Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ (١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّ يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٩) ماجه، وأحمد، وسعيد المقبريّ، عند الحميديّ، وإسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه عند البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والترمذيّ، وابن ماجه، وأحمد، وعجلان، وهمّام، وعمّار بن أبي عمّار، وأبو صالح، وأبو سلمة عند أحمد، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على مكارم الأخلاق، والمواساة في الطعام، لا سيما في حقّ من صنعه، أو حمله؛ لأنه وَلِيَ حَرَّه ودخانه، وتعلقت به نفسه، وشمَّ رائحته . ٢ - (ومنها): أن فيه الأمر بتعلَّم التواضع، وترك الكبر على العبد، وهذا كان خُلُقه وَّ، فإنه كان يأكل مع العبد، ويطحن مع الخادم، ويشاركه في عمله، ويقول: ((إنما أنا عبدٌ آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد))(١). ٣ - (ومنها): أنه اختُلف في حكم هذا الأمر بالإجلاس، أو المناولة، فقال الشافعيّ تَّقُ بعد أن ذكر الحديث: هذا عندنا - والله أعلم - على وجهين: أولهما معناه: أن إجلاسه معه أفضل، فإن لم يفعل فليس بواجب، أو يكون بالخيار بين أن يُجلسه، أو يناوله، وقد يكون أمره اختياراً غير حتم. انتهى، ورجّح الرافعيّ الاحتمال الأخير، وحَمَل الأول على الوجوب، ومعناه أن الإجلاس لا يتعيّن، لكن إن فعله كان أفضل، وإلا تعيّنت المناولة، ويَحْتَمِل أن الواجب أحدهما لا بعينه، والثاني أن الأمر للندب مطلقاً، قاله في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن وجوبه هو الأظهر؛ لظاهر الأمر، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (١) حديث صحيح، أخرجه عبد الرزاق في ((مصنّفه))، وأبو يعلى في ((مسنده))، والطبراني في ((معجمه)). (٢) ((الفتح)) ١٢/ ٣٩٠، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٦٠). ٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان (١١) - (بَابُ ثَوَابِ الْعَبْدِ، وَأَجْرِهِ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللّهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣١٠] (١٦٦٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِهِ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَّةَ اللهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) ◌ًَّا تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات هذا الكتاب، كسابقه، وهو (٢٨٤) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخل المدينة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿هَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ)؛ أي: أخلص في خدمته، يقال: نصحتُ لزيد أنصَحُ نُصحاً، ونصيحةً، هذه هي اللغة الفصيحة، وعليها قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وفي لغة يتعدّى بنفسه، فيقال: نصحته، وهو الإخلاص، والصدق، والْمَشُورُ، والعمل، والفاعل ناصحٌ، ونصيحٌ، والجمع: نُصحاء، قاله الفيّوميّ كَّهُ(١). (وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ) وفي رواية: ((وأحسن عبادة ربه))؛ أي: طاعته المتوجهة عليه، بأن أقامها بشروطها، وواجباتها، وما يمكنه من مندوباتها، ولم (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٠٧. ٦٣ (١١) - بَابُ ثَوَابِ الْعَبْدِ، وَأَجْرِهِ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ- حديث رقم (٤٣١٠) يُفَوّت حقّ سيده، قاله الزرقانيّ كَذُهُ(١). وقال القاري تَخّْتُ: أي: طاعته الشاملة للمأمورات والمنهيات، والترتيبُ الذِّكريّ، إما للترقي، وإما للاهتمام بحقّ المخلوق؛ لاحتياجه، بخلاف الخالق؛ لاستغنائه، قاله القاري تقّتُهُ(٢). (فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنٍ))) وفي رواية: ((كان له أجره مرتين))؛ أي: مضاعفٌ؛ فإن الأجر على قدر المشقة، وهو قد جمع بين القيام بالطاعتين، وفي الحقيقة طاعة مالكه من طاعة ربه، والحاصل أن العبد مكلف بأمر زائد على الحرّ، فيثاب عليه، ومن هذه الحثيثية يُفَضَّل على الحر. انتهى(٣). قال الإمام ابن عبد البرّ تَخُّْهُ: معنى هذا الحديث عندي - والله أعلم - أن العبد لمّا اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة سيده في المعروف، وطاعة ربه، فقام بهما جميعاً كان له ضعفا أجر الحرّ المطيع لربه مثل طاعته؛ لأنه قد أطاع الله فيما أمره به من طاعة سيده، ونُصحه، وأطاعه أيضاً فيما افترض عليه، ومن هذا المعنى عندهم أنه من اجتمع عليه فرضان، فأدّاهما جميعاً، وقام بهما كان أفضل ممن ليس عليه إلا فرض واحد فأدّاه، فمن وجبت عليه زكاة وصلاة، فقام بهما على حسب ما يجب فيهما، كان له أجران، ومن لم تجب عليه زكاة، وأدّى صلاته كان له أجر واحد، إلا أن الله يوفق من يشاء، ويتفضل على من يشاء، وعلى حسب هذا يعصي الله تعالى من اجتمعت عليه فروض من وجوه، فلم يؤدّ شيئاً منها، وعصيانه له أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعض تلك الفروض، وقد سئل عبد الله بن العباس طا عن رجل كثير الحسنات، كثير السيئات، أهو أحب إليك، أم رجل قليل الحسنات، قليل السيئات؟ فقال: ما أعدل بالسلامة شيئاً. انتهى (٤). وقال الحافظ تَُّ بعد نقل كلام ابن عبد البرّ المذكور: والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة لِمَا يدخل عليه من مشقة الرقّ، وإلا فلو (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٦/ ٤٧٢. (١) ((شرح الزرقاني)) ٥٠٩/٤. (٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٦/ ٤٧٢. (٤) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٣٦/١٤ - ٢٣٧. ٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختص العبد بذلك. وقال ابن التين: المراد أن كل عمل يعمله يضاعَف له، قال: وقيل: سبب التضعيف أنه زاد لسيده نصحاً، وفي عبادة ربه إحساناً، فكان له أجر الواجبين، وأجر الزيادة عليهما، قال: والظاهر خلاف هذا، وأنه بين ذلك؛ لئلا يَظُنّ ظانّ أنه غير مأجور على العبادة. انتهى. قال الحافظ: وما ادَّعى أنه الظاهر لا ينافي ما نقله قبل ذلك. [فإن قيل]: يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات. أجاب الكرمانيّ تَُّ: بأن لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفاً من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أخرى يستحق بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقّين على العبد المؤدي لأحدهما. انتهى. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون تضعيف الأجر مختصّاً بالعمل الذي يتحد فيه طاعة الله وطاعة السيد، فيعمل عملاً واحداً، ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلِف الجهة، فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظّها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣١٠/١١ و٤٣١١] (١٦٦٤)، و(البخاريّ) في (العتق)) (٢٥٤٦ و٢٥٥٠)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥١٦٩)، و(مالك) في ((الموظّإِ)) (٩٨١/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٨/٢ و٢٠ و١٠٢ و١٤٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٥/٤)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٨٠/١)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٢٩٨/٢)، و(الربيع بن حبيب) في ((مسنده)) (٢٦٧/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٢/٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٣٨١/٦ - ٣٨٢، كتاب ((العتق)) رقم (٢٥٤٦). ٦٥ (١١) - بَابُ ثَوَابِ الْعَبْدِ، وَأَجْرِهِ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ- حديث رقم (٤٣١١) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣١١] (.) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهْوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ، جَمِيعاً عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَالِك). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (يَحْيَى) بن سعيد الْقَطَّنُ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٥ - (أُسَامَةُ) بن زيد الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (١٥٣) (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٥/٤٢. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) الضمير يعود إلى كلّ من يحيى القطّان، وعبد الله بن نُمير، وأبي أسامة، فالثلاثة رووا هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر العمريّ، عن نافع، عن ابن عمر ﴿هَا، عن النبيّ ◌َّهِ. وقوله: (جَمِيعاً عَنْ نَافِع) يعود إلى عبيد الله العمريّ، وأسامة بن زيد الليثيّ، فكلاهما رويا هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر رضيًّا، عن النبيّ أشهر . [تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن عبيد الله ساقها البخاريّ تَكْثُ في «صحیحه))، فقال: (٢٤١٢) - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يحيى، عن عُبَيْدِ اللهِ، حدّثني نَافِعٌ، عن ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان عبد اللّهِ عْبُه، عن النبيّ وَّهِ قال: ((إذا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، كان له أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ)). انتهى(١). وأما رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله، فساقها الإمام أحمد تَخْتُ في ((مسنده))، فقال : (٦٢٧٣) - حدثنا ابن نُمَيْرٍ، حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ، عن نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أن رَسُولَ اللهِ نَّهِ قال: ((إذا نَصَحَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ، وأحسن عِبَادَةٌ رَبِّهِ، كان له الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ)). انتهى(٢). وأما رواية ابن نُمير، وأبي أسامة، كليهما عن عبيد الله، فساقها القضاعيّ ◌َّهُ(٣) في ((مسند الشهاب))، فقال: (١٤٠٠) - أخبرنا قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن محمد السعديّ، أنبا القاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد الذهبيّ، ثنا أبو أحمد - يعني: ابن عبدوس - ثنا أبو بكر - يعني: ابن أبي شيبة - ثنا ابن نمير، وأبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّ قال: ((إذا نصح العبد لسيده، وأحسن عبادة ربه، كان له الأجر مرتين)). انتهى(٤). وأما رواية أسامة بن زيد الليثيّ، عن نافع، فساقها أبو عوانة كَّتُ في ((مسنده))، فقال : (٦٠٨٤) - حدّثنا بحر بن نصر الخولانيّ، قئنا (٥) ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَ ير قال: ((إذا أحسن العبد عبادة ربه، ونصح لسيده، كان له أجره مرتين)). انتهى (٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢/ ٩٠٠. (٢) ((مسند أحمد بن حنبل)) ٢/ ١٤٢. (٣) هو: الحافظ محمد بن سلامة بن جعفر أبو عبد الله القضاعيّ، المتوفى سنة (٤٥٤هـ). (٤) ((مسند الشهاب)) ٢٩٨/٢. (٥) تقدّم غير مرّة أنه مختصر من ((قال: حدّثنا))، فلا تغفل. (٦) ((مسند أبي عوانة)) ٧٦/٤. ٦٧ (١١) - بَابُ ثَوَابِ الْعَبْدِ، وَأَجْرِهِ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ- حديث رقم (٤٣١٢) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣١٢] (١٦٦٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الْمُصْلِحِ أَجْرَانٍ))، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي لِأَحْبَيْتُ أَنْ أَمُوتَ، وَأَنَا مَمْلُوٌك. قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ يَحُجُّ(١) حَتَّى مَاتَتْ أَمُّهُ؛ لِصُحْبَتِهَا، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ فِي حَدِيثِهِ: (لِلْعَبْدِ الْمُصْلِحِ))، وَلَمْ يَذْكُرِ ((الْمَعْلُوكَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التُّجيبيّ، تقدّم قريباً . ٢ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وأبو هريرة ظُه رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ) وَصَفَه به؛ لأن العبد يُطلق على الحرّ أيضاً حيث إنه عبد لله، وليس مراداً هنا (الْمُصْلِحِ أَجْرَانٍ))) (١) وفي نسخة: (لم يكن حجّ)). ٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان مبتدأ مؤخّر، خبره الجارّ والمجرور قبله، والمصلح: اسم فاعل من أصلح: إذا أتى بالصلاح، وهو الخير، والصواب(١)، والمراد به هنا هو الناصح لسيّده، المحسن في عبادة ربّه، كما بيّن في الحديث السابق. ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((للعبد المملوك الصالح أجران))، فقال في (الفتح)): اسم الصلاح يشمل إحسان العبادة، والنصح للسيّد، ونصيحة السيّد تشمل أداء حقّه من الخدمة وغيرها، وفي حديث أبي موسى الأشعريّ ظُبه عند البخاريّ: ((ويؤدّي إلى سيّده الذي له عليه من الحقّ، والنصيحة، والطاعة))(٢). (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي)؛ أي: القيام بمصالحها، والنفقة، والْمُؤَن، والخدمة، ونحو ذلك، مما لا يمكن فعله من الرقيق(٣). [فائدة]: اسم أم أبي هريرة ه أميمة(٤) - بالتصغير - وقيل: ميمونة، وهي صحابية، ذُكر إسلامها في ((صحيح مسلم))، وبيان اسمها في ((ذيل المعرفة)) لأبي موسى المدينيّ ◌َُّ(٥). (لِأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ، وَأَنَا مَمْلُوك) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. [تنبيه]: قوله: ((والذي نفس أبي هريرة ... إلخ)) هذا صريح بأن هذا من قول أبي هريرة ظُه، وليس من المرفوع، لكن وقع عند البخاريّ بلفظ: ((والذي نفسي بيده لولا الجهاد ... إلخ))، فظن بعضهم كونه مرفوعاً. قال في ((الفتح)): قوله: ((والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله ... إلخ)) ظاهر هذا السياق رفع هذه الجمل إلى آخرها، وعلى ذلك (١) ((المصباح)) ٣٤٥/١. (٢) ((الفتح)) ٣٨٠/٦، كتاب ((العتق)) رقم (٢٥٤٨). (٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/١١. (٤) قال صاحب ((تنبيه المعلم)) ص ٢٨٣: وأمه أميمة بنت صُفيح بن الحارث بن دَوْس، ذكره ابن قتيبة في ((المعارف))، كذا رأيته بخط والدي. انتهى. (٥) ((الفتح)) ٣٨١/٦. ٦٩ (١١) - بَابُ ثَوَابِ الْعَبْدِ، وَأَجْرِهِ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ- حديث رقم (٤٣١٢) جرى الخطابيّ، فقال: لله أن يمتحن أنبياءه وأصفياءه بالرقّ، كما امتحن يوسف. انتهى، وجزم الداوديّ، وابن بطال، وغير واحد بأن ذلك مُذْرَج من قول أبي هريرة، ويدل عليه من حيث المعنى قوله: ((وبِرُّ أمي))، فإنه لم يكن للنبيّ وَّر حينئذٍ أمّ يبرها، ووجّهه الكرمانيّ، فقال: أراد بذلك تعليم أمّته، أو أورده على سبيل فرض حياتها، أو المراد: أمه التي أرضعته. انتهى. قال: وفاته التنصيص على إدراج ذلك، فقد فصله الإسماعيليّ من طريق أخرى، عن ابن المبارك، ولفظه: ((والذي نفس أبي هريرة بيده ... إلخ))، وكذلك أخرجه الحسين بن الحسن المروزيّ في ((كتاب البرّ والصلة))، عن ابن المبارك، وكذلك أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، وأبي صفوان الأمويّ، والبخاريّ في ((الأدب المفرد)) من طريق سليمان بن بلال، والإسماعيليّ من طريق سعيد بن يحيى اللَّخْميّ، وأبو عوانة، من طريق عثمان بن عمر، كلهم عن يونس، زاد مسلم في آخر طريق ابن وهب: ((قال - يعني: الزهريّ -: وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه؛ لصحبتها))، ولأبي عوانة، وأحمد من طريق سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه كان يسمعه يقول: لولا أمران لأحببت أن أكون عبداً، وذلك أني سمعت رسول الله وَل* يقول: ((ما خلق الله عبداً يؤدي حقّ الله عليه، وحقّ سيده إلا وفاه الله أجره مرتین)). فُعُرف بذلك أن الكلام المذكور من استنباط أبي هريرة ظُه، ثم استدَلَّ له بالمرفوع، وإنما استثنى أبو هريرة ◌ُله هذه الأشياء؛ لأن الجهاد، والحج يُشترط فيهما إذن السيد، وكذلك برّ الأم، فقد يُحتاج فيه إلى إذن السيد في بعض وجوهه، بخلاف بقية العبادات البدنية، ولم يتعرض للعبادات المالية، إما لكونه كان إذ ذاك لم يكن له مال يزيد على قدر حاجته، فيمكنه صرفه في القربات بدون إذن السيد، وإما لأنه كان يرى أن للعبد أن يتصرف في ماله بغير (١) . . إذن السيد. انتهى وقوله: (قَالَ: وَبَلَغَنَا) هذا من قول الزهريّ تَخُّْ كما أسلفته عن ((الفتح)) (١) ((الفتح)) ٣٨٠/٦ - ٣٨١، كتاب ((العتق)) رقم (٢٥٤٨). ٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان آنفاً (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ظُبه (لَمْ يَكُنْ يَحُجّ) وفي بعض النسخ: ((حجّ)) بصيغة الماضي، قال النوويّ كَّتُهُ: المراد به حجّ التطوّع؛ لأنه قد كان حجّ حجة الإسلام في زمن النبيّ وَّهِ (حَتَّى مَاتَتْ أَمُّهُ) تقديماً لبرّها على حجّ التطوّع؛ لأن بِرّها فرض، فقدّمه على التطوّع، قال النوويّ كَّتُهُ: مذهبنا، ومذهب مالك أن للأب والأمّ منعَ الولد من حجة التطوّع دون حجة الفرض. انتهى(١). وقوله: (لِصُحْبَتِهَا) من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ أي: لأجل أن يصحبها بالخدمة، والإحسان. (قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ)؛ يعني: شيخه الأول أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح (فِي حَدِيثِهِ: ((لِلْعَبْدِ الْمُصْلِح))، وَلَمْ يَذْكُرٍ ((الْمَمْلُوَ))) أراد به بيان اختلاف شيخيه، فحرملة بن يحيى قال في روايته: ((للعبد المملوك المصلح»، وقال أبو الطاهر: ((للعبد المصلح))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣١٢/١١ و٤٣١٣] (١٦٦٥)، و(البخاريّ) في ((العتق)) (٢٥٤٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٣٠/٢ ٤٠٢)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٧٦/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٢/٨) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه فضيلةً ظاهرةً للمملوك المصلِح، وهو الناصح لسیده، والقائم بعبادة ربه المتوجهة عليه، وأن له أجرين لقيامه بالحقّين، ولانكساره بالرقّ. ٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن العبد لا جهاد عليه، ولا حج في حال العبودية، وإن صح ذلك منه. (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/١١. ٧١ (١١) - بَابُ ثَوَابِ الْعَبْدِ، وَأَجْرِهِ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ- حديث رقم (٤٣١٢) وقال القرطبيّ تَظُّ: وقول أبي هريرة ظبه: (لولا الجهاد، والحج، وبُّ أمِّي ... إلخ)) تصريح: بأن العبد لا يجب عليه جهاد، ولا حجّ، وهو المعلوم من الشرع؛ لأن الحجّ، والجهاد لا يخاطَب بهما إلا المستطيع لهما، والعبد غير مستطيع؛ إذ لا استقلال له بنفسه، ولا مال؛ إذ لا يملك عند كثير من العلماء، وإن مَلَك عندنا فليس مستقلّاً بالتصرف فيه، ويظهر من تمني أبي هريرة به كونه مملوكاً أنه فضّل العبودية على الحرية، وكأنَّه فَهِم هذا من مضاعفة أجر العبد الصالح، وهذا