Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِقَضَاءِ النَّذْرِ - حديث رقم (٤٢٢٧)
١ - (منها): بيان صحّة النذر، وجوب الوفاء به، وقضائه، قال
النوويّ تَخْلُ: أجمع المسلمون على صحّة النذر، ووجوب الوفاء به، إذا كان
الملتَزَم طاعةً، فإن نذر معصيةً، أو مباحاً؛ كدخول السوق لم ينعقد نذره، ولا
كفّارة عليه عندنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال أحمد، وطائفة: فيه كفّارة
یمین. انتهى(١).
٢ - (ومنها): بيان جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول
ثواب الصدقة إليه، ولا سيما إن كان من الولد، وهو مخصص لعموم قوله
[النجم: ٣٩]، وقد تقدّم تحقيق هذا
٣٩
تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
قريباً .
٣ - (ومنها): قضاء الحقوق الواجبة عن الميت، وقد ذهب الجمهور إلى
أن من مات، وعليه نذر ماليّ أنه يجب قضاؤه من رأس ماله، وإن لم يوص،
إلا إن وقع النذر في مرض الموت، فيكون من الثلث، وشرط المالكية،
والحنفية أن يوصي بذلك مطلقاً .
واستُدِلّ للجمهور بقصة أم سعد هذه، وقول الزهريّ: إنها صارت سُنَّةً
بعدُ، ولكن يمكن أن يكون سعد قضاه من تركتها، أو تبرع به.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((قضاه من تركتها)) فيه ما تقدّم من أنها
قالت: ((المال مال سعد))، فمن أين تكون لها التركة؟ فتنبه.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخُّ: فيه من الفقه استفتاء الأعلم ما
أمكن، وقد اختَلَف أهل الأصول في ذلك، هل يجب على العامِّيّ أن يبحث
عن الأعلم، أو يكتفي بسؤال عالم - أي عالم كان؟ على قولين، وقد
أوضحناهما في الأصول، وبيَّنا: أنه يجب عليه أن يبحث عن الأعلم؛ لأن
الأعلم أرجح، والعمل بالرَّاجح واجب. انتهى(٢).
٥ - (ومنها): فضل بِرّ الوالدين بعد الوفاة، والتوصل إلى براءة ما في
ذمتهم.
٦ - (ومنها): أنه قد اختَلَف أهل الأصول في الأمر بعد الاستئذان، هل
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٦/١١.
(٢) «المفهم)) ٦٠٥/٤.

٥٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
يكون كالأمر بعد الحظر، أو لا؟ فرَجَّح صاحب ((المحصول)) أنه مثله،
والراجح عند غيره أنه للإباحة، كما رَجّح جماعة في الأمر بعد الحظر أنه
للاستحباب، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٢٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ (ح)
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ
عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح)
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنٍ وَائِلٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِسْنَادِ اللَّيْثِ، وَمَعْنَى حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة عشر:
١ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ، تقدم أيضاً قريباً.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٧ - (بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ) بن داود التيميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٨] (م٤).
رَوَى عن الزهريّ، وعبد الله بن دينار، وأبي الزبير، وموسى بن عقبة،
ونافع، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، وابن عيينة، وهشام بن عروبة، وهو أكبر منه، وأبوه
وائل بن داود، وهمام بن يحيى، وقريش بن حبان، وعامتهم من أقرانه، وروى
سفيان عن أبيه وائل قال: كان ابنه يجالس الزهريّ معنا .
(١) ((الفتح)) ٣٦٣/١٥ - ٣٦٤ رقم (٦٦٩٨).

٥٠٣
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِقَضَاءِ الَّذْرِ - حديث رقم (٤٢٢٨)
قال أبو حاتم: صالح، وقال النسائيّ: ليس به بأس، مات قبل أبيه،
وقال الحاكم: وائل وابنه ثقتان، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال عبد الحقّ
في ((الأحكام)): ضعيف، ورَدّ ذلك عليه ابن القطان، فأجاد، وقال: لم يذكره
أحد ممن صنّف في الضعفاء، ولا قال فيه أحد: إنه ضعيف. انتهى(١).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: رواية مالك، عن ابن شهاب، ساقها البخاريّ في ((صحیحه))،
فقال :
(٢٦١٠) - حدّثنا عبد اللهِ بن يُوسُفَ، أخبرنا مَالِكٌ، عن ابن شِهَابٍ، عن
عُبَيْدِ اللهِ بن عبد اللهِ، عن ابن عَبَّاسِ ظُهَا أَنَّ سَعْدَ بن عُبَادَةَ رَظ ◌ُهِ اسْتَفْتَى
رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فقال: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، فقال: ((اقْضِهِ عنها)).
انتھی(٢).
وأما رواية ابن عيينة، عن الزهريّ، فساقها ابن أبي شيبة في ((مصنّفه))،
فقال :
(١٢٠٨٠) - حدّثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابن
عَبَّاسِ، أَنَّ سَعْدَ بن عُبَادَةَ اسْتَفْتَى النبيّ ◌َِّ فِي نَذْرٍ كان على أمه، تُوُفّيت قبل
أَنْ تَقْضِيَهُ، فقال: ((اقْضِهِ عنها)). انتهى(٣).
وأما رواية يونس، عن الزهريّ، فساقها أبو عوانة في ((مسنده))، فقال:
(٥٨٣٠) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأ ابن وهب، قال:
أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن سعد بن
عبادة استفتى رسول الله ﴿ في نذر كان على أمه، ماتت قبل أن تقضيه، فقال
رسول الله وَ ل: ((اقضيه عنها)). انتهى(٤).
وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فساقها أيضاً أبو عوانة في ((مسنده))،
فقال :
(١) (تهذيب التهذيب)) ٤٢٨/١
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٨/٣.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ١٠١٥/٣.
(٤) ((مسند أبي عوانة)) ٦/٤.

