Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(٤) - بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (٤٢٤٢)
البيت، وشكا إليه ضعفها)) (فَأَمَرَتْنِ أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ وَلِّ)؛ أي: أسأل
لها الفتوى، يقال: أفتى العالم: إذا بيّن الحكم، واستفتيه: إذا سألته أن يُبيّن
الحكم، والْفَتْوى اسم منه، وهو بفتح الفاء، وبالواو، ويقال: الْفُتيا، بالياء مع
ضمّ الفاء، وجمع الفتوى: الفَتَاوِي بكسر الواو على الأصل، ويجوز الْفَتَاوَى
بالفتح؛ للتخفيف، أفاده الفيّوميّ ◌َذْهُ(١).
(فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ) بِّرِ ((لِتَمْشِ) بكسر اللام، وهي لام الأمر، ولذا ◌ُزم
الفعل بعدها، ووقع في النسخة الهنديّة: (لتمشي)) بثبوت الياء، ويُخرّج على لغة
من يحذف الحركة المقدّرة على حروف العلّة في الفعل المعتلّ، كما في قول
الشاعر [من الطويل]:
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيّةٌ كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيراً يَمَانِيَا
وخَرَّج بعضهم عليه قراءة قُنبل: ((إنه من يتقي ويصبر)) [يوسف: ٩٠] بإثبات
الياء في ﴿يَنَّقِى﴾، وجزم (يصبر))(٢) .
وقوله: (وَلْتَرْكَبْ) بكسر اللام، ويجوز تسكينها؛ تخفيفاً؛ تشبيهاً لها
بـ(كتف))، والتسكين بعد الواو، والفاء أكثر، وتحريكها بعد (ثُمَّ)) أجود، وبنو
سُليم يفتحونها كلام الابتداء (٣).
قال النوويّ رظُه: معناه: تمشي في وقت قدرتها على المشي، وتركب
إذا عجزت عن المشي، أو لحقتها مشقّة ظاهرةٌ، فتركب، وعليها دم، قال:
وهذا الذي ذكرناه من وجوب الدم في الصورتين هو راجح القولين للشافعيّ،
وبه قال جماعة، والقول الثاني لا دم عليه، بل يستحب الدم، وأما المشي
حافياً فلا يلزمه الحفاء، بل له لبس النعلين. انتهى (٤).
وفيه دليلٌ على صحة نذر المشي، وإلا لَمَا لزمها ◌ُّ ذلك وقت القدرة.
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦٢.
(٢) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة)) في ((باب عوامل
الجزم)» ١٨٤/٢.
(٣) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة)) ٦٧/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٠٢/١١ - ١٠٣.

٥٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
وفي رواية عبد الله بن مالك، عن عقبة، عند أحمد، وأصحاب السنن:
((مُرْها، فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام))، قال في ((الفتح)): ورَوَى مسلم
عقب هذا الحديث حديث عبد الرحمن بن شِمَاسة وهو بكسر المعجمة،
وتخفيف الميم، بعدها مهملة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر رفعه: ((كفارة
النذر كفارة اليمين))، ولعله مختصر من هذا الحديث، فإن الأمر بصيام ثلاثة
أيام هو أحد أوجه كفارة اليمين، لكن وقع في رواية عكرمة المذكورة: ((قال:
فلتركب، ولْتُهْد بدنة))(١).
وقال في موضع آخر: وإنما أمر الناذر في حديث أنس ظه أن يركب
جزماً، وأمر أخت عقبة أن تمشي، وأن تركب؛ لأن الناذر في حديث أنس كان
شيخاً ظاهر العجز، وأُخت عقبة لم توصف بالعجز، فكأنه أمرها أن تمشي إن
قدرت، وتركب إن عجزت، وبهذا ترجم البيهقيّ للحديث، وأورده في بعض
طرقه من رواية عكرمة، عن ابن عبّاس: أن أخت عقبة نذرت أن تحُجّ ماشيةً،
فقال: ((إن الله غنيّ عن مشي أختك، فلتركب، ولتُهد بدنة)). وأورده من طريق
أخرى بلفظ: ((ولتُهد هدياً))، وَوَهِمَ من نسب إليه أنه أخرج هذا الحديث بلفظ:
((ولتهد بدنة)). وأورده من طريق أخرى عن عكرمة بغير ذكر الهدي. وأخرجه
الحاكم من حديث ابن عبّاس بلفظ: جاء رجلٌ، فقال: إن أختي حلفت أن
تمشي إلى البيت، وإنه يشقّ عليها المشي، فقال: ((مُرْها، فلتركب إذا لم تستطع
أن تمشي، فما أغنى الله أن يشقّ على أختك)). ومن طريق كريب، عن ابن
عبّاس: جاء رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحُجّ ماشيةً،
فقال: ((إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، لتحُجّ راكبةً، ثم لتكفّر يمينها)).
وأخرجه أصحاب السنن من طريق عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر ظ ته،
قال: نذرت أختي أن تحُجّ ماشيةً، غير مختمرة، فذكرتُ ذلك لرسول الله وَّه،
فقال: ((مُر أختك، فلتختمر، ولتركب، ولتصُم ثلاثة أيام)).
ونقل الترمذيّ، عن البخاريّ أنه لا يصحّ فيه الهدي.
وقد أخرج الطبرانيّ من طريق أبي تَميم الجَيْشانيّ، عن عقبة بن عامر ضريبه
(١) ((الفتح)) ١٧٣/٥.