لا يصحُّ مطلقاً؛ فإن المعلوم من الشرع خلافه؛ إذ الاستقلال بأمور الدين والدُّنيا إنما حصل بالأحرار، والعبد كالمفقود؛ لعدم استقلاله، وكالآلة المصرّفة بالقهر، والبهيمة المسخّرة بالجبر، ولذلك سُلِب مناصب الشهادات، ومعظم الولايات، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار، إشعاراً بخسَّة المقدار، وكونه له أجره مرتين؛ إنما ذلك لتعدد الجهتين؛ لأنه مطالب من جهة الله تعالى بعبادته، ومن جهة سيده بطاعته، ومع ذلك فالحرّ وإن طولب من جهة واحدة، فوظائفه فيها أكثر، وغناؤه أعظم، فثوابه أكبر، وقد أشار إلى هذا أبو هريرة حظه بقوله: ((لولا الجهاد، والحجّ، وبرُّ أمِّي، لأحببت أن أموت عبداً))؛ أي: لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن برّ الأم فرض، فلا يُترك للعبادة النافلة، ومن هنا أجمع العلماء على أن حج التطوّع لا يجوز بغير إذن الوالدين، وفي الحج المفروض خلاف، فقال مالك، والشافعيّ: لا يجوز للوالدين المنع منه، ولا يمتنع الولد منه إن منعاه، وقيل: لا يجوز الحج حتى يأذن له الوالدان(٢). ٤ - (ومنها): أنه يدل على أن العبد المتقي الله المؤدي لحقّ الله، وحقّ سيده أفضل من الحرّ، قاله ابن عبد البرّ كَّتُهُ، وقد تقدّم ما قاله القرطبيّ ◌َُّهُ، وهو الأقرب، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((المفهم)) ٣٥٧/٤. (٢) راجع: (تكملة فتح الملهم)) ٢٤٣/٢. ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٤٣١٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الأُمُوِيُّ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: بَلَغَنَا وَمَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِيُّ) عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الدمشقيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [٩] مات على رأس المائتين (خ مدت س) تقدم في ((الحج)) ٨٨/ ٣٣٦٧. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية أبي صفوان الأمويّ، عن يونس، هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣١٤] (١٦٦٦) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا أَدَّى الْعَبْدُ حَقَّ اللهِ، وَحَقَّ مَوَّالِيهِ، كَانَ لَهُ أَجْرَانٍ))، قَالَ: فَحَدَّثْتُهَا كَعْباً، فَقَالَ كَعْبٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِسَابٌ، وَلَا عَلَى مُؤْمِنٍ مُزْهِدٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان، تقدّم قبل بابين. والباقون تقدّموًا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه أحدَ مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهو أبو كريب، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌ُبه أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَفِ: (إِذَا أَدَّى الْعَبْدُ حَقَّ اللهِ) هو أن يعبده، ولا يشرك به شيئاً، كما فُسّر في حديث معاذ ظله، فقد أخرج الشيخان عن معاذ بن جبل به قال: قال النبيّ وَلّ: (يا معاذ أتدري ما حقّ الله على العباد؟)) قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقهم عليه؟)) قال: الله ورسوله أعلم، ٧٣ (١١) - بَابُ ثَوَابِ الْعَبْدِ، وَأَجْرِهِ إِذَا نَصَحَ لِسَيِِّهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ- حديث رقم (٤٣١٤) قال: ((أن لا يعذبهم)) (وَحَقَّ مَوَالِيهِ) هو أن ينصح لهم في معاملاته، ولا يقصّر في ذلك، إن لم يكن معصيةً؛ إذ لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق (كَانَ لَهُ أَجْرَانٍ))) أجر لأدائه حقّ الله تعالى، وأجر لأدائه حقّ مواليه (قَالَ) أبو هريرة ◌َُّه (فَحَدَّثْتُهَا)؛ أي: أخبر بهذه الرواية (كَعْباً) هو كعب بن ماتع الْحِمْيَريّ، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، كان من أهل اليمن، ثم سكن الشام، ومات في خلافة عثمان به، وقد زاد عمره على المائة، تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ٩٢/ ٤٩٧. (فَقَالَ كَعْبٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِسَابٌ، وَلَا عَلَى مُؤْمِنٍ مُزْهِدٍ) قال النوويّ ◌َُّ: المزهد - بضم الميم، وإسكان الزاي - ومعناه: قليل المال، والمراد بهذا الكلام أن العبد إذا أدَّى حقّ الله تعالى، وحقَّ مواليه، فليس عليه حساب؛ لكثرة أجره، وعدم معصيته، وهذا الذي قاله كعب يَحْتَمِل أنه أخذه بتوقيف، ويَحْتَمِل أنه بالاجتهاد؛ لأن من رَجَحَتْ حسناته، وأوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً. انتهى(١). وقال المازريّ: يعني بالمزهد: القليل المال، يقال: أزهد الرجلُ يُزهد إزهاداً : إذا قلّ ماله، قال الأعشى: وَلَنْ يُسْلِمُوهَا لإزْهَادِهَا فَلَنْ يَظْلُبُوا سِرَّهَا لِلْغَنِيِّ فالإزهاد: قلّة المال، والسرّ في هذا البيت يعني به النكاح، والشيء الزهيد هو القليل. وقال القاضي عياض رَّتُهُ: معنى قول كعب: ليس عليه حساب؛ أي: ليس على عبد أدّى حقّ الله، وحقّ سيّده حسابٌ؛ لكثرة أجره، فإما أن يقولها كعب عن توقيف عنده، وأن هذا مما خُصّ بذلك، كما خُصّ به السبعون ألفاً المذكورون في الحديث، ومن خُصّ بذلك من غيرهم، أو يكون اجتهاداً منه؛ لتخفيف حسابه، فكان كمن لم يُحاسَب؛ لغلبة حسناته وكثرتها، كما قال تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ بِمِينِ ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ وَيَنَقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (®﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((شرح مسلم)) ١٣٦/١١ - ١٣٧. (٢) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٤٣٧ - ٤٣٨. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا من أفراد المصنّف تَخْذُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣١٤/١١ و٤٣١٥] (١٦٦٦)، و(الترمذيّ) (١٩٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٢/٢ و٣٩٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٦/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٢/٨) و((شعب الإيمان)) (٣٨٤/٦)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣١٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣١٦] (١٦٦٧) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَآلِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى يُحْسِنُ عِبَادَةَ اللهِ، وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ، نِعِمَّا لَهُ))). هذا الإسناد رجاله خمسة، وقد تقدّم بعينه قبل خمسة أبواب. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى ما يأتي من الأحاديث، وقد تقدّم غير مرَّة أن هذا من ((صحيفة همّام بن منبه))، فلا تغفل (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبه (عَنْ رَسُولِ اللهِهِ، فَذَكَرَ)؛ أي: أبو هريرة ◌َظُه (أَحَادِيثَ، مِنْهَا)؛ أي: من تلك الأحاديث التي ذكرها أبو هريرة ﴿ه، وقد تقدّم أن الجارّ ٧٥ (١١) - بَابُ ثَوَابِ الْعَبْدِ، وَأَجْرِهِ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ- حديث رقم (٤٣١٦) والمجرور هذا خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾)؛ لأنه محكيّ؛ لقصد لفظه، فهو مبتدأ مؤخّر، فتنبّه. ((نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ) قال القرطبيّ ◌َظُّهُ: هي (نعم)) التي للمدح، زيدت عليها ((ما)) النكرة، وهي في موضع نصب على التمييز، كقوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِىَّ﴾ [البقرة: ٢٧١]. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: إعراب ((ما)) نكرة منصوبة على التمييز هو أحد الوجهين اللذين ذكرهما المعربون، والثاني أنها اسم معرفة، وهي الفاعل، وإلى هذين الوجهين أشار ابن مالك تَخْذَلُهُ في ((الخلاصة)) بقوله: وَ(مَا)) مُمَيِّزٌ وَقِيلَ فَاعِلُ فِي نَحْوِ ((نِعْمَ)) مَا يَقُولُ الْفَاضِلُ وقال النوويّ تَخّْثُ: أما ((نعما)) ففيها ثلاث لغات، قرئ بهنّ في السبع: إحداها: كسر النون مع إسكان العين، والثانية كسرهما، والثالثة فتح النون مع كسر العين، والميم مشددة في جميع ذلك؛ أي: نعم شيءٌ هو، ومعناه: نعم ما هو، فأدغمت الميم في الميم، قال القاضي عياض: ورواه العذري: ((نعمَى)) بضم النون، منوناً، وهو صحيح؛ أي: له مسرة، وقرة عين، يقال: نُعْماً له، ونِعْمةً له. انتهى. (أَنْ يُتَوَفَّى) بالبناء للمفعول؛ أي: يميته الله تعالى، ولفظ أبي عوانة: ((أن يتوفّاه الله))، وهو إشارة إلى أن العبرة بالخواتيم، وقوله: (يُحْسِنُ عِبَادَةَ اللهِ) جملة حاليّة من النائب عن الفاعل، وهو بضمّ حرف المضارعة، من الإحسان، و((عبادةَ)) منصوب على المفعوليّة، وقد تقدّم قريباً معنى إحسان العبادة (وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ) بفتح الصاد المهملة: بمعنى الصحبة، وقوله: (نِعِمَّا لَهُ))) كرّره للتأكيد. ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((نعمًا لأحدهم يُحسن عبادة ربّه، ويَنصح لسيّده))، قال في ((الفتح)): قوله: ((نعمًا)) بفتح النون، وكسر العين، وإدغام الميم في الأخرى، ويجوز كسر النون، وتكسر النون، وتفتح أيضاً، مع إسكان العين، وتحريك الميم، فتلك أربع لغات، قال الزجاج: ((ما)) بمعنى الشيء، فالتقدير: نعم الشيء، ووقع لبعض رواة مسلم: ((نعمى)) بضم النون، وسكون العين، مقصوراً بالتنوين وغيره، وهو متجه المعنى إن ثبتت به الرواية، وقال (١) ((المفهم)) ٣٥٥/٤. ٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان ابن التين: وقع في نسخة الشيخ أبي الحسن - أي: القابسيّ - ((نعمّ ما)) بتشديد الميم الأولى، وفتحها، ولا وجه له، وإنما صوابه إدغامها في ((ما))، وهي كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِمَا يَعُكُم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]. وقوله: ((يُحسِن)) هو مبيّن للمخصوص بالمدح في قوله: ((نِعْم))، زاد مسلم من طريق همام، عن أبي هريرة: ((نعما للمملوك أن يُتَوَفَّى يُحسن عبادة الله))؛ أي: يموت على ذلك، وفيه إشارة إلى أن الأعمال بالخواتيم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َ ◌ّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣١٦/١١] (١٦٦٧)، و(البخاريّ) في ((العتق)) (٢٥٤٩)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (١٩٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٠/٢ و٣١٨)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٤٢٤/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده) (٤/ ٧٧)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٣١٨/٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (١٢) - (بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ) قال الجامع عفا الله عنه: يُستغرب من المصنّف تَخْذَلُ إعادة أحاديث هذا الباب، مع أنها تقدّمت في ((العتق))، قال النوويّ كَُّهُ: وذكر حديث الاستسعاء، وقد سبقت هذه الأحاديث في ((كتاب العتق)) مبسوطة بطرقها، وعَجَبٌ من إعادة مسلم لها ها هنا على خلاف عادته، من غير ضرورة إلى إعادتها، وسبق هناك شرحها. انتهى(٢). (١) ((الفتح)) ٣٨٢/٦، كتاب (العتق)) رقم (٢٥٤٩). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/١١ - ١٣٨. ٧٧ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣١٧) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣١٧] (١٥٠١)(١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ: حَدَّثَكَ نَافِعُ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوَّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ))؟). قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت الكلام على هذا الحديث سنداً ومتناً في ((كتاب العتق)) رقم [٣٧٦٥/١] (١٥٠١)، والسند من رباعيّات المصنّف تَخْتُهُ، وهو هناك (٢٤٠). (وقول يحيى): ((قلت لمالك ... إلخ))، هو بتقدير أداة الاستفهام؛ أي: أحدّثك نافع ... إلخ، ثم إنه لم يُذكر في هذه الرواية قول مالك: نعم، وفيه خلاف مذكور في ((كتب المصطلح))، والأصحّ أنه يكفي، وإن لم يذكر ذلك قولاً، وقد تقدّم تحقيق ذلك بالرقم المذكور. وقوله: (شِرْكاً) بكسر الشين المعجمة، وإسكان الراء؛ أي: نصيباً، وفي رواية للبخاريّ: ((شِقْصاً))، وهو بشين معجمة، وقاف، وصاد مهملة، بوزن ((شِرْكاً))، وفي رواية: ((نَصِيباً))، والكل بمعنّى، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّی بالرقم المذكور. وقوله: (قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ) ببناء الفعل للمفعول، من التقويم، وفي رواية: ((في ماله قيمة عدل، لا وكسَ، ولا شطط))، والوَكْس - بفتح الواو، وسكون الكاف، بعدها مهملة -: النقص، والشطط - بمعجمة، ثم مهملة مكررة، والفتح - الجور. وقوله: (فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ) ببناء الفعل للفاعل، ونصب ((شُركاءَه)) على المفعوليّة، وكذا هو عند الأكثرين، وضبطه بعضهم بالبناء للمفعول، و((شركاؤه)) مرفوع على أنه نائب الفاعل. وقوله: (حِصَصَهُمْ) هو المفعول الثاني، وهو بكسر، ففتح: جمع حصّة، (١) هذا ترقيم الأستاذ محمد فؤاد: وهو مكرّر، فقد سبق في كتاب ((العتق))، فتنبّه. ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان وهي القِسْم، والنصيب، قال الفيّوميّ تَثْتُهُ: الْحِصّةُ: الْقِسْم، والجمع حِصَصٌ، مثلُ سِذْرَةٍ وسِدَرٍ، وحَصَّهُ من المال كذا يَحُصّهُ، من باب قَتَل: حَصَلَ له ذلك نَصِيباً، وأحصصته بالألف: أعطيته حصّةً، وتحاصّ الغُرماء: اقتسموا المال بينهم ◌ِصَصاً. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((حِصَصَهم))؛ أي: قيمة حِصَصِهم؛ أي: إن كان له شركاء، فإن كان له شريك أعطاه جميع الباقي، وهذا لا خلاف فيه، فلو كان مشتركاً بين الثلاثة، فأعتق أحدهم حِصّته، وهي الثلث، والثاني حصته، وهي السدس، فهل يُقَوَّم عليهما نصيب صاحب النصف بالسوية، أو على قدر الْحِصَص؟