Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٨) فقلت: يا أمير المؤمنين عندك رؤوس الأجناد، وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شَهِدوا على رجل محصن بدمشق، أنه قد زنى، ولم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شَهِدوا على رجل بحمص أنه سرق، أكنت تقطعه، ولم يروه؟ قال: لا: قلت: فوالله ما قَتَل رسول الله وله أحداً قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قَتَل بجريرة نفسه، فقُتِل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله، وارتدّ عن الإسلام، فقال القوم: أوَ ليس قد حَدَّث أنس بن مالك أن رسول الله وَّ قطع في السَّرَق، وسَمَرَ الأعين، ثم نبذهم في الشمس؟ فقلت: أنا أحدثكم حديث أنس، حدّثني أنس أن نفراً من عُكْل ثمانية، قَدِموا على رسول الله وَّ، فبايعوه على الإسلام، فاستَوْخَمُوا الأرض، فسَقُمَت أجسامهم، فَشَكَوا ذلك إلى رسول الله ◌َ، قال: ((أفلا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟))، قالوا: بلى، فخرجوا، فَشَرِبُوا من ألبانها وأبوالها، فَصَحُوا، فقَتَلُوا راعي رسول الله وَله، واطّردوا النَّعَمَ، فبلغ ذلك رسول الله بَّ، فأرسل في آثارهم، فأُدركوا، فجيء بهم، فَأَمَرَ بهم، فقُطّعَت أيديهم وأرجلهم، وسَمَرَ أعينهم، ثم نَبَذهم في الشمس حتى ماتوا، قلت: وأيّ شيء أشَدّ مما صنع هؤلاء؟ ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا، وسرقوا. فقال عنبسة بن سعيد: والله إن سمعت كاليوم قط، فقلت: أتردّ عليّ حديثي يا عنبسة؟ قال: لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه، والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشيخ بين أظهرهم. قلت: وقد كان في هذا سُنَّة من رسول الله وَ﴾(١)، دخل عليه نفر من (١) قال في ((الفتح)): كذا أورد أبو قلابة هذه القصّة مرسلة، ويغلب على الظنّ أنها قصّة عبد الله بن سهل ومحيّصة، فإن كان كذلك فلعلّ عبد الله بن سهل ورفقته تحدّثوا عند النبيّ وَ ﴿ قبل أن يتوجّهوا إلى خيبر، ثم توجّهوا، فقُتل عبد الله بن سهل، كما تقدّم، وهو المراد بقوله هنا: ((فخرج رجل منهم بين أيديهم، فقُتل)). انتهى. قال الجامع: كون هذه القصّة هي قصّة عبد الله بن سهل ومحيّصة لا يخفى بُعده، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. ١٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ الأنصار، فتحدثوا عنده، فخرج رجل منهم بين أيديهم، فقُتِل فخرجوا بعده، فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، فرجعوا إلى رسول الله وَلقة، فقالوا: يا رسول الله صاحبنا كان تحدث معنا، فخرج بين أيدينا، فإذا نحن به يتشحط في الدم، فخرج رسول الله وَله، فقال: ((بمن تظنون، أو ترون قتله؟))، قالوا: نرى أن اليهود قتلته، فأرسل إلى اليهود، فدعاهم، فقال: ((آنتم قتلتم هذا؟» قالوا: لا، قال: ((أترضون نَفْل خمسين من اليهود ما قتلوه؟» قالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين، ثم ينتفلون، قال: ((أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟)) قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده. قلت: وقد كانت هُذَيل خَلَعُوا خَلِيعاً لهم في الجاهلية، فطَرَقَ أهلَ بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم، فحذفه بالسيف، فقتله، فجاءت هُذيل، فأخذوا اليمانيّ، فرفعوه إلى عمر بالموسم، وقالوا: قَتَل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يُقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلاً، وقَدِم رجل منهم من الشأم، فسألوه أن يُقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلاً آخر، فدفعه إلى أخي المقتول، فقُرنت يده بيده، قالوا: فانطلقنا، والخمسون الذين أقسموا، حتى إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء، فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا، فماتوا جميعاً، وأفلت القرينان، واتّبَعهما حجر، فكسر رجل أخي المقتول، فعاش حولاً، ثم مات. قلت: وقد كان عبد الملك بن مروان أقاد رجلاً بالقسامة، ثم نَدِمَ بعدما صنع، فأمر بالخمسين الذين أقسموا، فَمُحُوا من الديوان، وسَيَّرهم إلى الشأم. انتھی . شرح غريبه : (نَصَبني للناس) أظهرني حتى يراني الناس، وكان قد أجلسه خلف سريره للإفتاء والعلم. (السَّرَق) السرقة، أو جمع سارق. (نبذهم) ألقاهم وطرحهم. ١٨٣ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٩) (إن سمعت کالیوم قط) ما سمعت قبل اليوم مثل ما سمعت منك اليوم أبداً . (يتشحط) يضطرب. (نَفْل) حَلِف، وأصل النفل النفي، سُمّيت يمين القسامة به؛ لأنها تنفي القصاص. (فوداه) أعطى ديته. (خَلَعوا خليعاً) نقضوا حِلْفه، وكانوا إذا فعلوا ذلك لم يطالبوه بجناية. (فَطَرَق) هَجَم عليهم ليلاً . (فحذفه) رماه. (أخذتهم السماء) هَطَلت المطر عليهم. (انهجم الغارُ) سقط. (أفلت) نجا وخلص. (القرينان) أخو المقتول، والرجل الذي أكمل الخمسين، وهما اللذان قرنت يد أحدهما بالآخر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى قبل