٥٦٣
(٤) - بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (٤٢٤٢)
في هذه القصّة: نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةً، حاسرةً، وفيه: ((لتركب،
ولتلبس، ولتصم)). وللطحاويّ من طريق أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، عن عقبة
نحوه. وأخرج البيهقيّ بسند ضعيف، عن أبي هريرة ظُله: بينما رسول الله وَاله
يسير في جوف الليل؛ إذ بصر بخيال، نفرت منه الإبل، فإذا امرأة عريانة،
نافضةٌ شعرها، فقالت: نذرتُ أن أحجّ ماشيةً عريانةً، نافضة شعري، فقال:
((مرها، فلتلبس ثيابها، ولتُهرق دماً)). وأورد من طريق الحسن، عن عمران،
رفعه: ((إذا نذر أحدكم أن يحجّ ماشياً، فليُهد هدياً، وليركب))، وفي سنده
انقطاع. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر الْجُهَنيّ ◌َلُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤ /٤٢٤٢ و٤٢٤٣ و ٤٢٤٤] (١٦٤٤)،
و(البخاريّ) في ((جزاء الصيد)) (١٨٦٦)، و(أبو داود) في ((الأيمان والنذور))
(٣٢٩٩)، و(الترمذيّ) في ((النذور والأيمان)) (١٥٤٤)، و(النسائيّ) في ((الأيمان
والنذور)) (١٩/٧ و٢٠) و((الكبرى)) (١٣٦/٣)، و(ابن ماجه) في ((سننه))
(٢١٣٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٥١/٨)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٩٢/٣ و٢١٥)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٤٣/٣ و١٤٥ و١٤٧ و١٤٩
و١٥١ و١٥٢/٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٣٩/٢)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٣٠٤٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٧٣/١٧)، و(الرويانيّ) في
((مسنده)) (١٩١/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٨٢/٢ و١٥/٤ - ١٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٨/١٠)، و((الصغرى)) (٥٣٥/٨)، و((المعرفة)) (٧/
٣٤٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم من نذر المشي إلى الكعبة، وذلك أنه يلزمه
(١) ((الفتح)) ٣٦٩/١٥ - ٣٧٠، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم (٦٧٠١).

٥٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
المشي، إن قدر، وإلا ركب، وكفّر، كما تدلّ عليه رواية: ((ولتُهد))، وأما رواية
((ولتصُم ثلاثة أيام))، فإنها ضعيفة، والصحيح أنه أمرها بالهدي.
٢ - (ومنها): جواز النذر من المرأة، كما يجوز من الرجل.
٣ - (ومنها): عدم انعقاد النذر في المعصية، فإنها لَمّا نذرت أن تحجّ
حاسرة شعرها، أمرها النبيَّ * بالاختمار؛ لأن تكشّف المرأة معصية.
٤ - (ومنها): جواز النذر بالحجّ والعمرة، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٤٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْج، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ بَزِيدَ بْنَّ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ
حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي، فَذَكَّرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مُفَضَّلٍ،
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: ((حَافِيَةً))، وَزَادَ: وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريباً.
٤ - (سَعِيدُ بْنُّ أَبِي أَيُّوبَ) الخُزاعيّ، أبو يحيى المصريّ، واسم أبيه
مِقْلاص، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت١٦١) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مُفَضَّلٍ) فاعل (ذَكَرَ)) ضمير سعيد بن أبي
أيوب.
وقوله: (وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ) قال في ((الفتح)): هو قول يزيد بن
أبي حبيب الراوي عن أبي الخير، والمراد بذلك بيان سماع أبي الخير له من
عقبة. انتهى(١).
(١) ((الفتح)) ١٧٣/٥، كتاب ((جزاء الصيد)) رقم (١٨٦٥).

٥٦٥
(٤) - بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (٤٢٤٤)
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي أيوب عن يزيد بن أبي حبيب هذه ساقها
البخاريّ(١) في ((صحيحه))، فقال:
(١٧٦٧) - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بن مُوسَى، أخبرنا هِشَامُ بن يُوسُفَ، أَنَّ ابن
جُرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ، قال: أخبرني سَعِيدُ بن أبي أَيُّوبَ، أَنَّ يَزِيدَ بن أبي حَبِيبٍ
أخبرهَ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حدّثه، عن عُقْبَةَ بن عَامِرٍ قال: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلى
بَيْتِ اللهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لها النبيّ ◌ََِّ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فقالَ عَلَّهُ: (لِتَمْشِ،
وَلْتَرْكَبْ))، قال: وكان أبو الْخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٤٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، قَالَا: حَدَّثْنَا
رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَّى بْنُ أَيُّوبَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي
حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ
فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت٥َ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤.
٢ - (ابْنُ أَبِي خَلَفٍ) محمد بن أحمد بن أبي خَلَف السلميّ، أبو عبد الله
البغداديّ القَطِيعِيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٧) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٢.
(١) وأما من رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج، فأخرجها الطبرانيّ في ((المعجم الكبير))
٢٧٣/١٧ فقال :
(٧٥٠) - حدّثنا إِسْحَاقُ بن إبراهيم الدَّبَرِيُّ، عن عبد الرَّزَّاقِ، عَنِ ابن جُرَيْجِ، أنا
سَعِيدُ بن أبي أَيُّوبَ، أَنَّ يَزِيدَ بن أبي حَبِيبٍ أخبره، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حدثه عن عُقْبَةَ بن
عَامِرٍ، قال: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلى بَيْتِ الله، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لها،
فَاسْتَفْتَيْتُ لها النبيّ وَ ﴿، فقال: ((لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ))، وكان أبو الْخَيْرِ لا يُفَارِقُ
عُقْبَةَ. انتهى.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٦٦٠/٢.

