أعلم. انتهى.
وقال النوويّ تَخْذَلُهُ: قيل: معناه يتحمّل إثم المقتول بإتلافه مهجته، وإثم
الوليّ؛ لكونه فَجَعه في أخيه، ويكون قد أُوحي إليه ◌َ له بذلك، في هذا الرجل
خاصة، ويَحْتَمِل أن معناه: يكون عفوك عنه سبباً لسقوط إثمك، وإثم أخيك
المقتول، والمراد إثمهما السابق بمعاصٍ لهما متقدمة، لا تعلّق لها بهذا
القاتل، فيكون معنى ((يبوء)) يُسقط، وأطلق هذا اللفظ عليه مجازاً. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأقرب ما استحسنه القرطبيّ نَظّثهُ،
في كلامه السابق، وحاصله أن القاتل تسبب في حصول المغفرة لكلّ من
المقتول بقتله، والوليّ لَمّا عفا عنه، فصحّ نسبة ذهاب ذنوبهما إليه، والله تعالى
أعلم.
(١) ((المفهم)) ٥٨/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٤/١١ - ١٧٥.

٣٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
(قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ) وقوله: (لَعَلَّهُ، قَالَ: بَلَى) من كلام الراوي حيث شكّ
في لفظ ((بلى)) بعد قوله: ((يا نبيّ الله))، فـ((بلى)) جواب لوليّ القتيل أجاب به
النبيّ ◌َ﴿ في سؤاله بقوله: ((أما تريد أن يبوء بإثمك، وإثم صاحبك؟))، فقال:
بلی؛ أي: أريد ذلك.
(قَالَ) بَِّ ((فَإِنَّ ذَاكَ) إشارة إلى كونه يبوء بإثمه وإثم صاحبه إن عفا عنه،
(كَذَاكَ)))؛ أي: كما قلت لك: إنه يبوء ... إلخ (قَالَ) الراوي، وهو وائل بن
(فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ)؛ أي: فرمى وليّ المقتول بالنسعة التي كان يقود بها
حُجْر
القاتل (وَخَلَّى سَبِيلَهُ)؛ أي: تركه يذهب حيث شاء، وفي رواية النسائيّ: ((فعفا
عنه، فأرسله، قال: فرأيته يجرّ نسعته))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث وائل بن حجر ظه هذا من أفراد
المصنّف نَذَتْهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٧٩/١٠ و٤٣٨٠] (١٦٨٠)، و(أبو داود) في
((الديات)) (٤٤٩٩ و٤٥٠١)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (٢٢/٤)، و(النسائيّ) في
((القسامة)) (٤٢٣ و٤٧٢٦ و٤٧٢٨ و٤٧٢٩ و٤٧٣١) وفي ((آداب القضاة))
(٥٤١٧) وفي ((الكبرى)) (٦٩٢٥ و٦٩٢٨ و٦٩٢٩ و٦٩٣١)، و(ابن ماجه) في
((الديات)) (٨٩٧/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦٣/٥)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (٢٢٥٣)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٢٦/١ و٥٤) و((التفسير))
(١٧٣/١٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٧/٢٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٥٤/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القصاص في القتل العمد.
٢ - (ومنها): أن فيه الإغلاظَ على الْجُنَاة، وربطهم، وإحضارهم إلى وليّ
الأمر.

٣٠٧
(١٠) - بَابُ صِحَّةِ الإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينٍ وَلِيِّ الْقَتِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٠)
٣ - (ومنها): أن فيه سؤالَ المدعَى عليه، عن جواب الدعوى، فلعله
يُقِرُّ، فيستغني المدعي، والقاضي عن التعب في إحضار الشهود، وتعديلهم،
ولأن الحكم بالإقرار حكمٌ بيقين، وبالبينة حكم بالظن.
٤ - (ومنها): سؤالُ الحاكم، وغيره الوليّ عن العفو عن الجاني.
٥ - (ومنها): أن فيه جوازَ العفو بعد بلوغ الأمر إلى الحاكم.
٦ - (ومنها): جوازُ أخذ الدية في قتل العمد؛ لقوله ◌َّ في تمام
الحديث: ((هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟)).
٧ - (ومنها): قبول الإقرار بقتل العمد.
٨ - (ومنها): ما قال القاضي عياض رَّتُهُ: فيه أن قتل القصاص لا يكفّر
ذنب القاتل بالكلية، وإن كفّرها بينه وبين الله تعالى، كما جاء في الحديث
الآخر: ((فهو كفارة له، ويبقى حق المقتول)).
٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّتُ: في قوله وَله: ((أتقتله؟)) من الفقه
سماع دعوى المدّعي في الدم قبل إثبات الموت، والولاية، ثم لا يثبت الحكم
حتى يثبت كلُّ ذلك.
[فإن قيل]: فقد حكم النبيّ ◌َّ على القاتل في هذا الحديث من غير
إثبات ولاية المدّعي؟.
[فالجواب]: أن ذلك كان معلوماً عند النبيّ ◌َلتر، وعند غيره، فاستغنى
عن إثباته لشهرة ذلك.
١٠ - (ومنها): استقرار المدّعى عليه بعد سماع الدعوى لإمكان إقراره،
فتسقط وظيفة إقامة البيّنة عن المدّعي، كما جرى في هذا الحديث، قاله
القرطبيّ كَُّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٨٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
(١) ((المفهم)) ٥/ ٥٢.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
أَتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِرَجُلِ قَلَ رَجُلاً، فَأَقَادَ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ مِنْهُ، فَانْطَلَقَ بِهِ، وَفِي
عُنُقِهِ نِسْعَةٌ يَجُرُّهَا، فَلَمَّا أَدْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))،
فَأَتَى رَجُلُ الرَّجُلَ، فَقَالَ لَهُ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ، فَخَلَّى عَنْهُ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ
سَالِمِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهـ
إِنَّمَأْ سَأَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، فَأَبَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضبيّ، أبو عثمان الواسطيّ الْبَزّاز، نزيل بغداد،
لقبه سعدويه، وسَمَّى ابن حِبّان جدّه كنانةَ، وسَمَّى ابن عساكر جدّه نَشيطاً،
فوَهِمَ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن سليمان بن كثير، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة،
والليث بن سعد، ومبارك بن فضالة، وزهير بن معاوية، وهشيم، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، وأبو داود بلا واسطة، والباقون بواسطة محمد بن
عبد الرحيم صاعقة، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، ومحمد بن حاتم بن
ميمون، وهارون الحمّال، والذُّهْليّ، والدارميّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة مأمون، ولعله أوثق من عَفّان، وقال صالح بن محمد
عنه: ما دَلَّستُ قط، ليتني أُحَدِّث بما قد سمعت، قال: وسمعته يقول:
حججت ستين حجة، وقال الدُّوريّ: سئل ابن معين عنه، وعن عمرو بن عون،
فقال: كان سعدويه أَكْيَسهما، وقال جعفر الطيالسيّ، عن ابن معين: كان
سعدويه قبل أن يُحَدِّث أَكْيَس منه حين حَدَّثَ، وقال عبد الله بن أحمد عن
أبيه: كان صاحب تصحيف ما شئتَ، وقال العجليّ: واسطيّ ثقةُ، قيل له
بعدما رجع من المحنة: ما فعلتم؟ قال: كَفَرْنَا، ورَجَعنا، وقال ابن سعد: كان
ثقةً كثير الحديث، تُوُفّي ببغداد لأربع خلون من ذي الحجة سنة خمس وعشرين
ومائتين، وقال السَّرّاج: سمعت عبدوس بن مالك يقول: سمعت مولى سعدويه
يقول: مات وله مائة سنة، وذكره ابن حِبّان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.

٣٠٩
(١٠) - بَابُ صِحَّةِ الإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينٍ وَلِيِّ الْقَتِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٠)
٣ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير الواسطيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الأسديّ، أبو يحيى الكوفيّ، نزل بغداد قبل أن
تُبْنَى، ويقال: إنه أخو محمدً بن سالم، ثقةٌ ثبتٌ [٦].
رَوَى عن الشعبيّ، وحبيب بن أبي ثابت، وعلقمة بن وائل، وأبي صالح
السمان، وسعيد بن المسيِّب، وغيرهم.
وروى عنه ابنه يحيى، والعلاء بن المسيَّب، وهشيم، وأبو عوانة،
والثوريّ، وغيرهم.
