Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ (٣) - بَابٌ لَا وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ - حديث رقم (٤٢٣٧) الأصلين، وما حكوه عن أبي عمر لا يصحّ، فإن العرب تسمّي نذراً، وإن لم یکن بشرط، قال جميل [من الطويل]: وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنُ لَقُونِي فَلَيْتَ رِجَالاً فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي والجعَالُ وعد بشرط، وليست بنذر. (القسم الثالث): النذر المبهم، وهو أن يقول: لله عليّ نذرٌ، فهذا تجب به الكفّارة في قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عبّاس، وجابر، وعائشة ﴿ه، وبه قال الحسن، وعطاء، وطاوس، والقاسم، وسالِمٌ، والشعبيّ، والنخعيّ، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومالكٌ، والثوريّ، ومحمد بن الحسن، ولا أعلم فيه مخالفاً إلا الشافعيّ، قال: لا ينعقد نذره، ولا كفّارة فيه؛ لأن من النذر ما لا كفّارة فيه. ولنا ما رواه عقبة بن عامر ظُبه قال: قال رسول الله ◌َ: ((كفّارة النذر إذا لم يُسمّ كفّارة يمين))، رواه الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث في إسناده محمد بن یزید مولى المغيرة بن شعبة مجهول، فتصحيح الترمذيّ له لعله من تساهلاته، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: ولأنه نصٌّ، وهذا قول من سمّينا من الصحابة والتابعين، ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفاً، فيكون إجماعاً. (القسم الرابع): نذر المعصية، فلا يحلّ الوفاء به إجماعاً؛ ولأن النبيّ وَّ﴾ قال: ((من نذر أن يعصي الله فلا يعصه))، ولأن معصية الله تعالى لا تحلّ في حال، ويجب على الناذر كفّارة يمين. روي نحو هذا عن ابن مسعود، وابن عبّاس، وجابر، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب ﴿، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وروي عن أحمد ما يدلّ على أنه لا كفّارة عليه، فإنه قال فيمن نذر لَيهدِمنّ دار غيره لبنةً لبنةً: لا كفّارة عليه، وهذا في معناه. وروي هذا عن مسروق، والشعبيّ، وهو مذهب مالك، والشافعيّ؛ لقوله وَلـ: ((لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد))، رواه مسلم، وقال: ((ليس على الرجل نذرٌ فيما لا يملك))، متّفقٌ عليه، وقال: ((لا نذر إلا ما ابتُغي به وجه الله))، رواه أبو داود، وقال: ((من نذر أن يعصي الله فلا ٥٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر يعصه))، ولم يأمر بكفّارة. ولما نذرت المرأة التي كانت مع الكفّارت، فنجت على ناقة رسول الله ﴿ أن تنحرها، قالت: يا رسول الله، إني نذرت إن أنجاني الله عليها أن أنحرها؟ قال: ((بئسما جزيتها، لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد))، رواه مسلم، ولم يأمرها بكفّارة، وقال لأبي إسرائيل حين نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلّم: ((مُرُوه، فليتكلّم، وليجلس، وليستظلّ، وليُتِمّ صومه))، رواه البخاريّ، ولم يأمره بكفّارة، ولأن النذر التزام الطاعة، وهذا التزام معصية، ولأنه نذر غير منعقد، فلم يوجب شيئاً؛ كاليمين غير المنعقدة. ووجه الأول ما روت عائشة رضيؤها أن رسول الله وَله: قال: ((لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين))، رواه الإمام أحمد في ((مسنده))، وأبو داود في ((سننه))، وقال الترمذيّ: هو حديث غريب، وعن أبي هريرة، وعمران بن ـى عن النبيّ وَّ مثله. حصین قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح من حديث عائشة لا من حديث أبي هريرة، وعمران ﴿يا، كما بيّنته في ((شرح النسائيّ)). قال: روى الجوزجانيّ بإسناده عن عمران بن حُصين قال: سمعت رسول الله * يقول: ((النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة الله، فذلك الله، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله، فلا وفاء فيه، ويكفّره ما يكفّر اليمين)). وهذا نصّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث ضعيف، كما بيّنته في ((شرح النسائيّ))، فتنبّه(١). قال: ولأن النذر يمين، بدليل ما روي عن النبيّ وَل و أنه قال: ((النذر حَلْفَة))، وقال النبيّ وَّر لأخت عقبة ظُه لَمّا نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فلم تطقه: ((تكفّر يمينها))، صحيحٌ(٢) أخرجه أبو داود، وفي رواية: (١) وصححه الشيخ الألبانيّ تَغْلَفُهُ، والظاهر أن تصحيحه لشواهده، فليُتنبّه. (٢) بل ضعيف؛ لأن في سنده شريكاً القاضي، وقد عنعنه، وهو مدلّس، ومتكلّم فيه. ٥٤٣ (٣) - بَابٌ لَا وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ - حديث رقم (٤٢٣٧) ((ولتصم ثلاثة أيام))(١)، قال أحمد: إليه أذهب. وقال ابن عبّاس في التي نذرت ذبح ابنها: كفّري يمينك(٢)، ولو حلف على فعل معصية لزمته الكفّارة، فكذلك إذا نذرها. فأما أحاديثهم، فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية الله، وهذا لا خلاف فيه، وقد جاء مصرّحاً به هكذا في رواية مسلم، ويدلّ على هذا أيضاً أن في سياق الحديث: ((ولا يمين في قطيعة رحم))؛ يعني: لا يبَرُّ فيها، ولو لم يبيّن الكفّارة في أحاديثهم، فقد بيَّنها في أحاديثنا، فإن فعل ما نذره من المعصية، فلا كفّارة عليه، كما لو حلف ليفعلنّ معصيةً، ففعلها. ويحتمل أن تلزمه الكفّارة حتماً؛ لأن النبيّ وَّر عيّن فيه الكفّارة، ونهى عن فعل المعصية. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني هو الظاهر؛ لظاهر النصّ، فتأمّل. والحاصل أن الأرجح وجوب الكفّارة على من نذر أن يفعل معصية، سواء تركها، وهو الواجب عليه، أو فعلها مع حرمتها؛ لإطلاق النصّ، والله تعالى أعلم. (القسم الخامس): المباح، كلبس الثوب، ورُكوب الدابّة، وطلاق المرأة على وجه مباح، فهذا يتخيّر الناذر فيه بين فعله، فيبَرُّ بذلك؛ لِمَا رُوي أن امرأة أتت النبيّ وَ﴿، فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدّفّ، فقال رسول الله وَ﴾: ((أوف بنذرك))، رواه أبو داود، ولأنه لو حلف على فعل مباح برّ بفعله، فكذلك إذا نذره؛ لأن النذر كاليمين، وإن شاء تركه، وعليه كفّارة يمين، ويتخرّج أن لا كفّارة فيه، فإن أصحابنا قالوا فيمن نذر أن يعتكف، أو يصلّي في مسجد معيّن: كان له أن يصلي، ويعتكف في غيره، ولا كفّارة، ومن نذر أن يتصدّق بماله كلّه: أجزأه الصدقة بثلثه بلا كفّارة، وهذا مثله. وقال مالك، والشافعيّ: لا ينعقد نذره؛ لقول النبيّ وَّ: ((لا نذر إلا فيما ابتغي وجه الله)). وقد رَوَى ابن عبّاس ◌َّهَا قال: بينما النبيّ وَِّ يَخْطُبُ، إذا هو (١) حديث الأمر بالصيام ضعيف، وإنما الصحيح الأمر بالهدي، فتنبّه. (٢) صحيح موقوفاً. ٥٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر برجل قائم، فسأل عنه؟، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظلّ، ولا يتكلّم، ويصوم، فقال النبيّ وَّ: ((مروه، فليجلس، وليستظلّ، وليتكلّم، وليُتمّ صومه))، رواه البخاريّ. وعن أنس ◌َُّه قال: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فسئل النبيّ وَ ﴿ عن ذلك؟ فقال: ((إن الله لغنيّ عن مشيها، مروها فلتركب))، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، ولم يأمر بكفّارة. وأن النبيّ وَّهِ رأى رجلاً يُهادى بين اثنين، فسأل عنه؟ فقالوا: نذر أن يحجّ ماشياً، فقال: ((إن الله لغنيّ عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليركب)). متّفقٌ عليه، ولم يأمره بكفّارة، ولأنه نذرٌ غير موجب لفعل ما نذره، فلم يوجب كفّارةً؛ كنذر المستحيل. قال: ولنا ما تقدّم في القسم الذي قبله، فأما حديث التي نذرت المشي، فقد أمر فيه بالكفّارة في حديث آخر، ففيه زيادة عند أبي داود، ولفظه: ((مروها، فلتركب، ولتكفّر عن يمينها)) (١)، وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ويجوز أن يكون الراوي للحديث روى البعض، وترك البعض، أو يكون النبيّ وَل في ترك ذكر الكفّارة في بعض الحديث إحالةً على ما عُلم من حديثه في موضع آخر. ومن هذا القسم إذا نذر فعل مكروه؛ كطلاق امرأته، فإنه مكروه، بدليل قول النبيّ وَله: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق))(٢)، فالمستحبّ أن لا يفي، ويكفّر، فإن وفى بنذره، فلا كفّارة عليه، والخلاف فيه كالذي قبله. (القسم السادس): نذر الواجب؛ كالصلاة المكتوبة، فقال أصحابنا: لا ينعقد نذره، وهو قول أصحاب الشافعيّ؛ لأن النذر التزامٌ، ولا يصحّ التزام ما هو لازم له، ويَحْتَمِل أن ينعقد نذره موجباً كفّارة يمين إن تركه، كما لو حلف على فعله، فإن النذر كاليمين، وقد سمّاه النبيّ وَ ﴿ يميناً، وكذلك لو نذر معصيةً، أو مباحاً، لو يلزمه، ويكفّر إذا لم يفعله. (القسم السابع): نذر المستحيل؛ كصوم أمس، فهذا لا ينعقد، ولا (١) ضعيف بهذا اللفظ؛ لأن في سنده شريكاً القاضي، وإنما الصحيح بلفظ: ((ولتُهد هدياً))، أو ((ولتُهد بدنة))، فتنبّه. (٢) رواه أبو داود، وابن ماجه، وهو حديث ضعيف، ومنهم من حسّنه؛ لطرقه. ٥٤٥ (٣) - بَابٌ لَا وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ - حديث رقم (٤٢٣٨) يوجب شيئاً؛ لأنه لا يُتصوّر انعقاده، ولا الوفاء به، ولو حلف على فعله لن تلزمه كفّارة، فالنذر أولی. وعقدُ الباب في صحيح المذهب أن النذر كاليمين، وموجبه موجبها، إلا في لزوم الوفاء به، إذا كان قربةً، وأمكنه فعله، ودليل هذا الأصل قول النبيّ وَّلـ لأخت عقبة لَمّا نذرت المشي، فلم تطقه: ((ولتكفّر يمينها))(١)، وفي رواية: ((فلتصم ثلاثة أيام))، قال أحمد: إليه أذهب. وعن عقبة ظُه أن النبيّ وَل قال: (كفّارة النذر كفّارة اليمين))، أخرجه مسلم. وقول ابن عبّاس ظًُّا للتي نذرت ذبح ولدها: ((كفّري يمينك))(٢)، ولأنه قد ثبت أن حكمه حكم اليمين في أحد أقسامه، وهو نذر الدجاج، فكذلك سائره في سوى ما استثناه الشرع. انتهى كلام ابن قدامة تَخَّهُ(٣)، وإنما نقلته بطوله؛ لاستيفائه معظم أقوال أهل العلم بأدلتها في هذه الأقسام السبعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢٣٨] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ النَّقَفِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثٍ حَمَّادٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عُقَيْلِ، وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ، وَفِى حَدِيثِهِ أَيْضاً: فَأَتَتْ عَلَى نَاقِةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ، وَفِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: وَهِيَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم، تقدّم أيضاً قريباً. (١) تقدّم أنه ضعيف بلفظ: ((ولتكفّر عن يمينها))، وكذا بلفظ: ((فلتصم ثلاثة أيام))، وإنما الصحيح بلفظ: ((ولتُهد هدياً))، فتنبّه. (٢) موقوفٌ صحيح. (٣) ((المغني)) لابن قدامة ٦٢٢/١٣ - ٦٢٩. ٥٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريباً . ٥ - (عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) بن عبد المجيد، تقدّم أيضاً قريباً. و ((أيوب)) ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ)؛ يعني: حماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفيّ رويا هذا الحديث عن أيوب السختيانيّ. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ ساقها أبو داود في ((سننه))، فقال: (٣٣١٦) - حدّثنا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بن عِيسَى، قالا: ثنا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن أبي قِلَابَةَ، عن أبي الْمُهَلَّبِ، عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، قال: كانت الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ من بَنِي عُقَيْلٍ، وَكَانَتْ من سَوَابِقِ الْحَاجِّ، قال: فَأُسِرَ، فَأَتَى النبيّ ◌َِّهِ، وهو في وَثَاقٍ، وَالنَّبِيُّ ◌ََّ على حِمَارٍ، عليه قَطِيفَةٌ، فقال: يا محمد عَلَامَ تَأْخُذُنِي، وَتَأْخُذُ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ قال: ((تَأْخُذُكَ بِجَرِيرَةٍ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ))، قال: وكان ثَقِيفُ قد أَسَرُوا رَجُلَيْنٍ من أَصْحَابِ النبيّ وَّ قال: وقد قال فِيمَا قال: وأنا مُسْلِمٌ، أو قال: وقد أَسْلَمْتُ، فلما مَضَى النبيّ بَّــ قال أبو دَاوُد: فَهِمْتُ هذا من مُحَمَّدٍ بن عِيسَى - نَادَاهُ يا محمد يا محمد، قال: وكان النبيّ وَّهِ رَحِيماً رَفِيقاً، فَرَجَعَ إليه، قال: ((ما شَأُنُكَ؟)) قال: إني مُسْلِمٌ، قال: لو قُلْتَهَا، وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ - قال أبو دَاوُد: ثُمَّ رَجَعْتُ إلى حديث سُلَيْمَانَ - قال: يا محمد إني جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، إني ظَمْآَنٌ فَاسْقِي، قال: فقال النبيّ وَّ: ((هذه حَاجَتُكَ)) - أو قال - ((هذه حَاجَتُهُ))، قال: فَقُودِيَ الرَّجُلُ بَعْدُ بِالرَّجُلَيْنِ، قال: وَحَبَسَ رسول اللهِ نَّهِ الْعَضْبَاءَ لِرَحْلِهِ، قال: فَأَغَارَ الْمُشْرِكُونَ على سَرْحِ الْمَدِينَةِ، فَذَهَبُوا بِالْعَضْبَاءِ، قال: فلما ذَهَبُوا بها، وَأَسَرُوا امْرَأَةً من الْمُسْلِمِينَ، قال: فَكَانُوا إذا كان اللَّيْلُ يُرِيحُونَ إِلَهُمْ في أَفْنِيَتِهِمْ، قال: فَنُوِّمُوا لَيْلَةً، وَقَامَتِ الْمَرْأَةُ، فَجَعَلَتْ لَا تَضَعُ يَدَهَا على بَعِيرِ إلا ٥٤٧ (٣) - بَابٌ لَا وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ - حديث رقم (٤٢٣٨) رَغَا، حتى أَتَتْ على الْعَضْبَاءِ، قال: فَأَتَتْ على نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ، قال: فَرَكِبَتْهَا، ثُمَّ جَعَلَتْ لِلَّهِ عليها إن نَجَّاهَا الله لَتَنْحَرَنَّهَا، قال: فلما قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ عُرِفَتِ النَّاقَةُ نَاقَةُ النبيّ وََّ، فَأُخْبِرَ النبيّ ◌َ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجِيءَ بها، وَأُخْبِرَ بِنَذْرِهَا، فقال: ((بِئْسَ ما جَزَيْتِيهَا - أو - جَزَتْهَا إن الله أَنْجَاهَا عليها لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، ولا فيما لَا يَمْلِكُ ابن آدَمَ)). قال أبو دَاوُد: وَالْمَرْأَةُ هذه امْرَأَةُ أبي ذَرِّ(١). انتهى(٢). وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، فساقها أبو عوانة في ((مسنده))، فقال: (٥٨٤٨) - حدّثنا الربيع بن سليمان، قئنا الشافعيّ، قال: أنبا الثقفيّ - يعني: عبد الوهاب - عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين، قال: أَسَرَ (ح) وحدّثنا عمر بن شَبَّةَ، قثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفيّ، قثنا أيوب، عن أبي قلابة، أن عمران بن حصين، قال: أَسَرَ أصحابُ النبيّ وَّهِ رجلاً من بني عُقيل، وتركوه في الحرَّة، وقال الربيع: فأوثقوه، وطرحوه في الحرّة، فمَرَّ به رسول الله وَّة، ونحن معه، أو قال: أتى عليه رسول الله وَّر، وهو على حمار، وتحته قَطِيفة، فقال: ((ما شأنك؟)) فقال: فيما أخذتني؟، وفيما أخذت سابقة الحاج؟ قال: ((أُخذت بجريرة حلفائكم ثقيف))، كانت ثقيف، قد أَسَرَت رجلين من أصحاب رسول الله وَليل، فتركه ومضى، فنادى: يا محمد، فرحمه رسول الله وَ﴿، فرجع إليه، فقال: ((ما شأنك؟)) قال: إني مسلم، قال: ((لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كلَّ الفلاح))، فتركه ومضى، فنادى: يا محمد يا محمد، فرجع إليه، فقال: ((ما شأنك؟)) قال: إني جائع فأطعمني، قال: وأحسبه قال: وإني ظمآن فاسقني، (١) تقدّم أن قول أبي داود هذا فيه نظر؛ بل الذي يظهر من القصّة في السِّيَر أنها امرأة لرجل من غفار، وليس أبا ذرّ؛ لأنه قُتل في تلك الإغارة، وأُسرت امرأته، وأبو ذرّ عاش بعد النبيّ وَّر دهراً، فليُتأمّل. (٢) ((سنن أبي داود)) ٢٣٩/٣. ٥٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر قال: ((هذه حاجتك))، فقداه رسول الله له بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف، وأُخذت ناقته تلك، وسُبيت امرأة من الأنصار، فكانت الناقة قد أصيبت قبلها، فكانت تكون فيهم، فكانوا يجيئون بالنعم إليهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت كلما مَسَّت بعيراً رغا، فتركته، حتى أتت تلك الناقة، فَمَسّتها، فلم ترِغ، وهي ناقة مُدَرَّةٌ، فقعدت على عجزها، ثم صاحت بها، فانطلقت، فطلبت من ليلتها، فلم يقدر عليها، فجعلت لله إن أنجاها لتنحرنها، فلما قدمت عرفوا الناقة، وقالوا: ناقة رسول الله وَ ه، قالت: إنها قد جعلت الله عليها، إن أنجاها عليها لتنحرنها، قالوا: لا، والله لا نَدَعُك تنحريها حتى نُؤذن رسول الله وَقو، فأتوه، فأخبروه - وقال الشافعيّ ◌ُبه - فأخبروه بالقصّة أن فلانة قد جاءت على ناقتك، وإنها قد جعلت لله عليها إن أنجاها عليها لتنحرنها، فقال: ((سبحان الله، بئس ما جزيتيها، إذ نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا وفاء لنذر فيما لا يملك العبد)»، وقال ابن شَبَّةَ: ((فيما لا يملك ابن آدم)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (٤) - (بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ) وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢٣٩] (١٦٤٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَّنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ رَأَ شَيْخاً يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، فَقَالَ: ((مَا بَالُ هَذَا؟))، قَالُوا: نَذَّرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبٍ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ))، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ). (١) ((مسند أبي عوانة)) ١١/٤ - ١٢. ٥٤٩ (٤) - بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (٤٢٣٩) رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّاء النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمَان)) ٧/ ١٣٢. ٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. ٤ - (حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣. ٥ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٦ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير ظ ◌ُه تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. و ((ابن أبي عمر)) تقدم في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أنس ظُه المشهور بخدمة رسول الله ◌ٍَّ*، خدمه عشر سنين، ونال دعوته المباركة، فعُمّر، وكثرت أولاده، وأمواله، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد جاوز عمره المائة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُمَيْدٍ) الطويل (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيّ، وفي رواية مَرْوَان بْنِ مُعَاوِيَةً قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ) قال في ((الفتح)): هكذا قال أكثر الرواة عن حميد، وهذا الحديث مما صرّح حميد فيه بالواسطة بينه وبين أنس، وقد حذفه في وقت آخر، فأخرجه النسائيّ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والترمذيُّ من طريق ابن أبي عديّ، كلاهما عن حميد، عن أنس، وكذا أخرجه أحمد، عن ابن أبي عديّ، ويزيد بن هارون، جميعاً عن حميد بلا واسطة، ويقال: إن غالب رواية حميد عن أنس بواسطة، لكن أخرج البخاريّ من حديث حميد، عن أنس أشياء كثيرةً بغير واسطة، مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس، وقد ٥٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر وافق عمران القطّان عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس ولكن خالفهم في المتن، أخرجه الترمذيّ من طريقه، بلفظ: نذرت امرأةٌ أن تمشي إلى بيت الله، فسُئل نبيّ الله وَ ﴿ عن ذلك؟، فقال: ((إن الله لغنيّ عن مشيها، مروها فلتركب)). انتهى(١). (عَنْ أَنَسٍ) اِبُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ رَأَ شَيْخاً) رأى رجلاً (يُهَادَى) - بضمّ أوله - من المهاداة، وهو أن يمشي مُعتمِداً على غيره؛ لضعفه عن المشي بنفسه، وللترمذيّ من طريق خالد بن الحارث، عن حميد: ((يتهادى)) بفتح أوله، ثم مثّاة (بَيْنَ ابْنَيْهِ) وفي رواية للنسائيّ: ((بين رجلين))، وفي حديث أبي هريرة التالي: ((أدرك شيخاً يمشي بين ابنيه، يتوكّأ عليهما))، ولفظ ابن حبّان: ((بين اثنین)» . قال الحافظ نَّهُ: لم أقف على اسم هذا الشيخ، ولا على اسم ابنيه، وقرأت بخطّ مغلطاي: الرجل الذي يُهادى، قال الخطيب: هو أبو إسرائيل، كذا قال، وتبعه ابن الملقّن، وليس ذلك في كتاب الخطيب، وإنما أورده من حديث مالك، عن حميد بن قيس وثور، أنهما أخبراه أن رسول الله وَ لفيه رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: ((ما بال هذا؟))، قالوا: أبو إسرائيل نذر أن لا يستظلّ، ولا يتكلّم، ويصوم ... الحديث. قال الخطيب: هذا الرجل هو أبو إسرائيل، ثم ساق حديث عكرمة، عن ابن عبّاس ﴿ّ أن النبيّ وَّ و كان يخطب يوم الجمعة، فرأى رجلاً يقال له: أبو إسرائيل، فقال: ((ما باله؟))، قالوا: نذر أن يصوم، ويقوم في الشمس، ولا يتكلّم ... الحديث، وهذا الحديث أخرجه البخاريّ من حديث ابن عباس ظه، والمغايرة بينه وبين حديث أنس . ظاهرة من عدّة أوجه، فيحتاج من وحّد بين القصّتين إلى مُسْتنَد، والله المستعان. انتهى كلام الحافظ تَذَتُهُ(٢)، وهو تحقيق حسن. (فَقَالَ: ((مَا بَالُ هَذَا؟))