٥٦٦
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
٣ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان الْقَيسيّ، أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٧ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٩٠/ ٤٧٦.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية روح بن عبادة، عن ابن جُريج هذه ساقها البيهقيّ في
((الصغرى))، فقال:
(٤١٢٨) - وأخبرنا أبو نصر محمد بن إسماعيل البزار بالطابران، ثنا
عبد الله بن أحمد بن منصور الطوسيّ، ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قالا :
أنا رَوْح بن عُبادة، أنا ابن جريج، أخبرني يحيى بن أيوب، أن يزيد بن أبي
حبيب أخبره، أن أبا الخير أخبره، عن عقبة بن عامر أنه قال: نذرت أختي أن
تمشي إلى بيت الله، فأمرتني أن أستفتي لها النبيّ وَّ، فاستفيت النبيّ وَّ،
فقال: ((لتمش، ولتركب))، قال: وكان أبو الخير لا يفارق عقبة. انتهى (١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٥) - (بَابٌ فِي كَفَّارَةِ النَّذْرِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٤٥] (١٦٤٥) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ
عَبْدِ الأَعْلَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ يُونُسُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
شمَاسَةَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ لِ قَالَ: ((كَفَّارَةُ
النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
(١) ((السنن الصغرى)) للبيهقي (نسخة الأعظمي) ٥٣٥/٨.

٥٦٧
(٥) - بَابٌ فِي كَفَّارَةِ النَّذْرِ - حديث رقم (٤٢٤٥)
٢ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) بن ميسرة الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ،
من صغار [١٠] (ت٢٦٤) وله (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٣/٧٥.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ،
صدوق تُكُلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ
م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قبل بابين.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) المصريّ، تقدّم قريباً.
٦ - (كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ) بن كعب المصريّ التَّنُوخيّ، أبو عبد الحميد،
صدوقٌ [٥] (ت١٢٧) أو بعدها (بخ م د س ق) تقدم في ((الصلاة)) ٧/ ٨٥٥.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَمَاسَةَ(١)) الْمَهْريّ(٢) المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت
١٠١) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالمصريين من أوله إلى آخره، وفيه ثلاثة من التابعين روى
بعضهم عن بعض: كعب، عن ابن شماسة، عن أبي الخير، وفيه قوله: قال
يونس: أخبرنا ... إلخ، وفائدته بيان اختلاف شيوخه في كيفيّة التحمّل
والأداء، فيونس أخذه عن ابن وهب بقراءة غيره عليه، ولذا قال: ((أخبرنا))،
وأما هارون، وأحمد فسمعاه من لفظه، ولذا قالا: ((حدّثنا))، فقوله: ((ابنُ
وهب)) مرفوع على الفاعليّة تنازعه كلّ من ((أخبرنا))، و((حدّثنا))، كما قال في
((الخلاصة»:
قَبْلُ فَلِلْوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمِ عَمَلْ
وَاخْتَارَ عَكْساً غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَةْ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ
(١) بكسر الشين المعجمة، وضمها، وتخفيف الميم، بعدها مهملة، هكذا ضبطه
بعضهم بكسر الشين، وضمّها، وفي ((القاموس)): وشُماسة، كثُمامة، ويُفتح: اسم.
انتهى، فعلى هذا فيكون مثلّث الشين، والله تعالى أعلم.
(٢) بفتح الميم، وسكون الهاء.

٥٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
شرح الحديث:
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) رَبُهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةٌ
الْيَمِينِ))) قال النوويّ كَلَّقُ: اختَلَف العلماء في المراد به، فحمله جمهور
أصحابنا على نَذْر اللَّجَاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد
مثلاً: إن كلمت زيداً مثلاً فللَّه عليّ حجةٌ، أو غيرها، فيكلمه، فهو بالخيار بين
كفارة يمين، وبين ما التزمه، هذا هو الصحيح في مذهبنا، وحمله مالك،
وكثيرون، أو الأكثرون على النذر المطلق، كقوله: عليَّ نَذْرٌ، وحمله أحمد،
وبعض أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر، وحمله جماعة
من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مُخَيَّر في
جميع النذورات بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة يمين، والله أعلم. انتهى (١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((كفارة النَّذر كفارة اليمين))؛ يعني به: النذر
الذي لم يسمَّ مخرجه بدلیلین:
[أحدهما]: أن هذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث ابن عبّاس ◌َ﴾
مرفوعاً: ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين))، فقيّد في هذا الحديث ما
أطلقه في حديث عقبة.
[وثانيهما]: أنَّه ◌َلهو أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم الذي نذره، وقال: ((من
نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعص الله فلا يعصه))، ولا يتميّزُ آحاد
النوعين إلا بالتعيين والتسمية، والمفهوم من الأمر بالوفاء بالنذر: أن يفعل عين
ما التزمه، وأما ما لم يُعيّن لفظاً ولا نية: فالأصل عدم لزومه، وما ذكرناه هو
مذهب مالك، وأصحابه، وكثير من أهل العلم، وقد ذهبت طائفة من فقهاء
المحدثين وأبو ثور: إلى أن كفارة اليمين تجري في جميع أبواب النذر تمسُّكاً
بإطلاق الحديث الأول، والحجَّة عليهم ما ذكرناه. انتهى كلام القرطبيّ دَّثُهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه جماعة فقهاء أصحاب
الحديث من حمله على جميع أنواع النذور هو الأرجح؛ لأن حمله على بعض
تلك الأنواع التي حملوها عليه يحتاج إلى دليل.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/١١.
(٢) (المفهم)) ٤/ ٦٢٠ - ٦٢١.