قال ابن المدينيّ: له نحو عشرة أحاديث، وقال ابن سعد: كان ثقةً ثبتاً،
وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: فراس أقدم موتاً من إسماعيل، وإسماعيل
أوثق منه، فراس فيه شيء من ضعف، وإسماعيل أحسن منه استقامةً، وأقدم
سماعاً، سمع من سعيد بن جبير، وكذا قال مسلم، عن أحمد، وقال عبد الله،
عن أبيه أيضاً: ثقةٌ ثقةٌ، وقال المروزيّ، عن أحمد: ليس به بأس، وهو أكبر
من مُطَرِّف، ثم قال: قد كانت عنده أحاديث الشيعة، وقد نَظَر له شعبة في
كتبه، وقال أبو داود: سألت أحمد عنه، فقال: بَخ، قال: وسمعته يقول:
صالح الحديث، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، أوثق من أساطين
مسجد الجامع، سمع من هشيم، وقال ابن أبي مريم وغيره عنه: ثقة، زاد ابن
أبي مريم: حجةٌ، وقال الدُّوريّ عنه: سمع إسماعيلُ من أبي صالح ذكوان،
وقد سمع من أبي صالح باذام، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ، وابن
خِرَاش، والدار قطنيّ: ثقة، وقال أبو حاتم أيضاً: مستقيم الحديث، وقال ابن
عديّ: له أحاديث يُحَدِّث عنه قوم ثقات، وأرجو أنه لا بأس به، وقال يعقوب
الفَسَويّ: لا بأس به، كوفيّ ثقةٌ، وقال أبو عليّ الحافظ: ثقةٌ عَسِرٌ في
الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود،
والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (أُتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِرَجُلٍ) ببناء الفعل للمفعول.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
وقوله: (فَأَقَادَ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ مِنْهُ)؛ أي: حَكَم النبيّ وَّهِ بإجراء القَوَد، وهو
القصاص، ومگّن منه.
وقوله: (فَانْطَلَقَ بِهِ)؛ أي: ذهب وليّ المقتول بالقاتل؛ ليقتصّ منه.
وقوله: (وَفِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ يَجُرُّهَا) في محلّ نصب جملة حاليّة من الضمير
المجرور في ((به)).
وقوله: (فَلَمَّا أَدْبَرَ)؛ أي: ذهب الرجل من مجلس النبيّ وَّل.
وقوله: (الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) تقدّم اختلاف العلماء في تأويله، في
الحديث الماضي، فلا تغفل.
وقوله: (فَأَتَى رَجُلٌّ الرَّجُلَ) لا يُعرف الرجلان، والرجل الثاني هو وليّ
الدم .
وقوله: (فَقَالَ لَهُ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿)؛ أي: ذَكَر له قوله ◌َّى: ((القاتل
والمقتول في النار)).
وقوله: (فَخَلَّى عَنْهُ)؛ أي: ترك القاتل، بعد أن راجع النبيّ ◌َّ في ذلك،
وتأكّد صدور هذا الكلام منه.
وقوله: (قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ)؛
أي: ذكرت هذا الحديث، وفيه قوله بَّليه: ((القاتل والمقتول في النار)).
وحبيب بن أبي ثابت، واسم أبيه قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ
مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣]
(ت١١٩) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١.
وقوله: (حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ) هو: سعيد بن عمرو بن أشوع الْهَمْدانيّ
الكوفيّ قاضيها، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٦] مات في حدود (١٢٠) (خ م ت) تقدم
في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
وقوله: (إِنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، فَأَبِى) أراد ابن أشوع بهذا الكلام أن يبيّن
سبب قوله : ((القاتل والمقتول في النار))، وذلك أن الرجل أعرض عن
طاعته وَّ، حيث عَرَض عليه العفو، ثم الدية ثلاث مرّات، فأبى، ورفض
شفاعته لله، وحِرْصه على تخليص الجاني من القتل، وصدر منه الجفاء في
حقّه وَّ، فقال عند ذلك: ((القاتل والمقتول في النار)).

٣١١
(١٠) - بَابُ صِحَّةِ الإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينٍ وَلِيِّ الْقَبِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٠)
وقال الأبيّ كَُّهُ: كون الوليّ من أهل النار إنما هو لأمر آخر عَلِمه
النبيّ وَّ، لا من أجل قصاصه، أو يكون استحقّ ذلك؛ لإغضابه وَلو إذ لم
يقبل ما أمره به من العفو مرّة بعد أخرى، فإنه جاء أنه أَمَره أربع مرّات،
وفي كلّها يأبى، وقيل: ليس المراد بقوله: ((القاتل والمقتول في النار)) هذين
الشخصين؛ لأنه كيف يصحّ، وقد أباح له قتله؟ وإنما قاله وَلير في المتقاتلين
عصبيّةً، كقوله: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار))،
فلما سَمِع الوليّ هذا لم يفهم معناه، وتورّع لعمومه، وهذا التأويل بعيد من
لفظ الحديث، ومن إقرار النبيّ وَّر على تركه، وهو موضع بيان، وقال
النوويّ: ليس ببعيد؛ لأن المقصود به التعريض، كما تقدّم للقاضي عياض.
