Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
(٤) - بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ - حديث رقم (٤٢٧٥)
الْمُحَلِّفُ ظَالِماً أو مَظْلُوماً، صَادِقاً أو كَاذِباً، وَقِيلَ: هو مُقَيَّدٌ بِصِدْقِ الْمُحَلَّفِ
فِيمَا ادَّعَاهُ، أَمَّا لو كان كَاذِباً كان الاعْتِبَارُ بِنِيَّةِ الْحَالِفِ، وقد ذَهَبَت الشَّافِعِيَّةُ
إلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الحديث بِكَوْنِ الْمُحَلِّفِ هو الْحَاكِمَ، وَلَفْظُ: ((صَاحِبِك)) في
الحديث يَرُدُّ عليهم، وَكَذَلِكَ ما ثَبَتَ في رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ: ((الْيَمِينُ على نِيَّةِ
الْمُسْتَحْلِفِ».
ثم ذكر كلام النوويّ السابق، ثم قال: وقد حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ
الْإِجْمَاعَ على أَنَّ الْحَالِفَ من غَيْرِ اسْتِحْلافٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَعَلُّقِ حَقِّ بِيَمِينِهِ له ◌ِيَّتُهُ،
وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَأَمَّا إذَا كان لِغَيْرِهِ حَقُّ عليه فَلا خِلافَ أَنَّهُ يُحْكَمُ عليه بِظَاهِرٍ
يَمِينِهِ، سَوَاءٌ حَلَفَ مُتَبَرِّعاً، أو بِاسْتِحْلافٍ. انتهى مُلَخَّصاً.
قال: وإذا صَحَّ الْإِجْمَاعُ على خِلافِ ما يَقْضِي بِهِ ظَاهِرُ الحديث كان
الاعْتِمَادُ عليه، قال: وَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ سُوَيْد بن حَنْظَلَةَ الآتي، فإن
النبيّ وَّهِ حَكَمَ له بِالْبِرِّ فِي يَمِينِهِ، مع أَنَّهُ لا يَكُونُ بَارًاً إِلَّا بِاعْتِبَارِ نِيَّةِ نَفْسِهِ؛
لِأَنَّهُ قَصَدَ الْأُخُوَّةَ الْمَجَازِيَّةَ، وَالْمُسْتَحْلِفُ له قَصْدُ الْأُخُوَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَلَعَلَّ هذا
هو مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ. انتهى كلام الشوكانيّ كَُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي أن يكون حديث الباب على
إطلاقه، ويُستثنى من ذلك إذا كان يترتّب عليها نفع لمسلم، أو دفع ضرر عنه،
سواء كان الحالف نفسه، أو غيره من المسلمين، فتكون على نيّة الحالف،
ودليل ذلك ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث سُويد بن حنظلة .
أنه قال: خرجنا نريد رسول الله وَّل﴿، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدُوّ له،
فتحرّج القوم أن يحلفوا، وحَلَفت أنه أخي، فخُلِّي سبيله، فأتينا رسول الله وَّهِ،
فأخبرته أن القوم تحرّجوا أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، قال: ((صدقتَ،
المسلم أخو المسلم))، وهو حديث صحيح(٢).
فقد دلّ هذا الحديث على أن اليمين إذا ترتب عليها نفع لمسلم، أو دفع
(١) ((نيل الأوطار)) ١١٢/٩ - ١١٣.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)).

٦٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
ضرر عنه، تكون على نيّة الحالف، وأما ما عدا ذلك من الأيمان فعلى نيّة
المستحلِف، كما هو ظاهر إطلاق حديث الباب، وبهذا يُجمع بين الحديثين،
فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَقَالَ عَمْرٌو: بُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ) بيّن به اختلاف الواقع بين
شيخيه: يحيى بن يحيى، وبين عمرو الناقد، فالأول قال: ((على ما يُصدّقك عليه
صاحبك)) بـ((على))، والثاني قال: ((على ما يُصدّقك به صاحبك))، بالباء الموحّدة،
ولا اختلاف في الحقيقة، فإن ((على)) تأتي بمعنى الباء، كما في قوله تعالى:
﴿حَقِيقٌّ عَلَّ أَن لَّ أَقُلَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وقد قرأ أُبيّ بالباء،
ويقال: اركب على اسم الله، قاله ابن هشام الأنصاريّ كَُّ في ((مغنيه)(١).
والباء أيضاً تأتي بمعنى ((على))، كما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ
يَثَغَامَزُونَ
[المطففين: ٣٠] بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَهُّونَ عَلَهِم﴾ الآية
[الصافات: ١٣٧]، قاله ابن هشام أيضاً (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٧٥/٤ و٤٢٧٦] (١٦٥٣)، و(أبو داود) في
((الأيمان والنذور)) (٣٢٥٥)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٥٤)، و(ابن ماجه)
في ((الكفارات)) (٢١٢١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١١٢/٣)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٢٨/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٣٤٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤٨/٤ - ٤٩)، و(ابن الأعرابيّ) في ((معجمه)) (١٩/٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه))
(١٥٧/٤)، و(الحاكم) في (مستدركه)) (٣٣٦/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠/
٦٥) و((المعرفة)) (٣٢٧/٧) و((الصغرى)) (٥٠٥/٨)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٢٨٦/١.
(٢) ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٢٠٣/١ - ٢٠٤.

٦٨٣
(٥) - بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٧٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَّحْلِفِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ
متقنٌّ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
والباقون ذُكروا قبله، و((عبّاد بن أبي صالح)) لقب لعبد الله المذكور في
السند السابق.
وقوله: (الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ) هو بمعنى الحديث الماضي:
((يمينك على ما يصدّقك به صاحبك))، فمؤدّاهما واحد، فالمعنى: أن يمين
الحالف تُحمل على نيّة المستحلف، وهذا إذا كان مستحقّاً للتحليف، فالاعتبار
بنّته، لا بما أضمره الحالف، وأما إذا كان المستحلف ظالماً، فإنها تكون على
نيّة الحالف، كما تقدّم في حديث سويد بن حنظلة ظُه، فتنبّه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٥) - (بَابُ الإِسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا)
((الاستثناء)): لغة: استفعالٌ من الثَّنْي، بمعنى العطف؛ لأن المستثنَى
معطوفٌ عليه بإخراجه من الحكم، أو بمعنى الصرف؛ لأنه مصروفٌ عن حكم
المستثنى منه، وحقيقته اصطلاحاً: الإخراج بـ((إلا))، أو إحدى أخواتها لِمَا كان
داخلاً، أو كالداخل، قاله الخُضَريّ في ((حاشيته))(١).
وقال الفيّوميّ تَكْتُهُ: الاستثناء استفعالٌ، من ثنيتُ الشيءَ أَثْنِيه ثَنْياً، من
(١) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة)) ٣٠٠/١.