٥٦٩
(٥) - بَابٌ فِي كَفَّارَةِ الَّذْرِ - حديث رقم (٤٢٤٥)
وأما ترجيح القرطبيّ حمْله على النذر الذي لم يُسمّ بدليلين، ففيه نظر؛
لأن الدليل الأول وهو ((من نذر نذراً لم يسمّه ... إلخ)) فزيادة (لم يسمّه))
ضعيفة، كما قدّمنا بيانه؛ لأن في سندها عبيد الله بن زحر، وهو ضعيف عند
الأكثرين، وأما قصّة أبي إسرائيل فليس فيها ما ينافي حديث الباب؛ لأن
حديث الباب فيه زيادة عليه، والزيادة من الثقة مقبولة، ومما يؤيّد هذا أن كثيراً
من القائلين بهذا يقولون بوجوب الكفارة في نذر المعصية، وليس في قصّة أبي
إسرائيل ذكر الكفّارة في نذر المعصية، بل زائد من حديث آخر، فكذلك ما
هنا، فتأمله.
وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى في المسألة الرابعة من المسائل
المذكورة في شرح حديث عمران بن حُصين ﴿ّ الطويل الذي تقدّم قبل باب،
والله تعالى أعلم بالصواب.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر ظه هذا من أفراد
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٤٥/٥] (١٦٤٥)، و(أبو داود) في ((الأيمان
والنذور)) (٢١٤/٣)، و(الترمذيّ) في ((النذور والأيمان)) (١٥٢٨)، و(النسائيّ)
في ((الأيمان والنذور)) (٢٦/٧) و((الكبرى)) (١٤٢/٣)، و(ابن ماجه) في ((سننه))
(٢١٢٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٤/٤ و١٤٦ و١٤٧)، و(الرويانيّ) في
(مسنده)) (١٥٨/١ و١٩١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥/٤)، و(الطبرانيّ)
في ((الكبير)) (٢٧٢/١٧ و٢٧٣ و٣١٣)، و(البيهقيّ) في ((المعرفة)) (٣١٥/٧
و٣٣٣)، و((الصغرى)) (٥١١/٨)، و((الكبرى)) (٤٥/١٠ و٦٧ و٧١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .

٥٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
٢٦ - (كِتَابُ الأَيْمَانِ)
((الأيمان)) - بفتح الهمزة - جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد،
وأُطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخَذَ كلٌّ بيمين صاحبه. وقيل:
لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فسُمّي الحلف بذلك لحفظ المحلوف
عليه، وسمّي المحلوف عليه يميناً لتلبّسه بها. ويُجمع اليمين أيضاً على أَيُمُن،
كرَغِيفٍ وأَرْغُف. وعُرِّفت شرعاً بأنها توكيد الشيء بذكر اسم، أو صفة الله
تعالى. وهذا أخصر التعاريف، وأقربها. قاله في (الفتح))(١).
وقال ابن قُدامة تَّتُهُ: الأصل في مشروعيّة الأيمان الكتاب، والسُّنَّة،
والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِنْ
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ
بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] وأمر نبيّهِ وَ لي بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال:
﴿وَيَسْتَفُْونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِيَ إِنَّهُ، لَحَقٌ﴾ الآية [يونس: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ بَ
وَرَبِّ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ الآية [سبأ: ٣]، والثالث: ﴿قُلْ بَى وَرَبِّ لَُعَثُنَّ﴾ الآية [التغابن: ٧].
وأما السُّنَّة فقول النبيّ بَله: ((إني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين،
فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحلّلتها))، متّفقٌ عليه. وكان
أكثر قَسَم رسول الله وَّهِ: ((ومُصَرِّفِ القلوب))، و((مقلّب القلوب))، ثبت هذا عن
رسول الله 183 في آي، وأخبار سوى هذين كثيرة.
وأجمعت الأمة على مشروعيّة اليمين، وثبوت حكمها، ووضعُها في
الأصل لتوكيد المحلوف عليه. انتهى كلام ابن قُدامة ◌َّهُ(٢).
(١) ((الفتح)) ٢٤٩/١٥، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم (٦٦٢١).
(٢) ((المغني)) ٤٣٥/١٣.

٥٧١
(١) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٤٦)
(١) - (بَابُ الَّهْىِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى)
((الْحَلِفُ)) - بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام، وتسكّن تخفيفاً، قال
المجد ◌َّتُهُ: حَلَفَ يَخْلِف حَلْفاً - أي: بالفتح - ويُكسر، وحَلِفاً، ككَتِفٍ،
ومحلوفاً، ومحلوفةً، ويقال: لا، ومحلوفائِهِ بالمدّ، ومَحْلُوفَةً بالله؛ أي: أحلِف
مَحْلُوفةً؛ أي: قَسَماً، والأُخْلُوفةُ: أُفْعُولةٌ، من الْحَلِف. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ تَُّ: حَلَفَ بالله حِلْفاً بكسر اللام، وسكونُها تخفيفٌ،
وتؤنّث، الواحدة بالهاء، فيقال: حَلْفَةٌ، ويقال في التعدّي: أحلفته إحلافاً،
وحلّفته تحلیفاً، واستحلفته. انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٤٦] (١٦٤٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ،
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا
بِآبَائِكُمْ))، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنْهَا
ذَاكِراً وَلَا آثِراً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُوِ الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم في السند
الماضي.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريباً.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم أيضاً قريباً.
(١) ((القاموس المحيط)) ص٣١٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٤٦/١.