٥٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
(٥٨٢٨) - حدّثنا محمد بن مهل، ومحمد بن إسحاق بن الصباح،
والدَّبَريّ الصنعانيّون، وحمدان السلميّ، قالوا: ثنا عبد الرزاق، قال: أنبأ
معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن سعد بن
عبادة سأل رسول الله بَّر عن نذر كان على أمه، فأمر بقضائه. انتهى(١).
وأما رواية بكر بن وائل، عن الزهريّ، فساقها أبو يعلى في ((مسنده))،
فقال :
(٢٦٨٣) - حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان، حدّثنا عبدة بن سليمان، عن
هشام بن عروة، عن بكر بن وائل، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن
ابن عباس، قال: جاء سعد بن عبادة إلى النبيّ وَّر، فقال: إن أمي ماتت،
وعليها نذر، ولم تقضه، فقال له النبيّ بيّيقول: ((اقضه عنها)). انتهى(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾.
(٢) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الَّذْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئاً)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٢٩] (١٦٣٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ يَوْماً يَنْهَانَا عَنِ النَّذْرِ، وَيَقُولُ:
(إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئاً، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ مولاهم، المعروف بابن راهويه، أبو محمد
المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [١٠] (ت٢٣٨) (خ مدت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
(١) مسند أبي عوانة ٥/٤ - ٦.
(٢) ((مسند أبي يعلى)) ٨٣/٥.

٥٠٥
(٢) - بَابُ الَّهْي عَنِ النَّذْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئاً - حديث رقم (٤٢٢٩)
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ
وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) تقدم في ((المقدمة)) (ع) ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت
١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الهَمْدانيّ الخارفيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠)،
أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
[تنبيه]: عبد الله بن مرّة هذا هو الخارفيّ - بالخاء المعجمة، والراء
والفاء - وهو من رجال الجماعة، كما أشرت إليه آنفاً، ولهم عبد الله بن مرّة
آخر في طبقته، وهو الزَّوْفيّ - بالزاي المفتوحة، وسكون الواو، ثم فاء -
وليس له رواية في ((الصحيحين))، بل هو من رجال أصحاب ((السنن)) سوى
النسائيّ.
ولهم أيضاً عبد الله بن مرّة الزُّرَقيّ - بضم الزاي، وفتح الراء، بعدها
قاف - المدنيّ، لكنه متأخر من الطبقة السادسة، وهو مجهول، من أفراد
النسائيّ، له عنده حديث واحد في ((النكاح))، والله تعالى أعلم.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ
(ت ٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((أخبرنا عبد الله بن
مرّة، قال في ((الفتح)): هو الْهَمْدانيّ - بسكون الميم - الخارفيّ - بمعجمة، وراء
مكسورة، ثم فاء -، تابعيّ كبير، ولهم شيخ آخر في طبقته، يقال له: عبد الله بن
مرّة الزَّوْفيّ - بزاي، وواو ساكنة، ثم فاء - مصريّ (١)، ويقال له: عبد الله بن
أبي مُرّة، وهو بها أشهر. انتهى(٢).
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿يَا أنه (قَالَ: أَخَذَ)؛ أي: شرع
(١) قال في ((تهذيب التهذيب)): شَهِدَ فتح مصر.
(٢) ((الفتح)) ٢٢٢/١٥، كتاب ((القدر)) رقم (٦٦٠٨).