حديثين، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٤٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي شُعَيْبِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ - وَهُوَ ابْنُ بُكَيْرِ الْحَرَّانِيُّ - أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ، مِنْ عُكْلٍ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ أَبِي شُعَيْبِ الْحَرَّانِيُّ) هو: الحسن بن أحمد بن أبي شُعيب، نُسب لجدّه، أبو مسلمُ الْحَرّانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ يُغرب [١١] (ت ٢٥٠) أو بعدها (م مدت) تقدم في ((الحيض)) ٦/ ١٤)(١). ٢ - (مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرِ الْحَرَّانِيُّ) أبو عبد الرحمن الْحَذّاء، صدوقٌ يُخطىء، وكان صاحب حديث [٩] (ت١٩٨) تقدم في ((الحيض)) ٦/ ٧١٤. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السمَرْقندي الحافظ، (١) له عند مسلم حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث آخر تقدّم في كتاب ((الحيض)): ((كان يطوف على نسائه بغسل واحد)». ١٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ صاحب ((المسند))، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد بن عثمان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الله الْفِرْيابيّ(١)، نزيل قيسارية من ساحل الشام، ثقة فاضل، مقدّم في الثوريّ على عبد الرزّاق [٩]. أدرك الأعمش، ورَوَى عن فطر بن خليفة، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، والأوزاعيّ، وجرير بن حازم، ومالك بن مغول، ويونس بن أبي إسحاق، وورقاء، والثوريّ، ولازمه، وزائدة، وإسرائيل، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون بواسطة أحمد بن حنبل، وإسحاق الْكَوْسَج، ومحمد بن يحيى، وعيسى بن محمد النحاس الرملي، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وغيرهم. قال حرب عن أحمد: الفريابيّ سمع من سفيان بالكوفة، وصحبه، وكتبت أنا عنه بمكة، وقال الفضل بن زياد عن أحمد: كان رجلاً صالِحاً، وقال أبو عمير بن النحاس: سألت ابن معين، قلت: أيهما أحب إليك، كتاب الفريابيّ، أو كتاب قبيصة؟ قال: كتاب الفريابيّ، وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عن أصحاب الثوريّ، أيهم أثبت؟ فقال: هم خمسة: القطان، ووكيع، وابن المبارك، وابن مهديّ، وأبو نعيم، وأما الفريابيّ، وأبو حُذيفة، وقَبِيصة، وعبيد الله بن موسى، وأبو أحمد الزبيريّ، وعبد الرزاق، وأبو عاصم، والطبقة، فهم كلهم في سفيان بعضهم قريب من بعض، وهم ثقات، كلهم دون أولئك في الضبط والمعرفة، وقال الدُّوريّ، وعثمان الدارميّ، عن ابن معين نحو ذلك في الفريابيّ، وقال العجليّ: الفريابيّ ثقة، وهو ويحيى بن آدم، والزبيريّ، وقَبِيصة، ومعاوية ثقاتٌ، ووكيع، وأبو نعيم، والأشجعيّ، والقطان، وابن مهديّ أثبت في حديث سفيان منهم، وقال أبو بشر الدُّولابيّ، عن البخاريّ: ثنا محمد بن يوسف، وكان من أفضل أهل زمانه، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن الفريابيّ، ويحيى بن يمان، (١) بكسر الفاء، وسكون الراء، بعدها تحتانيّة، وبعد الألف موحّدة. ١٨٥ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٩) فقال: الفريابيّ أحب إلي، قال: وسألت أبي عن الفريابيّ، فقال: صدوقٌ ثقةٌ، وقال محمدبن عبد الملك بن زنجويه: ما رأيت أروع من الفريابيّ، وقال السلمي: سألت الدارقطنيّ، إذا اجتمع قَبِيصة والفريابيّ، مَن تُقَدِّم منهما؟ قال: الفريابيّ؛ لفضله، ونُسكه، وقال محمد بن سهل بن عسكر: خرجنا مع الفريابيّ للاستسقاء، فرفع يديه، فما أرسلهما حتى مُطِرنا، وقال البخاريّ: رأيت قوماً دخلوا على الفريابيّ، فقيل له: يا أبا عبد الله، إن هؤلاء مُرجئة، فقال: أخرجوهم، فتابوا، ورجعوا، قال العجليّ: كانت سنته كوفية، قال: وقال بعض البغداديين: أخطأ محمد بن يوسف في مائة وخمسين حديثاً من حديث سفيان، وقال ابن عديّ: له إفرادات عن الثوريّ، وله حديث كثير عن الثوريّ، وقد يُقَدَّم الفريابيّ في الثوريّ على جماعة، مثل عبد الرزاق، ونظرائه، قالوا: الفريابيّ أعلم بالثوريّ منهم، ورحل إليه أحمد قاصداً، فلما قَرُب من قيسارية نُعِي إليه، فَعَدَل إلى حِمْصَ، والفريابيّ فيما يتبيَّن صدوقٌ لا بأس به(١). أنكر عليه ابن معين حديثه عن ابن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ((الشعر في الأنف أمان من الجذام))، وقال: هذا باطل. وفي ((الزهرة)): رَوَى عنه البخاريّ ستة وعشرين حديثاً(٢). قال الفريابيّ: وُلِدت سنة عشرين ومائة، وقال أبو زرعة: نُعِي إلينا سنة اثنتي عشرة ومائتين، وفيها أَرَّخه البخاريّ، وغير واحد، وزاد بعضهم: في ربيع الأول. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم (١٦٧١) و(١٨٦٥) و(١٨٨٨) و(١٩٥٥) و(٢٠٣٦) و(٢٣٨٠) و(٢٦٦٢). ٥ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ إمام جليلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. (١) قوله: ((والفريابيّ ... إلخ)) من تَتِمّة كلام ابن عديّ، فتنبّه. (٢) قال الجامع: الذي سُجّل له في برنامج الحديث أن له في ((صحيح البخاريّ)) (٨٨) حديثاً، وهذا فرق كبير بينه وبين ما في ((الزهرة))، والظاهر أن ما في البرنامج هو الصواب؛ لأن أحاديثه كلها مذكورة بالنصّ أمام كلّ رقم، فتأمل. ١٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ ٦ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس ويرسَل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل ((زاد)) ضمير يحيى بن أبي كثير. وقوله: (وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ)؛ أي: لم يَكْوِ ما قُطع منهم بالنار؛ لينقطع الدم، بل ترکە یَنْزِف. انتهى. وقال في ((الفتح)): الحسم - بفتح الحاء، وسكون السين المهملتين -: الكَيّ بالنار؛ لقطع الدم، حَسَمْته، فانحسم، كقطعته فانقطع، وحَسَمتُ العِرْقَ: معناه: حبست دم العرق، فمنعته أن يسيل، وقال الداوديّ: الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حارّ. قال الحافظ: وهذا من صُوَر الحسم، وليس محصوراً فيه. انتهى(١). [تنبيه]: رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة هذه ساقها البخاريّ ◌َخَّتُهُ في ((صحيحه))، مختصرةً، فقال: (٦٨٠٣) - حدّثنا محمد بن الصَّلْتِ أبو يعلَى، حدّثنا الْوَلِيدُ، حدّثني الْأَوْزَاعِيُّ، عن يحيى، عن أبي قِلَابَةَ، عن أَنَسٍ، أَنَّ النبيّ وَِّ قَطَعَ الْعُرَنِيِّينَ، ولم يَحْسِمْهُمْ حتى مَاتُوا. انتهى(٢). وساقها ابن حبّان كَثُ في ((صحيحه)) مطوّلةً(٣)، فقال: (٤٤٦٧) - أخبرنا ابن سلم، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: حدّثنا الوليد، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قَدِمَ ثمانية نفر من عُكْل على رسول الله وَل﴿ فاجتووا المدينة، فأمر (١) ((الفتح)) ٥٩٢/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٠٣). (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٤٩٥/٦. (٣) إنما سُقت رواية البخاريّ، وإن كانت غير موافقة لما أشار إليه المصنّف؛ لكونها أصح الروايات، وإنما سُقت رواية ابن حبّان؛ لموافقتها ما أشار إليه المصنّف، فتنبه . ١٨٧ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٥٠) بهم رسول الله وّ ر أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا، فقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله وَ﴿ في طلبهم قافَةً، فأُتي بهم، فقَطَعَ أيديهم وأرجلهم، وسَمَرَ أعينهم، وتركهم، ولم يحسمهم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَّى رَسُولَ اللهِ نَّهِ نَفَرٌ مِنْ عُرَيْنَةَ، فَأَسْلَمُوا، وَبَايَعُوهُ، وَقَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ الْمُومُ - وَهُوَ الْبِرْسَامُ - ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفاً يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن درهم، ويقال: ابن زياد بن درهم النَّهْديّ مولاهم، أبو غسّان الكوفيّ، سبط حمّاد بن أبي سليمان ابن بنته، ثقةٌ متقنٌّ عابدٌ، صحيح الكتاب، من صغار [٩]. رَوَى عن عبد الوهاب بن سليمان بن الغسيل، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، والحسن بن حيّ، وإسرائيل، وأسباط بن نصر، وزهير بن معاوية، وابن عيينة، وشريك، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، وروى له الباقون بواسطة هارون بن عبد الله الحمال، وأبي بكر بن أبي شيبة، ويوسف بن موسى القطان، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأوديّ، والذَّهْليّ، وأحمد بن سليمان الرُّهاويّ، وعبد الأعلى بن واصل، وغيرهم. قال محمد بن علي بن داود البغداديّ: سمعت ابن معين يقول لأحمد: إنْ سَرَّك أن تكتب عن رجل ليس في قلبي منه شيء، فاكتب عن أبي غسان، وقال أبو حاتم: ظَنّ ابن معين ليس بالكوفة أتقن من أبي غسان، وعن ابن (١) ((صحيح ابن حبان)) ٣١٩/١٠. ١٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ معين قال: هو أجود كتاباً من أبي نعيم، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ صحيح الكتاب، وكان من العابدين، وقال مرةً: كان ثقةً متقناً، وقال ابن نُمير: أبو غسان أحب إليّ من الصَّلْت، أبو غسان محدِّث من أئمة المحدثين، وقال أبو حاتم: كان أبو غسان يملي علينا من أصله، وكان لا يملي حديثاً حتى يقرأه، وكان ينجو، ولم أر بالكوفة أتقن منه، لا أبو نعيم، ولا غيره، وهو أتقن من إسحاق بن منصور، السَّلُوليّ، وهو متقن ثقة، وكان له فضلُ وصلاحُ وعبادةٌ وصحة حديث، واستقامة، وكانت عليه سجادتان كنت إذا نظرت إليه كأنه خرج من قبره، وقال أبو داود: كان صحيح الكتاب، جيّد الأخذ، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: كان أبو غسان صدوقاً شديد التشيع، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: أبو غسان صدوقٌ، ثبتٌ، متقنٌّ، إمام من الأئمة، ولولا كَلِمته لَمَا كان يفوقه بالكوفة أحد، وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: ثقة، وكان متعبداً، وكان صحيح الكتاب، وقال الذهبيّ في ((الميزان)): ذكره ابن عديّ، واعترف بصدقه، وعدالته، لكن ساق قول الثوريّ: كان حسنيّاً - يعني: الحسن بن صالح - على عبادته، وسوء مذهبه، هذا كلام السعديّ، وهو إبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، وعَنَى بذلك أن الحسن بن صالح بن حيّ مع عبادته كان يتشيع، فتبعه مالك هذا في الأمرين. انتهى. قال ابن سعد: مات سنة تسع عشرة ومائتين في غُرّة ربيع الأول، وفيها أَرّخه غير واحد. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، تقدّم قريباً. ٣ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر في آخره، فربما تلقّن، وروايته عن عكرمة مضطربة [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٤ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بن إياس بن هلال المزنيّ، أبو إياس البصريّ، ثقة فقيه [٣] (ت١١٣) وهو ابن (٧٦) سنةً تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٥٣/٣٦. والباقيان ذكرا في الباب. ١٨٩ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٥٠) وقوله: (نَفَرٌ مِنْ عُرَيْئَةَ) تقدّم في رواية أنهم من عُكل، وفي رواية أنهم من عُكل، وعرينة، ويُجمع بأن بعضهم من عرينة، وبعضهم من عُكل. وقوله: (وَقَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ الْمُومُ) - بضم الميم، وسكون الواو - قال: (وهو البرسامُ) - بكسر الموحدة - سريانيّ مُعَرَّب، أُطلق على اختلال العقل، وعلى وَرَم الرأس، وعلى وَرَم الصدر، والمراد هنا الأخير، فعند أبي عوانة من رواية همام، عن قتادة، عن أنس في هذه القصّة: ((فعظُمت بطونهم)). وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): والموم: الْبِرْسام كما في ((الصحاح))، وقيل: مع الْحُمّى، وقيل: هو بَثْرٌ أصغر من الْجُدَريّ، وأنشد الجوهريّ لذي الرمة يصف صائداً [من البسيط ]: إِذَا تَوَجَّسَ رِكْزاً مِنْ سَنَابِكِهَا أَوْ كَانَ صَاحِبَ أَرْضِ أَوْ بِهِ الْمُومُ فالأرض الزكام، والموم البرسام، وقال الليث: قيل: الموم أشدّ الْجُدَريّ، وبه فسّر البيت، وقيل: هو الْجُدَريّ الذي يكون كلّه قُرْحة، واحدةٌ فارسيّة، وقيل: عربيّة، وقد مِيمَ الرجلُ، كقِيل يُمَامُ، ولا يكون يَموم؛ لأنه مفعول به. انتھی(١). وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) فاعل ((ذَكَر))، وكذا ((زاد)) ضمير معاوية بن قُرّة. وقوله: (قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ) تقدّم أنه وَّ بعثهم، وجعل أميرهم كرز بن جابر الفِهْريّ رُه . وقوله: (وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفاً يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ) قال الحافظ تَخْتُ: لم أقف على اسم هذا القائف. و((القائف)): اسم فاعل، من قاف الرجلُ الأثرَ قَوْفاً، من باب قال: تَبِعَه، واقتافه كذلك، والجمع قافة، مثل كفار وكفَرَة، ومُقتاف(٢). [تنبيه]: رواية معاوية بن قُرّة، عن أنس ظ به هذه ساقها أبو عوانة دَخْذَلُهُ في ((مسنده))، فقال: (١) راجع: ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٩/ ٧٠. (٢) ((المصباح المنير)) ٥١٩/٢. ١٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ (٦١٢٣) - حدّثنا أبو داود الحرّانيّ، وجعفر بن محمد الصائغ، قالا: قئنا أبو غَسّان مالك بن إسماعيل، قئنا زهير بن معاوية، قئنا سماك بن حرب، عن معاوية بن قُرّة، عن أنس بن مالك، قال: أَتَى نفرٌ من عُرينة رسول الله وَلِهِ، فأسلموا، وبايعوه، ووقع بالمدينة الْمُومُ - وهو الْبِرْسَامُ - فقالوا: قد وقع هذا الوجع يا رسول الله، فلو أَذِنت لنا، فخرجنا إلى الإبل، فكنا فيها، قال: فخرجوا، قتلوا (١) أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جُرِح، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذَهَبُوا بالإبل، قال: وعنده شباب من الأنصار، قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم، وبعث معهم قائفاً، يقتصّ أَثَرَهم، فأُتي بهم، فقَطَعَ أيديهم وأرجلهم، وسَمَرَ أعينهم. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٥١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا هَذَابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَذَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ وَّهَ وَهْطُّ مِنْ عُرَيْنَةَ، وَفِي حَدِيثٍ سَعِيدٍ: مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ،َ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) بن الأسود الْقَيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له: هُذْبةُ، ثم قيل: أحدهما اسمه، والآخر لقبه، ثقة عابد، تفرد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع (٢٣٠) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوذيّ، البصريّ، ثقة [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٣ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذكروا في الباب، وقبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: (١) هكذا النسخة، والظاهر أنه سقط منها عاطف، أو غير ذلك، فليُحرّر. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ٨٩/٤. ١٩١ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٥٢) أن الأول من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُ، وهو (٢٨٨) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه آخر]: رواية همّام، عن قتادة ساقها أبو عوانة ◌َّتُ في ((مسنده))، فقال : (٦٠٩٦) - وحدّثنا الصغانيّ، قئنا عفان، قال: ثنا هَمّام، قئنا قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قَدِمَ رهط من عُرينة على النبيّ وَّ، فقالوا: إنا قد اجتوينا المدينة، فعَظُمت بطوننا، وارتهشت أعضادنا، قال: فأمرهم النبيّ بَير أن يلحقوا براعي الإبل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، قال: فلَحِقوا براعي الإبل، قال: فبلغ ذلك النبيّ وَّر، فبعث في طلبهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. انتهى(١). وأما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فقد ساقها البخاريّ تَظُّهُ في (صحیحه)، فقال: (٣٩٥٦) - حدّثني عبد الأعلى بن حماد، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا سعيد، عن قتادة، أن أنساً عَظُبه حدّثهم، أن ناساً من عُكل وعُرينة قَدِموا المدينة على النبيّ ◌َّ﴾، وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع، ولم نكن أهل رِيف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله وَّل بَذَوْد، وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرّة كفروا بعد إسلامهم، وقَتَلوا راعي النبيّ ◌َّر، واستاقوا الذود، فبلغ النبيّ وَ﴿، فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم، فسَمَروا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتُرِكوا في ناحية الحرّة حتى ماتوا على حالهم. انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ الأَعْرَجُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ وَ﴿ أَعْيُنَ أُولَئِكَكَ؛ لأَنَّهُمَّ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ). (١) ((مسند أبي عوانة)) ٧٩/٤. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ١٥٣٥/٤. ١٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ الأَعْرَجُ) البغداديّ، خراسانيّ الأصل، ثقةٌ [١١] (ت٢٥٥) وقد جاوز السبعين (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٤٣/٦. ٢ - (يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ) بن عبد الله بن أسماء بن حارثة الْخُزاعيّ، ثم الأسلميّ، أبو الفضل البغداديّ، ويقال: يحيى بن عبد الله بن غيلان، ثقة [١٠]. رَوَى عن مالك، والمفضل بن فَضَالة، ويزيد بن زُريع، وفضيل بن سلیمان، وغیرهم. ورَوى عنه الفضل بن سهل الأعرج، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الرحيم البزاز، ومحمد بن سهل بن عسكر، وغيرهم. قال الفضل بن سهل: ثقة مأمون، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال ابن قانع: صالحٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقال ابن سعد: كان ثقةً، نزل بغداد، ثم خرج إلى البصرة في حاجة له، فمات هناك سنة عشرين ومائتين، وفيها أرّخه مُطَيَّن. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) بن بلال المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي. و((أنس رقپته)) ذُكر قبله. وقوله: (إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ وَله ... إلخ)؛ أي: إنما فعلِ وََّ من سَمْل أولئك المحاربين؛ لكونهم فعلوا ذلك بالرعاة، فكان ذلك قصاصاً، وهذا هو الصحيح في الجواب عما فعله وَّقار بهم من التعذيب والتمثيل. وقوله: (أَعْيُنَ الرِّعَاءِ) بكسر الراء، والمدّ: جمع راع، ويُجمع أيضاً على رُعاة، کقاضٍ وقُضاة، كما تقدّم بيانه. [تنبيه]: حديث أنس به هذا بهذا السياق من أفراد (المصنّف) دَّتُهُ، أخرجه هنا [٤٣٥٢/٢] (١٦٧١)، والترمذيّ في ((الطهارة)) (١٠٨/١)، والنسائيّ ١٩٣ (٣) - بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٣) في ((المجتبى)) في ((كتاب المحاربة)) (١٠٠/٧) و((الكبرى)) (٢٩٨/٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٨٩/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١١٧/٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٩٩/٢) و((الكبير)) (٣٢٤/١٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣) - (بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحَدَّدَاتِ، وَالْمُثَقَّلَاتِ، وَقَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٣] (١٦٧٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، أَنَّ يَهُودِيّاً قَتَلَ جَارِيَةً، عَلَّى أَوْضَاحِ لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ - قَالَ - فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ، وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ لَهَا: ((أَقَتَّلَكِ فُلَانٌ؟))، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٥] (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧١٤/٦. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالبصريين، وأن شيخيه ممن اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وفيه رواية الراوي عن جده، فهشام حفيد أنس بن مالك نظبه، وفيه ١٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ أنس رُّه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد جاوز عمره مائة سنة، وهو الخادم الشهير، خدم النبيّ وَّ عشر سنين، فنال بركته. شرح الحديث: مُ (أَنَّ يَهُودِيّاً) قال (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ) جدّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) الحافظ تَُّهُ: لَم أقف على اسمه (قَتَلَ جَارِيَةً) وفي رواية: ((رَضّ رأس جارية))، الرَّضّ - بالضاد المعجمة - والرضخ بمعنى واحد، والجارية يَحْتَمِل أن تكون أمةً، ويَحْتَمِل أن تكون حرّةً، لكن دون البلوغ، وفي رواية: ((خرجت جارية، عليها أوضاح بالمدينة، فرماها يهوديّ بحجر))، وفي رواية: ((عَدَا يهوديّ على جارية، فأخذ أوضاحاً كانت عليها، ورَضَخ رأسها - وفيه -: فأتى أهلها رسول الله وَ﴿، وهي في آخر رَمَقٍ))، وهذا لا يعيّن كونها حرّةً؛ لاحتمال أن يراد بأهلها مواليها، رقيقةً كانت، أو عتيقةً، قال الحافظ أيضاً: ولم أقف على اسمها، لكن في بعض طرقه أنها من الأنصار، ولا تنافي بين قوله: ((رَضّ رأسها بين حجرين))، وبين قوله: ((رماها بحجر))، وبين قوله: ((رضخ رأسها))؛ لأنه يُجْمَع بينها بأنه رماها بحجر، فأصاب رأسها، فسقطت على حجر آخر. وقوله: (عَلَى أَوْضَاحِ لَهَا) ((على)) بمعنى الباء؛ أي: بسبب أوضاح، وهي بالضاد المعجمة، والحاء المهملة: جمع وَضَحِ، قال أبو عبيد: هي حلي الفضة، ونقل عياض: أنها حليّ من حجارة، ولعله أراد حجارة الفضة؛ احترازاً من الفضة المضروبة، أو المنقوشة، قاله في ((الفتح))(١). (فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ - قَالَ - فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ وَبِهَا رَمَقٌ) بفتحتين: بقيّة الحياة والروح (فَقَّالَ) وَ (لَهَا)؛ أي: لتلك الجارية («أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟») وفي رواية: ((فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان، أو فلان؟ حتى سَمّى اليهوديّ))، وفي رواية: ((فلان، أو فلان)) بحذف الهمزة، وفي رواية: ((أفلان؟ أفلان؟)) بالتكرار بغير واو عطف (فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا)؛ أي: بأنه لم يقتلها (ثُمَّ قَالَ (١) ((الفتح)) ٢٥/١٦ - ٢٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٧٦). ١٩٥ (٣) - بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٣) لَهَا الثَّانِيَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَتْ)؛ أي: أشارت، كما في الرواية الأخرى (نَعَمْ) فقوله: (وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا) تأكيد لمعنى ((قالت))، ووقع في رواية للبخاريّ بيان الإيماء المذكور، وأنه كان تارةً دالّاً على النفي، وتارةً دالّاً على الإثبات، ولفظه: «فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فأعاد، فقال: فلان قتلك، فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: فلان قتلك، فخفضت رأسها))، وهو مشعر بأن فلاناً الثاني غير الأول، وقد وقع التصريح بذلك في رواية أخرى: «فأتى بها أهلها رسولَ الله بَِّ، وهي في آخر رَمَق، وقد أُصمتت، فقال رسول الله وَجه: ((من قتلك فلان؟ لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها أن لا، قال: فقال لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت أن لا، فقال: ففلان؟ لقاتلها، فأشارت أن نعم)). (فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنٍ) وفي الرواية الآتية: ((فأُخِذ اليهوديّ، فأقرّ، فَأَمَر به رسول الله وَّر أن يُرَضّ رأسه بالحجارة))، وفي رواية البخاريّ: ((فأُتي به النبيّ وَلَّ، فلم يزل به حتى أَقَرّ))، وفي رواية: ((فجيء به يعترف، فلم یزل به حتى اعترف)). قال أبو مسعود: لا أعلم أحداً قال في هذا الحديث: ((فاعتَرَف))، ولا ((فأقرّ)) إلا همام بن يحيى(١). وقوله: (فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ وَّ بَيْنَ حَجَرَيْنٍ) وفي رواية: ((فَرَضٌّ رأسه بالحجارة))؛ أي: دَقّ، وفي رواية: ((فَرَضَخ رأسه بين حجرين))، قال القاضي عياض: رَضْخُه بين حجرين، ورَمْيُه بالحجارة، ورَجْمه بها بمعنى، والجامع أنه رمي بحجر، أو أكثر، ورأسه على آخر. وقال ابن التين: أجاب بعض الحنفية بأن هذا الحديث لا دلالة فيه على المماثلة في القصاص؛ لأن المرأة كانت حيّةً، والقَوَد لا يكون في حيّ. وتعقبه بأنه إنما أمر بقتله بعد موتها؛ لأن في الحديث: ((أفلان قتلك؟))، فدلّ على أنها ماتت حينئذ؛ لأنها كانت تجود بنفسها، فلما ماتت اقتُصّ منه. وادَّعَى ابن المرابط من المالكية أن هذا الحكم كان في أول الإسلام، (١) ((الفتح)) ٢٧/١٦ رقم (٦٨٧٦). ١٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وهو قبول قول القتيل، وأما ما جاء أنه اعترف فهو في رواية قتادة، ولم يقله غيره، وهذا مما عُدّ عليه. انتهى. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يخفى فساد هذه الدعوى، فقتادة حافظ، زيادته مقبولة؛ لأن غيره لم يتعرض لنفيها، فلم يتعارضا، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌ُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٥٣/٣ و٤٣٥٤ و٤٣٥٥ و٤٣٥٦ و٤٣٥٧] (١٦٧٢)، و(البخاريّ) في ((الخصومات)) (٢٤١٣) و((الوصايا)) (٢٧٤٦) و((الطلاق)) (٥٢٩٥) و((الديات)) (٦٨٧٦ و٦٨٧٧ و٦٨٧٩)، و(أبو داود) في ((الديات)) (٤٥٢٧ و٤٥٢٨ و٥٤٢٩ و٤٥٣٥)، و(الترمذيّ) في ((الديات)) (١٣٩٤)، و(النسائيّ) في ((القسامة)) (٢٢/٨) و((الكبرى)) (٢١٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((الديات)) (٢٦٦٥ و٢٦٦٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٠١٧١ و١٨٢٣٣ و١٨٥٢٥)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٩٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٢٩٥/٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧١/٣ و١٨٣ و٢٠٣ و٢٦٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩٠/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٦٦ و٣١٤٩)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٨٣٧ و٨٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٠/٤ و٩٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٩١ و٥٩٩٢ و٥٩٩٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٧٩/٣)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٦٨/٣ - ١٦٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢/٨) و((الصغرى)) (١١/٧) و((المعرفة)) (٦/ ٢٦٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٥٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة القصاص في القتل بالحجر وغيره من (١) ((الفتح)) ٢٨/١٦. ١٩٧ (٣) - بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٣) المحدّدات، والمثقّلات، ولا يختص بالمحدّدات، قال النوويّ تَخْذَلُهُ: وهذا مذهب الشافعيّ، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة كَّلُ: لا قصاص إلا في القتل بمحدّد من حديد، أو حجر، أو خشب، أو كان معروفاً بقتل الناس بالمنجنيق، أو بالإلقاء في النار، واختَلَفت الرواية عنه في مثقل الحديد، كالدبوس، أما إذا كانت الجناية شبه عمد، بأن قَتَل بما لا يُقصد به القتل غالباً، فتعمّد القتل به؛ كالعصا، والسوط، واللَّطمة، والقضيب، والبندقة، ونحوها، فقال مالك، والليث: يجب فيه القود، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والأوزاعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وجماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم: لا قصاص فيه، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه مالك، والليث من وجوب القصاص في الأشياء المذكورة هو الأرجح عندي؛ لإطلاق النصوص في ذلك، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): مشروعيّة قتل الرجل بالمرأة، قال النوويّ: وهو إجماعُ مَن يُعْتَدّ به، وقال القرطبيّ: وهو قول الجمهور، خلافاً لمن شذّ، فقال: لا يُقتل بها، وهو عطاء، والحسن. وقد روي عن عليّ ﴿ه، وأمَّا القصاص بينهما في الأطراف، فهو أيضاً مذهب الجمهور، وقد ذهب إلى نفيه فيها من نفاه في النفس، وأبو حنيفة، وحمّاد، وإن قالا به في النفس، والصحيح قول الجمهور في المسألتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَبِّنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى آخر الآية [المائدة: ٤٥]. ٣ - (ومنها): أن الجاني عمداً يُقتَل قصاصاً على الصفة التي قَتل، فإن قَتَل بسيف قُتل هو بالسيف، وإن قَتل بحجر، أو خشب، أو نحوهما، قُتل بمثله؛ لأن اليهوديّ رَضَخها، فُرُضِخ هو. ٤ - (ومنها): جواز سؤال الجريح مَن جَرَحك؟، وفائدة السؤال أن يُعْرَف المتهم؛ ليطالَب، فإن أقرّ ثبت عليه القتل، وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/١١ - ١٥٩. ١٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ ولا يلزمه شيء بمجرد قول المجروح، قال النوويّ: هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير، ومذهب مالك ثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وتعلقوا بهذا الحديث، قال: وهذا تعلّق باطل؛ لأن اليهوديّ اعتَرَف، كما صرح به مسلم في أحد رواياته التي ذكرناها، وإنما قُتل باعترافه، والله أعلم. (١) انتھی قال في ((الفتح)) بعد ذكر كلام النوويّ المذكور ما نصّه: ونازعه بعض المالكية، فقال: لم يقل مالك، ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وإنما قالوا: إن قول المحتضر عند موته: فلان قتلني لَوْثٌ يوجب القسامة، فيُقسم اثنان فصاعداً من عصبته بشرط الذكورية، وقد وافق بعض المالكية الجمهور. انتهى (٢). ٥ - (ومنها): ما قال المهلَّب: فيه أنه ينبغي للحاكم أن يستدلّ على أهل الجنايات، ثم يتلطف بهم حتى يقروا؛ ليؤخذوا بإقرارهم، وهذا بخلاف ما إذا جاؤوا تائبين، فإنه يُعْرِض عمن لم