٦٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
باب رَمَى: إذا عطفتُه، ورددتُه، وَثَنَيْتُهُ عن مراده: إذا صرفتُهُ عنه، وعلى هذا
فالاستثناء صرف العامل عن تناول المستثنى، ويكون حقيقةً في المتّصل، وفي
المنفصل أيضاً؛ لأن ((إلا)) هي التي عدَّت الفعل إلى الاسم حتى نصبه، فكانت
بمنزلة الهمزة في التعدية، والهمزةُ تُعدّي الفعلَ إلى الجنس، وغير الجنس
حقيقةً وفاقاً، فكذلك ما هو بمنزلتها. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): الاستثناء: استفعالٌ من الثُّنْيا - بضمّ المثلّثة، وسكون
النون، بعدها تحتانيّةٌ - ويقال لها: الثَّنْوَى أيضاً بواو بدل الياء، مع فتح أوّله،
وهي من ثنيت الشيء: إذا عطفته، كأن المستثنيَ عطف بعض ما ذكره؛ لأنها
في الاصطلاح إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، وأدواتها ((إلّا)) وأخواتها، وتُطلق
أيضاً على التعاليق، ومنها التعليق على المشيئة، وهو المراد في هذه الترجمة،
فإذا قال: لأفعلنّ كذا، إن شاء الله تعالى، استثنى، وكذا إذا قال: لا أفعل كذا
إن شاء الله، ومثله في الحكم أن يقول: إلا أن يشاء الله، أو إلا إن شاء الله،
ولو أتى بالإرادة، والاختيار بدل المشيئة جاز، فلو لم يفعل إذا أثبت، أو فعل
إذا نفى، لم يَحنَث، فلو قال: إلا إن غيّر الله نيّتي، أو بدّل، أو إلا أن يبدُو
لي، أو يظهر، أو إلا أن أشاء، أو أريد، أو أختار، فهو استثناء، لكن يُشترط
وجود المشروط. انتهى(٢) .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٧٧] (١٦٥٤) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ
فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي الرَّبِيع - قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا
أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ سِتُّونَ امْرَأَةَ، فَقَالَ: لَأَطُوفَنَّ
عَلَيْهِنَّ اللَّيْلَةَ، فَتَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَتَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَاماً فَارِساً، يُقَاتِلُ فِي
سَبِيلِ اللهِ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّ وَاحِدَةٌ، فَوَلَدَتْ نِصْفَ إِنْسَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ:
(لَوْ كَانَ اسْتَنْتَى لَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَاماً فَارِساً، يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ)).
(١) ((المصباح المنير)) ٨٥/١.
(٢) ((الفتح)) ٣٩٢/١٥، كتاب ((كفّارات الأيمان)) رقم (٦٧١٨).

٦٨٥
(٥) - بَابُ الإِسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٧)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابد، كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨.
والباقون كلهم تقدّموا في البابين السابقين، و((أبو الربيع الْعَتّكيّ)) هو:
سليمان بن داود الزهرانيّ، و((أيوب)) هو: السختيانيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَظُهُ أنه (قَالَ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ) بن داود ◌َِِّ (سِتُّونَ
امْرَأَةً) كذا في هذه الرواية، وفي رواية هشام بن حُجير، عن طاوس: ((لأطوفنّ
الليلة على سبعين امرأةً))، وفي رواية أبي الزناد، عن الأعرج: ((على تسعين
امرأة))، وكلها في مسلم، ووقع عند البخاريّ في رواية أبي الزناد بلفظ: ((على
سبعين امرأة))، فقال في ((الفتح)): قوله: ((على سبعين امرأة)) كذا هنا من رواية
مغيرة، وفي رواية شعيب: ((فقال: تسعين))، وقد ذكر البخاريّ ذلك عقب هذا
الحديث، ورَجَّح ((تسعين)) بتقديم المثناة على ((سبعين))، وذكر أن ابن أبي الزناد
رواه كذلك، قال الحافظ: وقد رواه سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، فقال:
(سبعين))، ولكن رواه مسلم، عن ابن أبي عمر، عن سفيان، فقال: ((سبعين))
بتقديم السين، وكذا هو في ((مسند الحميديّ))، عن سفيان، وكذا أخرجه مسلم
من رواية وَرْقاء، عن أبي الزناد، وأخرجه الإسماعيليّ، والنسائيّ، وابن حبان،
من طريق هشام بن عروة، عن أبي الزناد، قال: ((مائة امرأة))، وكذا قال
طاوس، عن أبي هريرة، وكذا قال أحمد، عن عبد الرزاق، من رواية هشام بن
حُجير، عن طاوس: (تسعين))، ورواه مسلم عن عبد بن حميد، عن
عبد الرزاق، فقال: ((سبعين))، ورواه أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة:
((كان لسليمان ستون امرأة))، ورواه أحمد، وأبو عوانة، من طريق هشام، عن
ابن سيرين، فقال: ((مائة امرأة))، وكذا قال عمران بن خالد، عن ابن سيرين،
عند ابن مردويه، ووقع عند البخاريّ في ((الجهاد)) من طريق جعفر بن ربيعة،
عن الأعرج، قال: ((مائة امرأة، أو تسع وتسعون))، على الشك.

٦٨٦
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
فمحصل الروايات: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون ومائة،
والجمع بينها أن الستين كُنّ حرائر، وما زاد عليهن كنّ سَراري، أو بالعكس
وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة، فكنّ دون المائة وفوق
التسعين، فمن قال: تسعون ألغى الكسر، ومن قال مائة جَبَره، ومن ثم وقع
التردد في رواية جعفر.
وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر: وذكر أبو موسى المدينيّ في كتابه
((الثمين في استثناء اليمين)) أن في بعض نسخ مسلم عقب قصة سليمان: هذا
الاختلاف في هذا العدد، وليس هو من قول النبيّ وَّ، وإنما هو من الناقلين.
ونَقَل الكرمانيّ أنه ليس في ((الصحيح)) أكثر اختلافاً في العدد من هذه
القصة .
قال الحافظ: وغاب عن هذا القائل حديث جابر في قدر ثمن الجمل،
وقد مضی بیان الاختلاف فيه في موضعه.
وقد أجاب النووي ومن وافقه عن اختلاف هذا العدد في قصة
سليمان عليَّ بأن مفهوم العدد ليس بحجة عند الجمهور، فذِكْرُ القليل لا ينفي
ذكر الكثير.
وقد تُعُقّب بأن الشافعيّ نصّ على أن مفهوم العدد حجة، وجزم بنقله عنه
الشيخ أبو حامد، والماورديّ، وغيرهما، ولكن شرطه أن لا يخالفه المنطوق.
قال الحافظ: والذي يظهر مع كون مخرج الحديث عن أبي هريرة
مضرعنه ،
واختلاف الرواة عنه أن الحكم للزائد؛ لأن الجميع ثقات. انتهى (١).
[فائدة]: حَكَى وهب بن مُنَبِّه في ((المبتدأ)» أنه كان لسليمان ألف امرأة:
ثلاثمائة مُهَيرة، وسبعمائة سرية، ونحوه مما أخرج الحاكم في ((المستدرك)) من
طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب، قال: بلغنا أنه كان لسليمان ألف بيت
من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صريحة، وسبعمائة سرية. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الحكاية من الإسرائيليّات التي تحتاج إلى
(١) ((الفتح)) ٣٩٨/١٥ - ٣٩٩، كتاب ((كفّارات الأيمان)) رقم (٦٧١٨).
(٢) ((الفتح)) ٣٦/٨ - ٣٧، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٢٣).

٦٨٧
(٥) - بَابُ الإِسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٧)
التثبّت فيها، والذي ثبت عندنا في ((الصحيحين)) ما جاوز المائة، فالعمدة عليه،
فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) سليمان عِلَّا (لأَطُوفَنَّ عَلَيْهِنَّ اللَّيْلَةَ) وفي رواية: ((لأُطيفنّ)) قال
القرطبيّ تَخَّتُهُ: كلاهما صحيح في اللغة، يقال: أطفت بالشيء، أُطيف به، وأنا
مُطيف، وطُفْتُ على الشيء، وبه، أطوف، وأنا طائفٌ، كما قال تعالى: ﴿فَطَافَ
عَيْهَا طَلِّقٌ مِّن رَّيَّكَ﴾ [القلم: ١٩]، وأصله الدَّوَرَانُ حولَ الشيء، ومنه الطواف
بالبيت، وهو في هذا الحديث كناية عن الجماع، كما جاء عن نبيّنا وَل ◌َو: ((أنه
كان يطوف على نسائه، وهنّ تسع، في ساعة واحدة، من ليل، أو نهار))، متّفقٌ
عليه .
قال: وهذا الكلام قَسَمٌ، وإن لم يُذكر فيه مُقْسَم به؛ لأن لام (الأطوفنّ))
هي الداخلة على جواب القسم، فكثيراً ما تَحْذِف معها العربُ المُقْسَم به؛
اكتفاءً بدلالتها على المُقْسَم به، لكنها لا تدلّ على مُقْسَم به معيّن. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َظُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): اللام جواب القسم، كأنه قال مثلاً: والله لأطوفرّ،
ويرشد إليه ذكر الحنث في قوله: ((لم يحنث))؛ لأن ثبوته ونفيه يدلّ على سبق
اليمين، وقال بعضهم: اللام ابتدائية، والمراد بعدم الحنث وقوع ما أراد، وقد
مشى ابن المنذر على هذا في كتابه الكبير، فقال: ((باب استحباب الاستثناء في
غير اليمين لمن قال: سأفعل كذا))، وساق هذا الحديث، وجزم النوويّ بأن
الذي جرى منه ليس بيمين؛ لأنه ليس في الحديث تصريح بيمين، كذا قال،
وقد ثبت ذلك في بعض طرق الحديث، واختُلِف في الذي حَلَف عليه، هل هو
جميع ما ذُكِر، أو دورانه على النساء فقط دون ما بعده، من الحمل، والوضع،
وغيرهما؟ والثاني أوجه؛ لأنه الذي يقدر عليه، بخلاف ما بعده، فإنه ليس
إليه، وإنما هو مجرد تمني حصول ما يستلزم جلب الخير له، وإلا فلو كان
حلف على جميع ذلك لم يكن إلا بوحي، ولو كان بوحي لم يتخلف، ولو كان
بغير وحي لزم أنه حلف على غير مقدور له، وذلك لا يليق بجنابه.
(١) ((المفهم)) ٦٣٥/٤ - ٦٣٦.

٦٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
قال الحافظ: وما المانع من جواز ذلك، ويكون لشدّة وثوقه بحصول
مقصوده، وجزم بذلك، وأَكَّد بالحلف، فقد ثبت في الحديث الصحيح: ((إنّ
من عباد الله، من لو أقسم على الله لأبرّه))(١)، متّفقٌ عليه.
(فَتَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَتَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَاماً) قال القرطبيّ تَظُّ :
الغلام هو الصغير، لكن أراد هنا الشابّ المطيق للقتال.
(فَارِساً) قال الفيّوميّ تَخْتُ: الفَارِسُ: الراكب على الحافر، فرساً كان،
أو بغلاً، أو حماراً، قاله ابن السِّكِّيت، يقال: مرّ بنا فَارِسٌ على بغل، وفَارِسٌ
على حمار، وفي ((التهذيب)): فَارِسٌ على الدابة بَيِّنُ الفروسية، قال الشاعر [من
الطويل]:
وإني امْرُؤٌ لِلْخَيْلِ عِنْدِي مَزِيَّةٌ عَلَىَ فَارِسِ البِرْذَوْنِ أَو فَارِسِ الْبَغْل
وقال أبو زيد: لا أقول لصاحب البغل، والحمار: فَارِسٌ، ولكن أقول:
بَغّالٌ، وحَمّارٌ، وجمع الفَارِسِ: فُرْسَانٌ، وفَوَارِسُ، وهو شاذّ؛ لأن فواعل إنما
هو جمع فاعلة، مثل ضَارِبَةٍ، وضَوَارِبَ، وصَاحِبَة وصَوَاحِبَ، أو جمع فاعل
صفة لمؤنث، مثل حائِض وحَوَائِضَ، أو كان جمع ما لا يعقل، نحو جمل
بَازِلٍ وبَوَازِلَ، وحائط وحَوَائِطَ، وأما مذكرُ مَن يعقل، فقالوا: لم يأتِ فيه
فَوَإِعلُ، إلّا فَوَارِسُ، وَنَواكِسُ، جمع ناكس الرأس، وهوالك، ونواكص،
وسوابق، وخوالف، جمع خالف، وخالفة، وهو القاعد المتخلُّف، وقوم ناجعة
ونواجع، وعن ابن القطان: ويُجمع الصاحب على صواحب. انتهى كلام
الفيّويّ ◌َُّهُ(٢)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً.
وقد أشار ابن مالك تَظْلَتُ إلى ما ذُكر من القاعدة في ((الخلاصة)) حيث
قال :
وَفَاعِلَاءَ مَعَ نَحْوِ كَاهِلٍ
فَوَاعِلٌ لَفَوْعَلٍ وَفَاعَلٍ
وَشَذَّ فِي الْفَارِسِ مَعْ مَا مَاثَلَهْ
وَخَائِضٍ وَصَاهِلٍ وَفَاعِلَهْ
(يُقَائِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لإعلاء كلمة الله رَك، هذا قاله سليمان علَلُّ
(١) ((الفتح)) ٣٩٩/١٥ رقم (٦٧١٨).
(٢) ((المصباح المنير)) ٢ / ٤٦٧ - ٤٦٨.

٦٨٩
(٥) - بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٧)
على سبيل التمنّي للخير، وإنما جزم به؛ لأنه غلب عليه الرجاء؛ لكونه قصد به
الخير، وأمر الآخرة، لا لغرض الدنيا، قاله في ((الفتح)) (١).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: هذا الكلام من سليمان معظلّل ظاهره الجزم على
أن الله يفعل ذلك الذي أراد، لكن الذي حمله على ذلك صِدْقُ نيّته في حصول
الخير، وظهور الدِّين، وفعل الجهاد، وغلبة رجاء فضل الله تعالى في إسعافه
بذلك، ولا يَظُنُّ به أنه قطع بذلك على الله تعالى إلا مَن جَهِل حالة الأنبياء لَياُ
في معرفتهم بالله تعالى وبحدوده، وتأدبهم معه. انتهى (٢).
(فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَوَلَدَتْ نِصْفَ إِنْسَانٍ) وفي رواية هشام بن
حجير التالية: ((جاء بشقّ غلام))، وفي رواية ورقاء: ((فجاءت بشق رجل))، قال
في ((الفتح)): حكى النقّاش في ((تفسيره)) أن الشقّ المذكور هو الجسد الذي أُلقي
على كرسيّه، قال: وقد تقدّم قول غير واحد من المفسّرين: إن المراد بالجسد
المذكور شيطان، وهو المعتمد، والنقّاش صاحب مناكير. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قال فيه: هو المعتمد لا ينبغي أن
يُعتمد عليه؛ لأن قصّة الشيطان التي يحكونها فيها ما لا يخفى من تلاعب
الشيطان بنبيّ الله سليمان فعلا، وهضم منصب النبوّة، فالأقرب ما قاله
النقّاش، فتأمّل القصّة بالإمعان، والله تعالى المستعان.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَوْ كَانَ اسْتَثْنَى)؛ أي: لو قال سليمان عليّله: إن
شاء الله، كما نبّهه عليه صاحبه (لَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَاماً فَارِساً، يُقَاتِلُ فِي
سَبِيلِ اللهِ))) وفي رواية هشام بن حجير التالية: ((ولو قال: إن شاء الله لم
يحنث، وكان دَرَكاً له في حاجته))، وفي رواية ورقاء الآتية: ((وايم الذي نفس
محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فُرساناً أجمعون)).
قال في ((الفتح)): ولا يلزم من إخباره وَ ﴿ي بذلك في حقّ سليمانالعظلّلا في
هذه القصة أن يقع ذلك لكل من استثنى في أمنيته، بل في الاستثناء رَجاءُ
الوقوع، وفي ترك الاستثناء خشية عدم الوقوع، وبهذا يجاب عن قول موسى
(١) ((الفتح)) ٨/ ٣٧ - ٣٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٢٣).
(٣) ((الفتح)) ٣٩/٨.
(٢) ((المفهم)) ٤ /٦٣٥ - ٦٣٦.

٦٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
للخضر: ﴿سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] مع قول الخضر له آخراً:
﴿َذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]. انتهى (١).
وقال في موضع آخر: وقد قيل: هو خاص بسليمان علَّ، وأنه لو قال
في هذه الواقعة: إن شاء الله حصل مقصوده، وليس المراد أن كل من قالها
وقع ما أراد، ويؤيِّد ذلك أن موسى ظلَّلهُ قالها عندما وعد الخضر أنه يصبر عما
يراه منه، ولا يسأله عنه، ومع ذلك فلم يصبر، كما أشار إلى ذلك في الحديث
الصحيح: (رَحِمَ اللهُ موسى، لوددنا لو صبر حتى يَقُصَّ الله علينا من أمرهما))،
وقد قالها الذبيح علا فوقع ما ذُكِر في قوله:لعلّها: (سَنَجِدُنِ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ
الصَِّينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فصبر حتى فداه الله بالذبح، وقد سئل بعضهم عن
الفرق بين الكليم والذبيح في ذلك، فأشار إلى أن الذبيح بالغ في التواضع في
قوله: ﴿مِّنَ الصَّبِينَ﴾ حيث جَعَل نفسه واحداً من جماعة، فرزقه الله الصبر.
قال الحافظ تَخُّْ: وقد وقع لموسى ظلّ أيضاً نظير ذلك مع شعيب حيث
قال له: ﴿سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، فرزقه الله ذلك.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَُّله هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٧٧/٥ و ٤٢٧٨ و٤٢٧٩ و٤٢٨٠ و٤٢٨١
و٤٢٨٢] (١٦٥٤)، و(البخاريّ) في ((أحاديث الأنبياء)) (٢٤٢٤) وأخرجه تعليقاً
(٢٨١٩) و(النكاح)) (٥٢٤٢) و((كفّارة الأيمان)) (٦٦٣٩ و٦٧٢٠) و((التوحيد))
(٧٤٦٩)، و(الترمذيّ) في ((النذور والأيمان)) (١٥٣٢)، و(النسائيّ) في ((الأيمان
والنذور)) (٢٥/٧ - ٢٦) و((الكبرى)) (١٤١/٣ و٣٨٥)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (١٣٦/١)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤٩٤/٢)، و(أحمد) في
(١) ((الفتح)) ٣٩/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٢٣).
(٢) ((الفتح) ٤٠٠/١٥، كتاب ((كفّارت الأيمان)) رقم (٦٧١٨).

٦٩١
(٥) - بَابُ الإِسِْثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٧)
(مسنده)) (٢٢٩/٢ و٢٧٥ و٥٠٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٣٧
و٤٣٣٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٣٠/١١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٥٢/٤ - ٥٣)، و(ابن الأعرابيّ) في ((معجمه)) (٣٣٦/٤)، و(الطبرانيّ) في
((مسند الشاميين)) (٢٨٧/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٤/١٠) و((المعرفة))
(٣١٤/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن من حلف، فقال في حلفه: إن شاء الله فقد استثنى،
فله استثناؤه.
٢ - (ومنها): أنه إذا حلف رجل، ولم يستثن، فقال له آخرُ، مذكّراً:
قل: إن شاء الله، فقال ذلك، هل يكون ذلك استثناء صحيحاً، أم لا؟،
والظاهر نعم.
٣ - (ومنها): أن فيه فضل فعل الخير، وتعاطي أسبابه، وأن كثيراً من
المباح، والملاذّ يصير مستحبّاً بالنيّة والقصد.
٤ - (ومنها): استحباب الاستثناء لمن قال: سأفعل كذا، وأن إتباع
المشيئة اليمين يرفع حكمها، وهو متّفقٌ عليه بشرط الاتّصال.
٥ - (ومنها): أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ، ولا تكفي فيه النيّة، وهو
اتّفاقٌ، إلا ما حُكي عن بعض المالكيّة.
٦ - (ومنها): ما خُصّ به الأنبياء لها من القوّة على الجماع الدّالّ ذلك
على صحّة البِنْية، وقوّة الفُحُوليّة، وكمال الرجوليّة، مع ما هم فيه من الاشتغال
بالعبادة والعلوم، وقد وقع لنبيّنا وَ له من ذلك أبلغ المعجزة؛ لأنه مع اشتغاله
بعبادة ربّه، وعلومه، ومعالجة الخلق، كان متقلّلاً من المآكل، والمشارب
المقتضية لضعف البدن على كثرة الجماع، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه
في ليلة بغسل واحد، وهنّ إحدى عشرة امرأة، وقد تقدّم هذا في ((كتاب
الغسل)). ويقال: إن كلّ من كان أتقى لله، فشهوته أشدّ؛ لأن الذي لا يتّقي
يتفرّج بالنظر، ونحوه.
٧ - (ومنها): ما قاله بعض السلف: نبّه النبيّ وَّ﴿ في هذا الحديث على آفة
التمنّي، والإعراض عن التفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناء؛ ليمضي فيه القدر.

٦٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
٨ - (ومنها): جواز الإخبار عن الشيء، ووقوعه في المستقبل، بناءً على
غلبة الظنّ، فإن سليمان لعلّ* جزم بما قال، ولم يكن ذلك عن وحيٍ، وإلا
لوقع، كما قيل.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: لا يَظُنُّ بسليمان عليّا أنه قطع بذلك على ربّه، إلا
من جهِلَ حالَ الأنبياء، وأدبهم مع الله تعالى.
وقال ابن الجوزيّ كَُّ: [فإن قيل]: من أين لسليمان عَلَّا أن يُخلَق من
مائه هذا العدد في ليلة؟ لا جائز أن يكون بوحي؛ لأنه ما وقع، ولا جائز أن
يكون الأمر في ذلك إليه؛ لأن الإرادة لله.
[والجواب]: أنه من جنس التمنّي على الله، والسؤال له أن يفعل،
والقسم عليه، كقول أنس بن النضر بظلاله: ((والله لا تكسر سنّها)).
وَيَحْتَمِل أن يكون لَمّا أجاب الله دعوته أن يهب له ملكاً لا ينبغي لأحد
من بعده، كان هذا عنده من جملة ذلك، فجزم به، وأقرب الاحتمالات ما
ذكرته أوّلاً، وبالله التوفيق.
قال الحافظ تَخْذُ: ويَحْتَمِل أن يكون أُوحي إليه بذلك مقيّداً بشرط
الاستثناء، فنسي الاستثناء، فلم يقع ذلك؛ لفقدان الشرط، ومن ثَمّ ساغ له
أوّلاً أن يحلف، وأبعد من استدلّ به على جواز الحلف على غلبة الظنّ.
(١)
انتھی
٩ - (ومنها): جواز السهو على الأنبياء للّه﴾ وأن ذلك لا يقدَح في علوّ
منصبهم.
١٠ - (ومنها): جواز الإخبار عن الشيء أنه سيقع، ومُستَنَدُ المخبِرِ
الظنّ، مع وجود القرينة القويّة لذلك.
١١ - (ومنها): جواز إضمار المقسم به في اليمين؛ لقوله: ((لأطوفنّ))،
مع قوله ظلّ: ((لم يَحنث))، فدلّ على أن اسم الله فيه مقدّرٌ، فإن قال أحدٌ
بجواز ذلك، فالحديث حجة له، بناء على أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، إذا ورد
على لسان الشارع، وإن وقع الاتّفاق على عدم الجواز، فيحتاج إلى تأويله،
(١) ((الفتح)) ٤٠/٨، رقم (٣٤٢٣).

٦٩٣
(٥) - بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٧)
كأن يقال: لعلّ التلفّظ باسم الله وقع في الأصل، وإن لم يقع في الحكاية،
وذلك ليس بممتنع، فإن من قال: والله لأطوفنّ، يصدُقُ أنه قال: لأطوفرّ، فإن
اللافظ بالمركّب لافظٌ بالمفرد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال في ((الفتح))، أما قوله: ((فإن قال
أحدٌ بجواز ذلك ... إلخ)) فعجيب منه، فإنه ذكر في الفائدة التالية ما نصّه:
١٢ - (ومنها): أنه احتجّ به من قال: لا يُشترط التصريح بمقسم به معيّن،
فمن قال: أحلف، أو أشهد، ونحو ذلك، فهو يمين، وهو قول الحنفيّة، وقيّده
المالكيّة بالنيّة. وقال بعض الشافعيّة: ليست بيمين مطلقاً. انتهى.
فكيف يقول: ((إن قال أحد بجواز ذلك))، مع أنه نسبه إلى الحنفيّة
والمالكيّة في كلامه هذا؟، فتأمّل.
ونصّ القرطبيّ تَُّهُ في ((المفهم)): هذا الكلامُ قَسَمٌ، وإن لم يُذكر فيه
مُقْسَمٌ به؛ لأن لام (لأطوفنّ)) هي التي تدخل على جواب القسم، فكثيراً ما
تَحذف معها العرب المقسَم به اكتفاء بدلالتها على المقسم به، لكنها لا تدلّ
على مقسم به معيّن، وعلى هذا، ففيه من الفقه ما يدلّ على أن من قال:
أحلف، أو أشهد، أو ما أشبه ذلك، مما يُفيد القسم، ونوى بذلك الحلف بالله
تعالى، كانت يميناً جائزةً، منعقدةً، وهو مذهب مالك، وقد قال الشافعيّ: لا
تكون يميناً بالله تعالى؛ حتّى يتلفّظ بالمقسم به، وقال أبو حنيفة: هي يمين أراد
بها اليمين بالله تعالى، أم لا، وكأن الأَولى ما صار إليه مالك؛ لأن ذلك اللفظ
صالحٌ وضعاً للقسم بالله تعالى، فإذا أراده الحالف لزمه كسائر الألفاظ المقيّدة
بالمقاصد من العمومات، والمطلقات، وغير ذلك، وأما إذا لم يرد باللفظ
القسم، أو القسم بغير الله تعالى (١)، فلا يلزمه شيء؛ لأن الأول لا يكون
يميناً، والثاني غير جائز، ولا منعقِد، فلا يلزم به حكم على ما تقدّم. انتهى
كلام القرطبيّ كَُّ(٢).
(١) هكذا وقع في نسخة ((المفهم))، والظاهر أن صواب العبارة: ((أو أراد القسم بغير الله
تعالى))، بزيادة لفظة ((أراد))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٢) ((المفهم)) ٤ /٦٣٥.

٦٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وأما مسألة شرعُ من قبلنا شرعٌ لنا، فقد تقدّم في عدّة مواضع أنه
الصواب، وأنه مذهب المصنّف، والبخاريّ، والنسائيّ، وغيرهم، من أهل
الحديث، فإنهم يبوّبون في كتبهم بشيء، ثم يوردون دليلاً عليه مما ذكره
النبيّ ◌َّ للأنبياء السابقين، أو لأممهم، مثل ما فعل المصنّف هنا، وكذا
البخاريّ.
والحاصل أن شريعة من قبلنا شرعٌ لنا بشروط مذكورة في غير هذا
المحلّ، والله تعالى أعلم.
١٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ رَُّهُ: فيه دليلٌ على جواز ((لو))، و((لولا))
بعد وقوع المقدور، وقد وقع من ذلك مواضع كثيرةٌ في الكتاب والسُّنَّة، وكلام
السلف، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَ زَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]،
وكقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] وكقوله ◌َّى: ((لولا
حوّاءُ لم تخُن أنثى زوجها الدهر، ولولا بنو إسرائيل لم يخبُث الطعام، ولم
يخنَز اللحم))، متفقٌ عليه.
فأما قوله وَّه: ((لا يقولّ أحدكم: (لو))، فإن (لو)) تفتح عمل الشيطان))،
رواه مسلم، فمحمولٌ على من يقول ذلك مُعْتَمِداً على الأسباب، مُعرضاً عن
المقدور، أو متضجّراً منه، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين، حيث
&
قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُوْنَا مَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ثم ردّ الله قولهم، وبيّن لهم
عجزهم، فقال: ﴿قُلِّ فَأَدْرَءُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ﴾ [آل عمران:
١٦٨] ولذلك قال رَ﴿ في ذلك الحديث: ((المؤمن القويّ خيرٌ، وأحبّ إلى الله
من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله،
ولا تعجز، ولا تقل: لو كان كذا لكان كذا، فإن ((لو)) تفتح عمل الشيطان،
قل: ما شاء الله كان، وما شاء فعل))، فالواجب عند وقوع المقدور التسليم
لأمر الله، وترك الاعتراض على الله، والإعراض عن الالتفات إلى ما فات،
فيجوز النطق بـ(لو)) عند السلامة من تلك الآفات. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: فيه جواز قول ((لو))، و((لولا))، قال القاضي عياض:
(١) ((المفهم) ٦٣٨/٤ - ٦٣٩.

٦٩٥
(٥) - بَابُ الاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٧)
هذا يُسْتَدّل به على جواز قول (لو))، و((لولا))، قال: وقد جاء في القرآن كثيراً،
وفي كلام الصحابة، والسلف، وترجم البخاريّ على هذا ((بابُ ما يجوز من
اللو))، وأدخل فيه قول لوط لعلَّلهُ: ﴿لَوَّ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً﴾، وقول النبيّ وَّ: ((لو
كنت راجماً بغير بيّنة لرجمت هذه))، و(لو مُدّ لي الشهر لواصلت))، و((لولا
حِدْثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم))، و(لولا الهجرة لكنت
امرءاً من الأنصار))، وأمثال هذا، قال: والذي ينفهم من ترجمة البخاريّ، وما
ذكره في الباب من القرآن والآثار، أنه يجوز استعمال (لو))، و((لولا)) فيما يكون
للاستقبال، مما امتُنِعَ من فعله لامتناع غيره، وهو من باب الممتنَع من فعله؛
لوجود غيره، وهو من باب ((لولا))؛ لأنه لم يُدخِل في الباب سوى ما هو
للاستقبال، أو ما هو حقٌّ صحيحٌ متيقنٌ؛ كحديث: ((لولا الهجرة لكنت امرءاً
من الأنصار))، دون الماضي والمنقضي، أو ما فيه اعتراض على الغيب،
والقدر السابق.
وقد ثبت في الحديث الآخر في ((صحيح مسلم)) قوله وَعليه: ((وإن أصابك
شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قَدَّرَ اللهُ، وما شاء
فَعَلَ))، قال القاضي: قال بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع
بالغيب أنه لو كان كذا لكان كذا، من غير ذكر مشيئة الله تعالى، والنظر إلى
سابق قدره، وخَفِيَ علمُهُ علينا، فأما من قاله على التسليم، وردِّ الأمر إلى
المشيئة، فلا كراهة فيه.
قال القاضي: وأشار بعضهم إلى أن (لولا)) بخلاف ((لو))، قال القاضي:
والذي عندي أنهما سواء، إذا استُعملتا فيما لم يُحِط به الإنسان علماً، ولا هو
داخل تحت مقدور قائلهما، مما هو تحكّم على الغيب، واعتراض على القدر،
كما نبّه عليه في الحديث، ومثلُ قول المنافقين: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ﴾،
كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، و﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا
قُتِلْنَا هَاهُنًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فرَدَّ الله تعالى عليهم باطلهم، فقال: ﴿فَأَدْرَءُواْ عَنْ
أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَدِّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، فمثل هذا هو الْمَنْهِيّ عنه،
وأما هذا الحديث الذي نحن فيه، فإنما أخبر النبيّ وَّر فيه عن يقين نفسه، أن
سليمان لئلا لو قال: إن شاء الله لجاهدوا؛ إذ ليس هذا مما يُدْرَك بالظنّ