٥٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
(رَسُولُ اللهِ وَِّ يَوْماً يَنْهَانَا عَنِ النَّذْرِ)، وفي الرواية الثالثة: ((نهى عن النذر))،
وفي حديث أبي هريرة الآتي: ((لا تنذروا)) بصريح النهي.
قال الخطّابيّ تَخْتُ: هذا غريبٌ من العلم، وهو أن يُنهَى عن الشيء أن
يُفْعَل، حتى إذا فُعل وقع واجباً. انتهى.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا النذر محلّه أن يقول: إن شَفَى الله مريضي، أو
قَدِم غائبي فعليّ عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا، ووجه هذا النهي هو
أنه لَمّا وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل ظهر، أنه لم يتمّض
له نيّة التقرّب إلى الله تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ألا
ترى أنه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟ وهذه حال البخيل، فإنه لا يُخرج من
ماله شيئاً إلا بعوض عاجل يربي على ما أخرج، وهذا المعنى هو الذي أشار
إليه بقوله وقيل: ((إنما يُستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يُخرجه))، ثم
يُضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو
أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة
بقوله : ((فإن النذر لا يردّ من قدر الله شيئاً))، وهاتان جهالتان، فالأولى
تقارب الكفر، والثانية خطأٌ صُرَاح.
وإذا تقرّر هذا، فهل هذا النهي محمول على التحريم، أو على الكراهة؟
المعروف من مذاهب العلماء الكراهة، قال القرطبيّ: والذي يظهر لي حمله
على التحريم في حقّ من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على
ذلك محرّماً، والكراهة في حقّ من لم يعتقد ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى
كلام القرطبيّ تَُّهُ(١)، وهو حسنٌ جدّاً، وسيأتي بيان ما قاله العلماء في معنى
النهي عن النذر تفصيلاً في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(وَيَقُولُ) وَِّ ((إِنَّهُ)؛ أي: النذر (لَا يَرُدُّ شَيْئاً)؛ أي: مما قدّره الله تعالى،
وفي رواية سفيان التالية: ((النذر لا يقدّم شيئاً، ولا يؤخّره))، وفي رواية شعبة
الثالثة: ((إنه لا يأت بخير))، وفي حديث أبي هريرة به: ((فإن النذر لا يُغني
من القدر شيئاً))، وفي حديثه الآخر: ((إن النذر لا يُقرّب من ابن آدم شيئاً لم
(١) ((المفهم)) ٦٠٦/٤ - ٦٠٧.

٥٠٧
(٢) - بَابُ الَّهْي عَنِ النَّذْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئاً - حديث رقم (٤٢٢٩)
يكن الله قدّره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيُخرَج بذلك من البخيل ما لم يكن
البخيل يريد أن يُخرِج)).
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((لا يأتي بخير))؛ أي: أنّ عقباه لا تُحمَد،
وقد يتعذّر الوفاء به، وقد يكون معناه: لا يكون سبباً لخير لم يُقدّر، كما في
الحديث، وبهذا الاحتمال الأخير صدّر ابن دقيق العيد كلامه، فقال: يَحْتَمِل
أن تكون الباء للسببيّة؛ كأنه قال: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر، وطبعه
في طلب القربة، والطاعة من غیر عِوَض یحصل له، وإن کان يترتّب علیه خير،
وهو فعل الطاعة التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه. انتهى.
(وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ) بالبناء للمجهول (مِنَ الشَّحِيحِ)))، وفي الرواية التالية:
((من البخيل))، وفي رواية ابن ماجه: ((من اللئيم))، ومدار الجميع على منصور بن
المعتمر، عن عبد الله بن مرّة، فالاختلاف في اللفظ المذكور من الرواة عن
منصور، والمعاني متقاربة؛ لأن الشحّ أخصّ، واللؤم أعمّ، قال الراغب
الأصفهانيّ: البخل إمساك الْمُقْتَنَيات عمّا لا يَحِقُّ حبسها، والشحّ بخلٌ مع
حرص، واللؤم فعل ما يلام عليه. انتهى(١).
وقال البيضاويّ: عادة الناس تعليق النذر على تحصيل منفعة، أو دفع
مضرّة، فنُهي عنه؛ لأنه فعل البخلاء، إذ السخيّ إذا أراد أن يتقرّب بادر إليه،
والبخيل لا تُطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض، يستوفيه
أوّلاً، فيلتزمه في مقابلة ما يحصُل له، وذلك لا يُغني من القدر شيئاً، فلا
يسوق إليه خيراً لم يُقدّر له، ولا يردّ عنه شرّاً قُضي عليه، لكن النذر قد يوافق
القدر، فيُخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليُخرِجه، ذكره في ((الفتح))(٢).
[فإن قيل]: هذا الحديث بظاهره يعارض ما أخرجه الترمذيّ من حديث
أنس ظُبه مرفوعاً: ((إن الصدقة لتطفئ غضب الربّ، وتدفع ميتة السوء))،
فکیف یُجمع بينهما؟ .
[أُجيب]: بأنه يُجمع بينهما بأن الصدقة تكون سبباً لدفع ميتة السوء،
والأسباب مقدّرة؛ كالمسبّبات، وقد قال وَّ لمن سأله عن الرُّقَى: هل تردّ من
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٥٤/١٥.
(٢) ((الفتح)) ٣٥٥/١٥.

٥٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
قدر الله شيئاً؟ قال: ((هي من قدر الله))، أخرجه أبو داود، والحاكم، ونحوه
قول عمر نظُّه: ((نفرّ من قدر الله إلى قدر الله))، ومثل ذلك مشروعيّة الطبّ،
والتداوي.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس ظله المذكور: ((إن الصدقة
لتطفىء ... إلخ))، وإن حسّنه الترمذي، ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن
عيسى الخزّار، وهو ضعيف، فلا يصلح لمعارضة حديث الباب، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وقال ابن العربيّ كَّلُهُ: النذر شبيه بالدعاء؛ فإنه لا يردّ القدر، ولكنّه من
القدر أيضاً، ومع ذلك نُهي عن النذر، ونُدب إلى الدعاء، والسبب فيه أن
الدعاء عبادة عاجلة، ويظهر به التوجّه إلى الله، والتضرّع له، والخضوع، وهذا
بخلاف النذر، فإن فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول، وترك العمل إلى حين
الضرورة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر جا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٢٩/٢ و٤٢٣٠ و٤٢٣١ و٤٢٣٢] (١٦٣٩)،
و(البخاريّ) في ((القدر)) (٦٦٠٨) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٩٢ و٦٦٩٣)، و(أبو
داود) في ((الأيمان والنذور)) (٣٢٨٧)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (١١٢/٤)،
و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور)) (١٥/٧ - ١٦) و((الكبرى)) (١٣٣/٣ - ١٣٤)،
و(ابن ماجه) في ((الكفّارات)) (٢١٢٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٤٣/٨)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٩٤/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦١/٢ و٨٦ و٤١٢
و٤٦٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٣٤٠)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١/
٣٦٢ - ٣٦٣)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٤٣٧٥ و٤٣٧٧)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٧/٤ و٨ و٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٧/١٠)، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٥٥/١٥ - ٣٥٦.

٥٠٩
(٢) - بَابُ النَّهْي عَنِ النَّذْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئاً - حديث رقم (٤٢٢٩)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن النذر، وسيأتي أقوال أهل العلم في معنى
هذا النهي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ كَّلُهُ: فيه حجة على وجوب الوفاء بما
التزمه الناذر؛ لأن الحديث نصّ على ذلك بقوله: ((يُستخرج به))، فإنه لو لم
يلزمه إخراجه لَمَا تمّ المراد من وصفه بالبخل من صدور النذر عنه، إذ لو كان
مخيّراً في الوفاء لاستمرّ لبخله على عدم الإخراج.
٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على القدريّة، حيث إن القدر دفع البخيل أن
يخرج ماله، فلو كان يخلق أفعال نفسه لَمَا أخرج ذلك.
٤ - (ومنها): أن كلّ شيء يبتدئه المكلّف من وجوه البرّ أفضل مما يتلزمه
بالنذر، قاله الماورديّ كَّتُ .
٥ - (ومنها): أن فيه الحثّ على الإخلاص في عمل الخير.
٦ - (ومنها): أن فيه ذمّ البخل.
٧ - (ومنها): أن من اتّبع المأمورات، واجتنب المنهيّات لا يُعدّ بخيلاً،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى النهي عن النذر:
قال في ((الفتح)): وقد اختلف العلماء في هذا النهي، فمنهم: من حمله
على ظاهره، ومنهم من تأوّله، قال ابن الأثير في ((النهاية)): تكرّر النهي عن
النذر في الحديث، وهو تأكيد لأمره، وتحذيرٌ عن التهاون به بعد إيجابه، ولو
كان معناه الزجر عنه حتى لا يُفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم
الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصيةً، فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد
أعلمهم أنّ ذلك أمرٌ لا يجرّ لهم في العاجل نفعاً، ولا يَصرِف عنهم ضرّاً، ولا
يُغيّر قضاءً، فقال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدّر الله لكم،
أو تَصرِفوا به عنكم ما قدّره عليكم، فإذا نذرتم، فاخرُجوا بالوفاء، فإن الذي
نذرتموه لازم لکم. انتھی کلامه.
ونسبه بعض شُرّاح ((المصابيح)) للخطّابيّ، وأصله من كلام أبي عُبيد فيما
نقله ابن المنذر في ((كتابه الكبير))، فقال: كان أبو عبيد يقول: وجه النهي عن

٥١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
النذر، والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثماً، ولو كان كذلك ما أمر الله أن
يُوفَى به، ولا حُمِد فاعله، ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر، وتغليظ أمره؛
لئلا يتهاون به، فيفرّط في الوفاء به، ويترك القيام به، ثم استدلّ بما ورد من
الحثّ على الوفاء به في الكتاب والسُّنَّة، وإلى ذلك أشار المازريّ بقوله: ذهب
بعض علمائنا إلى أن الغرض بهذا الحديث التحفّظ في النذر، والحضّ على
الوفاء به، قال: وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث.
ويَحْتَمِل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقربة مستقلاً لها
لَمّا صارت عليه ضربة لازب، وكلّ ملزوم، فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق
الاختيار.
ويَحْتَمِل أن يكون سببه أن الناذر لمّا لم ينذر القربة إلا بشرط أن يُفْعَل له
ما يُريد؛ صار كالمعاوضة التي تقدح في نيّة المتقرّب.
قال: ويشير إلى هذا التأويل قوله: ((إنه لا يأتي بخير))، وقوله: ((إنه لا يقرّب
من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدّره له))، وهذا كالنصّ على هذا التعليل. انتهى.
والاحتمال الأول يعُمّ أنواع النذر، والثاني يخصّ نوع الْمُجازات، وزاد
القاضي عياض: ويقال: إن الإخبار بذلك وقع على سبيل الإعلام من أنه لا
يغالِب القدرَ، ولا يأتي الخيرُ بسببه، والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن
يقع ذلك في ظنّ بعض الجهلة، قال: ومُحصّل مذهب مالك أنه مباحٌ، إلا إذا
كان مؤيّداً لتكرّره عليه في أوقات، فقد يثقل عليه فعله، فيفعله بالتكلّف من غير
طيب نفس، وغير خالص النّة، فحينئذ يكره، قال: وهذا أحد محتملات قوله:
((لا يأتي بخير))، کما تقدّم بيانه.
وقال الخطّابيّ في ((الأعلام)): هذا باب من العلم غريبٌ، وهو أن يُنهى
عن فعل شيء حتى إذا فُعِل كان واجباً، وقد أكثر الشافعيّةُ ـ ونقله أبو عليّ
السنجيّ عن نصّ الشافعيّ - أن النذر مكروه؛ لثبوت النهي عنه، وكذا نُقل عن
المالكيّة، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد، وأشار ابن العربيّ إلى الخلاف
عنهم، والجزم عن الشافعيّة بالكراهة، قال: واحتجّوا بأنه ليس طاعة محضة؛
لأنه لم يقصد به خالص القربة، وإنما قصد أن ينفع نفسه، أو يدفع عنها ضرراً
بما التزمه .

٥١١
(٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئاً - حديث رقم (٤٢٢٩)
وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقّف
بعضهم في صحّتها .
وقال الترمذيّ بعد أن ترجم كراهية النذر، وأورد حديث أبي هريرة
ثم قال: وفي الباب عن ابن عمر، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، من
أصحاب النبيّ ◌َّه، وغيرهم كرهوا النذر، وقال ابن المبارك: معنى الكراهة في
النذر في الطاعة، وفي المعصية، فإن نذر الرجل في الطاعة، فوفى به، فله فيه
أجرٌ، ويكره له النذر، قال ابن دقيق العيد: وفيه إشكالٌ على القواعد، فإنها
تقتضي أن الوسيلة إلى الطاعة طاعة، كما أن الوسيلة إلى المعصية معصيةٌ،
والنذر وسيلة إلى التزام القربة، فيلزم أن يكون قربة، إلا أن الحديث دلّ على
الكراهة، ثم أشار إلى التفرقة بين نذر المجازات، فحمل النهي عليه، وبين نذر
الابتداء، فهو قربةٌ محضة.
وقال ابن أبي الدم في ((شرح الوسيط)): القياس استحبابه، والمختار أنه
خلاف الأولى، وليس بمكروه، كذا قال، ونوزع بأن خلاف الأولى ما اندرج
في عموم نهي، والمكروه ما نُهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النهي عن النذر
بخصوصه، فيكون مكروهاً.
قال الحافظ: وإني لأتعجّب ممن انطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت
النهي الصريح عنه، فأقلّ درجاته أن يكون مكروهاً كراهة تنزيه.
وممن بنى على استحبابه النوويّ في ((شرح المهذّب))، فقال: إن الأصحّ
أن التلفّظ بالنذر في الصلاة لا يُبطلها؛ لأنها مناجاة الله، فأشبه الدعاء. انتهى.
وإذا ثبت النهي عن الشيء مطلقاً، فترك فعله داخل الصلاة أولى، فكيف
يكون مستحباً؟ وأحسن ما يُحمل به عليه كلام هؤلاء نذر التبرّر المحض بأن
يقول: الله عليّ أن أفعل كذا، أو لأفعلنّه على المجازاة (١).
وقد حمل بعضهم النهي على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه،
حكاه العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)).
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، والظاهر أن الصواب: لا على المجازاة بزيادة ((لا))،
فليتأمل.

٥١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
ولَمّا نقل ابن الرفعة عن أكثر الشافعيّة كراهة النذر، وعن القاضي حسين
المتولّي بعده، والغزاليّ أنه مستحبّ؛ لأن الله أثنى على من وفى به، ولأنه
وسيلة إلى القربة، فيكون قربة. قال: ويمكن أن يتوسّط، فيقال: الذي دلّ عليه
الخبر على كراهته نذر المجازاة، وأما نذر التبرّر، فهو قربة محضة؛ لأن للناذر
فيه غرضاً صحيحاً، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب
التطوّع. انتهى(١).
وجزم القرطبيّ في ((المفهم)) بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على
نذر المجازاة، فقال: هذا النذر محلّه أن يقول مثلاً: إن شفى الله مريضي،
فعليّ صدقة كذا، ووجه هذه الكراهة أنه لَمّا وقّف فعل هذه القربة على حصول
الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمخّض له نيّة التقرّب إلى الله تعالى بما صدر
منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ويوضّحه أنه لو لم يُشف مريضه لم
يتصدّق بما علّقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئاً
إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالباً، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه
بقوله وَ *: ((إنما يُستخرَج به من البخيل ما لم يكن البخيل يُخرجه))، قال: وقد
ينضمّ إلى هذا اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو
أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة
بقوله وقال : ((فإن النذر لا يردّ من قدر الله شيئاً))، والحالة الأولى تقارب الكفر،
والثانية خطأ صريح، قال الحافظ: بل تقرب من الكفر أيضاً.
ثم نقل القرطبيّ عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة،
وقال: الذي يظهر لي حمله على التحريم في حقّ من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد
الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرّماً، والكراهة في حقّ من لم يعتقد ذلك.
(٢)
انتهى .
قال الحافظ: وهو تفصيلٌ حسن، ويؤيّده قصّة ابن عمر راوي الحديث
في النهي عن النذر، فإنها في نذر المجازاة.
(١) ((الفتح)) ٣٥١/١٥ - ٣٥٣، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم (٦٦٩٢).
(٢) ((المفهم)) ٤ / ٦٠٦ - ٦٠٧.

٥١٣
(٢) - بَابُ النَّهْي عَنِ النَّذْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئً - حديث رقم (٤٢٢٩)
وقد أخرج الطبريّ بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُقُونَ بِلنَّذْرِ﴾
[الإنسان: ٧]، قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام، والزكاة،
والحجّ، والعمرة، وما افترض الله عليهم، فسمّاهم الله أبراراً، وهذا صريحٌ في
أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة. وقد يُشعر التعبير بالبخيل أن المنهيّ عنه
من النذر ما فيه مالٌ، فيكون أخصّ من المجازاة، لكن قد يوصف بالبخل من
تكاسل عن الطاعة، كما في الحديث المشهور: ((البخيل من ذُكرتُ عنده، فلم
يُصلّ عليّ))، أخرجه النسائيّ، وصححه ابن حبّان، أشار إلى ذلك الحافظ
العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)).
ثم نقل القرطبيّ الاتفاق على وجوب الوفاء بنذر المجازاة؛ لقوله وقال :
((من نذر أن يطيع الله تعالى، فليُطعه))، ولم يفرّق بين المعلّق وغيره. انتهى.
قال الحافظ: والاتفاق الذي ذكره مسلّمٌ، لكن في الاستدلال بالحديث
المذكور لوجوب الوفاء بالنذر المعلّق نظر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي لا نظر في ذلك، بل ما قاله
القرطبيّ واضحٌ، حيث إن المعلّق في جملة الأمر بالوفاء بالنذر، فيكون واجباً،
فتأمله، والله تعالى أعلم.
ثم قال القرطبيّ: ومما يلحق بهذا النهي في الكراهة: النذر على وجه
التبرّم، والتحرّج، فالأول: كمن استثقل عبداً لقلّة منفعته، وكثرة مؤنته، فينذر
عتقه تخلّصاً منه، وإبعاداً له، وإنما يكره ذلك لعدم تمّض نيّة القربة.
والثاني: أن يقصد التضييق على نفسه، والحمل عليها، بأن ينذر كثيراً من
الصوم، أو من الصلاة، أو غيرهما مما يؤدّي إلى الحرج والمشقّة مع القدرة
عليه، فأما لو التزم بالنذر ما لا يُطيقه لكان ذلك محرّماً، فأما النذر الخارج
عما تقدّم، فما كان منه غير معلّق على شيء، وكان طاعة جاز الإقدام عليه،
ولزم الوفاء به، وأما ما كان منه على جهة الشكر، فهو مندوبٌ إليه، كمن شُفي
مريضه، فقال: لله عليّ أن أصوم كذا، أو أتصدّق بكذا شكراً لله تعالى.
وقد روي عن مالك كراهة النذر مطلقاً، فيمكن حمله على الأنواع التي
بيّا كراهتها، ويُمكن حمله على جميع أنواعه، لكن من حيث إنه أوجب على
نفسه ما يخاف عليه التفريط فيه، فيتعرّض لِلَوم الشرع، وعقوبته، كما قد كُره

٥١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
الدخول في الاعتكاف، وعلى هذا فتكون هذه الكراهة من باب تسمية ترك
الأولى مكروهاً، ووجه هذا واضحٌ، وهو أن فعل القرب من غير التزام خيرٌ
محضِّ، عرِيّ عن خوف العقاب، بخلاف الملتزم لها، فإنه يُخاف عليه ذلك
فيها، وقد شهد لهذا ذمّ من قصّر فيما التزم في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ
رِعَايَتِهًا﴾ الآية [الحديد: ٢٧]، ولا إشكال في أن النذر من جملة العقود،
والعهود المأمور بالوفاء بها، وأن الوفاء بذلك من أعظم القرَب الْمُثْنَى عليها،
وكفى بذلك مدحاً، وتعزيزاً قوله تعالى: ﴿يُولُونَ بِلنَّذْرِ وَيُخَافُونَ يَوَمَا كَانَ شَرُّ
[الإنسان: ٧]. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١).
مُسْتَطِيرًا
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما تقدم عن القرطبي من حمل
النهي عن النذر على نذر المجازاة؛ كأن يقول: إن شفى الله مريضي فعلي نذر
أن أتصدق بكذا هو الأرجح؛ لأن آخر الحديث يدلّ عليه، حيث قال: ((إنه لا
يرد شيئاً))، وقال أيضاً: ((لا يأتي النذر على ابن آدم شيئاً لم أقدره عليه))، وقال
أيضاً: ((النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخره))، فكل هذه النصوص تدُلّ دلالة واضحة
على أن النذر المنهيّ عنه هو الذي كان في مقابلة حصول شيء، أو دفع شيء،
وأما ما خلا عن المجازاة فهو حسنٌ، ولا كراهة فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٣٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((النَّذْرُ لَا
يُقَدِّمُ شَيْئاً، وَلَا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) قيل: هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ،
ولم أجد تحقيق ذلك، والله أعلم.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٌ) الكنانيّ، أبو عبد الله الْعَدنيّ، صدوقٌ [٩].
(١) ((المفهم)) ٤ / ٦٠٧ - ٦٠٨.

٥١٥
(٢) - بَابُ النَّهْي عَنِ النَّذْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئاً - حديث رقم (٤٢٣١)
رَوَى عن عَطّاف بن خالد المخزوميّ، وعمر بن صُهبان، ومقاتل بن
سليمان، وجدّه يزيد بن مملك العدنيّ، وعبد الله بن عمر العمري، وزمعة بن
صالح، ومالك، والثوريّ، ومسلم بن خالد الزنجيّ، والحكم بن أبان العدنيّ،
وغيرهم.
وروى عنه إسحاق بن راهويه، وعبد الله بن منير، وأحمد بن عبد الله بن
يوسف العرعريّ، ويزيد بن سنان البصريّ، وسلمة بن شبيب وعبد بن حميد،
وغيرهم.
قال الآجريّ: عن أبي داود: لا بأس به، وقال: سألته عنه والفريابيّ،
فقال: الفريابيّ أعلى، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالح الحديث، وكنت
عزمت على الخروج إليه، فخالفني رفيقي، وركب السفينة، ولم ينتظرني،
فتركت الخروج إلى صنعاء، وخرجت إلى مصر، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: مستقيم الحديث، ومات بعد عشرين ومائتين، أو فيها.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وكذا له عند البخاريّ حديث واحد في
((الزكاة)).
[تنبيه]: لم يرمز في ترجمة يزيد بن أبي حكيم هذا لمسلم في ((التقريب))،
ولا في ((التهذيبين))، مع أنه أخرج له هذا الحديث هنا، فليُتنبّه.
٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفي، من رؤوس [٧] (ت
١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ
[٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
و((ابن عمر په)) ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٣١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ
(ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا

٥١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
عَنِ النَّبِيِّ نَِّ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: ((إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ
مِنَ الْبَخِيلِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قريباً.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الباب، ولله
الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٣٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا
مُفَضَّلٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ
سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ جَرِیٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ)ً بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكرياء الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٣ - (مُفَضَّلُ) بن مُهَلْهَل السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ نبيلٌ
عابدٌ [٧] (ت١٦٧) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥١.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله، و((سفيان)) هو: الثوريّ.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن منصور، ساقها الإمام أحمد في
«مسنده))، فقال:
(٥٢٧٥) - ثنا عبد الرحمن، عن سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ، عن عبد اللهِ بن

٥١٧
(٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ النَّْرِ، وَأَنَّهُ لَا بَرُدُّ شَيْئاً - حديث رقم (٤٢٣٣)
مُرَّةَ، عَنِ ابن عُمَرَ، قال: نهى رَسَولُ اللهِ وَ ﴿ عَنِ النَّذْرِ، وقال: ((إنه لَا يَرُدُّ مِنَ
الْقَدَرِ شَيْئاً، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبُخِيلِ)). انتهى(١).
وأما رواية مُفَضَّل بن مُهَلْهَل، عن منصور، فلم أجد من ساقها بتمامها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٣٣] (١٦٤٠) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِي:
الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (لَا
تَنْذُّرُوا، فَإِنَّ الَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئاً، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ العَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد، الجهني مولاهم المدني،
صدوق [٨] تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن المدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب المدنيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﴿به تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٤، وشرح الحديث يُعلم مما مضى.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَّ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٣٣/٢ و٤٢٣٤ و٤٢٣٥ و ٤٢٣٦] (١٦٤٠)،
و(البخاريّ) في ((صحيحه)) (٦٦٠٩ و٦٦٩٤)، و(أبو داود) في ((الأيمان والنذور))
(٢٢٨٨)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (١١٢/٤)، و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور))
(١٦/٧) و((الكبرى)) (١٣٤/٣)، و(ابن ماجه) في ((الكفّارات)) (٢١٢٣)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٢/٢ و٣١٤)،
و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٣٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٣٧٦)،
(١) ((مسند أحمد بن حنبل)) ٦١/٢.

٥١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٣٦٤/١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤/
٣٠٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨/٤ و٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠/
٧٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٣٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، أَنَّهُ نَهَى عَنِ الَّذْرِ، وَقَالَ: ((إِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنَ الْقَدَرِ (١)، وَإِنَّمَا
يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وكذلك شرح الحديث، وهو متّفقٌ عليه، وقد
مضى تخريجه في الحديث الماضي، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٣٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ
حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَمْرٍو - وَهْوَ ابْنُ أَبِي
عَمْرِو - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((إِنَّ النَّذْرَ
لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئاً لَمْ يَكُنِ اللّهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَلَكِنِ النَّذْرُ (٢) يُوَافِقُ الْقَدَرَ،
فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ، مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) المروزيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قبل
ثلاثة أبواب.
٤ - (عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو) ميسرة مولى المطّلب، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ
ربّما وَهِمَ [٥] مات بعد (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦.
(١) وفي نسخة: ((من القدر شيئاً)).
(٢) وفي نسخة: ((وَلَكِنَّ النَّذْرَ)).

٥١٩
(٢) - بَابُ الَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَرُذُ شَيْئاً - حديث رقم (٤٢٣٦)
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ) ابن هُرْمُز، مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٣٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - وَعَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ - كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ
أَبِي عَمْرٍو، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقة [٨]
(ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم ي ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن عمرو بن أبي عمرو ساقها أبو
عوانة في ((مسنده))، فقال:
(٥٨٣٨) - حدّثنا أبو أمية، قئنا (١) يحيى بن صالح (ح) وحدّثنا الوكيعيّ،
قئنا خالد بن خِدَاش، قالا: ثنا عبد العزيز بن محمد، قثنا عمرو بن أبي
عمرو، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبيّ وَّ قال: ((إن النذر
لا يُقَرِّب من بني آدم شيئاً لم يكن الله قدَّره له، ولكن النذر يوافق القَدَرَ،
فُيُخْرِج من البخيل ما لم يكن البخيل أن يُخْرِجِه)). انتهى (٢).
وأما رواية يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن عمرو بن أبي عمرو، فلم
أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١) قوله: ((قثنا)) في المواضع الثلاثة مختصر من ((قال: حدّثنا))، فتنبّه.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٤/ ٨.

٥٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
(٣) - (بَابٌ لَا وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف رََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٣٧] (١٦٤١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ
- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ،
عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلِ،
فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَاقوى
رَجُلاً مِنْ بَنِي عُقَيْلِ، وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّرِ، وَهْوَ فِي
الْوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: ((مَا شَأْنُكَ؟))، فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي، وَبِمَ
أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ إِعْظَاماً لِذَلِكَ: ((أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةٍ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ))، ثُمَّ
انْصَرَفَ عَنْهُ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَفِ رَحِيماً رَقِيقاً،
فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((مَا شَأَتُكَ؟))، قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: ((لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلُِ
أَمْرََكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ))، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ،
فَقَالَ: ((مَا شَأْتُكَ؟))، قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي، قَالَ: ((هَذِهِ
حَاجَتُكَ))، فَفُدِي بِالرَّجُلَيْنِ، - قَالَ : - وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأُصِيبَتِ
الْعَضْبَاءُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَي بُيُوتِهِمْ،
فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ، فَأَتَتِ الإِبِلَ، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَفَا،
فَتَتْرُكُهُ، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمْ تَرْغُ، قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ، فَقَعَدَتْ فِي
عَجُزِهَا، ثُمَّ زَجَرَتْهَا، فَانْطَلَقَتْ، وَنَذِرُوا بِهَا، فَطَلَبُوهَا، فَأَعْجَزَتْهُمْ - قَالَ : - وَنَذَرَتْ
لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ، رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا:
الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا،
فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ بِئْسَمَا جَزَتْهَا، نَذَرَتْ
لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلُِ
الْعَبْدُ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: (لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ)).