يصرِّح بالجناية، فإنه يجب إقامة الحد عليه إذا أقرّ، وسياق القصة يقتضي أن اليهودي لم تقم عليه بينة، وإنما أُخذ بإقراره، وأنه تجب المطالبة بالدم بمجرد الشكوى، وبالإشارة، قال: وفيه دليل على جواز وصية غير البالغ، ودعواه بالدَّين والدم. وتعقّبه الحافظ، فقال: وفي هذا نظر؛ لأنه لم يتعيّن كون الجارية دون البلوغ. ٦ - (ومنها): ما قال المازريّ: فيه الرد على من أنكر القصاص بغير السيف، وقتل الرجل بالمرأة. ٧ - (ومنها): أنه استدلّ به بعضهم على التدمية؛ لأنها لو لم تُعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة، قال: ولا يصح اعتباره مجرداً؛ لأنه خلاف الإجماع، فلم يبق إلا أنه يفيد القسامة. (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٩/١١. (٢) ((الفتح)) ٢٧/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٧٦). ١٩٩ (٣) - بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٣) واحتجّ من قال بالتدمية إن دعوى من وصل إلى تلك الحالة، وهي وقت إخلاصه، وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا، يدلّ على أنه لا يقول إلا حقّاً، قالوا: وهي أقوى من قول الشافعية: إن الولي يُقسم إذا وَجَد قرب وليّه المقتول رجلاً معه سكين؛ لجواز أن يكون القاتل غير من معه السكين، ذكره في ((الفتح))(١) . وقال القرطبيّ كَُّ: وفيه: ما يدلُّ على اعتبار التَّدمية على الجملة، وقد تقدَّم الكلام فيها، لكن الصحيح في هذا الحديث: أن اليهوديّ إنَّما قُتل بالمرأة بإقراره، لا بمجرد التَّدمية. والرواية التي يظهر منها: أنَّه قُتل بمجرد التَّدمية مردودة إلى الرواية التي ذكر فيها: أنه قُتل بإقراره لوجهين: أحدهما: أن القصّة واحدة وإن اختلفت الرِّوايات، فيُحْمَل مُظْلَقُها على مقيّدِها . والثاني: أن ظاهر تلك الرِّواية المطلقة مجمع على تركه؛ إذ لم يقل أحد من المسلمين: أن التَّدمية بمجردها يُقتَل بها، وإنَّما هي عند من قال بها لَوْثٌ يُقْسِم معها، ولم يُسمع قطّ في شيء من طرق هذا الحديث، ولا رواياته أن أولياء هذه الجارية أقسموا على اليهودي. انتهى (٢). ٨ - (ومنها): أنه استدُلّ به على وجوب القصاص على الذميّ. وتُعُقّب بأنه ليس فيه تصريح بكونه ذميّاً، فَيَحْتَمِل أن يكون معاهَداً، أو مستأمَناً، والله أعلم. ٩ - (ومنها): جواز ذِكْر من اُّهِم، وعَرْضِهم على المقتول واحداً، واحداً بعينه واسمه، وإن لم تتم دلالة على لطخه أكثر من أنَّه يَحتَمِل ذلك احتمالاً قريباً، ولا يكون ذلك عرضاً يستباح. ١٠ - (ومنها): قتل الكبير بالصَّغير؛ لأن الجارية اسم لمن لم يبلغ من النساء؛ كالغلام من الرجال، وهذا لا يُختلف فيه، قاله القرطبيّ دَخَذُ (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٢٧/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٧٦). (٢) ((المفهم)) ٢٤/٥ - ٢٥. (٣) ((المفهم)) ٢٥/٥. ٢٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صفة القصاص: قال العلّامة محمد ابن رُشد كَخَّتُهُ في كتابه ((بداية المجتهد)): اختلفوا في صفة القصاص في النفس، فمنهم من قال: يُقتصّ من القاتل على الصفة التي قَتَل، فمن قتل تغريقاً قُتل تغريقاً، ومن قتل بضرب بحجر قُتل بمثل ذلك، وبه قال مالكٌ، والشافعيّ، قالوا: إلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح. واختلف أصحاب مالك فيمن حرّق آخر، هل يُحرّق؟ مع موافقتهم لمالك في احتذائه صورة القتل، وكذلك فيمن قتل بالسهم. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: بأيّ وجه قتله لم يُقتل إلا بالسيف، وعمدتهم ما رَوى الحسن عن النبيّ وَّر أنه قال: ((لا قود إلا بحديدة)). وعمدة الفريق الأول حديث أنس ظه: ((أن يهوديّاً رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبيّ ◌َ ﴿ رأسه بحجر))، أو قال: ((بين حجرين))، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَلْلِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]، والقصاص يقتضي المماثلة. انتهى كلام ابن رُشد تَخْذَهُ(١). وقال القرطبيّ كَُّ: اختلف في أن من قَتَل بشيء قُتل به، فذهب الجمهور: إلى أنَّه يُقتل بمثل ما قَتَل من حجر، أو عصا، أو تغريق، أو خنق، أو غير ذلك ما لم يقتله بفسق كاللوطية، وإسقاء الخمر؛ فيُقتل بالسيف. وحجَّتهم هذا الحديث - يعني: قصّة اليهوديّ - وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَّدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥]. والقصاص أصله: المساواة في الفعل، ومن هؤلاء من خالف في التحريق بالنار، وفي قتله بالعصا. فجمهورهم: على أنَّه يقتل بذلك. وقال ابن الماجشون وغيره: لا يحرَّق بالنار؛ لقول رسول الله وَل : ((لا يعذِّب بالنَّارِ إلا ربّ النار))(٢)، وقال مالك في إحدى الروايتين عنه: أنَّه إن كان في قتله بالعصا تطويل، وتعذيب قُتل بالسَّيف. وفي الأخرى: يُقتل بها وإن كان فيه ذلك، وهو قول الشافعيّ، وقال الشافعيّ فيمن حبس رجلاً أيَّاماً في بيت حتَّى (١) ((بداية المجتهد، ونهاية المقتصد)) ٤٠٤/٢. (٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود.