Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٥) فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ مِنْ قِبَلِهِ، قَالَ سَهْلٌ: فَدَخَلْتُ مِرْبَدَاً لَهُمْ يَوْماً، فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ، مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا، قَالَ حَمَّدٌ: هَذَا، أَوْ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س) تقدّم في ((المقدّمة)) ٧٥/٦. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قِبَلَ خَيْبَرَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة؛ أي: جهتها. وقوله: (يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) قال النوويّ كَُّ: هذا مما يجب تأويله؛ لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصّة، لا على غيره من القبيلة، وتأويله عند أصحابنا أن معناه: يؤخذ منكم خمسون يميناً، والحالف هم الورثة، فلا يحلف أحد من الأقارب غير الورثة، يَخْلِف كل الورثة ذكوراً كانوا أو إناثاً، سواء كان القتل عمداً أو خطأً، هذا مذهب الشافعيّ، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، ووافقنا مالك فيما إذا كان القتل خطأً، وأما في العمد فقال: يحلف الأقارب خمسين يميناً، ولا تحلف النساء، ولا الصبيان، ووافقه ربيعة، والليث، والأوزاعيّ، وأحمد، وداود، وأهل الظاهر، واحتجّ الشافعيّ بقوله : ((تحلفون خمسين يميناً، فتستحقّون صاحبكم))، فجعل الحالف هو المستحقّ للدية والقصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئاً، فدلّ أن المراد: خَلِف من يستحق الدية. انتهى(١). وقوله: (فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ) الرُّمّة - بضم الراء -: الحبل، والمراد هنا: الحبل الذي يُرْبَط في رقبة القاتل، ويُسَلَّم به إلى ولي القتيل. وفي هذا دليل لمن قال: إن القسامة يثبت فيها القصاص، وقد سبق بيان مذهب العلماء فيه، وتأوله القائلون: لا قصاص، بأن المراد: أن يُسَلَّم ليستوفى منه الدية؛ لكونها ثبتت عليه. (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٩/١١. ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وفيه أن القسامة إنما تكون على واحد، وبه قال مالك، وأحمد، وقال أشهب وغيره: يحلف الأولياء على ما شاءوا، ولا يقتلون إلا واحداً، وقال الشافعيّ: إن ادعوا على جماعة حلفوا عليهم، وثبتت عليهم الدية على الصحيح عند الشافعيّ، وعلى قولٍ أنه يجب القصاص عليهم، وإن حلفوا على واحد استحقّوا عليه وحده، قاله النوويّ كَذَُّهُ(١). وقوله: (مِنْ قِبَلِهِ) - بكسر القاف، وفتح الموحّدة - هو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: ((من عنده)). وقوله: (قَالَ سَهْلٌ) هو ابن أبي حثمة راوي القصّة. وقوله: (فَدَخَلْتُ مِرْبَدَاً لَهُمْ) الْمِرْبَد - بكسر الميم، وإسكان الراء، وفتح الموحّدة -: هو الموضع الذي تُجمَع فيه الإبل، وتُحَبَس، والرَّبْد: الحبسُ. وقوله: (فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ ... إلخ)؛ أي: رَفَسَتني، يقال: رَكَضَ الرجل رَكْضاً، من باب قتل: ضرب برجله، ويتعدّى إلى مفعول، فيقال: رَكَضتُ الفرسَ: إذا ضربته؛ ليَعْدُوَ، ثم كثُر حتى أُسند الفعل إلى الفرس، واستُعْمِل لازماً، فقيل: رَكَضَ الفرسُ، قال أبو زيد: يُستعمَل لازماً، ومتعدّياً، فيقال: رَكَضَ الفرسُ، وركضته، ومنهم من منع استعماله لازماً، ولا وجه للمنع بعد نقل العدل، وركضَ البعيرُ: ضرب برجله، مثلُ رَمَحَ الفرسُ، قاله الفيّوميّ كَُّهُ(٢). قال النوويّ كَّثُ: وأراد سهل ته بهذا الكلام أنه ضَبَط الحديث، وحَفِظَهُ حفظاً بليغاً. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا الْقَوَارِبرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَتْمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ لَه (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٩/١١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٧/١. ١٤٣ (١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٧) نَحْوَهُ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي حَدِيثِهِ: فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدّم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية بشر بن المفضّل، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها النسائيّ ◌َُّ في ((المجتبى))، فقال: (٤٧١٤) - أخبرنا عَمْرُو بن عَلِيٍّ، قال: حدّثنا بِشْرٌ - وهو ابن الْمُفَضَّلِ - قال: حدّثنا يحيى بن سَعِيدٍ، عن بُشَيْرِ بن يَسَارٍ، عن سَهْلٍ بن أبي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بن سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بنَ مَسْعُودِ بن زَيْدٍ، أَنَّهُمَا أَتَّيَا خَيْبَرَ، وهو يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا لِحَوَائِجِهِمَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ على عبد اللهِ بن سَهْلٍ، وهو يَتَشَخَّطُ في دَمِهِ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عبد الرحمن بنِ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ إلى رسول اللهِ وَ، فَذَهَبَ عبد الرحمُنْ يَتَكَلَّمُ، وهُو أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنّاً، فقال رسول اللهِ نَّهِ: ((كَبِّرْ، الْكُبْرَ))، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فقال رسول اللهِ وَّ: ((أَتَحْلِفُونَ بِخَمْسِينَ يَمِيناً مِنْكُمْ، فَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، أو قَاتِلِكُمْ؟))، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَحْلِفُ، ولم نَشْهَدْ، ولم نَرَ؟ قال: (تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِيناً))، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَأْخُذُ إيمان قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَّلَهُ رسول اللهِ وَّهِ مِن عِنْدِهِ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ - جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ). (١) ((سنن النسائي - المجتبى)) ٩/٨. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٤ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد، تقدّم أيضاً قبل باب. والباقون ذُكروا قبله، و((القواريريّ)) هو: عبيد الله بن عمر المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، ساقها النسائيّ تَظّثهُ في ((الکبری))، فقال: أخبرنا محمد بن منصور المكيّ، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، قال: وُجِد عبد الله بن سهل قتيلاً، فجاء أخوه، وعَمّاه: حُوَيِّصة، ومُحَيِّصة، وهما عَمّا عبد الله بن سهل، إلى رسول الله وَل*، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال رسول الله وَل﴾: ((الْكُبْرَ الْكُبْرَ))، قالا: يا رسول الله، إنا وجدنا عبد الله بن سهل قتيلاً في قَلِيب من قُلُب خيبر، فقال النبيّ وَّ: ((من تتهمون؟)) قالوا: نتّهم يهود، قال: ((فتُقسمون خمسين يميناً أن اليهود قتلته؟» قالوا: وكيف نُقسم على ما لم نر؟ قال: ((فتبرئكم اليهود بخمسين أنهم لم يقتلوه))، قالوا: وكيف نرضى بأيمانهم، وهم مشركون؟، فوداه رسول الله وَ لاو من عنده. انتھی . وأما رواية عبد الوهاب الثقفيّ، فساقها أيضاً النسائيّ تَخُّْ في ((الكبرى))، فقال : (٦٩١٩) - أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حَثْمة، أن عبد الله بن سهل الأنصاريّ، ومُحَيِّصة بن مسعود خرجا إلى خيبر، فتفرقا في حاجتهما، فقُتِل عبد الله بن سهل الأنصاريّ، فجاء مُحَيِّصة وعبد الرحمن أخو المقتول، وحُوَيِّصة بن مسعود، حتى أتوا رسول الله وَّر، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال له رسول الله وَّه: ((الْكُبْرَ، الْكُبْرَ))، فتكلم محيِّصة، ١٤٥ (١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٨) وحُويِّصة، فذكروا شأن عبد الله بن سهل، فقال رسول الله وَيقول: ((تحلفون خمسين يميناً، فتستحقون قاتلكم؟)) قالا: كيف نحلف ولم نشهد، ولم نحضر؟ فقال رسول الله وَلجر: ((فتبرئكم يهود بخمسين يميناً؟)) قالوا: يا رسول الله كيف نَقْبَل أيمان قوم كفار؟ قال: فوداه رسول الله وَّ، قال بُشير بن يسار: قال لي سهل بن أبي حثمة: لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض، في مربد لنا. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرٍ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّيْنِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، خَرَجًا إِلَى خَيْبَرَ فِي زَمَانِ رَسُولِ الهِ وَّهِ، وَهِي يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، وَأَهْلُهَا بَهُودُ، فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَوُجِدَ فِي شَرَبَةٍ مَقْتُولاً، فَدَفَنَهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَشَى أَخُو الْمَّقْتُولِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ، وَحُوَيِّصَةُ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ شَأْنَ عَبْدِ اللهِ، وَحَيْثُ قُتِلَ، فَزَعَمَ بُشَيْرٌ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَمَّنْ أَدْرََ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: ((تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً، وَتَسْتَحِقُونَ قَاتِلَكُمْ))، أَوْ (صَاحِبَكُمْ؟))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَهِدْنَا، وَلَا حَضَرْنَا، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَتُبْرِتُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْم كُفَّارٍ؟ فَزَعَمَ بُشَيْرٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَقَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) تقدّم قبل بابین . ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. والباقيان ذُكرا قبله. (١) ((سنن النسائيّ الكبرى)) ٢١٠/٤. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ [تنبيه]: ظاهر هذه الرواية الإرسال؛ لأن بُشير بن يسار تابعيّ لم يشهد القصّة، لكن قوله الآتي في أثناء الحديث: ((وهو يُحدّث عمّن أدرك من أصحاب رسول الله وَ﴿)) يدلّ على أنه متّصل؛ لأنه رواه عمن أدرك من الصحابة، وقد عيّن منهم سهل بن أبي حثمة ربه، كما في السند التالي، وعيّنه ورافع بن خَدِيج، كما سبق ذلك. وقوله: (وَهِي يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ)؛ يعني أن خيبر يوم خروجهما أرض صلح، حيث صالح النبيّ وَّرِ أهلها على شطر ما يخرج منها. وقوله: (فِي شَرَبَةٍ) - بفتح الشين المعجمة، والراء - وهو حوض يكون في أصل النخلة، وجمعه: شَرَبٌ، كثَمَرَة وَثَمَر (١). وقوله: (فَزَعَمَ بُشَيْرٌ)؛ أي: قال؛ لأن الزعم يُطلق على الحقّ، وإن كان أكثر إطلاقاته على الباطل، كما قوله رَّت: ﴿َزَعَمَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ أَنْ يُعَنُواْ﴾ الآية [التغابن: ٧]. وقوله: (عَمَّنْ أَدْرََكَ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) تقدّم أنه ذكر منهم جا . سهل بن أبي حَثْمة، ورافع بن خديج والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى في الحديث المذكور أول الباب، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٩] ( ... ) - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ بْنِ زَيْدٍ انْطَلَقَ هُوَ، وَابْنُ عَمَّ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى قَوْلِهِ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ وَهُ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ يَحْيَى: فَحَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ بِالْمِرْبَدِ). (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٠/١١. ١٤٧ (١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٤٠) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (بَحْيَى بْنُ بَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير الواسطيّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير هُشيم. وقوله: (فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ) قال القرطبيّ تَخُّْهُ: ((الفريضة)): واحدة الفرائض، وهي النُّوق المأخوذة في الزكاة والدية، وأصل الفرض: التقدير، ولا معنى لقول من قال: إنها المسنّة من الإبل. انتهى (١). [تنبيه]: رواية هُشيم بن بَشِير، عن يحيى بن سعيد هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٤٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا بُشَيْرُ بْنُ يَسَارِ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرَأَ مِنْهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلاً، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِوَهِ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ) الطائيّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقة [٦] (خ م د ت س) تقدّم في ((المقدّمة)) ٥/٢. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ الغسّانيّ ◌َُّ في ((التقييد)): في نسخة أبي العلاء في هذا الإسناد: ((سعد بن عبيد))، بسكون العين، والمحفوظ: سعيد، بياء بعد العين. انتهى (٢). (١) «المفهم)) ١٧/٥. (٢) ((تقييد المهمل)) ٨٧١/٣. ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: قال النوويّ كَّلُهُ: هذا الحديث آخر الفوات الذي لم يسمعه إبراهيم بن سفيان من مسلم، وقد قدّمنا بيان أوله، وقولُه عَقِب هذا: حدّثني إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا بشر بن عمر، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: حدّثني أبو ليلى، هو أول سماع إبراهيم بن سفيان من مسلم، من هذا الموضع، هكذا هو في معظم النسخ، وفي نسخة الحافظ ابن عساكر أن آخر الفوات آخر حديث إسحاق بن منصور هذا الذي ذكرناه، وأول السماع قوله عقبه: حدّثني أبو الطاهر، وحرملة بن يحيى، والأول أصح. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أول الفوات في ((كتاب الوصايا))، وهو أول حديث فيه، قال: [٤١٩٦] (١٦٢٧) - حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى الْعَنَزِيُّ - واللفظ لابن المثنى - قالا: حدّثنا يحيى - وهو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وح له قال: ((ما حقُّ امرئ مسلم، له شيءٌ، يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته. مكتوبة عنده)). (٢) انتھی(٢). قال الشيخ ابن الصلاح تخُّ: والفوات فيه مقدار عشرة أوراق. انتهى. وقد تقدّم البحث في هذا في ((شرح المقدّمة))، فراجعه(٣) تستفد علماً جمّاً، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه آخر]: رواية سعيد بن عُبيد، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو عوانة تَخّْثُ في ((مسنده))، فقال: (٦٠٤٠) - حدّثنا أبو أميّة الطرسوسيّ، قثنا أبو نعيم، قثنا سعيد بن عُبيد الطائيّ، عن بُشير بن يسار، أن رجلاً من الأنصار، يقال له: سهل بن أبي خَثْمة، أخبره أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم (١) ((شرح النوويّ)) ١٥١/١١. (٢) ((صحيح مسلم)) ٧٠/٥. (٣) راجع: ((قرّة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح الإمام مسلم بن الحجاج)) ٦٦/١ - ٦٧. ١٤٩ (١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٤١) قتيلاً، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا، ولا عَلِمنا، قال: فانطلقوا إلى النبيّ وَ﴾، فقالوا: يا نبيّ الله انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقال رسول الله وَله: ((الْكُبْرَ الْكُبْرَ))، فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتل؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: ((فيحلفون لكم؟))، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكَرِهَ رسول الله ◌َ أن يُعطل(١) دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٤١] ( .. ) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ خَرَجًا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلِ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ. قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ، وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةٌ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لِمُحَيِّصَةَ: (كَبِّرْ كَبِّرْ))، يُرِيدُ السُّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ(٣))، فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: ((أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟))، قَالُوا: لَا، قَالَ: ((فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟))، قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ(٤)، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ وَهُ مِائَةَ نَاقَةٍ، حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، فَقَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ). (١) كذا وقع في ((مسند أبي عوانة))، والذي في ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((أن يبطل دمه))، من الإبطال، فتنبّه. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ٦٢/٤ - ٦٣. (٤) وفي نسخة: ((ليسوا مسلمين)). (٣) وفي نسخة: ((بحرب من الله)). ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج، تقدّم قبل باب. ٢ - (بِشْرُ بْنُ عُمَرَ) بن الحكم الزهرانيّ الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٧ أو ٢٠٩) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٦/ ٩٣. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو لَيْلَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ) الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ، ويقال: اسمه عبد الله، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن سهل بن أبي حَثْمة، ورجال، وقيل: عن رجال من كبراء قومه. وروى عنه مالك بن أنس، وقيل: عن مالك، عن أبي ليلى عبد الله بن سهل(١)، قال ابن سعد: أبو ليلى اسمه عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن كعب، من بني عامر بن عديّ بن جُشَم بن مَجْدعة بن الأوس، وهو الذي روى عنه مالك حديث القسامة، وقال البخاريّ: عبد الله بن سهل سمع عائشة، ورَوَى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة، عن عائشة، وجابر كذا نسبه، وقال ابن حبان في (الثقات)): عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل أحد بني حارثة، كنيته أبو ليلى، وكذا قال مسلم، والنسائيّ، والدُّولابيّ، وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم في ((الكنى)): سئل أبو زرعة عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن الحارثيّ، فقال أيضاً: ثقةٌ، وكان قد ذكر عبد الله بن سهل في الأسماء، وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. (١) قال أبو عمر بن عبد البرّ كَفُ في ((التمهيد)) (٢٤/ ١٥٠): اختُلِف في اسم أبي ليلى هذا، فقيل: اسمه عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة، وقيل: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، وقيل: داود بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، وقال فيه ابن إسحاق: أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة. انتهى. ١٥١ (١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٤١) و (سهل ټُته)) ذُكر قبله. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((صحيح مسلم)) في هذا الإسناد قوله: ((حدّثني أبو ليلى عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل))، فجعل ((عبد الله)) مرفوعاً بدلاً من ((أبو ليلى)) على أنه اسمه، ووقع في النسخة الهنديّة، وشرح الأبّيّ بلفظ: ((حدّثني أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل))، وهذا هو الذي وقع في ((الموظّا))، و((صحيح البخاريّ))(١)، والظاهر أن هذا هو الصواب، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. وقوله: (عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ) هكذا عند مسلم في هذه الرواية، والذي في ((صحيح البخاري)): ((عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه))، بعطف ((رجالٌ)) على ضمير سهل، والظاهر أن هذا هو الصواب، ومعناه أن سهل بن أبي حثمة، ورجالاً من كبراء قومه أخبروا أبا ليلى، وأما على ما هنا فيكون سهل بن أبي حثمة أخبر أبا ليلى راوياً عن رجال من كبراء قومه، وهذا مخالف للرواية الكثيرة التي مضت أن سهلاً هو الذي شهد القصّة، وأخبر بها، لا أنه أخذها من كبراء قومه، وقد تقدّم في رواية بُشير بن يسار أنه رواه عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج، وفي رواية أنه رواه عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَديج، وسُويد بن النعمان، فيَحْتمل أن هؤلاء أخبروا أيضاً أبا ليلى، ولم أر من تكلّم في هذا، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ) بفتح الجيم، وإسكان الهاء: الشدّة، والمشقّة. وقوله: (فَأَتَى مُحَيِّصَةُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أتاه آت، فأخبره بقتل عبد الله بن سهل. وقوله: (وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَقِيرٍ) قال النوويّ تَُّ: الفقير هنا على لفظ الفقير في الآدميين، والفقير هنا: البئر القريبة الْقَعْر الواسعة الفم، وقيل: هو (١) راجع: ((صحيح البخاريّ) في كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٩٢) ٢٣/١٧ بنسخة ((الفتح))، و((الموطأ)) رقم (٧٨٧)، و((التمهيد» ١٥٠/٢٣. ١٥٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ الْحَفِيرة التي تكون حول النخل. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَكْثُهُ: وقيل: الفقير: هو الحفر الذي يُحفَر للفَسِيلة. (٢) انتھی(٢). وقوله: (فَأَتَّى يَهُودَ) بترك الصرف؛ للعلميّة والتأنيث، كما تقدّم قريباً. وقوله: (حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال، كتَعِبَ. وقوله: (إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ)؛ أي: يُعطوا ديته، قال الفيّوميّ كَلُّهُ : وَدَى القاتلُ القتيلَ يَدِيهِ دِيَةً: إذا أعطى وَلِيَّهُ المالَ الذي هو بدلُ النفس، وفاؤها محذوفة، والهاء عِوَضٌ، والأصل: وِذْيَةٌ، مِثلُ وِعْدَةٌ، وفي الأمر: دِ القتيلَ، بدال مكسورة، لا غيرُ، فإن وقفت قلت: دِهْ، ثم سُمّي ذلك المال دِيَةً تسميةً بالمصدر، والجمع: دِيَاتٌ، مثل هِبَةٍ وهِبَات، وعِدَةٍ وعِدَات، وانَّدَى الوليُّ على افتعل: إذا أخذ الديةَ، ولم يَثْأَرْ بقتيله. انتهى(٣). وقوله: (وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ) بضمّ حرف المضارعة، من الإيذان، وهو الإعلام، ووقع في بعض النسخ: ((بحرب من الله)). قال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((إما أن يدوا صاحبكم ... إلخ)): معناه: إن ثبت القتل عليهم بقسامتكم، فإما أن يَدُوا صاحبكم؛ أي: يدفعوا إليكم ديته، وإما أن يُعلمونا أنهم ممتنعون من التزام أحكامنا، فينتقض عهدهم، ويصيرون حرباً لنا، وفيه دليل لمن يقول: الواجب بالقسامة الدية دون القصاص. انتهى (٤). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريباً، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٤٢] (١٦٧٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجٍ (١) ((شرح النوويّ)) ١٥١/١١ - ١٥٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٥٤/٢. (٢) ((المفهم)) ١٧/٥. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٥٢/١١ - ١٥٣. ١٥٣ (١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٤٢) النَّبِيِّ نَّهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ مِنَ الأَنْصَارِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهـ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَ﴿) المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩. ٣ - (رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَلِ﴿ مِنَ الأَنَّصَارِ) لم يُسَمَّ. والباقون تقدموا قبل بابين. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوف (وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةً) بنت الحارث بُتّا، وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ وَ﴿) بدل من ((ميمونة))، تقدّمت ترجمتها في ((الحيض)) ١/ ٦٨٧. (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) لم أجد من ذكر اسمه، والله تعالى أعلم، وقوله: (مِنَ الأَنْصَارِ) متعلّق بحال مقدّر من ((رجل))، أو صفة له بعد صفة، وفي رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب الآتية: ((عن أناس من الأنصار)) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ) من التقرير؛ أي: أثبتها، وأبقى العمل بها (عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ)؛ أي في الزمن الذي قبل بعثته وَله . زاد في رواية ابن جريج التالية: ((وقَضَى بها رسول الله وَل و بين أناس من الأنصار في قتيل ادّعَوْهُ على اليهود)). قال القرطبيّ كَّلهُ: هذا الحديث حجة للجمهور على من أنكر العمل بالقسامة، فإن ظاهره: أنَّه بَّهِ وجدَ الناس على عمل، فلمَّا أسلموا، واستقلّ بتبليغ الأحكام أقرَّها على ما كانت عليه، فصار ذلك حكماً شرعياً يُعمل عليه، ويحكم به، لكن يجب أن يُبْحَث عن كيفية عملهم الذي كانوا يعملونه فيها، ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وشروطهم التي اشترطوها، فَيُعْمَل بها من جهة إقرار النبيّ وَّ عليها، لا من جهة الاقتداء بالجاهلية فيها. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): أن حديث رجل من أصحاب رسول الله وصلت هذا في القسامة من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٤٢/١ و ٤٣٤٣ و٤٣٤٤] (١٦٧٠)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٤٥٢٦)، و(النسائيّ) في ((القسامة)) (٤/٨ -٥) و((الكبرى)) (٢٠٦/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٢/٤ و٣٧٥/٥ ٤٣٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١/ ٢٠١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٥/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٠٤/١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٢٢/٨ و١٣٠) و((المعرفة)) (٢٦٣/٦)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٤٣] (.) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَيْنَّ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي قَتِيلِ الدَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم تقدّموا في الباب، وقبل باب. وقوله: (وَزَادَ) فاعل ((زاد)) ضمير ابن جُريج. وقوله: (الدَّعَوْهُ) هو افتعال من دعا يدعو، فالدّالُ مشدّدة مفتوحة، وكذا العين مفتوحة، فما وقع في النسخة المطبوعة مضبوطاً بضمّ العين ضَبْطَ قلم فغلط، فتنبّه. [تنبيه]: رواية ابن جُريج، عن ابن شهاب هذه ساقها البيهقيّ نَظُّ في ((الكبرى))، فقال: (١) ((المفهم)) ١٨/٥. ١٥٥ (١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٤٤) (١٦٢١٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو الحيريّ، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، حدّثني ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن رجل من أصحاب النبيّ وَّر، أن رسول الله وَّله أقرَّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، فقضى بها رسول الله وَ له بين ناس من الأنصار، في قتيل اذَّعَوه على اليهود. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٤٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيَّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، أَخْبَرَاهُ عَنْ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الْغِفَاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. والباقون تقدّموا في الباب. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، هذه ساقها أبو عوانة دَّثُ في ((مسنده))، فقال: (٦٠٤٦) - حدّثنا عباس الدُّوريّ، قئنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قئنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن (١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٢٢/٨. ١٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ يسار، أخبراه عن أناس من الأنصار، أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرّها رسول الله ﴿ على ما كانت عليه في الجاهلية، وقَضَى رسول الله وَالفل بين أناس من الأنصار، في قتيل ادَّعَوْه على اليهود بالقسامة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوَفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكُتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (٢) - (بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٤٥] (١٦٧١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْم - وَاللَّفْظُ لِيَحْتَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَحُمَيْدٍ، عَنَّ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ نَاساً(٢) مِنْ عُرَيْنَةَ، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﴿ الْمَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَتَشْرَبُوا(٣) مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا))، فَفَعَلُوا، فَصَخُوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ، فَقَتَلُوهُمْ، وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللهَِّهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَبَعَثَ فِي أَثْرِهِمْ، فَأَتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ، حَتَّى مَاتُوا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (حُمَيْدٌ) الطويل، أبو عُبيدة البصريّ، ثقةٌ عابد [٥] (ت٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣. ٣ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر بن ضمضم الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير، مات رُبه سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. (١) ((مسند أبي عوانة)) ٦٥/٤. (٣) وفي نسخة: ((فتشربون)). (٢) وفي نسخة: ((إن أُناساً)). ١٥٧ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِينَ - حديث رقم (٤٣٤٥) والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ظُبه (أَنَّ نَاساً) وفي بعض النسخ: ((أن أُناساً))، قيل: هما لغتان بمعنى واحد، وقيل: بل مختلفتان، قال الفيّوميّ تَخُّْ في مادّة (نَوَس)): النَّاسُ اسمُ وُضِع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده: إِنْسَانٌ من غير لفظه، مشتقّ من نَاسَ يَنُوسُ: إذا تَدَلَّى، وتَحَرَّك، فيطلق على الجنّ والإنس، قال تعالى: ﴿اُلَّذِى يُؤَسَّوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾﴾ ثم فَسَّر النّاس بالجنّ ، وسُمِّي الجنّ نَاساً كما سُمُّوا والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) رجالاً، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]، وكانت العرب تقول: رأيت نَاساً من الجن، ويُصَغَّر النَّاسُ على نُوَيْسٍ، لكن غَلَبَ استعماله في الإنس. انتهى. وقال قبل ذلك في مادّة ((أنس)): والأُنَاسُ، قيل: فُعال، بِضَمّ الفَاءِ، مُشْتَقّ مِنَ الإنس، لكن يجوزُ حذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، فيبقى النَّاسَ، وعنِ الكسائي أن الأُنَاسَ، والنَّاسَ لُغَتانِ بِمِعَنْىّ واحد، وليس أحدهما مشتقّاً من الآخر، وهو الوجهُ؛ لأنهما مادَّتَانِ مُخْتلِفَتانِ في الاشْتِقَاق، كما سَيَأْتي في نوس، والحذف تَغْيِيرٌ، وهو خِلافِ الأَصْلِ. انتهى(١). (مِنْ عُرَيْنَةَ) كذا في هذه الرواية، ورواية معاوية بن قرّة، ورواية همّام، ولفظها: ((رهط من عُرينة))، وفي رواية حجاج، عن أبي رجاء: ((أن نفراً من عُكل ثمانيةً))، وفي رواية أيوب، عن أبي رجاء: ((قومٌ من عُكل، أو عرينة))، وكلها عند مسلم في هذا الباب. وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((من عُكل، أو عرينة)): الشكّ فيه من حماد، وللبخاريّ في ((المحاربين)) عن قتيبة، عن حماد: ((أن رهطاً من عُكل، أو قال: من عرينة، ولا أعلمه إلا قال: من عكل))، وله في ((الجهاد)) عن وهيب، عن أيوب: ((أن رهطاً من عُكل))، ولم يشكّ، وكذا في ((المحاربين)) عن يحيى بن (١) ((المصباح المنير)) ٢٦/١ و٦٣٠/٢. ١٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ أبي كثير، وفي ((الديات)) عن أبي رجاء، كلاهما عن أبي قلابة، وله في ((الزكاة)) عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: ((أن ناساً من عرينة))، ولم يشكّ أيضاً، وكذا لمسلم من رواية معاوية بن قُرّة، عن أنس، وفي ((المغازي)) عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: ((أن ناساً من عكل وعرينة)) بالواو العاطفة، وهو الصواب، ويؤيده ما رواه أبو عوانة، والطبريّ، من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، قال: ((كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل))، ولا يخالف هذا ما وقع عند الشيخين: ((أن رهطاً من عكل ثمانيةً))؛ لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم، فلم يُنسب. وغَفَل من نَسَب عِدّتهم ثمانية لرواية أبي يعلى، وهي عند الشيخين. وزعم ابن التين تبعاً للداوديّ أن عرينة هم عُكلٌ، وهو غلطٌ، بل هما قبيلتان، متغايرتان: عُكل من عدنان، وعُرينة من قحطان. و((عُكْل)) - بضم العين المهملة، وإسكان الكاف -: قبيلة من تيم الرَّبَاب. و((عُرينة)) - بالعين، والراء المهملتين، والنون، مصغراً -: حيّ من قضاعة، وحيّ من بَجِيلة، والمراد هنا الثاني، كذا ذكره موسى بن عقبة في ((المغازي))، وكذا رواه الطبريّ من وجه آخر عن أنس. ووقع عند عبد الرزاق من حديث أبي هريرة ربه بإسناد ساقط: أنهم من بني فزارة، وهو غلطٌ؛ لأن بني فزارة من مُضَر، لا يجتمعون مع عُكْل، ولا مع عُرينة أصلاً. وذكر ابن إسحاق في ((المغازي)) أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قَرَد، وكانت في جمادى الآخرة، سنة ست، وذكرها البخاريّ بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقديّ أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد، وابن حبان، وغيرهما، والله أعلم. وللبخاريّ في ((المحاربين)) من طريق وُهيب، عن أيوب أنهم كانوا في الصُّفّة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل. انتهى(١). (قَدِمُوا) بكسر الدال (عَلَى رَسُولِ اللهِ الْمَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا)؛ أي: (١) راجع: ((الفتح)) ٥٧٣/١ - ٥٧٤، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٣٣). ١٥٩ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٥) كَرِهُوا المقام بها، وفي رواية أبي رجاء: ((فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض، وسَقُمَت أجسامهم)). قال ابن فارس: اجتويت البلد: إذا كَرِهتِ الْمُقام فيه، وإن كنت في نعمة، وقَيَّده الخطابيّ بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصّة، وقال القزاز: اجتووا؛ أي: لم يوافقهم طعامها، وقال ابن العربيّ: الجوي: داء يأخذ من الوباء، وفي رواية أبي رجاء المذكورة: ((فاستوخموا الأرض))، قال: وهو بمعناه، وقال غيره: الجوي داء يصيب الجوف، وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد، عن قتادة، في هذه القصّة: ((فقالوا: يا نبي الله، إنا كنا أهل ضَرْع، ولم نكن أهل رِيفٍ))، وله من رواية ثابت، عن أنس: ((أن ناساً كان بهم سُقْم قالوا: يا رسول الله، آونا، وأطعمنا، فلما صَحُوا، قالوا: إن المدينة وَحْمَة)). قال الحافظ تَخْلُ: والظاهر أنهم قَدِمُوا سِقَاماً، فلما صَحّوا من السقم كرهوا الإقامة بالمدينة؛ لوخمها، فأما السقم الذي كان بهم، فهو الهزال الشديد، والجهد من الجوع، فعند أبي عوانة، من رواية غيلان، عن أنس: ((كان بهم هُزَال شديد))، وعنده من رواية أبي سعد، عنه: ((مُصْفرّةٌ ألوانهم))، وأما الوَحْم الذي شَكَوا منه بعد أن صَحَّت أجسامهم، فهو من حُمَّى المدينة، كما عند أحمد، من رواية حميد، عن أنس. (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ) جواب الشرط محذوف؛ أي: فافعلوا، وفي رواية حجاج، عن أبي رجاء التالية: ((فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها، فقالوا: بلى))، وفي رواية أيوب، عن أبي رجاء: ((فأمر لهم رسول الله وَّ بِلِقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها، وألبانها)). قال النوويّ تَخْلُ: في هذا الحديث أنها إبل الصدقة، وفي غير مسلم أنها لِقاح النبيّ ◌َّ، وكلاهما صحيح، فكأن بعض الإبل للصدقة، وبعضها للنبيّ وََّ، واستدلّ أصحاب مالك، وأحمد بهذا الحديث أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهران، وأجاب أصحابنا وغيرهم من القائلين بنجاستهما بأن شربهم الأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكل النجاسات، سوى الخمر والمسكرات. ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه مالك، وأحمد من طهارة الأبوال والأرواث هو الصحيح؛ لهذا الحديث، وأما قول الشافعيّة بالنجاسة فمما لا دليل عليه، وحملهم الحديث على أنه للتداوي، وهو يجوز بالنجاسات يردّه حديث: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم))، وهو حديث صحيح، فتبصَّر، والله تعالى أعلم. قال: فإن قيل: كيف أَذِنَ لهم في شرب لبن الصدقة؟ فالجواب أن ألبانها للمحتاجين من المسلمين، وهؤلاء إذ ذاك منهم. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن تكون اللام في ((فأمر لهم بلقاح)) زائدة، أو للتعليل، أو لِشِبْهِ المُلك، أو للاختصاص، وليست للتمليك، وعند أبي عوانة، من رواية معاوية بن قُرّة التي سيُخرج مسلم إسنادها: ((إنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللقاح، فقالوا: يا رسول الله، قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا، فخرجنا إلى الإبل))، وللبخاريّ، من رواية وهيب، عن أيوب: ((إنهم قالوا: يا رسول الله، ابْغِنا رِسْلاً))؛ أي: اطلب لنا لبناً، قال: ((ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذَّوْد)»، وفي رواية أبي رجاء: ((هذه نَعَمُ لنا تخرج، فاخرجوا فيها)). و((اللقاح)) - باللام المكسورة، والقاف، وآخره حاء مهملة -: النُّوق ذوات الألبان، واحدها لِقْحَةٌ - بكسر اللام، وإسكان القاف. وقال أبو عمرو: يقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر، ثم هي لبون. قال الحافظ ◌َُّهُ: وظاهر ما مضى أن اللقاح كانت للنبيّ ◌َّ، وصَرّح بذلك في رواية البخاريّ في ((المحاربين))، فقال: ((إلا أن تَلْحَقوا بإبل رسول الله وَليو))، والجمع بين هذا، وقوله في رواية الباب: ((إلى إبل الصدقة))، أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث النبيّ وَّ بلقاحه إلى المرعى طلبُ هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه، فخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصداق قوله ويلي: ((إن المدينة تنفي خبئها))، وقد تقدّم في ((كتاب الحجّ)). وذكر ابن سعد أن عدد لقاحه و ﴿ كانت خمس عشرة، وأنهم نحروا منها (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/١١.