، الجمهور على الثاني، وعند المالكية والحنابلة خلاف، كالخلاف في الشفعة، إذا كانت لاثنين، هل يأخذان بالسويّة، أو على قدر الملك؟. (٢) انتهى (٢). وقوله: (وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) قال الداوديّ: هو بفتح العين من الأول، ويجوز الفتح والضم في الثاني، وتعقبه ابن التين بأنه لم يقله غيره، وإنما يقال: عَتَقَ بالفتح، وأُعتق بضم الهمزة، ولا يعرف ◌ُِق بضم أوله؛ لأن الفعل لازمٌ غير متعدّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد ابن التين في تعقّبه هذا، فقد تقدّم في أول (كتاب العتق)) ما قاله أهل اللغة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفّى، وكذا تخريجه، وبقيّة مسائله في (كتاب العتق)) بالرقم المتقدّم فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُهُ أوّل الكتاب قال: [٤٣١٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ، فَعَلَيَّهِ عِثْقُهُ كُلُّهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ))). (١) ((المصباح المنير)) ١٣٩/١. (٢) ((الفتح)) ٣٤٦/٦. ٧٩ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣١٩) رجال هذا الإسناد: خمسة : وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و(عبيد الله)) هو ابن عمر الْعُمريّ. وقوله: (فَعَلَيْهِ عِثْقُهُ كُلُّهُ) بجرّ ((كلِّهِ)) توكيداً للضمير المضاف إليه، وهكذا أعربه في ((الفتح))، فما وقع في النسخ من ضبطه بالقلم برفع اللام فلا وجه له، فافهم . وقوله: (عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) بفتح العين فيهما، مبنيّاً للفاعل، وقد غلط من ضبط الثاني بالضمّ؛ لأنه لا يقال: عُتق بالضمّ؛ لكونه لازماً، وإنما يقال: أُعتق بالهمزة مبنيّاً للمفعول، وقد تقدّم تحقيق هذا في ((العتق))، فلترجع إليه، وبالله تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، وبيان مسائله سبق الكلام فيها في الحديث الماضي، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٤٣١٩] (.) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ، عَنْ نَافِعِ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ ◌َِّ: ((مَنْ أَعْتَقَ نَصِيباً لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ قَدْرُ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَإِلَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّموا قريباً، وهو من رباعيّات المصنّف دَّثُهُ، وهو (٢٨٤) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﴿َا أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ أَعْتَقَ) قال في ((الفتح)): ظاهره العموم، لكنه مخصوص بالاتفاق، فلا يصحّ من المجنون، ولا من المحجور عليه لسفه، وفي المحجور عليه بفَلْس، والعبدِ، والمريضِ مرضَ الموت، والكافر، تفاصيل للعلماء بحسب ما يظهر عندهم من أدلة التخصيص، ولا يُقَوَّم في مرض الموت عند الشافعية، إلا إذا وسعه الثلث، ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان وقال أحمد: لا يُقَوَّم في المرض مطلقاً، قال: وخرج بقوله: ((أَعْتَقَ ما إذا أُعْتِقِ عليه))، بأن وَرِثَ بعض من يُعتَق عليه بقرابة، فلا سراية عند الجمهور، وعن أحمد رواية، وكذلك لو عجز المكاتب بعد أن اشترى شِقْصاً يَعِق على سيده، فإن الملك والعتق يحصلان بغير فعل السيد، فهو كالإرث، ويدخل في الاختيار ما إذا أُكرِه بحقّ، ولو أوصى بعتق نصيبه من المشترَك، أو بعتق جزء ممن له كله، لم يَسْرِ عند الجمهور أيضاً؛ لأن المال ينتقل للوارث، ويصير الميت معسراً، وعن المالكية رواية، وحجة الجمهور مع مفهوم الخبر أن السراية على خلاف القياس، فيختص بمورد النصّ، ولأن التقويم سبيله سبيل غرامة المتلفات، فيقتضي التخصيص بصدور أمر يُجْعَل إتلافاً، ثم ظاهر قوله: ((من أَعتَق)) وقوع العتق مُنَجَّزاً، وأجرى الجمهور المعلَّق بصفة إذا وُجِدت مجرى المنجز. انتهى(١). (نَصِيباً لَهُ فِي عَبْدٍ) وفي رواية: ((شِرْكاً له))، وفي أخرى: ((شِقْصاً))، والكل بمعنى، إلا أن ابن دُريد قال: الشقص هو القليل والكثير، وقال القزاز: لا يكون الشقص إلا كذلك، والشِّرْك في الأصل مصدرٌ أُطلق على مُتعلَّقه، وهو العبد المشترَك، ولا بُدّ في السياق من إضمار جزء، أو ما أشبهه؛ لأن المشترَك هو الجملة، أو الجزء المعيّن منها، وظاهره العموم في كل رقيق، لكن يُستثنى الجاني، والمرهون، ففيه خلاف، والأصح في الرهن والجناية منع السراية؛ لأن فيها إبطالَ حقّ المرتهن، والمجنيّ عليه، فلو أَعتق مشتركاً بعد أن كاتباه، فإن كان لفظ العبد يتناول المكاتب، وقعت السراية، وإلا فلا، ولا يكفي ثبوت أحكام الرق عليه، فقد تثبت ولا يستلزم استعمال لفظ العبد عليه، ومثله ما لو دَبَّراه، لكن تناول لفظ العبد للمدبَّر أقوى من المكاتب، فيسري هنا على الأصح، فلو أَعتق من أمة ثبت كونها أم ولد لشريكه، فلا سراية؛ لأنها تستلزم النقل من مالك إلى مالك، وأم الولد لا تقبل ذلك عند من لا يرى بيعها، وهو أصح قولي العلماء، قاله في ((الفتح))(٢). (١) ((الفتح)) ٣٤٤/٦، كتاب ((العتق) رقم (٢٥٢١). (٢) ((الفتح)) ٣٤٤/٦ - ٣٤٥ رقم (٢٥٢١).