Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
٤ - (ومنها): أن قوله وَله: ((وأجيزوا الوفد ... إلخ)) أمر منه وَله بإجازة
الوفود، وضيافتهم، وإكرامهم؛ تطبيباً لنفوسهم، وترغيباً لغيرهم من المؤلفة
قلوبهم ونحوهم، وإعانةً على سفرهم، قال القاضي عياض: قال العلماء: سواء
كان الوفد مسلمين، أو كفّاراً؛ لأن الكافر إنما يَفِد غالباً فيما يتعلق بمصالحنا
ومصالحهم. انتهى.
٥ - (ومنها): جواز كتابة العلم وقد سبق بيان هذه المسألة مرات، وذكرنا أنه
جاء فيها حديثان مختلفان، هذا الحديث، وأمثاله، في ((الصحيحين))، وحديث:
((لا تكتبوا عني، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه)) الحديث، رواه مسلم.
فاختلف السلف في ذلك، ثم أجمع من بعدهم على جوازها وبينًا تأويل
حديث المنع، فلا تنس نصيب، وبالله تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): جواز استعمال المجاز؛ لقوله وَله: ((أكتُب لكم))؛ أي: آمر
بالكتابة .
٧ - (ومنها): أن الأمراض ونحوها لا تنافي النبوة، ولا تدل على سوء
الحال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): رأيت لبعض المحقّقين(١) كلاماً في طعن الشيعة على
بهذا الحديث، أحببت إيراده؛ لحسنه، ودونك ما قال:
الصحابة
وقد طعنت الشيعة الرافضة من أجل هذا الحديث في الصحابة
ولا سيما في عمر بن الخطّاب ◌َظُه بوجوه متعدّدة:
(الأول): أن عمر ظبه ومن وافقه من الصحابة ﴿ خالفوا أمر
رسول الله وَلي، حيث أمرهم بأن يأتوا باللوح والدواة، فأبوا عليه ذلك.
(الثاني): أنهم قد منعوا الأمة الإسلاميّة حقّها، فإن الكتاب الذي كان
النبيّ ◌َّ يريد كتابته إنما كان لوقاية الأمة عن الضلالة، وقد أدّى عدم كتابته
إلى اختلاف كثير وقع في طوائف الأمة، وجميع ذلك يرجع سببه إلى من امتنع
من الكتابة.
(١) هو الشيخ محمد تقيّ العثمانيّ الهنديّ، صاحب «تكملة فتح الملهم بشرح صحيح
الإمام مسلم)».

٤٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
(الثالث): أنه وَال كان يريد أن يكتب الخلافة لعليّ رَظ ◌ُبه، ولذلك تعرّض
عمر بن الخطاب ظُه، فمنعه عن ذلك؛ لتسليط غير أهل البيت عليها .
(الرابع): أن عمر ◌َّه قد نَسَب رسول الله وَّ إلى الْهَذَيان، حيث قال:
أهجر رسول الله ◌َفي، مع أن رسول الله صل﴿ معصوم عن الجنون، والهذيان،
وأمثالهما من العوارض.
فأما الطعن الأول والثاني، فنجيب عنهما إجمالاً، وإلزاماً، ثم تفصيلاً
وتحقيقاً .
فأما الجواب الإجماليّ، فإنه لو كان امتناع الصحابة ﴿ عن الإتيان
باللوح والدواة في مثل تلك الحال معصيةً - والعياذ بالله - فإنه لم ينفرد به
عمر ربه، بل شاركه فيه جميع أهل البيت الذين كانوا حاضرين في ذلك
الوقت والمقام، ولا سيما علي بن أبي طالب ◌ُه، فإنه فعل في تلك الحال
عين ما فعله عمر ته، فقد أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) (٩٠/١) عن
عليّ بن أبي طالب ◌ُه قال: أمرني النبيّ ◌َسير أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا
تضلّ أمته من بعده، قال: فخشيت أن تفوتني نفسه، قال: فقلت: إني أحفظ
وأعي، قال: أُوصي بالصلاة، والزكاة، وما ملكت أيمانكم))(١).
قال: وإن هذه الرواية تقطع جميع مطاعن الشيعة من شأفتها، فإنها
صريحة في أنه لم يكن في ذلك الوقت أيما فرق بين موقف عمر وموقف
عليّ ◌َّ، فإن كانت واقعة هذه الرواية عين واقعة الباب، فإن كليهما امتنعا
عن الكتابة؛ إشفاقاً على رسول الله وَّله، فقال عمر ظُله: إن رسول الله وَله
غلب عليه الوجع، وقال عليّ: فخشيت أن تفوتني نفسه، وإن كانت واقعة هذه
الرواية غير واقعة الباب، فإن جميع ما طعنت به الشيعة في عمر ظُه يتوجه
إلى عليّ رَظُه في واقعة ((مسند أحمد))، فما جوابهم فيه، فهو جوابنا في
عمر رغمانه .
وبالتالي تدلّ هذه الرواية على أن الوصيّة التي كان رسول الله وَ له يريد أن
(١) ضعيف، في سنده نعيم بن يزيد مجهول، إلا أن الشيعة يستدلون بروايات في
إسنادها من هو أكثر جهالة من هذا، قاله بعض المحققين.

