Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ (٤) - بَابٌ الصَّائِلُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهٍ، إِذَا دَفَعَهُ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٨) أمرناه، فعَضّ يدك، ثم انتزعها أنت))، وفي حديث يعلى بن أمية: ((فأهدر ثنيّته))، وفي رواية: ((فأبطلها))، وهي رواية الإسماعيليّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٥٨/٤ و٤٣٥٩ و٤٣٦٠ و٤٣٦١ و٤٣٦٢ و٤٣٦٣ و٤٣٦٤ و٤٣٦٥] (١٦٧٣ و١٦٧٤)، و(البخاريّ) في ((الإجارة)) (٢٢٦٥) و((الجهاد)) (٢٩٧٣) و((المغازي)) (٤٤١٧) و(«الديات)» (٦٨٩٢)، و(أبو داود) في ((الديات)) (٤٥٨٤ و٤٥٨٥)، و(الترمذيّ) في ((الديات)) (١٤١٦)، و(النسائيّ) في ((القسامة)) (٢٠/٨ و٢٩ و٣٠ و٣١)، و((الكبرى)) (١٢/٢ و٢٢٣/٤ و٢٢٤)، و(ابن ماجه) في ((الديات)) (٢٦٥٦ و٢٦٥٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥٤٦ و١٥٤٧ و١٥٤٨ و١٧٥٩)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (١٠٠/٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٨٨)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٣٢٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٢٢/٤ و٢٢٣ و٢٢٤ و٤٢٧ و٤٢٨ و٤٣٥)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٧٩٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٤٨/٢٢ و٦٤٩ و٦٥٠ و٦٥٢) و («الأوسط)) (١/ ٧٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٩٧ و٥٩٩٨ و٥٩٩٩ و٦٠٠٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٥/٤ و٩٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٠/٣)، و(البزّار) في («مسنده)) (٧٣/٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٦/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٥٢/١٠)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال القاضي عياضٌ تَّتُهُ: وهذا الباب مما تتبعه الدارقطنيّ على مسلم؛ لأنه ذكر أوّلاً حديث شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين، قال: قاتل يعلى .. وذكر مثله عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، ثم عن شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن ابن يعلى، ثم عن همام، عن (١) ((الفتح)) ٦٤/١٦ رقم (٦٨٩٢)، كتاب ((الديات)). ٢٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ عطاء، عن ابن يعلى، ثم حديث ابن جريح، عن عطاء، عن ابن يعلى، ثم حديث معاذ، عن أبيه، عن قتادة، عن بُدَيل، عن عطاء بن صفوان بن يعلى، وهذا اختلاف على عطاء، وذكر أيضاً حديث قُريش بن يونس، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عمران، ولم يذكر فيه سماعاً منه، ولا من ابن سيرين من عمران، ولم يخرج البخاري لابن سيرين عن عمران شيئاً، والله أعلم. والجواب عن هذا الانکار بوجهین: [أحدهما]: أنه لا يلزم من الاختلاف على عطاء ضعف الحديث، ولا من كون ابن سيرين لم يصرح بالسماع من عمران، ولا رَوَى له البخاريّ عنه شیئاً، أن لا یکون سمع منه، بل هو معدود فیمن سمع منه. [والثاني]: لو ثبت ضعف هذا الطريق، لم يلزم منه ضعف المتن، فإنه صحيح بالطرق الباقية، التي ذكرها مسلم، وقد سبق مرات أن مسلماً يذكر في المتابعات من هو دون شرط الصحيح(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم الصائل على نفس الإنسان، أو عضوه، إذا دفعه المصول عليه، فأتلف نفسه، أو عضوه لا ضمان عليه، قال البغويّ تَّتُهُ: والعمل على هذا عند أهل العلم أن من عَضّ رجلاً، فلم يكن له سبيل إلى الخلاص منه إلا بقلع سنّه، أو قصد نفسه، فلم يمكنه دفعه إلا بالقتل، فقتله يكون دمه هدراً؛ لأنه هو الذي اضطرّه إلى ذلك، ومن جنى على نفسه لا يؤاخذ به غيره، وكذلك لو قصد رجل الفجور بامرأة، فدفعته عن نفسها، فقتلته لا شيء عليها. رُفع إلى عمر نظره جارية كانت تحتطب، فاتّبعها رجل، فراودها عن نفسها، فرمته بفِهْر، أو حجر، فقتلته، فقال عمر ظ ◌ُله: هذا قتيل الله، والله لا يُودَى أبداً. انتهى(٢)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): التحذير من الغضب، وأن من وقع له، ينبغي له أن يَكْظِمه (١) ((شرح النوويّ)) ١٦١/١١. (٢) ((شرح السُّنَّة)) ٢٥٢/١٠، وأثر عمر ظُّه المذكور أخرجه عبد الرزّاق في ((مصنّفه)» (١٧١٩١٩)، والبيهقيّ في ((الكبرى)) (٣٣٧/٨) بإسناد رجال ثقات. ٢٢٣ (٤) - بَابُ الصَّائِلُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٨) ما استطاع؛ لأنه أَدَّى الى سقوط ثنية الغضبان؛ لأن يعلى غَضِب من أجيره، فضربه، فدافع الأجير عن نفسه، فعضه يعلى، فنزع يده، فسقطت ثنية العاضّ، ولولا الاسترسال مع الغضب، لَسَلِم من ذلك. ٣ - (ومنها): جواز استئجار الحرّ للخدمة، وكفاية مؤنة العمل في الغزو، لا ليقاتِل عنه. ٤ - (ومنها): رفع الجناية إلى الحاكم، من أجل الفصل، وأن المرء لا يقتصّ لنفسه، وأن المعتدي بالجناية يَسقُط ما ثبت له قبلها من جناية، إذا ترتبت الثانية على الأولى. ٥ - (ومنها): جواز تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة، إذا وقع في مقام التنفير عن مثل ذلك الفعل. ٦ - (ومنها): أن من وقع له أمرٌ يَأنفُه، أو يحتشم من نسبته إليه، إذا حكاه كنى عن نفسه، بأن يقول: فعل رجل، أو إنسان، أو نحو ذلك كذا وكذا، كما وقع ليعلى رظُه في هذه القصة، وكما وقع لعائشة رُنا، حيث قالت: ((قَبَّل رسول الله بََّ، امرأةً من نسائه، فقال لها عروة: هل هي إلا أنت؟ فتبسّمت))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن عضّ يد شخصٍ، فانتزع المعضوض يده من في العاضّ، فقلع سنّاً من أسنان العاضّ: ذهبت طائفة إلى أنه لا ضمان عليه، رُوي ذلك عن أبي بكر الصّدّيق، وشُريح، وهو قول الكوفيين، والشافعيّ، قالوا: ولو جرحه المعضوض في موضع آخر، فعليه ضمانه. وذهب ابن أبي ليلى، ومالكٌ إلى أنه ضامن لدية يده. وقال عثمان الْبَتِّيُّ: إن كان انتزعها من ألم، ووجع أصابه، فلا شيء عليه، وإن كان انتزعها من غير ألم، فعليه الدية. واحتجّ الكوفيّون، والشافعيّ بحديث الباب، وقالوا: ألا ترى قوله وَله: «أَيَدَع يده في فيه، فيعضّه كما يعضّ الفحل؟، لا دية له))، وهذا لا يجوز خلافه؛ لصحّة مجيئه، وأنه لا شيء يُخالفه مما رُوي عن النبيّ وَِّ، قالوا: ولا يختلفون أن من شهر سلاحاً، وأومأ إلى قتله، وهو صحيح العقل، فقتله المشهور عليه، دافعاً له عن نفسه، ٢٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ أنه لا ضمان عليه، فإذا لم يضمن نفسه بدفعه إياه عن نفسه، فكذلك لا يضمن سنّه بدفعه إياه عن عضّه، أفاده ابن بطال كَذَتُهُ(١). وقال في ((الفتح)): قد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور، فقالوا: لا يلزم المعضوض قصاص، ولا دية؛ لأنه في حكم الصائل، واحتجوا أيضاً بالإجماع، بأن من شهر على آخر سلاحاً ليقتله، فدفع عن نفسه، فقَتَلَ الشاهرَ، أنه لا شيء عليه، فكذا لا يضمن سنّه بدفعه إياه عنها، قالوا: ولو جرحه المعضوض في موضع آخر، لم يلزمه شيء. وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض، وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك، من ضربٍ في شدقيه، أو فَكّ لحيته؛ ليرسلها، ومهما أمكن التخليص بدون ذلك، فعدل عنه إلى الأثقل لم يهدر، وعند الشافعية وجهٌ آخر: أنه يُهْدَر على الإطلاق، ووجهٌ: أنه لو دفعه بغير ذلك ضَمِن. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الوجه الذي قاله الشافعيّة من إهداره مطلقاً هو الأظهر عندي؛ لأنه ◌َ﴿ لم يستفصل حينما أهدر ثنيّة العاضّ، وإنما قال: ((لا دية لك))، فلم يسأله كيف نزع يده، وهل كان يمكن أن يدفعه بأقلّ من ذلك؟ والله تعالى أعلم. قال: وعن مالك روايتان: أشهرهما يجب الضمان، وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أن يكون سبب الإندار شدة العضّ، لا النزع، فيكون سقوط ثنية العاض بفعله، لا بفعل المعضوض، إذ لو كان مِن فعل صاحب اليد، لأمكنه أن يخلص يده من غير قلع، ولا يجوز الدفع بالأثقل، مع إمكان الأخف. وقال بعض المالكية: العاض قصد العضو نفسه، والذي استحق في إتلاف ذلك العضو، غير ما فعل به، فوجب أن يكون كل منهما ضامناً ما جناه على الآخر، كمن قلع عين رجل، فقطع الآخر يده. وتُعُقّب بأنه قياس في مقابل النصّ، فهو فاسد. وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت تتحرك، فسقطت عقب النزع، وسياق هذا الحديث يدفع هذا الاحتمال. (١) (شرح البخاري)) ٥٢١/٨. ٢٢٥ (٤) - بَابُ الصَّائِلُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٩) وتمسك بعضهم بأنها واقعة عين، ولا عموم لها. وتُعُقِّب بأن البخاريّ أخرج في ((الإجارة)) عقب حديث يعلى هذا، من طريق أبي بكر الصديق ظراته، أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبيّ بَّر، وقضى فيه بمثله. قال الحافظ: وما تقدم من التقييد ليس في الحديث، وإنما أُخذ من القواعد الكلية، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم به، فإن النص إنما ورد في صورة مخصوصة، نَّه على ذلك ابن دقيق العيد. وقد قال يحيى بن عمر: لو بلغ مالكاً هذا الحديث لَمَا خالفه، وكذا قال ابن بطال: لم يقع هذا الحديث لمالك، وإلا لما خالفه، وقال الداودي: لم يروه مالك؛ لأنه من رواية أهل العراق، وقال أبو عبد الملك: كأنه لم يصح الحديث عنده؛ لأنه أتى من قبل المشرق. قال الحافظ: وهو مُسَلَّم في حديث عمران ◌َته، وأما طريق يعلى بن أمية، فرواها أهل الحجاز، وحملها عنهم أهل العراق. واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان، ونقل القرطبيّ عن بعض أصحابهم: إسقاط الضمان، وقال: وضَمَّنه الشافعيّ، وهو مشهور مذهب مالك. وتُعُقّب بأن المعروف عن الشافعيّ: أنه لا ضمان، وكأنه انعكس على القرطبيّ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب هو ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يلزم المعضوض قصاص، ولا دية؛ لصريح النصّ، والقياس في مقابلة النصّ باطلٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنٍ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ). (١) ((الفتح)) ٦٦/١٦ - ٦٧، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٩٢). ٢٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح، تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ يَعْلَى) هو: صفوان بن يعلى بن أميّة التميمي المكيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الجمعة)) ٢٠١١/١٦. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٦٠] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - يَعْنِي: ابْنَ هِشَام - حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنٍ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلًّاً عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ، فَجَذَبَهُ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ وَهِ، فَأَبَطَلَهُ، وَقَالَ: «أَرَدْتَ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمَهُ؟))). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا في الباب، وقبل بابين، و((أبو غسّان)) هو: مالك بن عبد الواحد، و((معاذ)) هو: ابن هشام الدستوائيّ. وقوله: (فَأَبْطَلَهُ) نصّ صريح في إسقاط القصاص، والدية في ذلك. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَفُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٦١] (١٦٧٤) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ بُدَيْلِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَىْ، أَنَّ أَجِيراً لِيَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ، فَجَذَبَهَا، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَأَبْطَلَهَا، وَقَالَ: ((أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَهَا، كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١ - (بُدَيْلُ) - مصغّراً - ابن ميسرة الْعُقَيليّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت١٢٥ أو ١٣٠) (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١١١٥/٤٧. ٢٢٧ (٤) - بَابُ الصَّائِلُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٦١) والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَنَّ أَجِيراً لِيَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ) تقدّم أنه لا يُعرف اسم الأجير. وقوله: (عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ) العاضّ هو یعلی. [تنبيه]: خالف هشام الدستوائيّ في هذه الرواية شعبة، فرواه عن قتادة، عن بُدَيل بن ميسرة، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، أن أجيراً ليعلى ابن مُنْية عضّ رجلٌ ذراعَهُ ... إلخ. فخالفه في شیئین: [أحدهما]: أنه أدخل بين عطاء، وصفوان بُديلَ بن ميسرة، وشعبة رواه عن عطاء، عن صفوان. [والثاني]: أنه جعله مرسلاً؛ لأن صفوان حَكَى قصّة لم يحضرها، ومن حَكَی قصّة لم يحضرها كانت حكايته منقطعة، والأرجح في هذا رواية شعبة؛ لأمرين: [أحدهما]: أنه مقدّم على هشام في قتادة وغيره؛ إذ هو أحفظ منه، فقد قال أبو بكر البرديجيّ تَخْذَلُ: أصحّ الناس روايةً عن قتادة شعبةُ، كان يوقّف قتادة على الحديث(١)، وقال أيضاً: إذا خالف هشامٌ شعبةً فالقول قول شعبة، ذكره الحافظ ابن رجب دَّثُ في ((شرح علل الترمذيّ))(٢). [الثاني]: موافقة روايته لرواية غيره، فقد رواه عمرو بن دينار، وابن جريج، كلاهما عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، فلم يدخلا بينهما بديلاً، وجعلاه متّصلاً بذكر يعلى، وقد حققت ذلك في («شرح النسائيّ، فراجعه(٣) تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)): وقد اعترض الدارقطنيّ على مسلم في تخريجه هذه الطريق - أي: لكونها مرسلةً - وتخريجه طريق محمد بن سيرين، عن عمران الآتية، وابن سيرين لم يسمع منه، قال: وأجاب النوويّ بما حاصله: (١) أي: يسأله عن كون الحديث متّصلاً، فكان لا يكتب عنه إلا ما صرّح فيه بالسماع من شيخه . (٢) راجع: ((شرح علل الترمذيّ)) لابن رجب تَفُ ص ٢٨٣ بتحقيق صبحي السامرائيّ. (٣) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٧١/٣٦ - ٧٤. ٢٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ إن المتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، وهو كما قال. انتهى(١). والحديث مرسلٌ، كما أسلفناه آنفاً، وهو من أفراد المصنّف نَّلُهُ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال: [٤٣٦٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلاً عَضَّ بَدَ رَجُلٍ، فَانْتَزَعَ بَدَهُ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، أَوْ ثَنَايَاهُ، فَاسْتَعْدَى رَسُولَ اللهِ وَزِ، فَقَالَ رَسُوَّلُ اللهِ وَلِ: ((مَا تَأْمُرُنِي؟ تَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ فِي فِيكَ، تَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ ادْفَعْ بَدَكَ حَتَّى يَعَضَّهَا، ثُمَّ انْتَزِعْهَا))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ) الأنصاريّ، ويقال: الأمويّ مولاهم، أبو أنس البصريّ، صدوقٌ تغيّر بآخره قدر ستّ سنين [٩]. رَوَى عن ابن عون، وعوف الأعرابي، وحماد بن سلمة، وحبيب بن الشهيد، وحميد الطويل، وأشعث بن عبد الملك، وغيرهم. وروى عنه عليّ ابن المدينيّ، ويحيى بن معين، وهارون الحمال، وأحمد بن عثمان النوفليّ، وبندار، وغيرهم. قال عليّ ابن المدينيّ: كان ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، إلا أنه تغيّر، وقال أبو داود: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد يقول: إنه تغيّر، وكذا ذكر البخاريّ عن إسحاق الشهيديّ، وزاد أنه اختلط ست سنين في البيت، ومات سنة تسع ومائتين، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو داود، عن محمد بن عمر المقدَّميّ: مات في رمضان سنة (٢٠٨) قبل سعيد بن عامر بثمانية أيام، وقال ابن حبان: اختَلَط، فظهر في حديثه مناكير، فلم يجز الاحتجاج بانفراده، وقال أبو حاتم الرازيّ: يقال: إنه تغيّر عقله، وكان سنة (٢٠٣) صحيح العقل، مات سنة (٢٠٨). (١) ((الفتح)) ٦٥/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٩٢). ٢٢٩ (٤) - بَابُ الصَّائِلُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٦٢) أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له عند المصنّف، والنسائيّ إلا هذا الحديث، وله عند البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ حديث العقيقة، عن سمرة بن جندب نقڅ. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله، تقدّم قبل باب. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) تقدّم قبل أربعة أبواب. و((عمران بن حصين)) ﴿ما ذُكر في الباب. [تنبيه]: رواية ابن سيرين هذه انتقدها الدارقطنيّ تخلّثُ بأن ابن سيرين لم يسمع من عمران بن حُصين، وبأن قريشاً تفرّد بها عن ابن عون، عن ابن سيرين. والجواب أن سماع ابن سيرين عن عمران حظبه قد أثبته ابن معين وغيره، وهو لم يُطعن بالتدليس، فعنعنته محمولة على السماع. وأما تفرّد قريش، فلا يضرّ، فإنه ثقةٌ كما تقدّم، وإن طُعن بالتغيّر في آخره، فقد روى عنه الأئمة قبل تغيّره. وأيضاً فإن أيوب السختيانيّ تابع ابن عون في روايته عن ابن سيرين، فقد رواه عبد الرزّاق في ((مصنّفه)) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين أن رجلاً عضّ يد رجل، فانتزع يده، فسقطت ثنيّته ... الحديث(١). وقد رواه مسلم قبل هذا من طريق شعبة، ومن طريق هشام الدستوائيّ، كلاهما عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران ظُه، فالحديث صحيح، وقد تقدّم جواب القاضي عياض، والنووي قريباً، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، أَوْ ثَنَايَاهُ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، وقد تقدّم ترجيح الإفراد، فلا تنس، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (فَاسْتَعْدَى رَسُولَ اللهَِ﴿)؛ أي: طلب منه أن ينصره، يقال: استعديتُ الأميرَ على الظالم: طلبتُ منه النُّصْرة، فأعداني عليه؛ أي: أعانني، ونصرني، فالاستعداءُ: طلبُ التقوية والنُّصرة، والاسم: الْعَدْوَى بالفتح، قال ابن فارس: الْعَذْوى: طلبُك إلى والٍ لِيُعديك على من ظلمك؛ أي: ينتقم منه (١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٩/ ٣٥٥، ورواه أحمد في ((مسنده)) ٤٣٠/٤. ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ باعتدائه عليك، قاله الفيّوميّ ◌َذَلُهُ(١). وقوله: (مَا تَأْمُرُنِي؟) ((ما)) استفهاميّة والاستفهام إنكاريّ؛ أي: أيّ شيء تأمرني به؟. وقوله: (تَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ)؛ أي: يعضّها كما يعضّ الفحل، كما في الرواية الأخرى، يقال: قَضِمت الدابّة شعيرها بكسر الضاد تَقْضَمه بفتحها على اللغة الفصيحة: إذا أكلته بأطراف أسنانها، وخَضِمته - بالخاء المنقوطة بواحدة من فوقها -: إذا أكلته بفيها كلِّه، ويقال: الخضم: أكل الرُّطب واللَّيِّن، والقضم: أكل اليابس، ومنه قول الحسن: تخضمون ونقضم، والموعد: الحساب(٢). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): وقد حَكَى الكرمانيّ أنه رأى مَن صَحَّف قوله: (كما يقضم الفحل)) بالجيم بدل الحاء المهملة، وحمله على البقل المعروف، وهو تصحيف قبيح. انتهى(٣). وقوله: (ادْفَعْ يَدََكَ ... إلخ) هذا أمر على جهة الإنكار، كما قال قبل ذلك: ((بم تأمرني؟ تأمرني أن آمره ... إلخ)). قال النوويّ كَخْلَثُ: قوله: ((ادفع يدك حتى بعضها ثم انتزعها)) ليس المراد بهذا أمره بدفع يده ليعضها، وإنما معناه الإنكار عليه؛ أي: إنك لا تدع يدك في فيه يعَضّها، فكيف تنكر عليه أن ينتزع يده من فيك، وتطالبه بما جنى في جذبه لذلك؟ انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر النوويّ في ((شرحه))، ومن الغريب أن صاحب ((الفتح)) قال: لم يتكلّم النوويّ على رواية ابن سيرين، ودونك عبارته: [تنبيه]: لم يتكلم النوويّ على ما وقع في رواية ابن سيرين، عن عمران، فإن مقتضاها إجراء القصاص في الْعَضّة، قال: وقد يقال: إن الْعَضّ هنا إنما أَذِن فيه للتوصل إلى القصاص في قلع السنّ، لكن الجواب السديد في هذا أنه استفهمه استفهام إنكار، لا تقرير شرع، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم. انتهى(٤). وقد عرفت أن النوويّ تكلم بما استظهره صاحب ((الفتح)) أخيراً، (١) ((المصباح المنير)) ٣٩٧/٢ - ٣٩٨. (٣) ((الفتح)) ١٦/ ٦٧. (٢) «المفهم)» ٣٢/٥. (٤) ((الفتح)) ٦٧/١٦ رقم (٦٨٩٢). ٢٣١ (٤) - بَابٌ الصَّائِلُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٦٣ - ٤٣٦٤) وحاصله أن قوله يقول: ((ادفع يدك ... إلخ)) من باب الإنكار، وليس من باب تقرير القصاص، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَعْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٦٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ لَهَ رَجُلٌ، وَقَدْ عَضَّ بَدَ رَجُلٍ، فَانْتَزَعَ بَدَهُ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتَاهُ - يَعْنِي: الَّذِي عَضَّهُ - قَالَ: فَأَبْطَلَهَا(١) الَّبِيُّ ◌َّهِ، وَقَالَ: ((أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَهُ، كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوْذيّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبل حدیث. وقوله: (أَتَى النَّبِيَّ وَهَ رَجُلٌ، وَقَدْ عَضَّ يَدَ رَجُلٍ) تقدّم أن العاضّ هو يعلى، والمعضوض هو أجيره، فتنبّه. والحديث مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَّ النَّبِيِّ نَِّ غَزْوَةَ تَبُوَكَ - قَالَ: وَكَانَ يَعْلَى بَقُولُ: تِلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ عَمَلِي عِنْدِي - فَقَالَ عَطَاءُ: قَالَ صَفْوَانُ: قَالَ يَعْلَى: كَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَاناً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الآخَرِ - قَالَ: لَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ، أَيُّهُمَا عَضَّ الآخَرَ - فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ، فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ، فَأَتَا النَّبِيَّ وَِّ، فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب. (١) وفي نسخة: ((فأبطلهما)). ٢٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ ٢ - (أَبُوِ أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قريباً. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروًا قبله. وقوله: (قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َلَ غَزْوَةَ تَبُوَكَ) وفي رواية للنسائيّ: ((غزوت مع رسول الله ﴿ ﴿ جيش العسرة))، وهو غزوة تبوك، وسُمّيت بذلك؛ لأنه وَ ﴿ نَذّب الناس إلى الغزو في شدّة القَيْظ - أي: الحرّ - وكانت وقت إيناع الثمرة، وطيب الظلال، فعسُر ذلك عليهم، وشقّ، والعُسر ضدّ اليُسر، وهو الضِّيق، والشدّة، والصعوبة، قاله ابن الأثير تَظَّهُ(١). وقوله: (وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: تِلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ عَمَلِي عِنْدِي)؛ يعني: أن خروجه في غزوة تبوك من أفضل أعماله التي عملها في الإسلام، وذلك لِمَا في الجهاد في سبيل الله من الفضل عموماً، ولِمَا في هذه الغزوة خصوصاً؛ حيث أثنى الله في كتابه المبين على أهلها، فقال: ﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَنِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]. وقوله: (فَقَاتَلَ إِنْسَاناً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الآخَرِ) تقدّم أن الإنسان المقاتل هو يعلى نفسه، وهو العاضّ يد أجيره، فانتُزعت ثنيّته، فأهدرها النبيّ وَّ. وقوله: (فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ)؛ أي: جعل النبيّ وَ ل﴿ قَلْعَ ثنيّته هدراً، لا ضمان فيها، ولا قصاص، ولا دية؛ لكونه هو المعتدي على نفسه، ولأن المعضوض مدافع عن نفسه، والمدافع لا شيء عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٣٦٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بن واقد الكلابيّ، أبو محمد بن أبي عمرو النيسابوريّ المقرئ الحافظ، ثقةُ ثبتٌ [١٠]. رَوى عن أبي بكر بن عياش، وهُشيم، وعبد الوارث الثقفيّ، ومروان بن (١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٣٥/٣. ٢٣٣ (٤) - بَابُ الصَّائِلُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٦٥) معاوية، والقاسم بن مالك المزني، وأبي عبيدة الحداد، وزياد البكائيّ، وابن علية، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه البخاريّ، ومسلمٍ، والنسائيّ، وأحمد بن سلمة النيسابوريّ، وأحمد بن سيار المروزيّ، والذّهليّ، وعبد الله الدارمي، وإبراهيم بن أبي طالب، وغيرهم. قال النسائيّ، وأبو بكر الجاروديّ: كان ثقة. وقال عمرو المستملي: سمعت محمد بن عبد الوهاب يقول: عمرو بن زرارة ثقة ثقة. وقال داود بن الحسين البيهقيّ: كنا نختلف إليه، فخرج علينا يوماً، فضحك رجل، فغضب، ولم يحدثنا بحرف. وقال أحمد بن سلمة عن عمرو بن زرارة: صحبت ابن علية ثلاث عشرة سنة، فما رأيته يبتسم فيها. وروى الحاكم في ((تاريخه)) عن محمد بن عبد الوهاب قال: كان عليّ بن عَّام يسترجح عمرو بن زرارة. وقال أبو العباس السراج: حدّثنا عمرو بن زرارة، رجل فيه زهادة، ويقال: كان مجاب الدعوة. قال البخاريّ: وابن حبان: مات سنة (٢٣٨هـ). وقال السراج: مات قبله، وله (٧٨) سنةً. تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط(١). ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن علية، ثقةٌ ثبتٌ [٨] تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. و((ابن جريج)) ذکر قبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ)؛ أي: بإسناد ابن جريج الماضي، وهو: عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه. [تنبيه]: رواية إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن جريج هذه ساقها البخاريّ: في ((صحيحه))، فقال: (٢١٤٦) - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا إسماعيل ابن عُليّة، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية مضرعنْه (١) وقال في (تهذيب التهذيب)) ٣١/٨: وفي ((الزهرة)): روى عنه البخاري ثلاث عشرة، ومسلم ثمانية أحاديث. انتهى. ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ قال: غزوت مع النبيّ وَ﴿ جيش العُسرة، فكان من أوثق أعمالي في نفسي، فكان لي أجير، فقاتل إنساناً، فعض أحدهما إصبع صاحبه، فانتزع إصبعه، فأندر ثنيته، فسقطت، فانطلق إلى النبيّ بَ ير، فأهدر ثنيته، وقال: ((أفيدع إصبعه في فيك تقضمها - قال: أحسبه قال :- كما يقضم الفحل؟)). قال ابن جريج: وحدّثني عبد الله بن أبي مليكة عن جدّه بمثل هذه الصفة، أن رجلاً عضّ يد رجل، فأندر ثنيته، فأهدرها أبو بكر تظ له. انتهى (١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ فِي الأَسْنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا) [٤٣٦٦] (١٦٧٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّنُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتْ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حَارِثَةَ، جَرَحَتْ إِنْسَانً، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِّ نَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْقِصَاصَ، الْقِصَاصَ))، فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ؟ وَاللهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: (سُبْحَانَ اللهِ، يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللهِ))، قَالَتْ: لَا، وَاللهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَداً، قَالَ: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهَِهُ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في السند الماضي. ٢ - (عَفَّنُ بْنُ مُسْلِم) الباهليّ الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦. ٣ - (حَمَّادُ) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابت، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. (١) ((صحيح البخاري)) ٢/ ٧٩٠. (٥) - بَابُ إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ فِي الأَسْنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا - حديث رقم (٤٣٦٦) ٢٣٥ ٥ - (أَنَسُ) بن مالك ظُه، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فكوفيّ، وفيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وفيه ثابت أثبت الناس في أنس ظه، يقال: لزمه أربعين سنة، وفيه أنس به من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة في البصرة، وقد جاوز المائة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) بن مالك ◌َظُه (أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّع) بضم الراء، وتشديد المثنّاة التحتانيّة، بصيغة التصغير (أُمَّ حَارِثَةَ) بالنصب بدَّل من ((أُخْتَ)) (جَرَحَتْ إِنْسَاناً) قال القرطبيّ تَظْتُ: كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم، قال القاضي عياض: المعروف أن الرُّبَيِّع هي صاحبة القصّة، وكذا جاء مفسّراً في البخاريّ، في الروايات الصحيحة أنها الرُّبيّع بنت النضر، وأُخت أنس بن النضر، وعمّة أنس بن مالك، وأن الذي أقسم هو أخوها أنس بن النضر، وكذا في المصنّفات، وجاء مفسّراً عند البخاريّ وغيره: أنها لطمت جاريةً، فكسرت ثنيّتها، ورواية البخاريّ هذه تدلّ على أن الإنسان المجروح المذكور في رواية مسلم هو جاريةٌ، فلا يكون فيه حجةٌ لمن ظنّ أنه رجلٌ، فاستدلّ به على أن القصاص جارٍ بين الذكر والأنثى فيما دون النفس، والصحيح أن الإنسان يطلق على الذكر والأنثى، وهو من أسماء الأجناس، وهي تعمّ الذكر والأنثى، كالفرس، يعمّ الذكر والأنثى. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية البخاريّ التي أشار إليها نصّها: (٤٥٠٠) - حدّثني عبد الله بن مُنير، سمع عبد الله بن بكر السهميّ، حدّثنا حميد، عن أنس: أن الرُّبَيِّع عمته، كسرت ثنيّة جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله وَله، وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله * بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الرُّبَيِّع؟ لا، والذي بعثك بالحقّ لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله وَله: (يا أنس (١) ((المفهم)) ٣٤/٥ - ٣٥. ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ كتاب الله القصاص))، فرضي القوم، فعَفَوا، فقال رسول الله وَّه: ((إن من عباد الله، من لو أقسم على الله لأبرَّه)). انتهى(١). وحال الاختلاف بينها وبين رواية مسلم هذه من وجهين: [أحدهما]: أن الجارية في روايته هي أخت الرُّبَيِّع، وفي رواية البخاريّ أنها الرُّبَيّع نفسها . [والثاني]: أن الحالف في رواية مسلم أن لا تكسر ثنيتها هي أم الرَّبِيع - بفتح الراء، وكسر الموحّدة - وفي رواية البخاريّ هو أنس بن النضر قال النوويّ تَخُّْ: قال العلماء: المعروف في الروايات رواية البخاريّ، وقد ذكرها البخاريّ من طرقه الصحيحة، وكذا رواها أصحاب ((كتب السنن)). قال: إنهما قضيتان: أما الرُّبيِّع الجارحة في رواية البخاريّ، وأخت الجارحة في رواية مسلم، فهي بضم الراء، وفتح الباء، وتشديد الياء، وأما أم الرَّبِيع الحالفة في رواية مسلم، فبفتح الراء، وكسر الباء، وتخفيف الياء. انتهى (٢). وقال في ((الفتح)): جزم ابن حزم بأنهما قصتان صحيحتان، وقعتا لامرأة واحدة: [إحداهما]: أنها جرحت إنساناً، فقضى عليها بالضمان، والأخرى: أنها كسرت ثنيّة جارية، فقضي عليها بالقصاص، وحلفت أمها في الأولى، وأخوها في الثانية. وقال البيهقيّ - بعد أن أورد الروايتين -: ظاهر الخبرين يدل على أنهما قصتان، فإن قُبِل هذا الجمع، وإلا فثابت أحفظ من حميد. قال الحافظ: في القصتين مغايرات: منها: هل الجانية الرُّبَيِّع، أو أختها؟ وهل الجناية كسر الثنية، أو الجراحة؟ وهل الحالف أم الرَّبِيع، أو أخوها أنس بن النضر؟ وأما ما وقع في أول («الجنايات)) عند البيهقيّ من وجه آخر، عن حميد، عن أنس، قال: لطمت الرُّبَيِّعُ بنت مُعَوِّذ جارية، فكسرت ثنيّتها، فهو غلط في ذكر أبيها، والمحفوظ أنها بنت النضر، عمة أنس مظله كما وقع التصريح به، في ((صحيح البخاريّ)). انتهى(٣). (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٦٣٦/٤. (٢) (شرح مسلم)) ١١/ ١٦٤ - ١٦٥. (٣) ((الفتح)) ٥٣/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٨٦). ٢٣٧ (٥) - بَابُ إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ فِي الأَسْنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا - حديث رقم (٤٣٦٦) (فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ◌َهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ))) قال النوويّ كَّثُ: هما منصوبان؛ أي: أَدُّوا القصاص، وسَلِّموه إلى مستحقه. انتهى. وقال القرطبيّ تَخّْثُ: الرواية بنصب ((القصاص)) في اللفظين، ولا يجوز غيره، وهو منصوب بفعل مضمر، لا يجوز إظهاره، تقديره: ألزمكم القصاص، أو أقيموا القصاص، غير أن هذا الفعل لا تظهره العرب قطّ؛ لأنهم استغنوا عنه بتكرار اللفظ، كما قالوا: الجدارَ الجدارَ، والصبيَّ الصبيَّ. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: أشار القرطبيّ كَّتُهُ إلى أن نصب ((القصاصَ)) واجب؛ لأن قاعدة التحذير والإغراء إذا تكرر الاسم، أو كان بالعطف: النصب بفعل مضمر وجوباً؛ لقيام التكرار مقامه، كقوله: أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لَا أَخَالَهُ كَسَاعِ إِلَى الْهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحٍ وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال: مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ (إِيَّاكَ وَالشَّرَّ)) وَنَحْوَهُ نَصَبْ سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا وَدُونَ عَظْفٍ ذَا لِـ((إِيَّا)) انْسُبْ وَمَا كَ ((الضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي)) إِلَّا مَعَ الْعَظْفِ أَوِ الشَّكْرَارِ وَعَنْ سَبِيلِ الْقَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ وَشَذّ ((إِيَّايَ)) و((إِيَّاهُ)) أَشَذّ مُغْرَى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا وَكَمُحَذَّرٍ بِلَ ((إِيَّا)) اجْعَلَا (فَقَالَتْ أُّ الرَّبِيع) بفتح الراء، وكسر الموحّدة، وتخفيف الياء (يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُقْتَصُ مِنْ فُلَانَةَ؟ لَا وَاللهِ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَداً) ((لا)) الثانية تأكيد للأولى، وهذا إخبارٌ منها بأن الكسر لا يتحقّق، وليس ردّاً للحكم، قال النوويّ كَُّ: هذا ليس معناه ردّ حكم النبيّ وَّ ر، بل المراد به الرغبة إلى مستحقّ القصاص أن يعفو، وإلى النبيّ وَّر في الشفاعة إليهم في العفو، وإنما حلفت ثقةً بهم أن لا يُحَتّثُوها، أو ثقة بفضل الله، ولطفه أن لا يحنّثها بل يلهمهم العفو. انتهى (٢). وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَظُّهُ ما حاصله: ولَمّا فهِم أنس بن النضر - على ما في الرواية الآتية، أو أم الربيع على في هذه الرواية - لزوم القصاص، عَظُم عليه أن تُكسر ثنية الجانية، فبذلوا الأرش، فلم يرضَ أولياء (١) ((المفهم)) ٣٦/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١/ ١٦٣. ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ المجنيّ عليها به، فكُلُّم أهلها في ذلك، فأَبَوا، فلما رأى امتناعهم من ذلك، وأن القصاص قد تعيّن، قال: ((أيُقتصّ من فلانة؟، والله لا يُقتصّ منها))، ثقةً منه بفضل الله تعالى، وتعويلاً عليه في كشف تلك الكُرْبة، لا أنه ردَّ حكم الله تعالى، وعانده، بل هو منزّهُ عن ذلك؛ لِمَا عُلم من فضله، وعظيم قدره، وبشهادة النبيّ وَ﴿ بما له عند الله تعالى من المنزلة، وهذا التأويل أولى من تأويل من قال: إن ذلك القَسَم كان منه على جهة الرغبة للنبيّ وَلِّ، أو للأولياء؛ لأن النبيّ و 8وقد أنكر ذلك عليه بقوله: ((سبحان الله، كتاب الله القصاص))، ولو كان رغبةً لَمَا أنكره، وأيضاً فإن النبيّ وَّهِ قد سمّاه قَسَماً، وأخبر أنه قسمٌ على الله، وأن الله تعالى قد أبرّه فيه؛ لَمَّا قال: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه)). انتهى(١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: ((سُبْحَانَ اللهِ) تعجبّاً من تأكيد نفيها القصاص بالحلف، ولفظٍ ((أبداً))، ووجه تعجّبه ولو أن هذه المرأة أقسمت على نفي فعل غيرها مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل، فكان