٦٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
والاجتهاد، وإنما أخبر عن حقيقةٍ أعلمَهُ الله تعالى بها، وهو نحو قوله وله:
((لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها))، فلا
معارضة بين هذا، وبين حديث النهي عن ((لو))، وقد قال الله تعالى: ﴿قُل لَّوْ
كُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَلَوْ
رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وكذلك ما جاء من (لولا))، كقوله تعالى:
﴿لَوْلَا كِنَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨]، ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً
أَجَعَلْنَا﴾ [الزخرف: ٣٣]، و﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (٣) لَبِثَ فِى بَطْنِهِ﴾ [الصافات:
١٤٣ - ١٤٤]؛ لأن الله تعالى مخبر في كل ذلك عما مضى، أو يأتي عن علم خبراً
قطعيّاً، وكل ما يكون من (لو))، و((لولا)) مما يخبر به الإنسان عن علة امتناعه من
فعله، مما يكون فعله في قدرته، فلا كراهة فيه؛ لأنه إخبار حقيقة عن امتناع شيء؛
لسبب شيء، وحصول شيء؛ لامتناع شيء.
وتأتي (لو)) غالباً لبيان السبب الموجب، أو النافي، فلا كراهة في كل ما
كان من هذا، إلا أن يكون كاذباً في ذلك، كقول المنافقين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا
لَاتَّبَعْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، والله أعلم. انتهى (١).
١٤ - (ومنها): جواز استعمال الكناية في اللفظ الذي يُستقبح ذكره؛
لقوله علَّلهُ: ((لأطوفرّ))، بدل قوله: لأُجامعنّ(٢).
١٥ - (ومنها): أنه استَدَلّ بهذا الحديث من قال: إن الاستثناء إذا عَقَبَ
اليمينَ، ولو تخلّل بينهما شيء يسير لا يضرّ، فإن الحديث دلّ على أن
سليمان علّ* لو قال: إن شاء الله عقب قول صاحبه له: قل: إن شاء الله
لأفاد، مع التخلّل بين كلاميه بمقدار قول الصاحب.
وأجاب القرطبيّ باحتمال أن يكون الملك قال ذلك في أثناء كلام
سليمان الَّله، قال الحافظ: وهو احتمال ممكن يسقط به الاستدلال المذكور.
(٣)
انتھی(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما دلّ عليه ظاهر الحديث كافٍ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢١/١١ - ١٢٣.
(٣) ((الفتح)) ٤٠/٨ رقم (٣٤٢٣).
(٢) ((الفتح)) ٤١/٨ رقم (٣٤٢٣).

٦٩٧
(٥) - بَابُ الإِسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٧)
للتمسّك به، فإنه يدلّ على أن الملك ذكّر سليمان ظلَّله، بعد سماعه كلامه،
وتأكّده من عدم استثنائه، فاحتمال أنه ذكّره في أثناء كلامه بعيدٌ جدّاً؛ لأنه لا
يَدْري هل يستثني بعد كلامه، أم لا؟، فلما تحقّق لديه أنه ما استثنى مع حاجته
إلى الاستثناء ذكّره.
والحاصل أن الاحتمال الذي ذكره القرطبيّ بعيدٌ، فلا يسقط الاستدلال
المذكور، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستثناء في اليمين:
قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْذَلُهُ: في هذا الحديث دليل على أن اليمين إذا
قُرن بها ((إن شاء الله)) لفظاً منويّاً، لم يلزم الوفاء بها، ولا يقع الحنث فيها،
ولا خلاف في ذلك، واختلفوا فيما إذا وقع الاستثناء منفصلاً عن اليمين،
فالجمهور على أنه لا ينفع الاستثناء حتى يكون متّصلاً به، منويّاً معه، أو مع
آخر حرف من حروفه، وإليه ذهب مالكٌ، والشافعيّ، والأوزاعيّ، والجمهور،
وقد اتّفق مالكٌ، والشافعيّ على أن السُّعال، والعطاس، وما أشبه ذلك لا
يكون قاطعاً إذا كان ناوياً له، وقال بعض المالكيّة: لا ينفع الاستثناء إلا أن
ينويه قبل نطقه بجميع حروف اليمين، وعند هؤلاء أن السكوت المختار الذي
يقطع به كلامه، أو يأخذ في غيره لا ينفع معه الاستثناء.
وكان الحسن، وطاوس، وجماعة من التابعين يرون للحالف الاستثناء ما
لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم، أو يتكلّم. وعن عطاء: قدر حَلْبة
ناقة. وعن سعيد بن جُبير: بعد أربعة أشهر. وروي عن ابن عبّاس: بعد سنة.
وقد أُنكرت هذه الرواية عنه، وضُعّفت، وتأوّلها بعضهم بأن له أن يستثني
امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلَّ أَن يَشَآءَ
اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤] لا لحلّ اليمين.
وإلى هذه الاختلافات أشار السيوطي تَخُّْ في ((الكوكب الساطع)) في
«مبحث التخصیص))، حيث قال:
يُفِيدُهُ مِنْ وَاحِدٍ تَكَلَّمَا
فَمِنْهَا الاسْتِثْنَاءُ الاخْرَاجُ بِمَا
عُرْفاً وَلِلْفَصْلِ ابْنُ عَبَّاسِ ذَهَبْ
وَقِيلَ مُظْلَقاً وَوَضْلُهُ وَجَبْ
وَسَنَتَيْنِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَرَدْ
قِيلَ لِشَهْرٍ وَلِعَامِ وَالأَبَدْ

٦٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وَعَنْ عَطَا وَحَسَنٍ فِي الْمَجْلِسِ
وَابْنُ جُبَيْرٍ ثُلْثَ عَامٍ يَأْتَسِي
وَقِيلَ إِنْ يَقْصِدْهُ فِي الْكَلَامِ
وَقِيلَ قَبْلَ الأَخْذِ فِي كَلَامِ
وَالْقَصْدَ مَنْ رَأَى اتِّصَالَهُ شَرَظَ
وَقِيلَ فِي كَلَامِهِ جَلَّ فَقَظَ
قال القرطبيّ: والصحيح الأول، إن شاء الله؛ لأنه لو لم يُشتَرط الاتصال
لَمَا انعقد يمين، ولا تُصُوّر عليها ندم، ولا حِنْث، ولا احتيج للكفّارة فيها،
وكلّ ذلك حاصل بالاتّفاق، فاشتراط الاتصال صحيح.
وقد احتجّ من قال بفصل الاستثناء بقصّة سليمان عليّ المذكور في
الباب، فإن سليمان عَلَّهُ لَمّا حلف، قال له صاحبه: قل: إن شاء الله، ووجه
الاستدلال به أنه إنما عرض عليه الاستثناء بعد فراغه من اليمين، فلو قالها بعد
فراغ قول صاحبه لكان قولها غير متّصل باليمين، ومع ذلك فلو قالها لكانت
تنفع، ولم يَحنَث، كما قال وَّه: ((لو قال: إن شاء الله لم يحنث)).
وأجاب المشترطون للاتّصال بمنع أنه قاله بعد فراغه من اليمين، بل لعلّه
قال ذلك في أضعاف يمينه؛ لأن يمينه كثرت كلماتها، فطالت، وليس ذلك
الاحتمال بأولى من هذا، فلا حجة فيه، لا له، ولا عليه.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت بما أسلفته لك من تعقّب كلام
القرطبيّ هذا، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق.
قال: واحتجّوا أيضاً بما رواه أبو داود عن عكرمة مولى ابن عبّاس: أن
رسول الله وَّله قال: ((والله لأغزونّ قريشاً، والله لأغزونّ قريشاً، والله لأغزونّ
قريشاً))، ثم قال: ((إن شاء الله))، وفي رواية: ثم سكت، ثم قال: ((إن
شاء الله)).
قال أبو داود: زاد الوليد بن مسلم، عن شريك: ((ثم لم يغزهم)).
لكن الحديث مرسل، وقد أُسند من حديث عبد الواحد بن صفوان،
وليس حديثه بشيء، على ما قاله أهل الحديث، والمرسل هو الصحيح.
قال القرطبيّ: وهذا الحديث حجة ظاهرةٌ على جواز الفصل بالسكوت
اليسير، وأن ذلك القدر ليس بقاطع؛ لأن الحال شاهدة على الاتصال، لكن
عند من يقبل المرسل، ويحتمل أن يكون ذلك السكوت عن غلبة نَفَسٍ خارجٍ،
أو أمر طارىء، وفيه بُعْدٌ.

٦٩٩
(٥) - بَابُ الإِسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٢٧٧)
قال القرطبيّ: ثم اختلف العلماء في الاستثناء بمشيئة الله تعالى، هل
يرفع حكم الطلاق، والْعَتَاق، والمشي لمكة، وغيرها من الأيمان بغير الله
تعالى، أم لا؟ فذهب مالكٌ، والأوزاعيّ إلى أن ذلك لا يرفع شيئاً من ذلك،
وذهب الكوفيّون، والشافعيّ، وأبو ثور، وبعض السلف إلى أنه یرفع ذلك کله،
وقَصَر الحسن الرفع على العتق، والطلاق خاصّة.
وسبب الخلاف اختلافهم في معنى قوله بَّ في حديث: ((من حلف على
يمين، فاستثنى، فإن شاء مضى، وإن شاء ترك))، وهو حديث صحيح(١)،
فحمل مالكٌ، ومن قال بقوله الحديث على اليمين الجائزة، وهي اليمين
بأسماء الله وصفاته، بناءً على أنه هو المقصود الأصليّ، واليمين العرفيّ،
وحمله المخالف على العموم في كلّ ما يمكن أن يقال عليه يمين.
قال القرطبيّ: والصحيح الأول؛ لِمَا قدّمناه من أن هذا النوع الذي قد
أطلق عليه الفقهاء يميناً، لا يُسمّى يميناً، لا لغةً، ولا شرعاً؛ إذ ليس من
ألفاظها اللغويّة، ولا من معانيها الشرعيّة، كما بيّنّاه. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّ،
والله تعالى أعلم ..
وقال في ((الفتح)): واتفق العلماء، كما حكاه ابن المنذر على أن شرط
الحكم بالاستثناء أن يتلفّظ المستثنى به، وأنه لا يكفي القصد إليه بغير لفظ،
وذكر عياضٌ أن بعض المتأخرين منهم خرّج من قول مالك: إن اليمين تنعقد
بالنيّة أن الاستثناء يجزىء بالنيّة، لكن نقل في ((التهذيب)) أن مالكاً نصّ على
اشتراط التلفّظ باليمين، وأجاب الباجيّ بالفرق بأن اليمين عقدٌ، والاستثناء
حَلّ، والعقد أبلغ من الحلّ، فلا يلتحق باليمين.
قال ابن المنذر: واختلفوا في وقته، فالأكثر على أنه يشترط أن يتّصل
بالحلف، قال مالك: إذا سكت، أو قطع كلامه فلا ثُنيا. وقال الشافعيّ:
يُشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول، ووصْلُه أن يكون نَسَقاً، فإن كان بينهما
سكوت انقطع، إلا إن كانت سكتة تذكّر، أو تنفّس، أو عِيّ، أو انقطاع
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن عن ابن عمر ﴿يا مرفوعاً بإسناد
صحیح .

٧٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
صوت، وكذا يقطعه الأخذ في كلام آخر. ولخّصه ابن الحاجب، فقال: شرطه
الاتّصال لفظاً، أو فيما في حكمه، كقطعه لتنفّس، أو سُعال، ونحوه، مما لا
يمنع الاتصال عرفاً، واختُلف: هل يقطعه ما يقطع القبول عن الإيجاب؟ على
وجهين للشافعيّة، أصحّهما أنه ينقطع بالكلام اليسير الأجنبيّ، وإن لم ينقطع به
الإيجاب والقبول، وفي وجه لو تخلّل ((أستغفر الله)) لم ينقطع، وتوقّف فيه
النوويّ، ونصّ الشافعيّ يؤيّده، حيث قال: تذكر فإنه من صور الذِّكر عرفاً،
ويلتحق به لا إله إلا الله، ونحوها. وعن طاوس، والحسن: له أن يستثني ما
دام في المجلس. وعن أحمد نحوه، وقال: ما دام في ذلك الأمر. وعن
إسحاق مثله، وقال: إلا أن يقع سكوت. وعن قتادة: إذا استثنى قبل أن يقوم،
أو يتكلّم. وعن عطاء: قدر حلب ناقة. وعن سعيد بن جبير: إلى أربعة أشهر.
وعن مجاهد: بعد سنتين. وعن ابن عبّاس أقوال: منها: ولو بعد حين. وعنه
كقول سعيد. وعنه: شهر. وعنه: سنة. وعنه: أبداً. قال أبو عُبيد: وهذا لا
يؤخذ على ظاهره؛ لأنه يلزم منه أن لا يحنث أحدٌ في يمينه، وأن لا تتصوّر
الكفّارة التي أوجبها الله تعالى على الحالف، قال: ولكن وجه الخبر سقوط
الإثم عن الحالف لتركه الاستثناء؛ لأنه مأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ
لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾، فقال ابن عبّاس: إذا نسي
أن يقول: إن شاء الله يستدركه، ولم يُرد أن الحالف إذا قال ذلك بعد أن
انقضى كلامه أن ما عقده باليمين ينحلّ.
وحاصله حمل الاستثناء المنقول عنه على لفظ إن شاء الله فقط، وحمل
إن شاء الله على التبرّك، وعلى ذلك حمل الحديث المرفوع الذي أخرجه أبو
داود وغيره، موصولاً، ومرسلاً أن النبيّ وَّرِ قال: ((لأغزونّ قريشاً))، ثلاثاً، ثم
سكت، ثم قال: ((إن شاء الله))، أو على السكوت لتنفّس، أو نحوه. وكذا ما
أخرجه ابن إسحاق في سؤال من سأل النبيّ وَلّر عن قصّة أصحاب الكهف:
((غداً أجيبكم))، فتأخّر الوحي، فنزلت: ﴿وَلَ نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ
غَدًا ﴿ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾، فقال: إن شاء الله، مع أن هذا لم يرد هكذا من
وجه ثابت.
ومن الأدلة على اشتراط اتصال الاستثناء بالكلام قوله وقلقه: ((من حلف