٥٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فاضل فقيهٌ، كان يُشبَّه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار
[٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿هَا، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ظًُّا أنه
(قَالَ: سَمِعْتُ عُّمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((إِنَّ اللهَ رَتْ بَنْهَاكُمْ
أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ))) وسبب نهيه له أنه سمعه يحلف بأبيه، ففي رواية ابن عيينة
التالية: ((سمع النبيّ ◌َ ﴿ عمر، وهو يحلف بأبيه))، ولفظ النسائيّ: ((سمع
النبيّ وَّ عمر مرّةً، وهو يقول: وأبي، وأبي))، وفي رواية نافع، عن ابن عمر
الآتية: ((أنه ** أدرك عمر بن الخطّاب في ركب، وعمر يحلف بأبيه))، وفي
رواية إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر من الزيادة:
((وكانت قُريش تحلف بآبائها)).
((إِنَّ اللهَ وَتْ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ))) في رواية الليث، عن نافع:
((فناداهم رسول الله (وٍَّ))، ووقع في ((مصنف ابن أبي شيبة)) من طريق عكرمة
قال: ((قال عمر: حَدَّثت قوماً حديثاً، فقلت: لا وأبي، فقال رجل من خلفي:
لا تحلفوا بآبائكم، فالتفَتُّ، فإذا رسول الله وَّه يقول: لو أن أحدكم حلف
بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم))، قال الحافظ تَُّ: وهذا مرسل
يتقوى بشواهده، وقد أخرج الترمذيّ من وجه آخر، عن ابن عمر أنه سمع
رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله وَله
يقول: ((مَن حَلَف بغير الله فقد كفر، أو أشرك))، قال الترمذيّ: حسنٌ،
وصححه الحاكم، والتعبير بقوله: ((فقد كفر، أو أشرك)) للمبالغة في الزجر،
والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالتحريم هو الظاهر القويّ؛ لظهور
حجته، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ عُمَرُ) ◌َبُه (فَوَ اللهِ مَا حَلَّفْتُ بِهَا)؛ أي: بهذه الحلفة، وهي الحلف

٥٧٣
(١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٤٦)
بالأب (مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ إِ نَهَى عَنْهَا) وقوله: (ذَاكِراً) منصوب على
الحال؛ أي: حال كوني ذاكراً؛ أي: عامداً، وقال البغويّ تَخْتُ: لم يُرد به
الذكر الذي هو ضدّ النسيان، بل أراد به: محدّثاً عن نفسي، متكلّماً به.
(١)
انتھی(١).
(وَلَا آثِراً) بالمدّ، وكسر المثلثة؛ أي: حاكياً عن غيري؛ أي: ما حلفت
بها، ولا حكيت ذلك عن غيري، ويدلّ عليه ما وقع في رواية عُقيل عن ابن
شهاب الآتية: ((ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله وَ ﴿ ينهى عنها، ولا
تکلمت بها».
وقال الحميديّ بعد ذكر الحديث: قال سفيان(٢): سمعت محمد بن
عبد الرحمن مولى آل طلحة - وكان بصيراً بالعربيّة - يقول: ((ولا آثراً)) آثُرُه عن
غيري، أُخبر عنه أنه حَلَف بها، وقال أبو عبيد في ((الغريب)): ((ولا آثراً)) يريد
به: ولا مخبراً عن غيري أنه حلف به، يقول: لا أقول: إن فلاناً قال: وأبي لا
أفعل كذا وكذا، ومن هذا قيل: حديث مأثور؛ أي: يخبر به الناس بعضهم
بعضاً، يقال منه: أَثَرتُ - مقصوراً - الحديثَ اثُرُه أَثْراً، فهو مأثور، وأنا آثرٌ،
على مثال فاعلٍ، قال الأعشى:
إِنَّ الَّذِي فِيهِ تَمَارَيْتُمَا بَيِّنٌ للسَّامِعِ وَالآَثِرِ(٣)
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر بعض ما تقدّم ما نصّه: وقد استُشْكِل هذا
التفسير لتصدير الكلام بـ((حلفتُ))، والحاكي عن غيره لا يسمى حالفاً.
وأجيب باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفاً؛ أي: ولا ذكرتها آثراً عن
غيري، أو يكون ضَمَّنَ حَلَفْتُ معنى تكلمت، ويقويه رواية عُقيل، وجوّز
الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)) لقوله: ((آثراً)) معنى آخر؛ أي: مختاراً،
يقال: آثَرَ الشيءَ: إذا اختاره، فكأنه قال: ولا حلفت بها مُؤثراً لها على
غيرها .
(١) ((شرح السُّنَّة) ٤/١٠.
(٣) ((غريب الحديث)) لأبي عبيد ٥٩/٢.
(٢) هو ابن عيينة، فتنبّه.

٥٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((من آثر الشيءَ ... إلخ)) فيه نظر لا
يخفى؛ لأن آثر الشيء رباعيّ، واسم فاعله مؤثر، كما ذكره في كلامه، وليس
آثراً، فإنه اسم فاعل، من أَثَرَ الخبر: إذا نقله، وليس بمعنى اختاره.
والحاصل أن هذا المعنى الذي ذكره العراقيّ، وكذا الاحتمال الذي
بعده، لا يخفى بُعدهما، فالأولى ما تقدّم من تفسير ((آثراً)) بمعنى ناقلاً عن
غيري، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال العراقيّ أيضاً: ويَحْتَمِل أن يرجع قوله: ((آثراً)) إلى معنى التفاخر
بالآباء في الإكرام لهم، ومنه قولهم: مَأْثرة، ومآثر، وهو ما يُرْوَى من
المفاخر، فكأنه قال: ما حلفت بآبائي ذاكراً لمآثرهم، وجَوَّز في قوله: ((ذاكراً))
أن يكون من الذَّكْر بضم المعجمة، كأنه احترز عن أن يكون ينطق بها ناسياً،
وهو يناسب تفسير آثراً بالاختيار، كأنه قال: لا عامداً، ولا مختاراً.
وجزم ابن التين في ((شرحه)) بأنه من الذِّكْر بالكسر، لا بالضم، قال:
وإنما هو لم أقله من قِبَلِ نفسي، ولا حَدَّثت به عن غيري أنه حَلَف به، قال:
وقال الداوديّ: يريد ما حلفت بها، ولا ذكرت حَلْفَ غيري بها، كقوله: إن
فلاناً قال: وحَقِّ أبي مثلاً .
واستُشْكِل أيضاً أن كلام عمر المذكور يقتضي أنه تورع عن النطق بذلك
مطلقاً، فكيف نطق به في هذه القصَّة؟.
وأجيب بأنه اغتُفِر ذلك لضرورة التبليغ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب وظُه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٤٦/١ و٤٢٤٧ و ٤٢٤٨ و ٤٢٤٩ و ٤٢٥٠
و٤٢٥١] (١٦٤٦)، و(البخاريّ) في ((الشهادات)) (٢٦٧٩) و((الأيمان والنذور))
(١) ((الفتح)) ٢٧٥/١٥ - ٢٧٦.

٥٧٥
(١) - بَابُ الَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٤٦)
(٦٦٤٦ و٦٦٤٧)، و(أبو داود) في ((الأيمان والنذور)) (٣٢٤٩ و٣٢٥٠)،
و(الترمذيّ) في ((النذور والأيمان)) (١٥٣٤)، و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور))
(٤/٧ - ٥) و((الكبرى)) (١٢٢/٣ و١٢٣)، و(ابن ماجه) في ((الكفّارات))
(٢٠٩٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢/ ٤٨٠)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (١/
١٠٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥٩٢٢ و١٥٩٢٥)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٧٨/٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦٢٤ و٦٨٦)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٧/٢ و٨ و١١ و١٧ و١٨ و١٩ و٣٢ و٣٦ و١٤٢)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (١٨٥/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٥٩ و٤٣٦٠)، و(أبو يعلى)
في ((مسنده)) (٣٦٨/٩ و٤٠٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٤/٤)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٩٢٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٣٢/١)،
و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٤٨/٣ و٢٣٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٢٨/١٠ و٢٩) و((المعرفة)) (٣٠٦/٧) و((الصغرى)) (٤٢٩٤٢٩/٨)، و(البغويّ)
في ((شرح السُّنَّة)) (٢٤٣١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث رُوي من مسند عمر، ومن مسند ابن
عمر ◌ًا، قال الحافظ وليّ الدين تَخُّهُ: أخرجه من الطريق الأولى - يعني:
كونه عن عمر ظله - مسلم، وأبو داود من رواية أبي الحسن بن العبد من هذا
الوجه من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، واتّفق الشيخان من طريق يونس بن
يزيد، وأخرجه مسلم من رواية عُقيل بن خالد، والنسائيّ، وابن ماجه من رواية
ابن عيينة، والنسائيّ من رواية الزُّبيديّ، أربعتهم عن الزهريّ، عن سالم، عن
أبيه، عن عمر، وفي رواية عُقيل: ((ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله وَليه
ينهى عنها، ولا تكلّمت بها))، ولم يقل: ((ذاكراً، ولا آثراً)).
وأخرجه من الطريق الثانية - يعني: كونه عن ابن عمر - مسلم،
والترمذيّ، والنسائيّ، من هذا الوجه من رواية سفيان بن عُيينة، عن الزهريّ،
عن سالم، عن أبيه، وذكره البخاريّ تعليقاً، فقال بعد ذكر الطريق الأولى:
تابعه عُقيلٌ، والزُّبيديّ، وإسحاق الكلبيّ، عن الزهريّ، وقال ابن عيينة،
ومعمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، سمع النبيُّ نَّ عمر. انتهى.
وقد ظهر بذلك الاختلاف على سالم، أو الزهريّ في أن الحديث في

٥٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
مسند عمر، أو ابن عمر، والاختلاف على ابن عيينة أيضاً، فالجمهور جعلوه
من طريقه من مسند ابن عمر، حكاه عنهم الحافظ العراقيّ تَّتُهُ في ((شرح
الترمذيّ))، ورواه محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، وسعيد بن عبد الرحمن
المخزوميّ، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر عنه بإثبات عمر.
وأخرجه من الطريق الثالثة - يعني: طريق نافع - البخاريّ، من طريق
مالك، والشيخان من طريق الليث بن سعد، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ في
((الكبرى)) من طريق عبيد الله بن عمر، ومسلم أيضاً من طريق أيوب السختيانيّ،
والوليد بن كثير، وإسماعيل بن أميّة، والضحّاك بن عثمان، وابن أبي ذئب،
وعبد الكريم الجزريّ، تسعتهم عن نافع، عن ابن عمر.
ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن زُهير، عن عبيد الله بن عمر،
عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، وجعل المزّيّ في ((الأطراف)) رواية
عبد الكريم الجزريّ عند مسلم بإثبات عمر، وليس كذلك، وقد ظهر الاختلاف
فيه على نافع كسالم. انتهى كلام وليّ الدين كَّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحديث صحيح من مسند ابن
عمر، ومن مسند عمر ها جميعاً، قال الحافظ تَّتُهُ: ويشبه أن يكون ابن
عمر ◌ًا سمع المتن من النبيّ وَّر، والقصّة التي وقعت لعمر ظُبه منه، فحدّث
به على الوجهين. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): النهي عن الحلف بغير الله تعالى، وإنما خصّ في حديث
عمر بالآباء؛ لوروده على سبب، وهو أنه وَل ◌َ مرّ به، وهو يحلف بأبيه، فقال
له ذلك، أو خصّ لكونه غالباً عليهم؛ كما بيّنته رواية: ((وكانت قريش تحلف
بآبائها))، ويدلّ على التعميم قوله: ((من كان حالفاً، فلا يحلف إلا بالله))، وأما
ما ورد في القرآن من القسم بغير الله تعالى، فللعلماء فيه جوابان، سيأتي
بيانهما قريباً، إن شاء الله تعالى.
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٤٠/٧ - ١٤٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٧٨/١٥ رقم (٦٦٤٦).

٥٧٧
(١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٤٦)
٢ - (ومنها): أن من حلف بغير الله تعالى مطلقاً لا تنعقد يمينه، وسيأتي
تمام البحث فيه أيضاً.
٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من قال: إن من قال: إن فعلت كذا كذا،
فأنا يهوديّ، أو نصرانيّ، أو كافر أنه ينعقد يميناً، ومتى فعل تجب عليه
الكفّارة، وقد نُقل ذلك عن الحنفيّة، والحنابلة، ووجه الدلالة من الخبر أنه لم
يحلف بالله، ولا بما يقوم مقام ذلك.
٤ - (ومنها): أن من قال: أقسمت لأفعلنّ كذا، لا يكون يميناً، وعند
الحنفيّة يكون يميناً، وكذلك قال مالك، وأحمد، لكن بشرط أن ينوي بذلك
الحلف بالله، وهو متّجه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال في ((الفتح))، وعندي أنه غير
متّجه؛ لأنه يصدق عليه أنه حلف بغير الله، ولا تنفعه النيّة المذكورة، وإلا
فيلزمنا أن نجيز بالتأويل حلف من قال: ((وأبي))؛ أي: أحلف برب أبي، وهو
باطلٌ، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن الحلف بالأمانة ليس يميناً؛ لانتفاء الاسم والصفة، وبه
قال الشافعيّ، حكاه عنه الخطّابيّ. قال وليّ الدين: والذي في كتب أصحابنا
أنه إذا قال: عليّ أمانة الله لأفعلنّ كذا، وأراد اليمين، فهو يمين، وإن أراد غير
اليمين كالعبادات، فليس يميناً، وإن أطلق فوجهان، أصحّهما أنه ليس يميناً؛
لتردّد اللفظ، وقد فُسّرت الأمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية
[الأحزاب: ٧٢] بالعبادات، وقال المالكيّة: يكره الحلف بأمانة الله، وفيه الكفّارة
إن قصد الصفة. وقال الحنابلة: إن قال: وأمانةِ الله، فهو يمين، وإن قال:
والأمانة لم يكن يميناً إلا أن ينوي صفة الله. وعن أحمد رواية أخرى أنه يمين
مطلقاً .
وحكى الخطّابيّ عن أصحاب الرأي أنه إذا قال: وأمانة الله كان يميناً،
ولزمته الكفّارة فيها. وفي ((سنن أبي داود)) بإسناد صحيح، عن بريدة
قال: قال رسول الله وَله: ((من حلف بالأمانة، فليس يميناً)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما تقدّم عن الإمام الشافعيّ دَّثُ
من أن الحلف بالأمانة ليس يميناً مطلقاً هو الحقّ؛ لدخوله في نهي: ((من كان

٥٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
حالفاً، فلا يحلف إلا بالله))، وأصرح منه حديث أبي داود المذكور، وهو
حديثٌ صحيحٌ، فإنه نصّ في النهي عن الحلف بالأمانة، فلا يجوز، والله تعالى
أعلم بالصواب.
٦ - (ومنها): ما قال المهلّب ◌َدَثُ: كانت العرب تحلف بآبائها،
وآلهتها، فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم؛ ليُنسيهم ذكر كلّ شيء سواه، ويبقى
ذكره؛ لأنه الحقّ المعبود، فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في
حكم الحلف بالآباء.
٧ - (ومنها): ما قال الطبريّ ◌َُّ في حديث عمر رَظُه - يعني: حديث
الباب - أن: اليمين لا تنعقد إلا بالله، وأن من حلف بالكعبة، أو آدم، أو
جبريل، ونحو ذلك لم تنعقد يمينه، ولزمه الاستغفار؛ لإقدامه على ما نُهِيَ
عنه، ولا كفّارة في ذلك.
قال: وأما ما وقع في القرآن من القسم بشيء من المخلوقات، فقال
الشعبيّ: الخالق يُقْسِمُ بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يُقسم إلا بالخالق،
قال: ولأن أُقسم بالله، فأحنث أحبّ إليّ من أن أُقسم بغيره، فأبرّ. وجاء مثله
عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وابن عمر ﴿ه، ثم أسند عن مطرّف، عن
عبد الله أنه قال: إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليُعَجِّبَ بها المخلوقين، ويُعرّفهم
قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها.
وقد أجمع العلماء على أن من وجبت له يمين على آخر في حقّ عليه أنه
لا يحلف له إلا بالله، فلو حلف له بغيره، وقال: نويت ربّ المحلوف به لم
یکن ذلك یمیناً. انتھی.
٨ - (ومنها): ما قال ابن هُبيرة في ((كتاب الإجماع)): أجمعوا على أن
اليمين منعقدة بالله، وبجميع أسمائه الحسنى، وبجميع صفات ذاته، كعزّته،
وجلاله، وعلمه، وقوّته، وقدرته، واستثنى أبو حنيفة علم الله، فلم يره يميناً،
وكذا حقّ الله. واتفقوا على أنه لا يحلف بمعظّم غير الله، كالنبيّ، وانفرد
أحمد في رواية، فقال: تنعقد. انتهى.
٩ - (ومنها): ما قال عياض تَخْلَتُهُ: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أن

٥٧٩
(١) - بَابُ النَّهْيٍ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٤٦)
الحلف بأسماء الله، وصفاته لازم، إلا ما جاء عن الشافعيّ من اشتراط نيّة
اليمين في الحلف بالصفات، وإلا فلا كفّارة.
وتُعُقّب إطلاقه ذلك عن الشافعيّ، وإنما يحتاج إلى النيّة عنده ما يصحّ
إطلاقه عليه ◌َيْن، وعليه غيره، وأما ما لا يُطلق في معرض التعظيم شرعاً إلا
عليه، تنعقد اليمين به، وتجب الكفّارة إذا حنث، كمقلّب القلوب، وخالق،
ورازقٍ كلّ حيّ، وربّ العالمين، وفالق الحبّ، وبارىء النسمة، وهذا في
حكم الصريح، كقوله: والله. وفي وجه لبعض الشافعيّة أن الصريح الله فقط.
ويظهر أثر الخلاف فيما لو قال: قصدت غير الله، هل ينفعه في عدم الحنث؟
والمشهور عند المالكيّة التعميم، وعن أشهب التفصيل في مثل: وعزّة الله،
إن أراد التي جعلها بين عباده، فليست بيمين، وقياسه أن يطرد في كلّ ما يصحّ
إطلاقه عليه، وعلى غيره. وقال به سحنون منهم في عزّة الله. وفي ((العتبيّة)):
أن من حلف بالمصحف لا تنعقد، واستنكره بعضهم، ثم أوّلها على أن المراد
إذا أراد جسم المصحف. والتعميم عند الحنابلة، حتى لو أراد بالعلم، والقدرة
المعلوم، والمقدور، انعقدت. ذكره في ((الفتح)).
١٠ - (ومنها): ما قال النوويّ تَخُّْهُ: إن قيل: فقد أقسم الله تعالى
بمخلوقاته، فإنه قال تعالى: ﴿وَالصََّفَّتِ صَفَّا
(®﴾، ﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا
﴿وَآلُورِ
فالجواب: أن الله تعالى أن يُقسم بما شاء من مخلوقاته، تنبيهاً على
(١)
شرفه. انتهى(١).
قال وليّ الدين: وتعبيره بقوله: (لله)) منكرٌ، ولو قال: إن الله تعالى يُقسم
بما يشاء، لكان أحسن.
وفي ((مصنّف ابن أبي شيبة))، عن ميمون بن مهران، قال: إن الله تعالى
يُقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يُقسم إلا بالله. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): وأما ما ورد في القرآن من القَسَم بغير الله،
ففيه جوابان:
(١) (شرح النوويّ)) ١٠٥/١١.
(٢) ((طرح التثريب)) ١٤٥/٧.

٥٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
[أحدهما]: أن فيه حذفاً، والتقدير ورب الشمس، ونحوه.
[والثاني]: أن ذلك يختصّ بالله تعالى، فإذا أراد تعظيم شيء من
مخلوقاته أقسم به، ولیس لغيره ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب الثاني هو الصحيح، وأما الأول
ففيه نظر لا يخفى. فتأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحلف بغير الله
تعالی :
قال الحافظ وليّ الدين تَخَّهُ: وقد اختلف العلماء في أن الحلف بمخلوق
حرامٌ، أو مكروه، والخلاف عند المالكيّة، والحنابلة، لكن المشهور عند
المالكيّة الكراهة، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال أهل الظاهر، ويوافقه ما جاء
عن ابن عبّاس ﴿هَ: ((لأن أحلف بالله مائة مرّة، فآثم، خيرٌ من أن أحلف
بغيره، فأبرّ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحنابلة، والظاهريّة من أنه
للتحريم هو الحقّ؛ لتوارد الأدلّة الصحيحة الصريحة على ذلك، كقوله ويل ر: ((لا
تحلفوا بآبائكم))، وقوله: ((من كان حالفاً، فلا يحلف إلا بالله))، وقوله: ((من
حلف بغير الله فقد كفر))، وغير ذلك، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وقال ابن عبد البرّ كَّلُهُ: فيه - يعني: حديث الباب - أنه لا يجوز الحلف
بغير الله، وهذا أمر مجمع عليه، ثم قال: أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله
مكروهة، منهيّ عنها، لا يجوز الحلف لأحد بها، واختلفوا في الكفّارة إذا
حنث، فأوجبها بعضهم، وأباها بعضهم، وهو الصواب. انتهى.
وقال الشافعيّ: أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصيةً، قال أصحابه؛
أي: حراماً وإثماً، قالوا: فأشار إلى تردّد فيه، وقال إمام الحرمين: المذهب
القطع بأنه ليس بحرام، بل مكروه، ولذا قال النوويّ في ((شرح مسلم)): هو
عند أصحابنا مكروهٌ، وليس بحرام، ويوافقه تبويب الترمذيّ عليه: ((كراهية
الحلف بغير الله)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمْل كلام الترمذيّ على الكراهة بمعنى