قضيّة ذلك في العادة أن تحنث في يمينها، فألهم الله تعالى الغير العفوَ، فَبَرّ قسمها، والله تعالى أعلم. (يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللهِ)) وفي رواية البخاري: ((يا أنس كتاب الله القصاص))، قال في ((الفتح)): اختلف في ضبط: ((كتاب الله القصاص)): فالمشهور أنهما مرفوعان، على أنهما مبتدأ وخبر، وقيل: منصوبان على أنه مما وُضع فيه المصدر موضع الفعل؛ أي: كَتَبَ اللهُ القصاصَ، أو نصب ((كتاب الله)) على الإغراء، و((القصاصَ)) بدل منه، فينصب، أو ينصب بفعل محذوف، ويجوز رفعه، بأن يكون خبر مبتدإ محذوف. واختُلف أيضاً في المعنى، فقيل: المراد حُكم كتاب الله القصاص، فهو على تقدير حذف مضاف، وقيل: المراد بالكتاب الحكم؛ أي: حكم الله القصاص، وقيل: أشار به إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقيل: (١) ((المفهم)) ٣٦/٥. ٢٣٩ (٥) - بَابُ إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ فِي الأَسْنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا - حديث رقم (٤٣٦٦) إلى قوله: ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٍِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقيل: إلى قوله: ﴿وَأَلْسِنَّ بِلْسِنٍ﴾ في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِهَا﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، بناءً على أن شَرْع من قبلنا شَرْع لنا، ما لم يَرِدْ في شرْعنا ما يرفعه. انتهى(١). (قَالَتْ: لَا وَاللهِ لَا يُقْتَصُ مِنْهَا أَبَداً، فَمَا زَالَتْ)؛ أي: في ترديد كلامها المذكور مرّةً بعد أخرى (حَتَّى قَبِلُوا) بكسر الباء الموحّدة (الدِّيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ)؛ أي: متوكّلاً عليه في حصول المحلوف عليه (لَأَبَرَّهُ)))؛ أي: لأبرّ قسمه، فلا يحنثه؛ لكرامته عليه. وقال في ((الفتح)) في شرح قصّة أنس بن النضر وظُبه ما نصّه: وأشار بقوله: ((إن من عباد الله ... إلخ)) إلى أن هذا الاتفاق إنما وقع؛ إكراماً من الله تعالى لأنس بن النضر ظ ◌ُه؛ ليبرَّ يمينه، وأنه من جملة عباد الله الذين يُجيب دعاءهم، ويُعطيهم أَرَبهم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ظُه متّفقٌ عليه، وإن اختلفت القصّة، على ما بيّناه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٦٦/٥] (١٦٧٥)، و(البخاريّ) في ((الصلح)) (٢٧٩٣) و((الجهاد)) (٢٨٠٦) و((التفسير)) (٤٤٩٩ و٤٥٠٠ و٤٦١١) و((الديات)) (٦٨٩٤)، و(أبو داود) في ((الديات)) (٤٦٩٥)، و(النسائيّ) في ((القسامة)) (٢٧/٨ - ٢٨) و((الكبرى)) (٢٢٢/٤ و٢٢٣ و٧٨/٥ و٣٣٥/٦)، و(ابن ماجه) في ((الديات)) (٢٦٤٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٨/٣ و١٦٧ و٢٨٤)، و(عبد بن حُميد) (١/ ٤٠٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٤٩٠ و٦٤٩١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٢٤/٦ و٢٣١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٩٦/٤ و٩٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٦٤/٢٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبير)) (٢٥/٨ و٦٤)، و((الصغرى)) (٧/ ٣٥ و٦٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٥٢٩)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٦٩/١٦ - ٧٠. ٢٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب القصاص في السنّ، قال النوويّ تَخُّْهُ: وهو مُجْمَع عليه، إذا قلعها كلها، فإن كسر بعضها، ففيه، وفي كسر سائر العظام خلاف مشهور للعلماء، والأكثرون على أنه لا قصاص. انتهى (١)، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): جواز الحلف فيما يظنه الإنسان. ٣ - (ومنها): جواز الثناء على من لا يُخاف عليه الفتنة بذلك. ٤ - (ومنها): استحباب العفو عن القصاص. ٥ - (ومنها): استحباب الشفاعة في العفو. ٦ - (ومنها): أن الخِيَرَة في القصاص والدية إلى مستحقه، لا إلى المستَحَقّ عليه. ٧ - (ومنها): إثبات القصاص بين الرجل والمرأة، وفيه ثلاثة مذاهب: [أحدها]: مذهب عطاء والحسن: أنه لا قصاص بينهما في نفس، ولا طرف، بل تتعيّن دية الجناية؛ تعلقاً بقوله تعالى: ﴿وَآلْأُنْثَى بِآلْأَنْقَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. [الثاني]: وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بَعدهم: ثبوت القصاص بينهما في النفس، وفيما دونها، مما يقبل القصاص، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبَّنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وهذا وإن كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف مشهور للأصوليين، فإنما الخلاف إذا لم يَرِد شرعنا بتقريره، وموافقته، فإن ورد كان شرعاً لنا بلا خلاف، وقد ورد شرعنا بتقريره في حديث أنس ظه هذا، والله أعلم. [والثالث]: وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه: يجب القصاص بين الرجال والنساء في النفس، ولا يجب فيما دونها . ٨ - (ومنها): أن فيه إثباتَ كرامات الأولياء. ٩ - (ومنها): إثبات القصاص بين النساء في الجراحات، وفي الأسنان. ١٠ - (ومنها): جواز الصلح على الدية، وجريان القصاص في كسر السن، (١) ((شرح مسلم)) ١٦٥/١١.