وفي الحديث أن قَتْل القصاص لا يُكفّر ذنب القاتل بالكليّة، وإنما يكفّر
ما بينه وبين الله وم، كما جاء في الحديث الآخر: ((فهو كفّارة له)).
وقال ابن رُشد: إذا أقيد من القاتل، فمن أهل العلم من يقول: إن
القصاص كفّارة له؛ لحديث عبادة بن الصامت به: ((ومن أصاب من ذلك
شيئاً فعوقب، فهو كفّارة له ... )) الحديث، متّفق عليه، ومنهم من قال: لا
تكون كفّارةً؛ لأن القتيل لا منفعة له في القصاص، وإنما ينتفع به الأحياء؛
لينزجر الناس عن القتل، فالقصاص على هذا القول مخصّص لعموم حديث
عبادة بن الصامت ربه المذكور، ويبقى الحديث مستعملاً فيما هو من
حقوق الله لا يتعلّق به حقّ لمخلوق، ويشهد لكون الحدود لا تكون كفّارةً قوله
تعالى في المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِِ الدُّنْيَّاً وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. انتهى كلام الأبيّ كَذَقُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) (شرح الأبيّ)) ٤٢٨/٤ - ٤٢٩.

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
(١١) - (بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، وَشِبْهِ
الْعَمْدِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي)
[٤٣٨١] (١٦٨١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ امْرَأَتَيْنٍ مِنْ هُذَيْلِ، رَمَتْ
إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ النَّبِيُّ وَهِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (أَبُو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُله تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، وشرح الحديث يأتي في
الذي بعده، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا، والله تعالى أعلم.
[٤٣٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ،
مِنْ بَنِي لِحْيَانَ، سَقَطَ مَيِّتاً، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا
بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا، وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى
عَصَبَتِهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت ٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة إمام [٧] (١٧٥) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤١٢.
٣ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد بن الْمُسَيِّب بن حَزْن بن أبي وهب

٣١٣
(١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٢)
المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، من
كبار [٣] مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن رجاله كلهم رجال الجماعة، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه،
فبغلانيّ، والليث، فمصريّ، وأنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة ◌ُئه، وفيه رواية
تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة المعروفين بالمدينة،
(ومنها): أن فيه أبا هريرة له أحفظ من روى الحديث في دهره، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ) هكذا في رواية الليث، وفي رواية يونس التالية: ((عن
ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، وأبي سلمة))، وفي رواية معمر، عن الزهريّ،
عن أبي سلمة، وتقدّم في أول الباب من رواية يحيى بن يحيى: ((عن مالك،
عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن))، وعند النسائيّ في رواية ابن
القاسم: ((عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب))، مرسلاً، وكلها
طرق صحيحة، ثابتة، لا تعارض بينها .
قال في ((الفتح)) في رواية مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن ما حاصله: كذا قال عبد الله بن يوسف، عن مالك، وقال - كما
في الباب الذي يليه - عن الليث، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
وكِلا القولين صواب، إلا أن مالكاً كان يرويه عن ابن شهاب، عن سعيد
مرسلاً، وعن أبي سلمة موصولاً، وقد مضى في ((الطب)) عن قتيبة، عن مالك
بالوجهين، وهو عند الليث من رواية أبي سلمة أيضاً، لكن بواسطة، كما تقدم
في ((الطب)) أيضاً، عن سعيد بن عُفَير، عن الليث، عن عبد الرحمن بن خالد،
عن ابن شهاب، ورواه يونس بن يزيد، عن ابن شهاب عنهما جميعاً، كما في
الباب الذي يليه أيضاً، ورواه معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده،
أخرجه مسلم، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، من طريق محمد بن عمرو، عن

٣١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
أبي سلمة. انتهى(١).
◌َظُهُ (أَنَّهُ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ)
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
الجنين بجيم، ونونين، بوزن عَظِيم: حَمْلُ المرأة ما دام في بطنها، سُمّ بذلك
لاستتاره، فإن خرج حيّاً فهو ولدٌ، أو ميتاً فهو سِقْطٌ، وقد يُطلق عليه جنين،
قال الباجيّ في ((شرح ((الموطأ)): الجنين: ما ألقته المرأة مما يُعرف أنه ولد،
سواء كان ذكراً أو أنثى، ما لم يستهلّ صارخاً، كذا قال، ذكره في ((الفتح))(٢).
(مِنْ بَنِي لِحْيَانَ) - بكسر اللام، وسكون المهملة - ابن هُذيل بن مُدركة بن
إلياس بن مُضَر، وفي رواية مالك السابقة: ((أن امرأتين من هُذيل رمت
إحداهما الأخرى))، وفي رواية يونس التالية: ((اقتتلت امرأتان، من هُذيل،
فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها))، وفي رواية حَمَل بن مالك عند
النسائيّ: ((إحداهما لحيانيّة))، ولحيان بطن من هذيل، وهاتان المرأتان كانتا
ضرّتين، وكانتا تحت حَمَل بن النابغة الْهُذَلي، فعند النسائيّ من طريق ابن
جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر ظُه، أنه
نشد قضاء رسول الله ◌َ﴿ في ذلك، فقام حَمَل بن مالك، فقال: كنت بين
حُجرتي امرأتين، وفي رواية أبي داود: بين امرأتين، فضربت إحداهما
الأخرى ... الحديث، هكذا رواه موصولاً، وأخرجه الشافعيّ، عن سفيان بن
عيينة: ((عن عمر))، فلم يذكر ((ابن عباس)) في السند، ولفظه: أن عمر قال:
(أُذَكِّرُ اللهَ امرءاً سمع من النبي ◌ِّر في الجنين شيئاً))، وكذا قال عبد الرزاق،
عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: ((أن عمر استشار))، وأخرج الطبراني من
طريق أبي الْمَلِيح بن أسامة بن عُمير الْهُذلي، عن أبيه، قال: كان فينا رجل،
يقال له: حَمَلُ بن مالك، له امرأتان: إحداهما: هذلية، والأخرى عامرية،
فضربت الهذلية بطن العامرية، وأخرجه الحارث، من طريق أبي المليح،
فأرسله، لم يقل: ((عن أبيه))، ولفظه: أن حمل بن النابغة، كانت له امرأتان:
مُليكة، وأم عفيف، وأخرج الطبراني من طريق عون بن عُويم، قال: كانت
(١) ((الفتح)) ١٠٥/١٦ - ١٠٦.
(٢) ((الفتح)) ١٠٥/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠٤).

٣١٥
(١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَّةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٢)
أختي مليكة، وامرأة منا يقال لها: أم عفيف بنت مسروح، تحت حَمَل بن
النابغة، فضربت أم عفيف مليكة، ووقع في رواية عكرمة، عن ابن عباس في
آخر هذه القصة، قال ابن عباس: ((إحداهما مليكة، والأخرى أم غُطيف))،
أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وبالآخر جزم الخطيب في ((المبهمات))، وزاد
بعض شُرّاح ((العمدة)): وقيل: أم مكلف، وقيل: أم مليكة. انتهى ما في
((الفتح)) بتصرّف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((أم عفيف)) هكذا نسخة ((الفتح))،
والذي عند النسائيّ، وأبي داود: ((أم غُطيف))، بِالْغَين المعجمة، وفي
(الإصابة)): ((أم عفيف))، ويقال: أم غُطيف بنت مسروح الهذليّة، زوج حَمَل بن
مالك الهُذليّ، تقدّم ذكرها في مليكة. انتهى.
(سَقَطَ مَيِّتاً)؛ أي: بعد أن ضربتها، ففي رواية يونس التالية: ((رمت
إحداهما الأخرى بحجر))، وفي حديث المغيرة بن شعبة ظه الآتي: ((ضربت
ضرّتها بعمود فُسطاط، فقتلتها)).
(بِغُرَّةٍ) متعلّق بـ«قضى)) (عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ) المشهور تنوين ((غُرّة))، وما بعده
بدل منه، أو عطف بيان، ورواه بعضهم بالإضافة، و((أو)) للتقسيم، لا للشكّ،
فإن كلّاً من العبد، والأمة يقال له: ((غُرّة))، إذ الغرّة اسم للإنسان المملوك،
ويُطلق على مَعانٍ أُخَر أيضاً، قاله السنديّ.
وقال في ((المغني)) (٢): يقال: غُرَّةٌ، عبدٌ بالصفة، وغُرَّةُ عبدٍ بالإضافة،
والصفة أحسن؛ لأن الغرة اسم للعبد نفسه، قال مهلهل [من الرجز]:
كُلُّ قَتِيلِ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهْ حَتَّى يَنَالِ الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ
وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((بغرّة عبد»، ضبطناه على شيوخنا في الحديث
والفقه، ((بغرة)) بالتنوين، وهكذا قيّده جماهير العلماء في كتبهم، وفي مصنفاتهم
في هذا، وفي شروحهم، وقال القاضي عياض: الرواية فيه ((بغرة)) بالتنوين،
وما بعده بدل منه، قال: ورواه بعضهم بالإضافة، قال: والأول أوجَه وأقْيَس،
(١) ((الفتح)) ١٠٦/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠٤).
(٢) ((المغني)) ١٢/ ٥٩.

٣١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
وذكر صاحب ((المطالع)) الوجهين، ثم قال: الصواب رواية التنوين، قلنا: ومما
يؤيده، ويوضحه رواية البخاريّ في ((صحيحه)) في ((كتاب الديات)) في ((باب دية
جنين المرأة))، عن المغيرة بن شعبة، قال: ((قضى رسول الله بَ له بالغرة، عبداً،
أو أمةً))، وقد فَسَّر الغرة في الحديث بعبد، أو أمة.
قال العلماء: و((أو)) هنا للتقسيم، لا للشك، والمراد بالغرة عبدٌ، أو
أمةٌ، وهو اسم لكل واحد منهما، قال الجوهريّ: كأنه عبَّر بالغرة عن الجسم
كله، كما قالوا: أعتق رقبة، وأصل الغرة: بياض في الوجه، ولهذا قال أبو
عَمْرو - يعني: ابن العلاء -: المراد بالغرة: الأبيض منهما خاصة، قال: ولا
يجزي الأسود، قال: ولولا أن رسول الله وسلم أراد بالغرة معنى زائداً، على
شخص العبد والأمة، لَمَا ذَكَرها، ولاقتصر على قوله: ((عبد، أو أمة)). هذا
قول أبي عمرو، وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء: أنه تجزي فيها السوداء،
ولا تتعيَّن البيضاء، وإنما المعتبر عندهم أن تكون قيمتها عشر دية الأم، أو
نصف عشر دية الأب، قال أهل اللغة: الغرة عند العرب أنفس الشيء،
وأُطلقت هنا على الإنسان؛ لأن الله تعالى خلقه في أحسن تقويم.
وأما ما جاء في بعض الروايات، في غير ((الصحيح)): ((بغرة عبد، أو
أمة، أو فرس، أو بغل))، فرواية باطلة، وقد أخذ بها بعض السلف، وحُكِيَ
عن طاوس، وعطاء، ومجاهد: أنها عبد، أو أمة، أو فرس، وقال داود: كل
ما وقع عليه اسم الغرة يُجزي. انتهى كلام النوويّ تَذَفُهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قال الإسماعيليّ: قرأه العامة بالإضافة، وغيرهم
بالتنوين، وحَكَى القاضي عياض الخلاف، وقال: التنوين أوجه؛ لأنه بيان
للغرة ما هي، وتوجيه الآخر أن الشيء قد يضاف إلى نفسه، لكنه نادر، وقال
الباجي: يَحْتَمِل أن تكون ((أو)) شكّاً من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة،
ويَحْتَمِل أن تكون للتنويع، وهو الأظهر، وقيل: المرفوع من الحديث قوله:
(بغرة))، وأما قوله: ((عبد، أو أمة)) فشك من الراوي في المراد بها، قال: وقال
مالك: الحمرانُ أولى من السودان في هذا، وعن أبي عمرو بن العلاء قال:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/١١ - ١٧٦.

٣١٧
(١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٢)
الغرة عبد أبيض، أو أمة بيضاء، قال: فلا يجزي في دية الجنين سوداء، إذ لو
لم يكن في الغرة معنى زائد، لَمَا ذكرها، ولقال: عبد، أو أمة، ويقال: إنه
انفرد بذلك، وسائر الفقهاء على الإجزاء، فيما لو أخرج سوداء، وأجابوا بأن
المعنى الزائد كونه نفيساً، فلذلك فسّره بعبد أو أمة؛ لأن الآدمي أشرف
الحيوان، وعلى هذا فالذي وقع في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة، من زيادة ذكر الفرس في هذا الحديث وَهَم، ولفظه: (غرة: عبد،
أو أمة، أو فرس، أو بغل))، ويمكن إن كان محفوظاً أن الفرس هي الأصل في
الغرة، كما تقدم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور
من إجزاء العبد الأسود هو الحقّ؛ لأن المراد بالغرّة هو الشيء النفيس، والله
تعالى أعلم.
(ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ) يَحْتَمل أن يكون بالبناء للفاعل، أو للمفعول،
(عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ) قال النوويّ تَقُ: قال العلماء: هذا الكلام قد يوهم
خلاف مراده، فالصواب أن المرأة التي ماتت هي الْمَجْنِيّ عليها، أمُّ الجنين،
لا الجانية، وقد صرّح به في الحديث بعده بقوله: ((فقتلتها، وما في بطنها))،
فيكون المراد بقوله: ((التي قضى عليها بالغرة))؛ أي: التي قَضَى لها بالغرة،
فعبَّر بـ((عليها)) عن (لها)). انتهى(٢) .
(فَقَضَى رَسُولُ اللهِ وَهِ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا، وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى
عَصَبَتِهَا) المراد: عصبة القاتلة، وكأن تخصيص الميراث لبنيها وزوجها لكونهم
هم الذين وُجدوا من الورثة في هذه الواقعة، وإلا فالظاهر أن ميراثها لورثتها
أيّاً كانوا، ويدلّ على ذلك ما في الرواية التالية بلفظ: ((وورّثها ولدها، ومن
معهم)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ١٠٩/١٦.
(٢) (شرح النوويّ)) ١١/ ١٧٧.

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٨١/١١ و٤٣٨٢ و٤٣٨٣ و٤٣٨٤] (١٦٨١)،
و(البخاريّ) في ((الطبّ)) (٥٧٥٨ و٥٧٦٠) و((الفرائض)) (٦٧٤٠) و((الديات))
(٦٩٠٤ و٦٩٠٩ و٦٩١٠)، و(أبو داود) في ((الديات)) (٤٥٧٦ و٤٥٧٧
و٤٥٧٩)، و(الترمذيّ) في ((الديات)) (١٤١٠ و٢١١١)، و(النسائيّ) في
((القسامة)) (٤٨١٩ و٤٨٢٠ و٤٨٢١ و٤٨٢٢) و((الكبرى)) (٧٠٢١ و٧٠٢٢
و٧٠٢٣ و٧٠٢٤)، و(ابن ماجه) في ((الديات)) (٢٦٣٩)، و(مالك) في ((الموطأ))
(١٦٠٨)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (١٠٢/٢ - ١٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٣٩١/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣٨/٢ و٤٩٨ و٥٣٥ و ٥٣٩)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٧٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠١٧
و٦٠١٨)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٥/٣)، و(أبو عوانة) في
(مسنده) (١٠٩/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٠٢/٨)، و(الدارقطنيّ) في
((سننه)) (١١٤/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٢/٨ - ١١٣) و((المعرفة)) (٦/
٢٤٠) و((الصغرى)) (١٢٩/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٥٤٣ -٢٥٤٤)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان دية جنين المرأة إذا أسقطته ميتاً.
٢ - (ومنها): بيان أن دية الجنين يُسمّى بالغرّة، ثم فُسّر في الحديث بأنه
عبد أو أمة.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ دَخَّتُهُ: اتفق العلماء على أن دية الجنين هي
الغرّة، سواء كان الجنين ذكراً، أو أُنثى، قالوا: وإنما كان كذلك؛ لأنه قد
يخفى، فيكثر فيه النزاع، فضبطه الشرع بضابط، يقطع النزاع، وسواء كان خَلْقه
كامل الأعضاء، أم ناقصها، أو كان مضغة، تَصوَّر فيها خَلْق آدمي، ففي كل
ذلك الغرة بالإجماع، ثم الغرة تكون لورثته على مواريثهم الشرعية، وهذا
شخص يُورَث ولا يَرِث، ولا يُعرف له نظير، إلا مَن بعضه حُرّ، وبعضه رقيق،
فإنه رقيق لا يرث عندنا، وهل يورَث؟ فيه قولان: أصحهما يورَث.
وهذا مذهبنا، ومذهب الجماهير، وحَكَى القاضي عياض عن بعض

٣١٩
(١١) - بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَّإِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٨٢)
العلماء: أن الجنين كعضو من أعضاء الأم، فتكون ديته لها خاصة.
(واعلم): أن المراد بهذا كله، إذا انفصل الجنين ميتاً، أما إذا انفصل
حياً، ثم مات، فيجب فيه كمال دية الكبير، فإن كان ذكراً وجب مائة بعير،
وإن كان أنثى فخمسون، وهذا مجمع عليه، وسواء في هذا كله العمد والخطأ،
ومتى وجبت الغرة فهي على العاقلة، لا على الجاني، هذا مذهب الشافعيّ،
وأبي حنيفة، وسائر الكوفيين .
، وقال مالك، والبصريون: تجب على
الجاني.
وقال الشافعيّ، وآخرون: يلزم الجاني الكفارة، وقال بعضهم: لا كفارة
عليه، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة ها، والله أعلم. انتهى كلام
النوويّ كَذَتُهُ(١) .
٤ - (ومنها): ما استنبطه الجمهور من قوله: ((غرّة)) أن أقل ما يجزي من
العبد، أو الأمة ما سَلِمَ من العيوب، التي يثبت بها الردّ في البيع؛ لأن المَعيب
ليس من الخيار.
٥ - (ومنها): أنه استَنْبَط الشافعيّ تَخْذَتُ منه أن يكون منتفَعاً به، فَشَرَط أن
لا ينقص عن سبع سنين؛ لأن من لم يبلغها لا يستقل غالباً بنفسه، فيحتاج الى
التعهد بالتربية، فلا يُجْبَر المستحقّ على أخذه.
٦ - (ومنها): أن بعضهم أخذ من لفظ الغلام أن لا يزيد على خمس
عشرة، ولا تزيد الجارية على عشرين، ومنهم من جعل الحدّ ما بين السبع
والعشرين، والراجح كما قال ابن دقيق العيد أنه يجزئ، ولو بلغ الستين وأكثر
منها، ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم.
٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على عدم وجوب القصاص في القتل بالمثقّل؛
لأنه وَل﴿ لم يأمر فيه بالقَوَد، وانما أمر بالدية.
وأجاب من قال به بأن عمود الفسطاط، يختلف بالكِبَر والصِّغَر، بحيث
يقتل بعضه غالباً، ولا يقتل بعضه غالباً، وطَرْدُ المماثلة في القصاص، إنما
يُشْرَع فيما إذا وقعت الجناية بما يَقتل غالباً .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٦/١١.

٣٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر أنه إنما لم يوجب فيه القود؛
لأنها لم يقصد مثلها، وشَرْط القوَد العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حجة
فيه للقتل بالمثقّل، ولا عكسه، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في دية الجنين:
قال العلامة ابن قدامة كَّثُ ما حاصله: قول أكثر أهل العلم: إن في
جنين الحرة المسلمة غُرّةً، وممن رُوي ذلك عنه: عمر بن الخطاب، وعطاء،
والشعبيّ، والنخعيّ، والزهريّ، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقد ثبت أنّ عمر څله، استشار الناس
في إملاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: ((شهدت النبيّ وَّ، قضى فيه بغرّة
عبد، أو أمة، قال: لتأتينّ بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة)). متّفقٌ
عليه .
وعن أبي هريرة به، قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما
الأخرى ... وفيه: ((فقضى رسول الله وَله، أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى
بدية المرأة على عاقلتها، وورَّثها ولدها، ومن معهم))، متفق عليه. والغرّة:
عبد، أو أمة، سُمّيا بذلك لأنهما من أنفس الأموال، والأصل في الغرة
الخيار.
[فإن قيل]: فقد رُوي في هذا الخبر: ((أو فرس، أو بغل))؟.
[قلنا]: هذا لا يثبت، رواه عيسى بن يونس، ووَهِمَ فيه، قاله أهل النقل،
والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه عبد أو أمة.
قال: وإنما تجب الغرّة، إذا سقط من الضربة، ويُعلم ذلك بأن يسقط
عقيب الضرب، أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط، ولو قَتَل حاملاً لم يسقط
جنينها، أو ضَرَب مَن في جوفها حركة، أو انتفاخ، فسَكَّنَ الحركةَ، وأذهبها لم
يضمن الجنين، وبهذا قال مالك، وقتادة، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق، وابن المنذر.
(١) في ((الفتح)) ١٠٩/١٦ - ١١٠.