؛ أي: أيّ شيء شأنه، وحاله، وفي حديث أبي هريرة: ((ما شأن هذا؟» (قَالُوا) في حديث أبي هريرة التالي بيان القائل، وهما (١) ((الفتح)) ١٧١/٥، كتاب ((جزاء الصيد)) رقم (١٨٦٥). (٢) ((الفتح)) ١٧١/٥ - ١٧٢ رقم (١٨٦٥). ٥٥١ (٤) - بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (٤٢٣٩) ابناه، ولفظه: ((قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر))، وقوله: (نَذَرَ) تقدّم أنه من بابي نصر، وضرب (أَنْ يَمْشِيَ)؛ أي: على قدميه بلا ركوب، يقال: مَشَى يمشي مَشْياً، من باب رَمَى: إذا كان على رجليه سريعاً كان أو بطيئاً، فهو ماشٍ، والجمع مُشاةٌ، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، قاله الفيّوميّ تَخْذ ◌ُهُ(١). وقال القرطبيّ تَظُّ: قوله: (نَذَر أن يمشي)) يعني به: إلى بيت الله تعالى؛ لأنَّه عرَّف نذر المشي، كما قال عقبة: إن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله تعالى، وقال الطحاويّ: إلى الكعبة، ولم يَرِد فيما صحَّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين: بيت الله، والكعبة. وألحق العلماء بهما ما في معناهما، مثل أن يقول: إلى مكة، أو ذكر جزءاً من البيت. وهذا قول مالك وأصحابه، واختلف أصحابه فيما إذا قال: إلى الحرم، أو مكاناً فيه، أو مكاناً من مدينة مكة، أو المسجد، هل يرجع إلى البيت أم لا؟ على قولين، وقال الشافعي: متى قال: عليَّ المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم؛ لزمه، وإن ذكر ما خرج عنه، لم يلزمه. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن حبيب من أصحابنا، إلا إذا ذكر عرفات؛ فيلزمه وإن كانت خارج الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشي ولا مسير في القياس، لكن الاستحسان في قوله: إلى بيت الله، أو الكعبة، أو مكة فقط. وكل هذا إذا ذكر المشي، فلو قال: عليّ المسير إلى مكة، أو الانطلاق، أو الذهاب؛ فلا شيء عليه؛ إلا أن يقول: في حجِّ، أو عمرةٍ، أو ينويهما. وتردد قول مالك في الرُّكوب، وأوجب أشهب الحج والعمرة فيهما؛ كالمشي. وكل هذا: إذا ذكر مكة، أو موضعاً منها على ما فصّلناه، فلو قال: عليَّ المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم، بل المضي إليها، وقال ابن وهب: يلزمه المشي. وهو القياس. ولو قال: إلى مسجد غير هذه الثلاثة، قال ابن المؤَّاز: إن كان قريباً كالأميال، لزمه المشي إليه، وإن كان بعيداً لم يلزمه. انتهى كلام القرطبيّ ◌َخَذُّهُ(٢) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن من نذر إلى أحد المساجد (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٤. (٢) ((المفهم)) ٦١٨/٤ - ٦١٩. ٥٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر الثلاثة يلزمه الوفاء به، وأما ما عداها من المساجد، فلا يُشرع النذر بالمشي إليها؛ للحديث المتّفق عليه: ((لا تشدّ الرحال، إلا إلى ثلاثة مساجد ... )) الحديث، كما تقدّم، فيكون النذر إلى غيرها غير طاعة، فلا يلزم الوفاء بنذره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (قَالَ) بَّرِ ((إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ)؛ أي: بالمشي مع العجز، والجارّ والمجرور متعلّق بـ(غنيّ))، و((تعذب)) مصدر مضاف إلى اسم الإشارة، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، و((نفسُهُ)) مرفوع على الفاعليّة، كما قال في «الخلاصة» : وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ كَمِّلْ بِنَصْبٍ أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَةْ وقوله: (لَغَنِيٌّ))) خبر ((إنّ))، قال القرطبيّ تَخْذُ: قوله: ((إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغنيّ))؛ أي: لم يكلفه بذلك، ولم يُحْوِجه إليه؛ لأنه غير مستطيع، وفي اللفظ الآخر: ((إن الله لغني عنك، وعن نذرك))؛ أي: عن مشيك الذي لا تستطيعه، لا أنَّ أصل النذر يسقط عنه؛ فإنَّه قد أمره بالرُّكوب، قال: وخرجت هذه العبارة على ما تعارفناه بيننا، من أنَّ من استغنى عن شيء لم يلتفت إليه، ولم يعبأ به، وكيف لا، والله تعالى هو الغني الحميد، وكل الموجودات مفتقرة إليه افتقار ضعفاء العبيد. انتهى(١). (وَأَمَرَهُ) ◌َِّ (أَنْ يَرْكَبَ)، وفي رواية للنسائيّ: ((مُرْهُ، فَلْيَرْكَبْ))، زاد أحمد عن الأنصاريّ، عن حميد: ((فركب))، قال في ((الفتح)): وإنما لم يأمره وَّ بالوفاء بالنذر، إما لأن الحجّ راكباً أفضل من الحجّ ماشياً، فنذر المشي يقتضي التزام ترك الأفضل، فلا يجب الوفاء به، أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره، وهذا هو الأظهر. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ظُه هذا متّفقٌ عليه. (١) ((المفهم)) ٤ /٦١٦ - ٦١٧. (٢) ((الفتح)) ١٧٢/٥، كتاب ((جزاء الصيد)) رقم (١٨٦٥). ٥٥٣ (٤) - بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (٤٢٣٩) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٣٩/٤] (١٦٤٢)، و(البخاريّ) في ((جزاء الصيد» (١٨٦٥) و((الأيمان والنذور)) (٦٧٠١)، و(أبو داود) في ((الأيمان والنذور)) (٣٣٠١)، و(الترمذيّ) في ((النذور والأيمان)) (١٥٣٧)، و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور)) (١٩/٧ و٣٠) و((الكبرى)) (١٣٦/٣)، و(عبد الرزّاق) في (مصنّفه)) (٤٤٩/٨ و٤٥٠ و٤٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٩٢/٣ و٩٣ و٩٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (١١٤/٣ و١٨٣ و٢٣٥ و٢٧١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٥٣٢ و٣٨٤٢ و٣٨٨١)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣٦١/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٤٠/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٣٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣/٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٠٤٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٨٢ و٤٣٨٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٨/٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٢٨/٣ - ١٢٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٨/١٠) و((المعرفة)) (٣٤١/٧) و((الصغرى)) (٥٣٣/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٤٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من عجز عن الوفاء بنذره لا يجب عليه الوفاء، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في وجوب الهدي عليه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): مشروعيّة النذر إلى بيت الله الحرام. ٣ - (ومنها): يُسر الدين وسهولة أمره، حيث يراعي عجز العاجزين، فلا يأمرهم بما يشقّ عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ فَجْ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. ٤ - (ومنها): إثبات صفة الغنى الله ◌ُعَلَ، فهو الغنيّ، والخلق مفتقرون إليه ◌ُعَّ، كما قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ [فاطر: ١٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١٥) اُلْحَمِیدُ (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم فيمن نذر المشي إلى بيت الله الحرام: ٥٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر قال ابن قدامة دَخَّتُهُ: من نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه الوفاء بنذره. وبهذا قال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو عُبيد، وابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافاً. وذلك لأن النبيّ وَّه قال: ((لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى))، متّفق عليه. قال: ولا يجزئه المشي إلا في حجّ، أو عمرة، وبه يقول الشافعيّ، ولا أعلم فيه خلافاً، وذلك لأن المشي المعهود في الشرع هو المشي في حجّ، أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حُمل على المعهود الشرعيّ، ويلزمه المشي فيه؛ لنذره المشي، فإن عجز عن المشي ركب، وعليه كفّارة يمين. وعن أحمد رواية أخرى أنه يلزمه دم، وهو قول الشافعيّ، وأفتى به عطاء؛ لِمَا روى ابن عباس هما: ((أن أخت عقبة بن عامر به نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فأمرها النبيّ ◌َ ﴿ أن تركب، وتُهدي هدياً))، رواه أبو داود، وفيه ضعف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل هو حديث صحيح، ولتراجع كلام الشيخ الألبانيّ كَّثُ في ((الصحيحة)) (١٠٣٧/٦)، والله تعالى أعلم. قال: ولأنه أخلّ بواجب في الإحرام، فلزمه هديٌّ، كتارك الإحرام من الميقات. وعن ابن عمر، وابن الزبير ﴿ قالا: يحجّ من قابل، ويركب ما مشى، ويمشي ما ركب، ونحوه عن ابن عبّاس، وزاد، فقال: ويُهدي. وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة. وعن النخعيّ روايتان: إحداهما؛ كقول ابن عمر. والثانية؛ كقول ابن عبّاس. وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: عليه هديٌ، سواء عجز عن المشي، أو قدر عليه، وأقلّ الهدي شاة. وقال الشافعيّ: لا يلزمه مع العجز كفّارة بحال، إلا أن يكون النذر مشياً إلى بيت الله الحرام، فهل يلزمه هديٌّ، فيه قولان. وأما غيره، فلا يلزمه مع العجز شيء. قال: ولنا قول النبيّ وَّو حين قال لأخت عقبة بن عامر لمّا نذرت المشي إلى بيت الله الحرام: ((لتمش، ولتركب، ولتكفّر عن يمينها))(١)، وفي رواية: ((ولتصم ثلاثة (١) ضعيف؛ لأن في سنده شريك بن عبد الله النخعي، سيئ الحفظ، ويدلّس، وقد عنعنه . ٥٥٥ (٤) - بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (٤٢٣٩) أيام)) (١)، وقول النبيّ وَله: ((كفّارة النذر كفّارة اليمين))(٢). انتهى كلام ابن قُدامة تَخْذَلُهُ باختصار(٣). وقال القرطبيّ تَّهُ: في هذا الحديث، وحديث أخت عقبة المذكور بعد هذا - وهو أنصُّ مما قبله -؛ دليلٌ على أن نذر المشي إلى البيت الحرام يجب الوفاء به لمن قدر عليه، فإن لم يقدر وجب عليه المضيّ راكباً، وظاهرهما لزوم المشي، وإن لم يذكر حجّاً ولا عمرة، كما هو مذهب مالك؛ لأنه لما سأله عقبة عمَّن نذر المشي إلى البيت مطلقاً، فأجاب عنه، ولم يستفصل، تعيّن حملُ الجواب على إطلاق ذلك السؤال؛ إذ لو اختَلَف الحال بقيدٍ لسأل عنه، أو لبيَّنه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإلى هذا ذهب الشافعيّ، وهو مرويّ عن عليّ، وابن عباس، وقال أبو حنيفة: إن لم يُسَمّ حجّاً ولا عمرة لم يلزمه مشيٍّ، ولا شيء جملة واحدة، وقال الحسن البصريّ: إن نذر حجّاً أو عمرة فلا مشي عليه، ويركب وعليه دم، وقاله أبو حنيفة أيضاً، والحجَّة عليهما ما تقدَّم. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّ(٤) . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ، وروي عن عليّ : من أن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام وجب الوفاء عليه، وابن عبّاس سواء سمّى حجّاً أو عمرة، أم لم يسمّ هو الراجح؛ لإطلاق حديث أنس، وعقبة بن عامر ﴿ًا، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسة): قال القرطبيّ تَظّلهُ: ظاهر حديث هذا الشيخ أنَّه كان قد عجز عن المشي في الحال، وفيما يأتي بعد، ولذلك لم يقل له النبيّ وَّ ما قال لأخت عقبة: ((مُرْها فلتمش ولتركب))؛ فإنَّها كانت ممن يقدر على بعض المشي، فأمرها أن تركب ما عجزت عنه، وتمشي ما قدرت عليه، وهذا هو (١) حديث الأمر بالصوم ضعيف؛ لأنه من رواية عبيد الله بن زحر، وهو ضعيف عند الأكثرين. (٢) رواه مسلم. (٤) ((المفهم)) ٤ /٦١٦. (٣) ((المغني)) ٦٣٥/١٣ - ٦٣٦. ٥٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر المناسب لقواعد الشريعة، ولم يذكر لواحد منهما وجوب دم عليه، ولا ذكر لأخت عقبة وجوب الرُّجوع لتمشي ما ركبته. فأمَّا من يئس عن المشي فلا رجوع عليه قولاً واحداً، ولا يلزمه دم؛ إذ لم يخاطب بالمشي، فيكون الدَّم بدله، وإنما هو استحباب عند مالك. وأمَّا من خوطب بالمشي فركب لموجب من مرض، أو عجز: فيجب عليه الهدي عند الجمهور، وقال الشافعيّ: لا يجب عليه الهدي، ويُختار له الهدي، وروى عن ابن الزبير: أنه لم يجعل عليه دماً؛ متمسِّكاً بما قررناه من الظاهر. وقد تمسّك الجمهور بزيادةٍ زادها أبو داود والطحاويّ في حديث عقبة، وهذا لفظه: قال عقبة بن عامر: أنه أتى النبيّ وَلقر، فأخبره: أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ناشرة شعرها، فقال له النبيّ وَّل : «مرها فلتركب، ولتختمر، ولْتُهْدِ هدياً))، وعند أبي داود: ((بدنة))، وليس فيه: ((ناشرة شعرها))، وزيادة الهدي قد رواها عن النبيّ ونَ﴿ مع عقبة: ابنُ عبَّاس، ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل إلى ردِّها، وليس سكوت من سكت عنها حجَّة على من نطق بها، وقد عَمِل بها الجماهير من السلف وغيرهم. قال الجامع عفا الله عنه: القول بلزوم الهدي هو الحقّ؛ لصحّة الحديث بذلك، كما حقّقه القرطبيّ تَخَّتُهُ في كلامه المذكور آنفاً، والله تعالى أعلم. قال: ثم هل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ركبه أم لا يجب؟ اختُلِف فيه: فقيل: لا يجب عليه مطلقاً. وإليه ذهب الشافعي، وأهل الكوفة، وهذا أحد قولي ابن عمر. وقيل: يرجع، وإليه ذهب سلف أهل المدينة، وابن الزبير، وهو القول الآخر عن ابن عمر، وفرَّق مالك فقال: إن كان المشي يسيراً لم يرجع، ويرجع في الكثير، ما لم يرجع لبلده البعيدة، فيكفيه الدَّم. قال القرطبيّ ◌َُّهُ: والتمسُّك بحديث عقبة في ترك إيجاب الرُّجوع ظاهر، وعمل سلف أهل المدينة باهر. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: العمل بما دلّ عليه حديث عقبة هو الأرجح. (١) ((المفهم)) ٤ / ٦١٧ - ٦١٨. ٥٥٧ (٤) - بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (٤٢٤٠ - ٤٢٤١) والحاصل أن القول بلزوم الرجوع مما لا دليل عليه، فالحقّ ما ذهب إليه القائلون بعدم الرجوع؛ لوضح حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف كََّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢٤٠] (١٦٤٣) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْيَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ أَدْرَكَ شَيْخاً يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ، يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َِّ: ((مَا شَأْنُ هَذَا؟))، قَالَ ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ، وَعَنْ نَذْرَِ))، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، وَابْنِ حُجْرٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: وهو الإسناد الذي تقدّم بعينه. وقوله: (يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِمَا)؛ أي: يعتمد عليهما، يقال: توكّأ على عصاه: اعتَمَد عليها، وتمام شرح الحديث تقدّم في حديث أنس ◌ُه قبله. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف تَّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٤٠/٤ و٤٢٤١] (١٦٤٣)، و(ابن ماجه) في ((سننه)) (٦٨٩/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٧٣/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٤٠/٢)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٣٤٧/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٣٥/١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٨/١٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٢٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). ٥٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وقد ذُكروا قبله، وقبل أيضاً، و((عبد العزيز)) هو: ابن محمد الدراورديّ المدنيّ. [تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن عمرو بن أبي عمرو ساقها ابن ماجه في ((سننه))، فقال: (٢١٣٥) - حدثنا يَعْقُوبُ بن حُمَيْدٍ بن كَاسِبٍ، ثنا عبد الْعَزِيزِ بن مُحَمَّدٍ، عن عَمْرٍو بن أبي عَمْرٍو، عن الْأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: رَأَى النبيّ وَله شَيْخاً يَمْشِي بين ابْنَيْهِ، فقال: ((ما شَأْنُ هذا؟)) قال ابْنَاهُ: نَذْرٌ يا رَسُولَ اللهِ، قال: ((ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فإن اللّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ، وَعَنْ نَذْرِكَ)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢٤٢] (١٦٤٤) - (وَحَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحِ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ - بَعْنِي: ابْنَ فَضَالَةَ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: ((لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحِ الْمِصْرِيُّ) هو: زكريا بن يحيى بن صالح بن يعقوب القُضاعيّ، أبو يحيِّى المصريّ الْحَرَسيّ - بمهملة، وراء مفتوحتين، ثم مهملة - كاتب العُمَريّ القاضي، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن المفضل بن فَضَالة، ونافع بن يزيد، وابن وهب، ورِشْدين بن سَعْد. وروی عنه مسلم، وإسماعيل بن داود بن وردان، والحسین بن إدريس الأنصاريّ الهرويّ، ومحمد بن زَبّان بن حبيب، وغيرهم. (١) ((سنن ابن ماجه)) ٦٨٩/١. ٥٥٩ (٤) - بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (٤٢٤٢) قال ابن يونس: تُوُفّي يوم الأربعاء لإحدى وعشرين ليلة خَلَت من شعبان سنة (٢٤٢) وكانت القُضاة تقبله، وقال مَسْلَمة: أخبرنا عنه ابن زَبّان، وكان ثقةً، وقال الصَّدَفيّ: سألت العُقَيليّ عنه، فقال: ثقةٌ حَدَّث عن المفَضَّل بأحاديث مستقيمة. تفرّد به المصنّف، وليس له عنده في هذا الكتاب إلا حديثان، هذا برقم (١٦٤٤)، وحديث (١٨٨٦): ((يُغْفَر للشهيد كلُّ ذنب إلا الدَّين)). ٢ - (الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ) بن عُبيد بن ثُمامة الْقِتْبانيّ، أبو معاوية المصريّ القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ، أخطأ ابن سعد في تضعيفه [٨] (ت١٨١) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٢٥/٦. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَيَّاشٍ) - بمثّاة، ومعجمة - ابن عباس - بموحّدة، ومهملة - الْقِتبانيّ - بكسر القاف، بعدها مثنّاة ساكنة، ثم موحّدة - أبو حفص المصريّ، صدوق يَغْلَط [٧]. رَوَى عن أبيه، ويزيد بن أبي حبيب، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبيد الله بن أبي جعفر، والزهريّ، وأبي عُشّانة الْمَعَافريّ، وغيرهم. وروى عنه الليث، وهو من أقرانه، ومُفَضَّل بن فَضَالة، وابن وهب، وزيد بن الْحُباب، وعبد الله بن يزيد المقرىء، وغيرهم. قال أبو حاتم: ليس بالمتين، صدوقٌ، يُكْتَب حديثه، وهو قريب من ابن لَهِيعة، وقال أبو داود، والنسائيّ: ضعيف، وقال ابن يونس: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة سبعين ومائة. روى له المصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، أخرجه المصنّف في الشواهد. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) اسم أبيه سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيه، وكان يُرسل [٥] (ت١٢٨) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٥ - (أَبُو الْخَيْرِ) مَرْئد بن عبد الله الْيَزَنيّ المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٦ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الجُهنيّ الصحابيّ المشهور، أبو حمّاد، وقيل: غيره، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهاً فاضلاً، مات في قرب الستين (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. ٥٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالمصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّه من مشاهير الصحابة شرح الحديث: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) وفي الرواية التالية: عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ (أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي) قال الحافظ تَُّ: قال المنذريّ، وابن القسطلانيّ، والقطب الحلبيّ، ومن تبعهم: هي أم حِبّان بنت عامر - وهي بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة - ونسبوا ذلك لابن ماكولا، فَوَهِمُوا، فإن ابن ماكولا إنما نقله عن ابن سعد، وابن سعد إنما ذكر في طبقات النساء أم حِبّان بنت عامر بن نابي - بنون، وموحّدة - ابن زيد بن حَرَام - بمهملتين - الأنصارية، قال: وهي أخت عقبة بن عامر بن نابي، شَهِد بدراً، وهي زوج حَرَام بن مُحَيِّصة، وكان ذَكَر قبلُ عقبةَ بن عامر بن نابي الأنصاريّ، وأنه شَهِد بدراً، ولا رواية له، وهذا كله مغاير للجهنيّ، فإن له رواية كثيرة، ولم يَشْهَد بدراً، وليس أنصاريّاً، فعلى هذا لم يُعْرَف اسم أخت عقبة بن عامر الجهنيّ، وقد كنت تبعت في المقدمة مَن ذكرتُ، ثم رجعت الآن عن ذلك، وبالله التوفيق. انتهى كلام الحافظ كََّثُ، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً)؛ أي: بدون نعل، يقال: حَفِي الرجلُ يَحْفَى، من باب تَعِبَ حَفَاءً، مثلُ سلام: مشَى بغير نعلٍ، ولا خُفّ، فهو حافٍ، والجمع حُفاةٌ، مثلُ قاضٍ وقُضاة، والْحِفَاءُ بالمدّ: اسم منه(١). وفي رواية لأحمد، وأصحاب السنن من طريق عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر الجهنيّ: ((أن أخته نَذَرت أن تمشي حافيةً، غير مختمرة))، وزاد الطبريّ من طريق إسحاق بن سالم، عن عقبة بن عامر: ((وهي امرأة ثقيلة، والمشي يشق عليها))، ولأبي داود من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((أن عقبة بن عامر سأل النبيّ وَله، فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى (١) ((المصباح المنير)) ١٤٢/١.