٤٨٣
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
يكتبها في ذلك الوقت لم تكن في شيء من أمر الخلافة، وإنما كانت تأكيد
أحكام الصلاة، والزكاة، والعبيد، والإماء، وأمثالها.
وأما الجواب التحقيقيّ عن الطعن الأول، فإن عمر رَظُبه، ومن وافقه لم
يُخالفوا أمر رسول الله وَ ل﴿ معصيةً منهم أو عناداً، وحاشاهم عن ذلك، وإنما
قصدوا أن لا يلحق النبيّ ◌َ﴿ تعبٌ في هذه الحالة الشديدة من المرض، وقد
صَرَّح ابن عبّاس ﴿يَّ في أول هذا الحديث أن رسول الله وَ﴿ اشتَدّ وجعه في
ذلك اليوم، وإنما اجتمع أصحابه وأهل بيته لعيادته وتمريضه، وكم يقع مثل
ذلك لرجل مريض يشتدّ مرضه، فيجتمع حوله أهل بيته، ويريد أن يفعل شيئاً،
فيمنعه أهل البيت من ذلك؛ مخافة اشتداد مرضه، فلا يفهم أحد أنهم
يعاندونه، أو يعصونه، وإنما يستحسن منهم مثل هذا في مثل ذلك الوقت؛ لأنه
يدلّ على عنايتهم بأحوال المريض، وإشفاقهم عليه، واجتهادهم في صيانته عن
الوقوع في المتاعب.
ثم إن عمر ظُه إنما فَعَل ذلك؛ لأنه كان يزعم أن رسول الله وَليو لا
يموت حتى يُفني المنافقين، ويُظهر كلمة الإسلام على فارس والروم، فكان
يقدّر أنه ◌َ ﴿ لو امتنع عن الكتابة في مثل هذه الشدّة لأمكن له ذلك في وقت
آخر يخفّ فيه مرضه، أو يبرأ فيه تماماً، فلم يكن في زعمه شيء يفوت الأمة
لو لم يُكتب ذلك الكتاب في مثل تلك الشدّة.
ويدلّ على ذلك ما أخرجه ابن سعد في ((طبقاته)) (٢٤٤/٢) من طريق
الواقديّ، عن ابن عبّاس ◌َّ: أن النبيّ وَّ﴾ قال في مرضه الذي مات فيه:
((ائتوني بدواة وصحيفة، أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً))، فقال عمر بن
الخطاب: من لفلانة وفلانة مدائن الروم؟ إن رسول الله وَ لو ليس بميت حتى
نفتحها .
وقد ثبت في غير رواية أنه ظبه لم يعترف بوفاة رسول الله وَيه حتى قال:
لن يموت رسول الله (8﴿ حتى يفني المنافقين، كما في ((طبقات ابن سعد)) (٢/
٢٦٧)، وقال من الغد: كنت أرجو أن يعيش رسول الله وَلقول حتى يُدبرنا، يريد
بذلك أن يكون آخرنا، كما رواه البخاريّ في ((الأحكام)).
فهذا كلّه يدلّ على أن عمر رَؤُه لم يخطر بباله أبداً أن رسول الله وَله

٤٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الوصايا
سيُتُوفّى في مرضه هذا، وإنما كان يعتقد أنه يبرأ، فيعيش حتى يُفني المنافقين،
ويَظهر على فارس والروم، حتى يكون آخر من في عهده وفاةً، ثم كان يعتقد
في جانب آخر أنه وَّ لم يكن ليترك شيئاً مما أُمر بتبليغه إلا بلّغه إلى الأمة،
ولئن كان شيء يريد أن يوصي به لأمكن أن يوصي به في وقت آخر بعد برئه،
أو خفّة مرضه، فلا حاجة إلى هذا التعجيل في مثل هذه الشدّة التي يخاف فيها
التعب على رسول الله وَ﴾، ومن أجل هذا قال في حديث الباب: إن
رسول الله وَ غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله.
وكم أبدى عمر ظُه أمام النبيّ وَله من آراء وافقه عليها رسول الله وَيتِ،
فكان هذا القول أيضاً رأياً رآه في ذلك الوقت، فأبداه، ولو كان خطأ لمنعه
النبيّ وَّ، وما أقرّه عليه، ولكنه ◌َّي لم ينكره عليه، ولا منعه، فظهر أنه لم
يكن عناداً، ولا معصيةً - والعياذ بالله العظيم ..
ثم لو فرضنا أن ذلك الرأي كان خطأ، فإنما كان ذلك باجتهاد، ولم
ينفرد به عمر ته، بل شاركه فيه جميع من كان في البيت؛ لأنه لم يأت أحد
بالصحيفة، ولا بالدواة، ولم يكن عمر ﴿به ليُمسك بيد أحد يأتي بهما، وإنما
كان يرى رأياً، فتكلّم به، فلمّا لم يتقدّم أحد بذلك تبيّن أن ذلك الأمر لم يكن
للوجوب عند سائر من كان في البيت، وإلا لامتثله من يزعمه للوجوب رغم
رأي الآخرين.
وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة دَّثُ في ((منهاج السُّنَّة)) (٣/
١٣٦)، وهو يتحدّث عن طعن الروافض في عمر رَظُه من أجل حديث الباب،
يقول :
((ولو أن عمر ظبه اشتبه عليه أمر، ثم تبيّن له، أو شَكّ في بعض
الأمور، فليس هو أعظم ممن يُفتي، ويقضي بأمور، ويكون النبيّ وَّر قد حكم
بخلافها مجتهداً في ذلك، ولا يكون قد عَلِمَ حكم النبيّ وََّ، فإن الشكّ في
الحقّ أخفّ من الجزم بنقيضه، وكلّ هذا باجتهاد سائغ، كان غايته أن يكون
من الخطأ الذي رَفع الله المؤاخذة به، كما قضى عليّ رُه في الحامل المتوفَّى
عنها زوجها أنها تعتدّ أبعد الأجلين، مع ما ثبت في الصحاح عن النبيّ وَلّ أنه
لَمّا قيل له: إن أبا السنابل بن بَعْكَك أفتى بذلك سُبيعة الأسلميّة، فقال

٤٨٥
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
رسول الله ◌َله: ((كذب أبو السنابل، حللتِ، فانكحي من شئتٍ))، فقد كذّب
النبيّ وَ﴿ هذا الذي أفتى بهذا، وأبو السنابل لم يكن من أهل الاجتهاد، وما
كان له أن يفتي بهذا مع حضور النبيّ
وأما عليّ، وابن عبّاس ﴿، وإن كانا أفتيا بذلك، لكن كان ذلك عن
اجتهاد، وكان ذلك بعد موت النبيّ وَّ﴿، ولم يكن بلغهما قصّة سُبيعة، وهكذا
سائر أهل الاجتهاد من الصحابة ﴿ه إذا اجتهدوا، فأفتوا، وقضَوا، وحَكموا
بأمر، والسُّنَّة بخلافه، ولم تبلغهم السُّنَّة كانوا مثابين على اجتهادهم)).
ثم إن رسول الله وقي﴿ لم يعاتب أحداً ممن امتنع عن الكتابة، ولم يعاتبه،
سوى أن قال: ((قوموا عنّي))، مع أنه قد عاقب في مرض وفاته أهل البيت
الذين لَدُّوه ول وزعماً منهم بأنه مبتلى بذات الجنب، فلم يكتف رَّ بمعاتبتهم
في ذلك قولاً، وإنما عاقبهم جميعاً بأن يُلدّوا إلا العبّاس ◌َُّه، فإنه لم
يشهدهم حين لدّوه، والقصّة مشهورة في ((الصحيحين))، وغيرهما، فلو كان
الامتناع عن الكتابة في ذلك الوقت معصيةً أو ذنباً، لَمَا تركهم رسول الله وَيه
دون عتاب، أو عقاب.
الجواب عن الطعن الثاني:
وأما الطعن الثاني: فالجواب عنه أن الأمر الذي أراد النبيّ وَّ كتابته في
ذلك الوقت لا يخلو من حالين: إما أن يكون شيئاً تحتم عليه تبليغه، ويُخشى
بجهله الضلال على الأمة قطعاً، وإما أن يكون تأكيداً لِمَا بلّغه في الماضي،
فأراد أن يكتبه؛ ليكون أبقى أثراً.
فإن كان الحال هو الأول، فلا يمكن من رسول الله ويل في أن يترك تبليغ ما
أُمر بتبليغه لمنع المانعين، أو مخالفة بعض المخالفين، فإن المعهود منه ولو أنه
بلّغ كلّ ما أُمر به، ولو على قيمة نفسه، وماله، ووطنه، فكيف يترك بيان ما
تضلّ الأمة بغيره؛ لمجرّد أن بعض الصحابة منعوه من ذلك؟.
وقال الإمام البيهقيّ تَخْلُ في أواخر كتابه ((دلائل النبوّة)): ولو كان
مراده ي طر أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم، ولا لغيره؛ لقوله
تعالى: ﴿بَلِّغْ مَآ أَنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، كما لم يترك تبليغ غير ذلك؛
لمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، حكاه النوويّ دَّثُ .

٤٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
ثم إن النبيّ ◌َ﴿ عاش بعد هذه الواقعة نحواً من أربعة أيام؛ لأن واقعة
القرطاس وقعت يوم الخميس، وتوفّي رسول الله وَ ﴿ يوم الاثنين، فلو كان
الشيء الذي أراد كتابته وصيّةً واجبةً عليه لأوصى به في هذه الأيام، وقد ثبت
عنه وَّر في هذه الأيام عدّة أحكام، وقد ثبت في عدّة روايات خفّة مرضه وال
خلال هذه المدّة، فلو كانت الكتابة شيئاً لا تستغني عنه الأمة لَمَا تركها
رسول الله وَال﴾.
وإن كان الحال هو الثاني، ولم يكن الشيء المقصود بالكتابة شيئاً
جديداً، يبلغه إلى الأمة، وإنما كان تأكيداً لِمَا بيّنه من قبلُ، فلا سبيل إلى
الطعن فيمن خالف الكتابة؛ لشدّة وجعه وَّر، فإنهم لم يفوّتوا الأمة شيئاً من
رسول الله آل﴾.
فتبيّن من هذا أن ما قصده النبيّ وَّ إما أن يكون تأكيداً محضاً لِمَا بَيّنه
من قبلُ، ولذلك تركه؛ اعتماداً على بيانه السابق، أو كان شيئاً لا يجب عليه
تبليغه، وإنما أراد بيانه؛ شفقةً على الأمة، ثم بدا له باجتهاده، أو بوحي من الله
تعالى أن ترك كتابته أولى، فتركه، ولا يُتصوّر من رسول الله صل* أن يمنعه
بعض أصحابه عن إبداء ما فيه خير وصلاح للمسلمين.
الجواب عن الطعن الثالث:
وأما الطعن الثالث، فإنما هو مجرّد دعوى لا سبيل للاستدلال عليه،
ط لته؟
ومن أين علم هؤلاء أن رسول الله و 98 كان يريد أن يكتب الخلافة لعليّ
ولئن كان يريد ذلك لَمَا منعه الثقلان عنه، وكيف يمسك عن إظهار هذا الحقّ
بمجرّد مخالفة عمر ظله؟ أفكان - والعياذ بالله - يخاف عمر بن الخطّاب؟ وهو
الذي لم يخف عمر، ولا أحداً أقوى منه، ولا أشجع في حالة كفره، فكيف
يخافه بعد إسلامه؟ أفلا يرى هؤلاء الطاعنون أن طعنهم هذا ليس طعناً في
عمر ظُه فحسب، وإنما هو طعن في تبليغ رسول الله وَّ، وفي رسالته، وفي
شجاعته، وهكذا الشحناء تُعمي أبصار الرجال، والعصبيّة تجعل الرجل لا
يعرف ما يقول.
ولئن كان المقصود بهذه الكتابة استخلاف أحد لكان المقصود كتابة
الخلافة لأبي بكر الصدّيق وُّله قطعاً، فإنه هو الذي استخلفه رسول الله وضعقار في

٤٨٧
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
الحجّ، وفي الصلوات طول مرضه الذي توفّي فيه، وكان ذلك إشارة واضحةً
إلى استخلافه في الإمامة الكبرى، ولذلك قال عليّ ◌ُه: فلما قُبض
رسول الله ◌َو نظرت، فإذا الصلاة علم الإسلام، وقوام الدين، فرضينا لدنيانا
من رضيه رسول الله م لديننا، فبايعنا أبا بكر، ذكره ابن عبد البرّ في
((الاستيعاب))(١).
وقد ثبت عن النبيّ ◌َّقول أنه قال لعائشة ؤُها: ((لقد هممت أو أردت أرسل
إلى أبي بكر، وابنه، فأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنّى المتمنّون، ثم قلت:
يأبى الله، ويدع المؤمنون، أو يدفع الله، ويأبى المؤمنون))، كما رواه البخاريّ
في ((المرضى))، و((الأحكام)).
فلم لا يجوز أن يكون النبيّ ◌َ ﴿ دعا الكتف والدواة ليكتب الخلافة لأبي
بكر رؤيته، ثم بدا له أن يترك الأمر شورى بين المسلمين؛ لِمَا كان يَعرف أن
المؤمنين يأبون إلا أبا بكر هاته؟
وقد ثبت في بعض كتب الشيعة أيضاً أن علي بن أبي طالب مظانه قد
اعترف بأنه لم يَعهد إليه رسول الله وَ له شيئاً، وإنما أخذ منه الميثاق لبيعة أبي
بكر ظه، فقد ذكر في ((نهج البلاغة)) أنه قال: رضينا عن الله قضائه، وسلّمنا لله
أمره، أتراني أكذب على رسول الله وَليه؟ والله لأنا أول من صدّقه، فلا أكون
أول من كذب عليه، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي سبقت بيعتي، وإذا الميثاق
في عنقي لغيري. راجع الخطبة من ((نهج البلاغة)) (٨٩/١).
والظاهر من هذا الكلام أنه ظته يتحدّث عن بيعته لأبي بكر
الصديق نظبه، وأنه بايع أبا بكر ظبه وفاء لميثاق يظهر أن رسول الله وَله وثّقه
به، والله تُعَلَ أعلم.
الجواب عن الطعن الرابع:
، نسب إلى رسول الله وَل﴾.
وأما الطعن الرابع، فهو أن عمر بن الخطاب
الهذيان في الكلام بقوله: ((أهجر رسول الله وَّليه؟)) والجواب عنه أني لم أجد
في شيء من الروايات الصحيحة أن قائل هذا الكلام هو عمر نظراته، وإنما ذكر
(١) ((الاستيعاب)) ٢٤٢/٢.

٤٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
أن الصحابة اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: ((أهجر
ابن عبّاس
رسول الله وَ﴾؟))، ولم يصرّح بأن قائله عمر، وحينئذ فهذا الكلام يَحْتَمل
وجوهاً :
(منها): ما ذكره العلامة الشيخ عبد العزيز المحدّث الدهلويّ كَّلُ في
كتابه الفارسيّ المعروف بـ((التحفة الاثنا عشريّة)) ص٤٥٣ أن هذا الكلام قاله
الذين كانوا يحبون أن يكتب لهم رسول الله وَطير الكتاب، وكان استفهامهم هذا
للإنكار، وأرادوا أننا يجب علينا الامتثال بما أمر به النبيّ وَل و؛ لأنه وَالفول لا
يهجر في كلامه، وإنما هو مُجِدّ في أمره بالكتابة، فكأنهم خاطبوا عمر، ومن
وافقه بقولهم: أهجر رسول الله وَلّ في زعمكم؟ حيث لا تمتثلون أمره،
والمراد أنه لم يهجر، وأمره هذا جدّ.
وحينئذ فلا إشكال على أحد، فإنه لم ينسب أحد رسول الله وَله إلى
الهذيان، وإنما كان ذلك استفهاماً للإنكار.
(ومنها): أن يكون هذا من كلام عمر، أو أحد ممن وافقه، والمراد:
استفهموا رسول الله ◌َ﴿، هل أمره هذا جدّ وعزيمة؟ أو أنه جرى على لسانه
في شدّة المرض، كما يجري على ألسنة المرضى كلام لا عزيمة فيه؟ وإنما
قالوا ذلك لأن النبيّ وَ ﴿ لا يمتنع عليه المرض، ولا آثاره وعلائمه، وكان إذ
ذاك في شدّة الوجع، ولا يمكن لنا أن نتصوّر مدى اضطراب الصحابة في ذلك
الوقت، وكان من أهمّ المهمّات عند الصحابة حينئذ أن يزول عنه ذلك الوجع،
ولا يلحقه تعب يفضي إلى ازدياد فيه، وكانوا في جانب آخر مستيقنين بأنه وَلتر
لم يقصّر في أداء الرسالة، وتبليغ الأمانة، وكانوا في جانب ثالث يعرفون أن
كتابة غير القرآن مما لا يستحسنه رسول الله وسلو إلا في الضرورة الشديدة؛ لئلا
يلتبس بالقرآن، فلو زعم منهم زاعم في هذه الأحوال أن أمره بالكتابة في هذا
المرض الشديد ليس عزيمة، فأراد أن يستفهمه، هل هو من عزائم الأمور، أو
هو شيء جرى على لسانه دون جدّ أو عزيمة؟ فإنه ليس من سوء الأدب في
جانبه * في شيء، وإنما هو من الاضطراب الطبيعيّ الذي ابتلي به
الصحابة ث في ذلك الحين الشديد.
(ومنها): أن يكون الهجر في هذا الكلام بمعنى الفراق، لا بمعنى

٤٨٩
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَّهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
الهذيان، وقد صرّح علماء اللغة بأن قولهم: هجر يهجر يستعمل بمعنى الترك
والمفارقة أيضاً، راجع ((تاج العروس)) (٦١١/٣)، وعليه فالمراد: واستفهموا
رسول الله ◌َ﴾، هل هو يفارقنا؟ حيث يأمرنا بكتابة وصيّته؟، ويؤيّده ما ذكرنا
في الجواب عن الطعن الأول أن عمر ﴿به كان يزعم أن رسول الله عَ ليه لا
يتوفّى حتى يفني المنافقين، ويظهر الإسلام على فارس والروم، فلو كان هو أو
أحد غيره من الصحابة أراد أن يسأله وَلقول، هل حان فراقه إيانا؟ لَمَا كان فيه
شيء يُطعن به فيهم، وإنما كان صدر هذا الكلام منهم؛ لفرط حبهم
لرسول الله وَالر، وكراهيتهم لفراقه.
فاندحضت المطاعن جميعاً بحذافيرها، والحمد لله رب العالمين. انتهى
منقولاً من ((تكملة فتح الملهم)) للشيخ محمد تقي العثمانيّ الهنديّ(١).
(قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ (٢): حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
بِهَذَا الْحَدِيثِ).
قال الجامع عفا الله عنه: ((أبو إسحاق إبراهيم)) هذا هو: إبراهيم بن
محمد بن سفيان، أبو إسحاق الفقيه الزاهد النيسابوريّ، تلميذ الإمام مسلم نظّتُهُ
راوي («صحيحه)) عنه، توفّي في رجب سنة (٣٠٨هـ) تقدّمت ترجمته في
((المقدّمة)) ٦/ ٧٣.
و((الحسن بن بشر)): هو السلميّ، قاضي نيسابور، صدوق [١١]
(ت٢٤٤) لم يرو عنه مسلم، وإنما روى عنه أبو إسحاق المذكور في مواضع
علا فيها إسناده، وقد تقدّمت ترجمته في (الطلاق)) ٣٦٧٩/٣.
و((سفيان)) هو: ابن عيينة المذكور في السند السابق.
وإنما أتى أبو إسحاق بهذا بعد روايته الحديث عن مسلم؛ لأنه علا
بدرجة، فساوى مسلماً فيه، حيث روى الحديث عن الحسن، عن سفيان،
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ١٣٩/٢ - ١٤٦ نقلت منه مع حذف بعض الآثار التي
لم يتبيّن لي صحّتها، فتنبّه.
(٢) [تنبيه]: لم أجعل لهذا السند رقماً خاصّاً؛ لأنه ليس من ((صحيح مسلم))، وإنما هو
من إلحاق أبي إسحاق زاده على مسلم؛ لعلّوه فيه، كما بينته في الشرح، فتنبّه.

٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
فكان بينه وبين سفيان واسطة واحدة، بعد أن رواه عن مسلم، عن شيوخه
الأربعة، عن سفيان، فكان بينه وبين سفيان واسطتان، فعلا السند له برجل،
فساوى مسلماً بذلك، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٢٥] ( ... ) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ
مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ
الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ، حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ؛
كأنها نِظَامُ اللُّوْلُقِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((اقْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ - أَوِ اللَّوْحِ
وَالدَّوَاةِ - أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً))، فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ
يَهْجُرُ).
رجال هذا الحديث: ستة:
وکلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (كَأَنَّهَا نِظَامُ اللَّؤْلُؤِ) من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: كأنها
اللؤلؤ المنظوم.
وقوله: (اثْتُونِي بِالْكَتِفِ) المراد به هنا عَظْم الكتف، فإنهم كانوا يكتبون فيه.
وقوله: (وَالدَّوَاةِ) قال في ((اللسان)): الدواة: ما يُكتب منه، معروفة،
جمعها: دَوّى - بالفتح - ودُويّ - بالضمّ - ودِوِيّ - بالكسر -. انتهى بإيضاح(١).
وقوله: (أَوِ اللَّوْحِ) قال الفيّومِيّ كَّتُهُ: اللوح بالفتح: كلُّ صَحيفة، من
خشب، وكَتِف، إذا كُتبَ عليه سُمّي لَوْحاً، والجمع ألواح. انتهى(٢).
وقوله: (يَهْجُرُ) مضارع هَجَرَ، يقال: هَجَر المريض في كلامه هَجْراً، من
باب نصر؛ أي: خَلَط وهَذَى(٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
(١) ((لسان العرب)) ٢٧٩/١٤.
(٣) راجع: ((المصباح)) ٦٣٤/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٦٠.

٤٩١
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٦)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٢٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا خُضِرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ،
وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ
كِتَاباً، لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ))، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ،
وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ
يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ وَلِه ◌ِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ
مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ، وَالإِخْتِلَافَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ نَِّ، قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قُومُوا))، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسِ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ
الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَّهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ
اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
و((ابن عبّاس ﴿﴿)) ذُكر قبله.
وقوله: (لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ وَّ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: حضره
الموت.

٤٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
وقوله: (فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ)؛ أي: الصحابة الذين كانوا عنده الَّ في
البيت، وليس المراد أهل بيت النبيّ وَل .
وقوله: (فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ)؛ أي: الكلام الساقط، يقال: لغا الرجلُ:
تكلّم باللغو، وهو أخلاط الكلام، قاله الفيّوميّ (١).
وقوله: ((قُومُوا))) وفي رواية ابن سعد: ((فقال: قوموا عنّي)).
وقوله: (إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلِّ الرَّزِيَّةِ) - بفتح الراء، وكسر الزاي، بعدها ياء، ثم
همزة، وقد تسهل الهمزة، وتشدد الياء - ومعناها: المصيبة، وفي ((العباب)):
الرزء: المصيبة، والجمع الأرزاء، وكذلك المرزية، والرزيئة، وجمع الرزيئة
الرزايا، وقد رزأته رَزِيئةٌ؛ أي: أصابته مصيبةٌ، ورزأته رُزأ بالضم، ومرزئةً: إذا
أصبت منه خيراً ما كان، ويقول: ما رزأت ماله، وما رَزِئته بالكسر؛ أي: ما
نقصته، قاله في ((العمدة))(٢).
وقوله: (مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَلاخر ...... إلخ) ((ما)) موصولة خبر ((إنّ)).
وقوله: (مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ) بيان لـ((ما حال))، واللغط - بالتحريك -
الصوت والْجَلَبة، وقال الكسائيّ: اللَّغْطُ بسكون الغين لغةٌ فيه، والجمع ألغاط،
وقال الليث: اللغط أصوات مُبْهمّة لا تُفْهَم، تقول: لَغَطَ القوم، من باب نَفَع،
وألغط القوم، مثل لَغَطُوا. انتهى(٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل باب،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((المصباح المنير)) ٥٥٥/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٢٥/٣.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٢٥/٣ بزيادة يسيرة من ((المصباح)) ٥٥٥/٢.

٤٩٣
٢٥ - كتاب النذر
٢٥ - (كِتَابُ النَّذْرِ)
((النَّذْرُ)) - بفتح، فسكون - هو في الأصل مصدر نَذَر ينذِرُ، من باب
ضرب، وفي لغة من باب قتل، أفاده الفيّوميّ تَّتُهُ(١) .
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: النذر: عبارة عن التزام فعل الطاعات بصيغ
مخصوصة؛ كقوله: لله عليّ صوٌ، أو صلاةٌ، أو صدقةٌ. انتهى (٢).
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): ونذَرَ على نفسه ينذِر - بالكسر - وينذُرُ
- بالضمّ ـ نَذْراً - بالفتح - ونُذُوراً - بالضمّ -: أوجبه؛ كانتذر، ونذَرَ ماله،
ونذَر لله ◌َلَ كذا: أوجبه على نفسه تبرّعاً، من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك،
وفي الكتاب العزيز: ﴿إِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَْنِ مُحًَّا﴾ الآية [آل عمران: ٣٥]،
قالته امرأة عمران، أم مريم، قال الأخفش: تقول العرب: نَذَرَ على نفسه
نذْراً، ونَذَرْتُ مالي، فأنا أنذْره نذراً، رواه يونس عن العرب. أو النذر: ما
كان وعداً على شرط، فَعَلَيّ إن شفَى اللهُ مريضي كذا، نذْرٌ، وعليَّ أن أتصدّق
بدینارٍ، ليس بنذر. انتهى(٣).
وقال ابن الأثير ما حاصله: يقال: نذَرتُ أنذِرُ، وأنذُر، من بابي ضرب،
ونصر: إذا أوجبت على نفسك شيئاً تبرّعاً، من عبادة، أو صدقة، أو غير
ذلك. أفاده في ((النهاية))(٤).
وقال أيضاً: وقد تكرّر في أحاديث النذر ذكر النهي عنه، وهو تأكيد
لأمره، وتحذيرٌ عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجرَ عنه حتى لا
يُفعَلَ، لكان في ذلك إبطالُ حكمه، وإسقاطُ لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي
(١) ((المصباح المنير)) ٥٩٩/٢.
(٢) ((المفهم)) ٦٠٤/٤.
(٣) راجع: ((القاموس المحيط))، و((شرحه تاج العروس)) ٥٦١/٣.
(٤) ((النهاية)) ٣٩/٥.

٤٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
يصير معصيةً، فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمرٌ لا يجرُّ
لهم في العاجل نفعاً، ولا يصرِف عنهم ضرّاً، ولا يردّ قضاءً، فقال: لا تنذِرُوا
على أنكم قد تدركون بالنذر شيئاً لم يُقدّره الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما
جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم، ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء،
فإن الذي نذرتموه لازم لكم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): وأصله الإنذار، بمعنى التخويف، وعرّفه الراغب بأنه
إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر. انتهى(٢).
وقال في موضع آخر: والنذر في اللغة: التزام خير، أو شرّ، وفي
الشرع: التزام المكلّف شيئاً، لم يكن عليه، منجّزاً، أو معلّقاً، وهو قسمان:
نذر تبرّر، ونذر لَجَاجٍ، ونذر التبرّر قسمان:
[أحدهما]: ما يُتقرّب به ابتداء، كـ: لله عليّ أن أصوم كذا، ويلتحق به
ما إذا قال: لله عليّ أن أصوم كذا شُكراً على ما أنعم به عليّ من شفاء مريضي
مثلاً، وقد نقل بعضهم الاتفاق على صحّته، واستحبابه، وفي وجه لبعض
الشافعيّة أنه لا ينعقد.
[والثاني]: ما يُتقرّب به معلّقاً بشيء ينتفع به إذا حصل له، كإن قدم
غائبي، أو كفاني الله شرّ عدوّي، فعليّ صوم كذا مثلاً، والمعلّق لازم اتّفاقاً،
وكذا المنجّز في الراجح.
ونذر اللَّجَاج قسمان:
[أحدهما]: ما يعلّقه على فعل حرام، أو ترك واجب، فلا ينعقد في
الراجح، إلا إن كان فرض كفاية، أو كان في فعله مشقّةٌ، فليزمه، ويلتحق به
ما يُعلّقه على فعل مكروه.
[والثاني]: ما يعلّقه على فعل خلاف الأولى، أو مباح، أو ترك
مستحبّ، وفيه ثلاثة أقوال للعلماء: الوفاء، أو كفّارة يمين، أو التخيير بينهما،
واختَلَف الترجيح عند الشافعيّة، وكذا عند الحنابلة، وجزم الحنفيّة بكفّارة
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٣٩/٥.
(٢) ((الفتح)) ٣٦١/١٣.

٤٩٥
٢٥ - کتاب النذر
اليمين في الجميع، والمالكيّة بأنه لا ينعقد أصلاً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما قاله المالكيّة؛
الحديث: ((إنما النذر ما ابتغي به وجه الله))، رواه أحمد من حديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فهو وإن كان في إسناده مقال، إلا أن له شواهد
من حديث عقبة بن عامر، ومن حديث ابن عبّاس ﴿ه، كما بيّنته في ((شرح
النسائيّ)).
والحاصل أن الأرجح أنه لا شيء في النذر في المكروه، وخلاف
الأولى، والمباح المحض، والله تعالى أعلم.
وقال العلامة ابن قدامة ◌َُّهُ: الأصل في النذر الكتاب، والسُّنَّة،
والإجماع، أما الكتاب، فقول الله رومات: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقال
تعالى: ﴿وَلَيُوفُواْ تُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].
وأما السُّنَّة، فروت عائشة ﴿ها أن رسول الله وَله، قال: ((من نذر أن
يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه))، رواه البخاريّ.
وعن عمران بن حصين ﴿ها، عن النبيّ وَّ، قال: ((خيركم قرني، ثم
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) - قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين، أو ثلاثاً،
بعد قرنه ـ ((ثم يجيء قوم ينذُرون، ولا يَفُون، ويخونون، ولا يؤتمنون،
ويشهدون، ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السِّمَن))، رواه البخاريّ.
قال: وأجمع المسلمون على صحّة النذر في الجملة، ولزوم الوفاء به.
(٢)
انتھی
وقال ابن قُدامة أيضاً: صيغة النذر أن يقول: لله عليّ أن أفعل كذا، وإن
قال: عليّ نذرُ كذا لزمه أيضاً؛ لأنه صرّح بلفظ النذر، وإن قال: إن شفاني الله
فعليّ صوم شهر، كان نذراً. وإن قال: لله عليّ المشي إلى بيت الله، قال ابن
عمر، في الرجل يقول: عليّ المشي إلى الكعبة الله، قال: هذا نذرٌ، فليمشٍ،
ونحوه عن القاسم بن محمد، ويزيد بن إبراهيم التيميّ، ومالك، وجماعة من
العلماء، واختُلف فيه على سعيد بن المسيِّب، والقاسم بن محمد، فروي عنهما
(١) ((الفتح)) ٣٤٣/١٥ - ٣٤٤.
(٢) ((المغني)) لابن قدامة كَذَثُمُ ٦٢١/١٣.

٤٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
مثل قولهم، وروي عنهما فيمن قال: عليّ المشي إلى بيت الله، فليس بشيء،
إلا أن يقول: عليّ نذر مشيٍ إلى بيت الله.
قال: ولنا أن لفظة ((عليَّ)) للإيجاب على نفسه، فإذا قال: عليّ المشي
إلى بيت الله، فقد أوجبه على نفسه، فلزمه، كما لو قال: هو عليّ نذرٌ. انتهى
كلام ابن قدامة ◌َخَّتُهُ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) - (بَابُ الأَمْرِ بِقَضَاءِ النَّذْرِ)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٢٧] (١٦٣٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ
الْمُهَاجِرٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ
عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِنَّهِ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((فَاقْضِهِ عَنْهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) تقدّم قريباً.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الحجة المشهور، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌ُِّهَا (أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِ وَِّ) قال
في ((الفتح)): كذا رواه مالك، وتابعه الليث، وبكر بن وائل، وغيرهما عن
الزهريّ، وقال سليمان بن كثير، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس،
عن سعد بن عبادة: ((أنه استَفْتَى))، جعله من مسند سعد، أخرج جميع ذلك
النسائيّ، وأخرجه أيضاً من رواية الأوزاعيّ، ومن رواية سفيان بن عيينة،
(١) ((المغني)) ٦٥٩/١٣.

٤٩٧
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِقَضَاءِ النَّذْرِ - حديث رقم (٤٢٢٧)
كلاهما عن الزهريّ، على الوجهين، قال الحافظ تَّتُهُ ما حاصله: إن ابن
عبّاس ﴿ما لم يشهد القصّة؛ لأنها وقعت سنة خمس، والنبيّ وَّ في غزوة
الجندل، وابن عبّاس في ذلك الوقت كان مع أبويه بمكة، فالذي يظهر أنه
سمعه من سعد بن عبادة ظه، فيتعيّن ترجيح رواية من زاد فيه: عن سعد بن
عبادة، ویکون ابن عباس قد أخذه عنه.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون أخذه عن غيره، ويكون قول من قال: عن
سعد بن عبادة، لم يقصد به الرواية، وإنما أراد عن قصة سعد بن عبادة، فتتّحد
الروايتان. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الثاني يُبعده ما عند النسائيّ من
رواية محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، بلفظ: ((عن ابن عبّاس، عن
سعد أنه قال: ماتت أمي، وعليها نذر، فسألت النبيّ وَله، فأمرني أن أقضيه
عنها))، فإنه ظاهرٌ في كون ابن عبّاس ﴿ها أخذه عن سعد نظُه، والله تعالى
أعلم.
(فِي نَذْرٍ) متعلّق بـ((استَفْتَى))، وقوله: (كَانَ عَلَى أُمِّهِ) في محلّ جرّ صفة
لـ«نذر))، وكذا جملة قوله: (تُوُقَِّتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: ماتت أمه (قَبْلَ أَنْ
تَقْضِيَهُ)؛ أي: قبل أن تؤدّي ذلك النذر الذي نذرته.
وفي رواية البخاريّ: ((فقال: إن أمي ماتت، وعليها نذرٌ؟))، زاد في رواية
قتيبة، عن مالك: ((لم تقضه)) (قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((فَاقْضِهِ عَنْهَا)))، وفي رواية
سليمان بن كثير المذكورة: «أفيجزئ عنها أن أُعتق عنها؟ قال: أعتق عن
أمك))، فأفادت هذه الرواية بيان ما هو النذر المذكور، وهو أنها نذرت أن تُعتق
رقبة، فماتت قبل أن تفعل.
ويَحْتَمِل أن تكون نذرت نذراً مطلقاً غير معيَّن، فيكون في الحديث حجةٌ
لمن أفتى في النذر المطلق بكفارة يمين، والعتق أعلى كفارات الأيمان، فلذلك
أمره والتر أن يُعتق عنها.
وحَكَى ابن عبد البر عن بعضهم أن النذر الذي كان على والدة سعد
(١) ((الفتح)) ٧١٥/٦، كتاب ((الوصايا)) رقم (٢٧٦١).

٤٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
صيام، واستند إلى حديث ابن عباس ظها: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله إن
أمي ماتت، وعليها صوم ... )) الحديث، ثم رَدّه بأن في بعض الروايات عن
ابن عباس: ((جاءت امرأة، فقالت: إن أختي ماتت)).
قال الحافظ: والحقّ أنها قصة أخرى. انتهى.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((فاقضه عنها)) أمرٌ بالقضاء على جهة الفتوى
فيما سئل عنه، فلا يُحمَل على الوجوب، بل على جهة بيان أنه إن فعل ذلك
صحَّ، بل نقول: لو ورد ذلك ابتداءً وافتتاحاً لَمَا حُمِل على الوجوب، إلا أن
يكون ذلك النذر ماليّاً، وتركت مالاً، فيجب على الوارث إخراج ذلك من رأس
المال، أو من الثلث، كما قد ذكرنا في ((الوصايا))، وإن كان حقّاً بدنياً، فمن
يقول بأن الوليَّ يقضيه عن الميت؛ لم يقل: إن ذلك يجب على الوليٍّ، بل
ذلك على النَّدب إن طاعت بذلك نفسُه، ومن تخيَّل شيئاً من ذلك فهو محجوج
بقوله : ((من مات وعليه صيام، صام عنه وليُّه لمن شاء))؛ وهو نصٌّ في
الغرض. انتهى (١).
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن
الزهريّ في آخر هذا الحديث: ((فكانت سُنَّةً بعدُ)) (٢)، قال في ((الفتح))؛ أي
صار قضاء الوارث ما على المورِّث طريقةً شرعيةً، أعم من أن يكون وجوباً،
أو ندباً، قال: ولم أر هذه الزيادة في غير رواية شعيب، عن الزهريّ، فقد
أخرج الحديث الشيخان من رواية مالك، والليث، وأخرجه مسلم أيضاً من
رواية ابن عيينة، ويونس، ومعمر، وبكر بن وائل، والنسائيّ من رواية
الأوزاعيّ، والإسماعيليّ من رواية موسى بن عقبة، وابن أبي عَتِيق، وصالح بن
(١) ((المفهم)) ٦٠٥/٤ - ٦٠٧.
(٢) ولفظ البخاريّ تختتمُ ٦/ ٢٤٦٤:
(٦٣٢٠) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن
عبد الله، أن عبد الله بن عباس أخبره: أن سعد بن عبادة الأنصاريّ استفتى
النبيّ وَ﴿ في نذر كان على أمه، فتُؤُفّيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها،
فكانت سنةً بعدُ. انتهى.

٤٩٩
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِقَضَاءِ النَّذْرِ - حديث رقم (٤٢٢٧)
كيسان، كلهم عن الزهريّ بدونها، وأظنها من كلام الزهريّ، ويَحْتَمِل من
شيخه، وفيها تَعَقّب على ما نُقِل عن مالك: لا يَحُجّ أحد عن أحد، واحتَجَّ بأنه
لم يبلغه عن أحد من أهل دار الهجرة منذ زمن رسول الله وير أنه حج عن
أحد، ولا أمر به، ولا أذن فيه، فيقال لمن قَلَّد: قد بلغ ذلك غيره، وهذا
الزهريّ معدود في فقهاء أهل المدينة، وكان شيخَه في هذا الحديث.
وقد استَدَلّ بهذه الزيادة ابن حزم للظاهرية، ومن وافقهم في أن الوارث
يلزمه قضاء النذر عن مُوَرِّثه في جميع الحالات، قال: وقد وقع نظير ذلك في
حديث الزهريّ، عن سهيل في اللعان لَمّا فارقها الرجل قبل أن يأمره النبيّ وَّل
بفراقها، قال: فكانت سُنَّةً. انتهى(١).
[تنبيه آخر]: قال القرطبيّ تَخُّ: قد اختلف في هذا النذر الذي كان على
أم سعد؛ فقيل: إنه كان نذراً مطلقاً، وقيل: صوماً، وقيل: عتقاً، وقيل:
صدقةً، والكل مُحْتَمِلٌ، ولا مُعيِّن، فهو مُجْمَل، ولا خلاف أن حقوق الأموال
من العتق، والصَّدقة تصحّ فيها النيابة، وتصحّ توفيتها عن الْمَيِّت والحيِّ، وإنَّما
اختلف في الحجِّ والصوم، كما تقدم ذلك فى كتابيهما. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): اختلف في تعيين نذر أم سعد ﴿ًا، فقيل: كان
صوماً؛ لِمَا رواه مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، جاء
رجل، فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟
قال: ((نعم ... )) الحديث.
وتُعُقّب بأنه لم يتعيَّن أن الرجل المذكور هو سعد بن عبادة، وقيل: كان
عتقاً، قاله ابن عبد البرّ، واستَدَلّ بما أخرجه من طريق القاسم بن محمد، أن
سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، إن أمي هلكت، فهل ينفعها أن أُعتق عنها؟
قال: ((نعم)) .
وتُعُقّب بأنه مع إرساله ليس فيه التصريح بأنها كانت نذرت ذلك، وقيل:
كان نذرها صدقةً، ففي ((الموطأ)) وغيره من وجه آخر، عن سعد بن عبادة أن
(١) ((الفتح)) ٣٦٣/١٥، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم (٦٦٩٨).
(٢) ((المفهم)) ٦٠٥/٤.

٥٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النذر
سعداً خرج مع النبيّ وَله، فقيل لأمه: أوص، قالت: المال مال سعد، فتُوفيت
قبل أن يَقْدَم، فقال: يا رسول الله، هل ينفعها أن أتصدّق عنها؟ قال: ((نعم)).
وعند أبي داود من وجه آخر نحوه، وزاد: فأيّ الصدقة أفضل؟ قال:
((الماء ... )) الحديث، وليس في شيء من ذلك التصريح بأنها نذرت ذلك.
قال القاضي عياض تَُّ: والذي يظهر أنه كان نذرُها في المال، أو
مبهماً.
قال الحافظ تَخُّْ: بل ظاهر حديث الباب أنه كان معيّناً عند سعد، والله
أعلم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ًَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٢٧/١ و٤٢٢٨] (١٦٣٨)، و(البخاريّ) في
((الوصايا)) (٢٧٦١) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٩٨) و((الحيل)) (٦٩٥٩)، و(أبو
داود) في ((الأيمان والنذور)) (٣٣٠٧)، و(الترمذيّ) في ((النذر والأيمان))
(١٥٤٦)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٢٥٣/٦ - ٢٥٤) و((الأيمان والنذور)) (٧)
٢٠ - ٢١) و((الكبرى)) (١٣٧/٣ و١١٠/٤ و١١١ و١١٢)، و(ابن ماجه) في
((الكفّارات)) (٢١٣٢)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٥٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٥٨/٣ و١١٣ و٢٨٤/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٩/١ و٣٢٩
و٣٧٠)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٢٣٨٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥/٤
و٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٧٥/١) و((الكبير)) (١٧/٦ و١٨ و١٩)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٩٣ و٤٣٩٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٦/٤
و٢٧٨/٦) و((المعرفة)) (٤٠١/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٤٤٩)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((الفتح)) ٣٦٣/١٥.