Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
(٥) - بَابُ الاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٧)
على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليكفّر عن يمينه، وليأت الذي هو خير)).
فإنه لو كان الاستثناء يفيد بعد قطع الكلام لقال: فليستثن؛ لأنه أسهل من
التكفير، وكذا قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَتْ﴾ [ص: ٤٤]،
فإن قوله: استثن أسهل من التحيّل لحلّ اليمين بالضرب، وللزم بطلان
الإقرارات، والطلاق، والعتق، فيستثني من أقرّ، أو طلّق، أو أعتق بعد زمان،
ويرتفع حكم ذلك، فالأولى تأويل ما نُقل عن ابن عبّاس وغيره من السلف في
ذلك.
وإذا تقرّر ذلك، فقد اختُلِفَ: هل يُشترط قصد الاستثناء من أول الكلام،
أو لا، حَكَى الرافعيّ فيه وجهين، ونُقل عن أبي بكر الفارسيّ أنه نقل الإجماع
على اشتراط وقوعه قبل فراغ الكلام، وعلّله بأن الاستثناء بعد الانفصال ينشأ
بعد وقوع الطلاق مثلاً، وهو واضحٌ، ونقله معارض بما نقله ابن حزم أنه لو
وقع متّصلاً به كفى، واستدلّ بحديث ابن عمر ﴿يَا رفعه: ((من حلف، فقال:
إن شاء الله، لم يحنث))، واحتجّ بأنه عقّب الحلف بالاستثناء باللفظ، وحينئذ
يتحصّل ثلاث صور: أن يقصد من أوله، أو من أثنائه، ولو قبل فراغه، أو بعد
تمامه، فيختصّ نقلُ الإجماع بأنه لا يفيد في الثالث، وأبعدَ من فَهِم أنه لا يفيد
في الثاني أيضاً، والمراد بالإجماع المذكور إجماع من قال: يُشترط الاتصال،
وإلا فالخلاف ثابتٌ، كما تقدّم، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الإجماع هنا، لا وجه له، كما
يظهر لمن تتبّع الأقوال في هذه المسألة، إلا أن يدّعى لأهل مذهب معيّن أنهم
أجمعوا على ذلك، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.
وقال ابن العربيّ: قال بعض علمائنا: يشترط الاستثناء قبل تمام اليمين،
قال: والذي أقول: إنه لو نوى الاستثناء مع اليمين لم يكن يميناً، ولا استثناء،
وإنما حقيقة الاستثناء أن يقع بعد عقد اليمين، فيحلّها الاستثناء المتّصل
بالیمین. انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي الذي قاله ابن العربيّ تَظَُّ هو
الأشبه مما ادّعاه مَن سبق قوله مِن الإجماع على خلافه. فتنبّه، والله تعالى
أعلم.

٧٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
واتّفقوا على أن من قال: لا أفعل كذا إن شاء الله، إذا قصد به التبرّك
فقط، ففعل يحنث، وإن قصد به الاستثناء، فلا حنث عليه.
واختلفوا إذا أطلق، أو قدّم الاستثناء على الحلف، أو أخّره، هل يفترق
الحكم؟، وقد تقدّم في الطلاق.
واتّفقوا على دخول الاستثناء في كلّ ما يُحلَف به، إلا الأوزاعيّ، فقال:
لا يدخل في الطلاق، والعتق، والمشي إلى بيت الله، وكذا جاء عن طاوس،
وعن مالك مثله، وعنه إلا المشي. وقال الحسن، وقتادة، وابن أبي ليلى،
والليث: يدخل في الجميع، إلا الطلاق. وعن أحمد: يدخل الجميع إلا
العتق. واحتجّ بتشوّف الشارع له. وورد فيه حديث عن معاذ ظلاله رفعه: ((إذا
قال لامرأته: أنت طالقٌ إن شاء الله، لم تطلق، وإن قال لعبده: أنت حرّ، إن
شاء الله، فإنه حرّ))، قال البيهقيّ: تفرّد به حميد بن مالك، وهو مجهول،
واختلف عليه في إسناده.
واحتَجّ من قال: لا يدخل في الطلاق بأنه لا تحلّه الكفّارة، وهي أغلظ
على الحالف من النطق بالاستثناء، فلمّا لم يحلّه الأقوى، لم يحلّه الأضعف.
وقال ابن العربيّ: الاستثناء أخو الكفّارة، وقد قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ
كَفَّرَةُ أَيْمَيْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فلا يدخل في ذلك إلا اليمين
الشرعيّة، وهي الحلف بالله. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن العربيّ تَخْذَلُ من أن
الاستثناء لا يدخل إلا اليمين الشرعية، وهي الحلف بالله أو بصفة من صفاته
هو الأقرب؛ لِمَا ذكره.
والحاصل أن الاستثناء في اليمين ينفع إذا كان متّصلاً اتصالاً عرفّاً،
فلا يضرّه الانقطاع الضروريّ، كالسعال، والعطاس، ونحو ذلك، كما هو
مذهب مالك والشافعيّ، وغيرهما، وهذا هو الذي يدلّ عليه ظاهر حديث ابن
عمر ظًا مرفوعاً: ((من حلف، فقال: إن شاء الله، لم يحنث))، وهو حديث
صحيح، كما أسلفته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب.

٧٠٣
(٥) - بَابُ الِاسْتِنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٨)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٧٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ أَبِي
عُمَرَ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِّ ◌ِ قَالَ: ((قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللهِ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً،
كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِغُلَام، يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، أَوِ الْمَلَلُكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ،
فَلَمْ يَقُلْ، وَنَسِيَّ، فَلَمْ تَأْتٍ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ، إِلَّ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقٌّ غُلَام))، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((وَلَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكاً لَهُ فِي حَاجَتِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ،
تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قبل باب.
٤ - (هِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ) - مصغّراً - المكيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦] (خ م
س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٥ - (طَاؤُسُ) بن كيسان الْحِميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ
فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
و«أبو هريرة رقڅبه)) ذُكر قبله.
وقوله: (عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ) وقع في رواية الحميديّ، عن سفيان بن
عيينة: ((حدّثنا هشام بن حُجَیر)).
وقوله: (كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِغُلَام) فيه حذف تقديره: فحملت، فتأتي بغلام؛ أي:
تلد غلاماً، وكذا في قوله: ((يَقَّاتل)) تقديره: فينشأ، فيتعلّم الفروسيّة، فيقاتل،
وساغ الحذف؛ لأن كلّ فعل منها مسبَّب عما قبله، وسبب السبب سبب، أفاده
في ((الفتح))(١) .
(١) ((الفتح)) ٣٩٩/١٥ رقم (٦٧١٨).

٧٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وقوله: (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، أَوِ الْمَلَك) كذا في هذه الرواية بالشكّ، وفي
رواية البخاريّ: ((فقال له صاحبه، قال سفيان: يعني الملك))، وفي رواية
للبخاريّ، في ((النكاح))، من طريق معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: ((فقال له
الملك))، بالجزم.
وقال في ((الفتح)) - عند قول سفيان: يعني الملك -: وفي هذا إشعار بأن
تفسير صاحبه بالملك ليس بمرفوع، لكن في ((مسند الحميديّ)) عن سفيان:
((فقال له صاحبه، أو الملك - بالشك))، ومثلها لمسلم، وفي الجملة ففيه رةٍّ
على من فسَّر صاحبه بأنه الذي عنده علم من الكتاب، وهو آصِف ـ بالمدّ،
وكسر المهملة، بعدها فاء - ابن برخيا - بفتح الموحدة، وسكون الراء، وكسر
المعجمة، بعدها تحتانية -.
وقال القرطبيّ: قوله: ((فقال له صاحبه، أو الملك)) هذا شكّ من أحد
الرواة في الذي قاله النبيّ ◌َ﴿ منهما، فإن كان صاحبه فيعني به وزيره من
الإنس، أو الجنّ، وإن كان الملك فهو الذي كان يأتيه بالوحي، قال: وقد
أبعد من قال: المراد به خاطره. انتهى.
وقال النوويّ: قيل: المراد بصاحبه الملك، وهو الظاهر من لفظه،
وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي.
قال الحافظ: ليس بين قوله: صاحبه والملك منافاة، إلا أن لفظة صاحبه
أعمّ، فمن ثم نشأ لهم الاحتمال، ولكن الشك لا يؤثر في الجزم، فمن جزم
بأنه الملك حجة على من لم يجزم. انتهى(١).
وقوله: (قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ) قال القرطبيّ تَّتُهُ: هذا تذكير له بأن يقول
بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه؛ فإن ذلك بعيدٌ على
الأنبياء لا وغير لائق بمناصبهم الرفيعة، ومعارفهم المتوالية، وإنَّما هذا كما
قد اتفق لنبينا ﴿ لمّا سئل عن الرُّوح، والخضر، وذي القرنين؛ فوعدهم بأن
يأتي بالجواب غداً، جازماً بما عنده من معرفته بالله تعالى، وصدقٍ وعده في
تصديقه، وإظهار كلمته، لكنه ذَهِل عن النطق بكلمة: ((إن شاء الله))، لا عن
(١) ((الفتح)) ٣٨/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٢٣).

٧٠٥
(٥) - بَابُ الاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٩)
التفويض إلى الله تعالى بقلبه، فأُدِّب بأن تأخر الوحي عنه؛ حتى رموه بالتكذيب
لأجلها، ثم إن الله تعالى علَّمه وأدَّبه بقوله: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ
غَدًا ﴿َ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، فكان بعد ذلك يستعمل
هذه الكلمة في الواجب، وهذا لعلوِّ مناصب الأنبياء اللّه وكمال معرفتهم بالله
تعالى، يناقَشون، ويعاتَبون على ما لا يعاتَب عليه غيرهم، كما قد قال النبيّ وَل
في حق لوط عليّله: ((يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد))، فعَتَب عليه
نُظْقَه بكلمة يسوغ لغيره أن ينطق بها. انتهى(١).
وقوله: (فَلَمْ يَقُلْ، وَنَسِيَ)؛ أي: لم ينطق بلفظ إن شاء الله بلسانه ذُهولاً
ونسياناً، أنساه الله تعالى إياها، لينفُذ قدر الله تعالى الذي سبق به علمه، من
جَعْل ذلك سبباً لعدم وقوع ما تمنّه وقصده سليمان عليّ، قاله القرطبيّ ◌َظَّهُ(٢).
وليس المراد أنه غفل عن التفويض إلى الله بقلبه، والتحقيق أن اعتقاد التفويض
مستمرّ له، لكن المراد بقوله: ((فنسي)) أنه نسي أن يقصد الاستثناء الذي يرفع
حكم اليمين، ففيه تعقّب على من استَدَلَّ به لاشتراط النطق في الاستثناء.
·انتھی.
وقوله أيضاً: (وَنَسِيَ) قال النوويّ: ضبطه بعض الأئمة بضمّ النون،
وتشدید السین، وهو ظاهر حسن. انتهى.
وقوله: (وَكَانَ دَرَكاً لَهُ فِي حَاجَتِهِ) بفتح الراء: اسم من الإدراك؛ أي:
لحاقاً، قال الله تعالى: ﴿لَّا تَّخَفُ دَرَكًا﴾ [طه: ٧٧].
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٧٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ مِثْلَهُ، أَوْ نَحْوَهُ).
(١) ((المفهم)) ٤ / ٦٣٧.
(٢) ((المفهم)) ٦٣٨/٤.

٧٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقة فقيه [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ،
ثقةٌ فقيه [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
والباقون ذُكروا قبله، و((سفيان)) هو ابن عيينة.
وقوله: (مِثْلَهُ، أَوْ نَحْوَهُ) ظاهر هذا أن فيه تفريقاً بين قوله: ((مثله))،
وقوله: ((نحوه))، وقد تقدّم أن الحاكم أبا عبد الله ذكر أن لفظ ((مثل)) يُطلق على
ما اتّحد لفظاً، ولفظ ((نحو)) يُطلق على ما اتّحد معنى، ولكن كثيراً من صنيع
المصنّف ◌َتُهُ ليس على هذه القاعدة، كما قدّمت بيان ذلك في أوائل هذا
الشرح، وذكرت على ذلك أدلّة، فلتُراجعها.
ويَحْتَمِل أن هذا الشك ليس من مسلم، وإنما هو من الراوي عنه، شكّ
في قول مسلم، هل قال: ((مثله))، أو قال: ((نحوه))، ولا يستلزم ذلك التفريق
بينهما، وإنما يفيد بيان الشك في اللفظ الذي صدر عن مسلم، فتأمل، والله
تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه] رواية أبي الزناد، عن الأعرج هذه ساقها الحميديّ في ((مسنده))،
فقال :
(١١٧٤) - حدّثنا الحميديّ(١)، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: (حَلَف سليمان بن داود،
فقال: لأُطيفنّ الليلة بسبعين امرأة، كلهنّ تجيء بغلام يقاتل في سبيل الله رَّت،
فقال له صاحبه، أو قال له الملك: قل: إن شاء الله، فنسي، فأطاف بسبعين
امرأة، فلم تجىء واحدة منهنّ بشيء، إلا واحدة، جاءت بشق غلام)). فقال
رسول الله وَّل: ((لو قال: إن شاء الله، لَمَا حَنِثَ، ولكان دَرَكاً في حاجته)).
انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) هذا من كلام الراوي عن الحميديّ، فتنبّه.
(٢) ((مسند الحميديّ)) ٤٩٤/٢.

١
(٥) - بَابُ الإِسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٨٠ - ٤٢٨١)
٧٠٧
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٨٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام،
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بَّنُ
دَاوُدَ: لِأُطِيفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَاماً، يُقَاتِلُ فِي
سَبِيلِ اللهِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَأَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا
امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ
يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكاً لِحَاجَتِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام) الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقَّدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله، الْحِمْيريّ مولاهم، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ
فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ،
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَ قَالَ: ((قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ
دَاوُدَ: لِأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَىَ تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهَا تَأْتِي بِفَارِسٍ، يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ،
فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعاً،
فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَجَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَاناً أَجْمَعُونَ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.

٧٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خُراسانيّ الأصل، يقال: كان اسمه
مروان، مولى بني فزارة، ثقةٌ حافظُ رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو ٥ أو ٢٠٦)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦.
٣ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقة في
غير منصور بن المعتمر، ففيه لين [٧] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٩٩/٣١.
والباقون ذُكروا قبل حديث.
[تنبيه]: قوله: ((وايم)) بكسر الهمزة، وبفتحها، والميم مضمومة. وحكى
الأخفش كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور، وحرفٌ عند
الزّجّاج، وهمزته همزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين، ومن
وافقهم؛ لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه، ومن وافقه أنه اسم مفرد،
واحتجّوا بجواز كسر همزته، وفتح ميمه، قال ابن مالك: فلو كان جمعاً لم
تُحذف همزته، واحتجّ بقول عروة بن الزبير لَمّا أُصيب بولده، ورجله:
(لَيْمُنُكَ، لئن ابتليتَ، لقد عافيت، ولئن كُنت سَلَبْتَ، لقد أبقيتَ))، قال: فلو
كان جمعاً، لم يُتصرّف فيه بحذف بعضه، قال: وفيه اثنتا عشرة لغةً، جمعتها
في بيتين، وهما [من البسيط]:
أَوْ قُلْ مُ أَوْ مُنُ بِالتَّقْلِيثِ قَدْ شُكِّلَا
هَمْزَ أُيْمُ أَيْمُنُ فَافْتَحِ وَأَكْسِرٍ أَو أَمُ قُلْ
إِلَيْهِ فِي قَسَمِ تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا
وَأَيْمُنَ اخْتِمْ بِهِ وَاللهِ كُلّا أَضِفْ
قال ابن أبي الفتح تلميذ ابن مالك: فاته أَم بفتح الهمزة، وهيم بالهاء
بدل الهمزة، وقد حكاها القاسم بن أحمد المعلم الأندلسيّ في ((شرح
المفصّل)).
وقال غيره: أصله يمين الله، ويجمع: أيمناً، فيقال: وأيمن، حكاه أبو
عُبيدة، وأنشد لزُهير بن أبي سُلْمَى [من الوافر]:
فَتُجْمَعُ أَيْمُنْ مِنَا وَمِنْكُمْ بِمُقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ
وقالوا عند القسم: وأيمن الله، ثم كثر، فحذفوا النون، كما حذفوها من
لم يكن، فقالوا: لم يك، ثم حذفوا الياء، فقالوا: أم الله، ثم حذفوا الألف،
فاقتصروا على الميم مفتوحة، ومضمومة، ومكسورة، وقالوا أيضاً: مِنُ الله

٧٠٩
(٥) - بَابُ الإِسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٨١)
بكسر الميم، وضمّها، وأجازوا في أيمن فتح الميم، وضمّها، وكذا في أيم،
ومنهم من وصل الألف، وجعل الهمزة زائدة، أو مسهلة، وعلى هذا تبلغ
لغاتها عشرين. وقال الجوهريّ: قالوا: أيم الله، وربّما حذفوا الياء، فقالوا:
أُمُ الله، وربّما أبقوا الميم وحدها مضمومة، فقالوا: مُ الله، وربّما كسروها؛
لأنها صارت حرفاً واحداً، فشبّهوها بالباء، قالوا: وألفها ألف وصل عند أكثر
النحويين، ولم يجىء ألف وصل مفتوحة غيرها، وقد تدخل اللام للتأكيد،
فيقال: لَيْمُن الله، قال الشاعر [من الطويل]:
فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدْتُهُمْ نَعَمْ وَفَرِيقٌ لَيْمُنُ اللهِ مَا نَدْرِي
وذهب ابن كيسان، وابن درستويه إلى أن ألفها ألف قطع، وإنما خُفّفت
همزتها في الوصل لكثرة الاستعمال. وحكى ابن التين عن الداوديّ قال:
أيم الله: معناه اسم الله، أُبدلت السين ياءً، وهو غلطٌ فاحش؛ لأن السين لا
تبدل ياءً. وذهب المبرّد إلى أنها عوضٌ من واو القسم، وأن معنى قوله:
وأيم الله: والله لأفعلنّ. ونقل عن ابن عبّاس أن يمين الله من أسماء الله تعالى،
ومنه قول امرىء القيس [من الطويل]:
وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي
فَقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِداً
ومن ثمّ قال المالكيّة، والحنفيّة: إنه يمين. وعند الشافعيّة: إن نوى
اليمين انعقدت، وإن نوى غير اليمين لم ينعقد يميناً، وإن أطلَقَ فوجهان:
أصحّهما لا ينعقد إلا أن ينوي. وعن أحمد روايتان: أصحّما الانعقاد. وحكى
الغزاليّ في معناه وجهين: أحدهما أنه كقولهم: تالله. والثاني: كقوله: أحلف
بالله، وهو الراجح. ومنهم من سوّى بينه وبين (لعمر الله)). وفرّق الماورديّ بأن
(لعمر الله)) شاع في استعمالهم عرفاً، بخلاف أيم الله. واحتجّ بعض من قال
منهم بالانعقاد مطلقاً بأن معناه يمين الله، ويمين الله من صفاته، وصفاته
قديمة. وجزم النوويّ في ((التهذيب)) أن قول: وأيم الله، كقوله: وحقّ الله،
وقال: إنه ينعقد به اليمين عند الإطلاق، وقد استغربوه. ويقوّيه قوله الآن :
((وايم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله لجاهدوا)). واستدلّ من قال
بالانعقاد مطلقاً بهذا الحديث. قال الحافظ: ولا حجة فيه إلا على التقدير
المتقدّم، وأن معناه: وحقّ الله. انتهى.

٧١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وقوله: (فُرْسَاناً) بضمّ الفاء: جمع فارس، وقد تقدّم ما يتعلّق به مفصّلاً
في شرح الحديث الأول من أحاديث الباب، فارجع إليه.
وقوله: (أَجْمَعُونَ) هكذا الرواية في ((الصحيحين))، ووقع في رواية
النسائيّ في ((المجتبى)) بلفظ: ((أَجْمَعِينَ))))، الأول هو الموافق لغالب
الاستعمال، فإن المشهور في اللغة أن تستعمل ((أجمعون)) تأكيداً، ولِمَا في
النسائيّ أيضاً وجه، وهو أن يُعْرَب حالاً، وقد وقع مثله في بعض روايات
البخاريّ في حديث: ((فصلّوا قعوداً أجمعون)) بلفظ ((أجمعين)).
وأما تغليط الفيّوميّ للمحدّثين في هذه الرواية، وقال: غَلِطَ من قال: إنه
نُصِب على الحال؛ لأن ألفاظ التوكيد معارفُ، والحال لا تكون إلا نكرة، وما
جاء منها معرفةً فمسموع، وهو مؤوّلٌ بالنكرة، والوجه في الحديث: ((فصلّوا
قُعُوداً أجمعون))، وإنما هو تصحيفٌ من المحدّثين في الصدر الأول، وتمسّك
المتأخّرون بالنقل. انتهى.
فمما لا يُلتفت إليه، بل الرواية صحيحة، وقد أجاز بعض أهل اللغة
ذلك، قال ابن منظور كَّلُ: و((أجمع)) من الألفاظ الدالّة على الإحاطة، وليست
بصفة، ولكنّه يُلَمُّ به ما قبله من الأسماء، ويُجرَى على إعرابه، فلذلك قال
النحويّون: صفةٌ، والدليل على أنه ليس بصفة قولهم: أجمعون، فلو كان صفة
لم يَسلَم جمعه، ولكان مكسّراً، والأنثى جَمْعاء، وكلاهما معرفة، لا يُنكّر عند
سيبويه، وأما ثعلب، فحكى فيهما التنكير، والتعريف جميعاً، تقول: أعجبني
القصر أجمعُ، وأجمعَ، الرفع على التوكيد، والنصب على الحال. انتهى(١).
فقد ثبت صحة هذا الاستعمال بنقل ثعلب، وهو ممن يُعتمد في اللغة
على نقله، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فقد ثبت النصب روايةً عن
المحدّثين، ونقلاً عن اللغويين، فلا التفات إلى من ادّعى غَلَطَ المحدّثين، بناءً
على نفي بعض اللغويين لها، فالمثبت مقدّم على النافي، فتنبّه، وبالله تعالى
التوفيق.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
(١) (لسان العرب)) ٦٠/٨.

٧١١
(٥) - بَابُ الإِسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٨٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٨٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّهَا تَحْمِلُ
غُلَاماً، يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ
ربَّما وَهِمَ [٨] (ت١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦١.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمام في
المغازي [٥] (ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
و((أبو الزناد ذُكر قبله)).
[تنبيه]: رواية موسى بن عُقبة، عن أبي الزناد هذه ساقها البيهقيّ تَّثهُ في
((الكبرى)) - لكن لم يذكر باللفظ الذي استثناه المصنّف - فقال:
(١٩٦٩٤) - حدّثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود
العلويّ تَّثُ إملاءً، أنبأ أبو حامد بن الشرقيّ، ثنا محمد بن عقيل، ثنا
حفص بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، قال: أخبرني
أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ظته أنه قال: قال
رسول الله صلى: ((قال سليمان بن داود عَلَّهُ لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة،
كل واحدة تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله،
فلم يفعل، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهنّ جميعاً، فلم تَحْمِل منهنّ إلا
امرأة واحدة، جاءت بشقّ رجل، وايم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن
شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله أجمعون)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَثُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٤٤/١٠.

٧١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
(٦) - (بابُ النَّهْي عَنِ الإِصْرَارِ عَلَى الْيَمِينِ
فِيمَا يَتَأَذَّى بِهِ أَهْلُ الْحَالِفِ، مِمَّا لَيْسَ بِحَرَامٍ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٨٣] (١٦٥٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((وَاللهِ لأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي
أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللهُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة، أخو وهب بن منبه
الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل المضعّف (قَالَ) همّام (هَذَا) إشارة
إلى الحديث الأَتي، وهو من الأحاديث التي ذُكرت في ((صحيفة همّام بن منبّه))
(مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَذَكَرَ)؛ أي: همّام (أَحَادِيثَ)؛
أي: كثيرة، وعددها (١٣٨) حديثاً، كما مرّ غير مرّة (مِنْهَا) الجارّ والمجرور
خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّ) فهو محكيّ؛ لقصد لفظه، كما مرّ
إيضاحه غير مرّة.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ تَّقُ هذا الحديث في ((كتاب الأيمان والنذور)»
من ((صحيحه))، فقال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا
معمر، عن همام بن مُنَبِّهٍ، قال: هذا ما حدّثنا به أبو هريرة، عن النبيّ وَّر،
قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة))، وقال رسول الله وَلقوله: ((والله لأن
يَلِجّ أحدكم بيمينه في أهله، آثم له عند الله من أن يُعطي كفارته التي افترض الله

٧١٣
(٦) - بابُ النَّهْي عَنِ الإِصْرَارِ عَلَى الْيَمِينِ فِيمَا يَتَأَذَّى بِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٢٨٣)
علیه)). انتهى(١).
(١)
فقال في ((الفتح)): قوله: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) طَرَف من
حديث تقدّم بتمامه في أول ((كتاب الجمعة))، لكن من وجه آخر عن أبي هريرة،
وقد كَرَّرَ البخاريّ منه هذا القدر في بعض الأحاديث التي أخرجها من صحيفة
هَمّام، من رواية معمر عنه، والسبب فيه أن حديث ((نحن الآخرون)) هو أول
حديث في النسخة، وكان هَمَّام يعطف عليه بقية الأحاديث بقوله: وقال
رسول الله ◌َ، فسلك في ذلك البخاريّ ومسلم مسلكين: أحدهما هذا،
والثاني مسلك مسلم، فإنه بعد قول همام: هذا ما حدّثنا به أبو هريرة، عن
النبيّ وَ﴿ يقول: فذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله وَّل، ثم استَمَرّ على
ذلك في جميع ما أخرجه من هذه النسخة، وهو مسلك واضح.
وأما البخاريّ فلم يَطَّرِد له في ذلك عمل، فإنه أخرج من هذه النسخة في
((الطهارة))، وفي ((البيوع))، وفي ((النفقات))، وفي ((الشهادات))، وفي ((الصلح))،
و((قصة موسى))، و((التفسير))، و((خلق آدم))، و((الاستئذان))، وفي ((الجهاد)) في
مواضع، وفي ((الطب))، و((اللباس))، وغيرها، فلم يُصَدِّر شيئاً من الأحاديث
المذكورة بقوله: ((نحن الآخرون السابقون))، وإنما ذكر ذلك في بعض دون
بعض، وكأنه أراد أن يُبَيِّن جواز كلٍّ من الأمرين.
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من صنيع شيخ البخاريّ، وقال ابن بطال: يَحْتَمِل
أن يكون أبو هريرة سمع ذلك من النبيّ ◌َّ﴿ في نسق واحد، فحدّث بهما
جميعاً، كما سمعهما، ويَحْتَمِل أن يكون الراوي فعل ذلك؛ لأنه سمع من أبي
هريرة أحاديث في أوائلها ذكرها على الترتيب الذي سمعه.
قال الحافظ: ويعكر عليه ما تقدّم في أواخر ((الوضوء))، وفي أوائل
((الجمعة))، وغيرها. انتهى(٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
((وَاللهِ لأَنْ يَلَجَّ) بفتح اللام، وهي اللامِ المؤكِّدة للقسم، و(يَلِجَّ)) بكسر
اللام، ويجوز فتحها، بعدها جيم، من اللَّجَاج، وهو أن يتمادى في الأمر،
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٤٤٤/٦.
(٢) ((الفتح)) ٢٥٣/١٥ - ٢٥٤، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم (٦٦٢١).

٧١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
ولو تَبَيَّنَ له خطؤه، وأصل اللَّجَاج في اللغة: هو الإصرار على الشيء مطلقاً،
يقال: لَجَجْتُ أَلِجّ، بكسر الجيم في الماضي، وفتحها في المضارع، ويجوز
العكس، قاله في ((الفتح))(١).
وقال الفيّوميّ كَُّهُ: لَجَّ في الأمر لَجَجاً، من باب تَعِبَ، ولَجَاجاً،
ولَجَاجَةً، فهو لَجُوجٌ، ولَجُوجَةٌ مبالغةٌ: إذا لازم الشيءَ، وواظبه، ومن باب
ضرب لغةٌ، قال ابن فارس: اللَّجَاجُ: تَمَاحُك الخصمين، وهو تماديهما،
واللَّجَّةُ بالفتح: كثرة الأصوات، قال:
فِي لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلَاناً عَنْ فُلٍ
أي: في ضَجّة، يقال فيها ذلك، والتَجَّتِ الأصوات: اختلطت،
والفاعل: مُلْتَجِّ. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: اللجاج في اليمين هو المضيّ على مقتضاها، وإن
لزم من ذلك حرَجٌ ومشقّةٌ، أو ترك ما فيه منفعةٌ عاجلةٌ، أو آجلةٌ، فإن كان فيه
شيء من ذلك فالأولى له أن تحنيث نفسه، وفعل الكفّارة. انتهى(٣).
(أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ، آثَمُ) بالمدّ: أصله: أأثم بوزن أفعل التفضيل؛
أي: أشدّ إثماً (لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللهُ)) وفي رواية
أحمد عن عبد الرزاق: ((من أن يعطي كفارته التي فرض الله)).
قال النوويّ رَّتُهُ: معنى الحديث: أنّ مَن حَلَف يميناً تتعلق بأهله، بحيث
يتضررون بعدم حنثه فيه، فينبغي أن يَحْنَث، فيفعلَ ذلك الشيء، ويُكفِّر عن
يمينه، فإن قال: لا أحنث، بل أتورَّع عن ارتكاب الحنث؛ خشيةَ الإثم، فهو
مخطئ بهذا القول، بل استمراره على عدم الحنث، وإدامة الضرر على أهله
أكثر إثماً من الحنث، واللجاج في اللغة: هو الإصرار على الشيء، قال: فهذا
مختصر بيان معنى الحديث، ولا بد من تنزيله على ما إذا كان الحنث ليس
بمعصية. انتھی.
قال: وأما قوله: ((آثم)) فخرج على لفظ المفاعلة المقتضية للاشتراك في
(١) ((الفتح)) ٣٥٤/١٥ رقم (٦٦٢١).
(٣) ((المفهم)) ٦٤٣/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٤٩/٢.

٧١٥
(٦) - بابُ النَّهْي عَنِ الإِصْرَارِ عَلَى الْيَمِينِ فِيمَا يَتَأَذَّى بِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٢٨٣)
الإثم؛ لأنه قصد مقابلة اللفظ على زعم الحالف، وتوهّمه، فإنه يتوهم أن عليه
إثماً في الحنث، مع أنه لا إثم عليه، فقال ◌َّ: ((الإثم عليه في الدجاج أكثر لو
ثبت الإثم - أي: في الحنث ))(١).
وقال البيضاويّ كَّلُهُ: المراد أن الرجل إذا حلف على شيء، يتعلق بأهله،
وأصرّ عليه، كان ذلك أدخل في الوزر، وأفضى إلى الإثم من أن يحنث في يمينه،
ويُكفّر عنها؛ لأنه جَعَلَ الله تعالى عُرْضَةً للامتناع عن البرّ والمواساة مع الأهل
والإصرار على اللجاج، وقد نُهِي عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ
لِأَيْمَنِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤]، قال: و((آثم)) اسم تفضيل، وأصله أن يطلق لِلَّجّ
الآثم، فأُطلق للْجَاجِ المُوجِب للإثم على سبيل الاتّساع، والمراد به أنه يوجب
مزيداً، ثم مطلقاً بالإضافة إلى ما نُسِب إليه، فإنه أمر مندوب على ما تشهد به
الأحاديث المتقدّمة عليه، لا إثم فيه، وقيل: معناه أنه كان يتحرّج عن الحنث
والتأثّم فيه، ويرى ذلك، فاللَّجَاج إثم على زعمه وحسبانه. انتهى كلام البيضاويّ.
وتعقّبه الطيبيّ، فقال: قوله: والمراد به أنه يوجب مزيداً، ثم مطلقاً، فيه
نظر؛ لأن ((مِنْ)) التفصيليّة في قوله: ((من أن يُعطي)) تنافي الإطلاق؛ لأن ((آثَم))
حينئذ يكون بمعنى اسم الفاعل، وهو لا يتعدّى بـ((مِنْ))، كما في قولهم:
الناقص والأشجّ أعْدَلا بني مروان، ويوسف أحسن إخوته في وجه، ولا يُستبعد
أن يقال: إنه من باب قولهم: الصيف أحرّ من الشتاء، يعني أن إثم اللجاج في
بابه أبلغ من ثواب إعطاء الكفّارة في بابه، وكذا في قوله: ((أصله أن يُطلق
للآجّ الآثم، فأطلقه ... إلى آخره)) بحثٌ؛ لأن المعنى أن استمراره على عدم
الحنث، وإدامة الضرر على أهله أكثر إثماً من الحنث، وفائدة ذكر ((أهله)) في
هذا المقام مبالغةٌ. انتهى كلام الطيبيّ تَخَذُهُ(٢).
[تنبيه]: أخرج البخاريّ تَُّ بعد هذا الحديث حديث أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَله: ((من استَلَجَّ في أهله بيمين، فهو أعظم إثماً ليبرّ
- يعني: الكفّارة -)».
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/١١ - ١٢٤.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٤٤٠/٨.

٧١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
قال في ((الفتح)): وقوله: ((من استَلَجَّ استَفْعَل من اللجاج، وذكر ابن
الأثير أنه وقع في رواية: ((استلجَجَ)) بإظهار الإدغام، وهي لغة قريش.
قوله: ((فهو أعظم إثماً ليبرّ، ـ يعني: الكفارة -)»، وكذا وقع في رواية ابن
السكن، وكذا لأبي ذرّ عن الكشميهنيّ بلام مكسورة، بعدها تحتانية مفتوحة،
ثم راء مشدّدة، واللام لام الأمر، بلفظ أمر الغائب من البر، أو الإبرار،
و(يعني)) بفتح التحتانية، وسكون المهملة، وكسر النون، تفسير للبرّ، والتقدير:
ليترك اللجاج، ويبرّ، ثم فسَّر البرّ بالكفارة، والمراد أنه يترك الدجاج فيما
حَلَف، ويفعل المحلوف عليه، ويحصل له البرّ بأداء الكفارة عن اليمين الذي
حلفه إذا حَنِثَ.
ومعنى قوله: ((في أهله)) ما تقدم في الطريق التي قبلها من تصويره بأن
يحلف أن يضر أهله مثلاً، فيلجّ في ذلك اليمين، ويقصد إيقاع الإضرار بهم؛
التنحلّ يمينه، فكأنه قيل له: دَعْ اللجاج في ذلك، واحنِثْ في هذا اليمين،
واترك إضرارهم، ويحصل لك البرّ، فإنك إن أصررت على الإضرار بهم، كان
ذلك أعظم إثماً من حنثك في اليمين.
ووقع في رواية النسفيّ، والأصيليّ: ((ليس تغني الكفارة)) بفتح اللام،
وسكون التحتانية، بعدها سين مهملة، و((تغني)) بضم المثناة الفوقانية، وسكون
الغين المعجمة، وكسر النون، و((الكفارةُ)) بالرفع، والمعنى: أن الكفارة لا تغني
عن ذلك، وهو خلاف المراد، والرواية الأولى أوضح.
ومنهم مَن وَجَّه الثانية بأن المفضَّل عليه محذوف، والمعنى أن الاستلجاج
أعظم إثماً من الحنث، والجملة استئناف، والمراد أن ذلك الإثم لا تغني عنه
كفارة .
وقال ابن الأثير في ((النهاية)): وفيه: ((إذا استلجّ أحدكم بيمينه، فإنه آثم
له عند الله من الكفارة))، وهو استَفْعَل من اللجاج، ومعناه: أن من حلف على
شيء، ويرى أن غيره خير منه، فيقيم على يمينه، ولا يحنث فيكفّر، فذلك آئم
له، وقيل: هو أن يرى أنه صادق فيها، مصيب، فيلجّ، ولا يكَفّرها. انتهى،
وانتَزَع ذلك كله من كلام الخطابيّ.

٧١٧
(٦) - بابُ النَّهْي عَنِ الإِصْرَارِ عَلَى الْيَمِينِ فِيمَا يَتَأَذَّى بِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٢٨٣)
وقد قُيِّد في رواية الصحيح بالأهل، ولذلك قال النوويّ ما تقدم في
الطريق الأُولى، وهو منتزع أيضاً من كلام عياض.
وذكر القرطبيّ في ((مختصر البخاريّ) أنه ضُبِط في بعض الأمهات ((تغني))
بالتاء المضمومة، والغين المعجمة، وليس بشيء، وفي الأصل المعتمد عليه
بالتاء الفوقانية المفتوحة، والعين المهملة، وعليه علامة الأصيليّ، وفيه بُعْدٌ،
ووجدناه بالياء المثناة من تحتُ، وهو أقرب، وعند ابن السكن: ((يعني ليس
الكفارة))، وهو عندي أشبهها، إذا كانت ليس استثناءً، بمعنى ((إلّا))؛ أي: إذا
لجّ في يمينه، كان أعظم إثْماً إلا أن يكفّر.
قال الحافظ: وهذا أحسن لو ساعدته الرواية، إنما الذي في النسخ كلها
بتقدیم ((ليس)) على ((يعني)).
وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، عن
يحيى بن صالح، بحذف الجملة الأخيرة، وآخرُ الحديث عنده: ((فهو أعظم
إثماً)».
وقال ابن حزم: لا جائز أن يُحْمَل على اليمين الغموس؛ لأن الحالف
بها لا يسمى مستلجّاً في أهله، بل صورته أن يحلف أن يحسن إلى أهله، ولا
يضرهم، ثم يريد أن يحنث، ويلجّ في ذلك، فيضرهم، ولا يحسن إليهم،
ويكفّر عن يمينه، فهذا مستلجّ بيمينه في أهله، آئم.
ومعنى قوله: ((لا تغني الكفارة)) أن الكفارة لا تَحُطّ عنه إثم إساءته إلى
أهله، ولو كانت واجبة عليه، وإنما هي متعلقة باليمين التي حلفها .
وقال ابن الجوزيّ قوله: ((ليس تغني الكفارة)) كأنه أشار إلى أن إثمه في
قصده أن لا يبرّ، ولا يفعل الخير، فلو كفّر لم ترفع الكفارة سبق ذلك القصد.
وبعضهم ضبطه بفتح نون ((يغني))، وهو بمعنى يترك؛ أي: إن الكفارة لا
ينبغي أن تترك.
وقال ابن التين: قوله: ((ليس تغني الكفارة)) بالمعجمة، يعني مع تعمد
الكذب في الأيمان، قال: وهذا على رواية أبي ذرّ، كذا قال، وفي رواية أبي
الحسن، يعني القابسيّ: ((ليس يعني الكفارة)) بالعين المهملة، قال: وهذا موافق
لتأويل الخطابيّ أنه يستديم على لجاجه، ويمتنع من الكفارة، إذا كانت خيراً

٧١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
من التمادي. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٨٣/٦] (١٦٥٥)، و(البخاريّ) في ((الأيمان
والنذور)) (٦٦٢٥ و٦٦٢٦)، و(ابن ماجه) في ((الكفّارات)) (٢١١٤)، و(أحمد)
في («مسنده)) (٢٧٨/٢ و٣١٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢/٤)، و(البيهقيّ)
في (الكبرى)) (٣٢/١٠) و((الصغرى)) (٤٤٨/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الحنث في اليمين أفضل من التمادي، إذا كان في
الحنث مصلحة، ويختلف باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على فعل
واجب، أو ترك حرام فيمينه طاعة، والتمادي واجب، والحنث معصية، وعكسه
بالعكس، وإن حلف على فعل نفل، فيمينه أيضاً طاعة، والتمادي مستحب،
والحنث مكروه، وإن حلف على ترك مندوب، فبعكس الذي قبله، وإن حلف
على فعل مباح، فإن كان يتجاذبه رجحان الفعل، أو الترك، كما لو حلف لا
يأكل طيباً، ولا يلبس ناعماً، ففيه عند الشافعية خلاف، وقال ابن الصباغ،
وصوّبه المتأخرون: إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، وإن كان مستوي
الطرفين، فالأصح أن التمادي أولى، والله أعلم.
٢ - (ومنها): أنه يُستنبط من معنى الحديث أن ذكر الأهل خرج مخرج
الغالب، وإلا فالحكم يتناول غير الأهل، إذا وُجدت العلة، والله أعلم.
٣ - (ومنها): ما قال القاضي عياض تَخَّثُ: في الحديث أن الكفارة على
الحانث فرض، قال: ومعنى يَلَجّ: أن يقيم على ترك الكفارة، كذا قال،
والصواب على ترك الحنث؛ لأنه بذلك يقع التمادي على حكم اليمين، وبه يقع
الضرر على المحلوف عليه، ذكره في ((الفتح)). والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((الفتح)) ٢٥٥/١٥ - ٢٥٧.

٧١٩
(٧) - بَابُ نَذْرِ الْكَافِرِ، وَمَا يَفْعَلُ فِيهِ إِذَا أَسْلَمَ - حديث رقم (٤٢٨٤)
(٧) - (بَابُ نَذْرِ الْكَافِرِ، وَمَا يَفْعَلُ فِيهِ إِذَا أَسْلَمَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٨٤] (١٦٥٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَتَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرِ - قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْبَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ
الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ (١) فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً، فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،
قَالَ: ((فَأَوْنِ بِنَذْرَِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن
عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م
س) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٥/١٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ أحد مشايخ الجماعة بلا
واسطة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّمٍ قبل باب.
٤ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) تقدّم قريباً .
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدم أيضاً قريباً.
٧ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ضًِّا، تقدّم أيضاً قريباً.
٨ - (عُمَرُ) بن الخطّاب
بَرُه، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالمدنيين، من عبيد الله، والباقون كلهم بصريّون، غیر زهیر،
فبغداديّ، وأن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والابن عن أبيه، وتابعيّ، عن
أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى
تابعيّ، وفيه ابن عمر حًُّا
(١) وفي نسخة: ((إني قد نذرت)).

٧٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
(٢٦٣٠) حديثاً، وفيه عمر ظله أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، والعشرة
المبشرين بالجنة رضي الله عنهم أجمعين.
شرح الحديث:
(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) هذه
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عَا (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطّاب
الرواية ظاهرة في أن هذا الحديث من مسند ابن عمر ◌ًا، وكذا رواية أيوب،
عن نافع التالية، وسيشير المصنّف إلى أنه وقع في رواية حفص بن غياث عن
ابن عمر، عن عمر، وكذا وقع في رواية النسائيّ من طريق ابن عيينة، عن
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، فصرّح بكونه من مسند عمر څته،
ولا يضرّ ذلك، فإن ابن عمر﴿ قد حضر القصّة، فإنها كانت في غزوة
حنين، ففي الرواية الآتية من طريق جرير بن حازم، أن أيوب حدثه، أن نافعاً
حدّثه، أن عبد الله بن عمر حدّثه، أن عمر بن الخطّاب سأل رسول الله وَالته
وهو بالجعرانة، بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله، إني نذرت في
الجاهليّة أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ قال: ((اذهب،
فاعتكف يوماً))، وكان رسول الله صل﴿ قد أعطاه جارية من الخُمس، فلما أعتق
رسول الله 8* سبايا الناس، قال عمر: يا عبد الله اذهب إلى تلك الجارية،
فخلّ سبيلها .
وفي رواية معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ظًا، قال: لَمّا
قفل النبيّ و8َّ من حنين، سأل عمر رسول الله وضّ * عن نذر كان نذره في
الجاهليّة، اعتكافِ يومٍ، فذكره.
كان حاضراً سؤال عمر ناه للنبيّ ولار.
فقد تبيّن بهذا أن ابن عمر
ويَحْتَمِل أن يكون غائباً في بعض حاجته حينما سأل عمر ظاه النبيّ وَّر،
فأخبره عمر به، فكان يحدّث عنه تارةً، ويرسله أخرى، ومرسل الصحابيّ
حجة، كما هو مقرّر في محلّه، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)) بعدما ذكر أن القصّة كانت بالجعرانة لَمّا رجعوا من
حُنين ما نصّه: ويستفاد منه الردّ على من زعم أن اعتكاف عمر نظُه كان قبل