Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث عبد الرحمن بن عوف: قالوا:
يا رسول الله أوصنا - يعني: في مرض موته - فقال: ((أوصيكم بالسابقين
الأولين من المهاجرين، وأبنائهم من بعدهم))، وقال: لا يُروَى عن عبد الرحمن
إلا بهذا الإسناد، تفرد به عتيق بن يعقوب. انتهى. قال الحافظ: وفيه من لا
یعرف حاله.
وفي سنن ابن ماجه من حديث عليّ، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أنا
مِتُّ فغسّلوني بسبع قُرَب من بئر غَرْس))(١)، وكانت بقباء، وكان يشرب منها .
وفي ((مسند البزار))، و((مستدرك الحاكم)) بسند ضعيف أنه رَ ﴾ أوصى أن
يصلّوا عليه أَرْسالاً بغير إمام. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والماب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٢٤] (١٦٣٧) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرُو النَّاقِدُ - وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا
يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى، حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَوْمُ
الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ نَّهِ وَجَعُهُ، فَقَالَ: ((اثْتُونِي، أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا
تَضِلُّوا بَعْدِي))، فَتَنَازَعُوا، وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعُ، وَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ؟
اسْتَفْهِمُوهُ، قَالَ: (دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا
الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَقْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ))، قَالَ:
وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِئَةِ، أَوْ قَالَهَا، فَأُنْسِيتُهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكّة، ثقةٌ
مصنّف [١٠] (ت٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
(١) في ((القاموس)): غَرْس بفتح، فسكون.

٤٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، نزيل الرَّقّة،
ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٤ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ) هو: سليمان بن أبي مسلم المكيّ، خال ابن أبي
نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد الله، ثقة (١) [٥] تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٨/٦٥.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﴿ه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
و ((ابن أبي شيبةً)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سلیمان، عن سعيد، وفيه ابن عبّاس
حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين
بالفتيا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(يَوْمُ الْخَمِیسِ) خبر
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه (قَالَ: قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ)
المحذوف؛ أي: هذا يوم الخميس، أو مبتدأ حُذف خبره؛ أي: يوم الخميس
هذا، وقوله: (وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟) هذا يُستعمل عند إرادة تفخيم الأمر في
الشدّة، والتعجّب منه، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال القرطبيّ تَّهُ: قوله: ((يوم الخميس، وما يوم الخميس؟)) تعظيم،
وتفخيم لذلك اليوم على جهة التفَجُّع على ما فاتهم في ذلك من كَتْب كتاب لا
يكون معه ضلالٌ، وهو حقيقٌ بأكثر من ذلك التفجّع، وهذا نحو قوله تعالى:
﴿اَلْمَقَّةُ جَ مَا الْحَقَّةُ ﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، و﴿اَلْقَارِعَةُ ﴿ مَا الْقَارِعَةُ
٢
(٣)
[القارعة: ١ - ٢]. انتهى
.
(١) قال الإمام أحمد كثّفُ: ثقة ثقةٌ - مكرّراً، قاله في ((ت)).
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٥٩٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٣١).
(٣) ((المفهم)) ٥٥٨/٤.

٤٦٣
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
(حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى) وفي رواية طلحة بن
(ثُمَّ بگی) ابن عبّاس
مصرف التالية: ((ثم جَعَل تسيل دموعه حتى رأيتها على خديه كأنها نظام
اللؤلؤ))، وللبخاريّ في أواخر ((الجهاد)): ((ثم بكى حتى خَضَبَ دمعه الحصى)).
قال في ((الفتح)): وبكاء ابن عباس ﴿ه هذا يَحْتَمِل لكونه تذكّر وفاة
رسول الله ◌َله، فتجدّد له الحزن عليه، ويَحْتَمِل أن يكون انضاف إلى ذلك ما
فات في مُعْتَقَده من الخير الذي كان يحصل لو كُتب ذلك الكتاب، ولهذا أطلق
في الرواية الثالثة: أن ذلك رَزِيّة، ثم بالغ فيها، فقال: كُلّ الرزيّة. انتهى(١).
قال سعيد بن جبير (فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟)؛ أي: أيّ
شيء حصل فيه، حتى فخّمت شأنه؟ (قَالَ) ابن عبّاس ◌ِّهَا (اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ وََِّ)
ببناء الفعل للفاعل، وقوله: (وَجَعُهُ) مرفوع على الفاعليّة، زاد عند البخاريّ في
(الجهاد)): ((يومَ الخميس))، وهذا يؤيّد أن ابتداء مرضه و * كان قبل ذلك،
ووقع في الرواية الثالثة: ((لَمّا حُضِر رسول الله وَخ)) - بضم الحاء المهملة،
وكسر الضاد المعجمة -؛ أي: حضره الموت، وفي إطلاق ذلك تجوّز، فإنه
عاش بعد ذلك إلى يوم الاثنين، قاله في ((الفتح))(٢).
(فَقَالَ) وَرِ ((اتْتُونِي، أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً) قال القرطبيّ كَُّ: هذا الأمر
الذي همَّ رسول الله وَله بكتابته يَحْتَمِل أن يكون تفصيل أمور مهمَّةٍ، وقعت في
الشريعة مجملةً، فأراد تعيينها، ويَحْتَمِل أن يريد به بيان ما يرجعون إليه عند
وقوع الفتن، ومَن أَوْلى بالاتباع والمبايعة، ويَحْتَمِل أن يريد به بيان أمر
الخلافة، وتعيين الخليفة بعده، وهذا أقربها، والله أعلم. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي مال إليه القرطبيّ تَخُّْ من كون الذي
أراد ◌َ﴿ كتابته هو تعيينَ الخليفة بعده هو الأرجح؛ لأنه يؤيّد ذلك ما يأتي
لمسلم في ((الفضائل))، عن عائشة ﴿يّا، قالت: قال لي رسول اللهِ وَّل في
(١) ((الفتح)) ٩/ ٥٩٠ - ٥٩١.
(٢) ((الفتح)) ٥٩٠/٩ - ٥٩١، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٣١).
(٣) ((المفهم)) ٥٥٨/٤.

٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
مَرَضِهِ: ((ادْعِي لي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ، حتى أكتب كِتَاباً، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى
مُتَمَنٍّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ: أنا أَوْلَّى، وَيَأْبَى اللهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكٍْ)).
وفي رواية للبزّار: ((معاذ الله أن يختلف الناس على أبي بكر)).
(لَا تَضِلُّوا بَعْدِي)»)، وفي رواية طلحة بن مصرّف التالية: ((لن تضلّوا بعده
أبداً))، وفي رواية عبيد الله الثالثة: «هَلُمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعده))،
وللبخاريّ: ((هلمّوا أكتب لكم كتاباً، لا تضلّوا بعده)).
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله وَله: «ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده)»
لا شكّ في أن ((ائتوني)) أمرٌ وطلبٌ توجَّه لكل من حضر، فكان حقّ كل من
حضر المبادرةُ للامتثال، ولا سيما وقد قرنه بقوله: ((لا تضلُّون بعده))، لكن
ظهر لعمر ظه ولطائفة معه أن هذا الأمر ليس على الوجوب، وأنَّه من باب
الإرشاد إلى الأصلح، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء، كما قال
تعالى: ﴿يَبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية [النحل: ٨٩]، مع ما كان فيه رسول الله وَلافه من
الوجع، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشقّ ويثقل عليه، فظهر لهم: أن الأوَّلى
ألا يكتب، وأرادت الطائفة الأخرى أن يكتب، متمسِّكةً بظاهر الأمر، واغتناماً
لزيادة الإيضاح، ورفع الإشكال، فيا ليتَ ذلك لو وقع وحصلَ! ولكن قدَّر الله،
وما شاءَ فعل، ومع ذلك: فلا عتب، ولا لوم على الطائفة الأولى؛ إذ لم
يعنّفهم النبيّ ◌ََّ، ولا ذمَّهم، بل قال للجميع: (دعوني، فالذي أنا فيه خير))،
وهذا نحو مِمَّا جرى لهم حيث قال رسول الله وسط * يوم الأحزاب: ((لا يصلّين
أحدٌ العصر إلا في بني قريظة))، فتخوَّف ناسٌ فوت الوقت، فصَلَّوا دون بني
قريظة، وقال آخرون: لا نصلّي إلا حيث أمرنا رسول الله وَلّ، وإن فاتنا
الوقت، قال: فما عنَّف واحداً من الفريقين.
وسبب ذلك: أن ذلك كله إنَّما حمل عليه الاجتهاد المسوَّغ، والقصد
الصالح، وكل مجتهد مصيب(١)، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم، بل
(١) هذا غير صحيح، بل الصحيح أن المصيب واحد، ولكن غيره لا يأثم، بل يؤجر
على اجتهاده، وقد أوضحت هذا أتم إيضاح في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها))،
فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

٤٦٥
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
مأجور، كما قررناه في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب أن ما قاله عمر ظُه ومن تبعه من عدم
الكتابة هو الحقّ؛ لتقرير النبيّ وَ﴿ ذلك، وعدم نزول الوحي بنقضه، فإن هذا
القول صدر منه * يوم الخميس، وتُوفّي يوم الاثنين، فلو كان في الكتابة خير
لَمَا سكت عنه، فالذي نعتقده أن الله رَك أمره ◌َّ ر أن يكتب لهم كتاباً يعتمدون
عليه بعد موته، إن رأوا ذلك، وإلا فكتاب الله تعالى فيه الكفاية التامّة، فلمّا
عرض عليهم النبيّ وَّر ذلك اختلفوا فيه، فعلم بذلك أنه لا حاجة إليه، فتركه،
وهذا نظير قوله ﴿ لعائشة: ((ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً ... ))
الحديث، ثم ترك ذلك، وقال: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، وفي رواية:
((معاذ الله أن يختلف الناس على أبي بكر))، كما تقدّم، فتبيّن بهذا أن عدم
الكتابة فيه الخير.
وهذا نظير ما ثبت في ((الصحيحين)) أنه * أُري ليلة القدر، فأراد أن
يخبر الناس بها، فخرج لذلك، فتنازع رجلان، فرُفِعت، فقال ◌َله: ((إني
خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى أن
يكون خيراً لكم ... )) الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَتَنَازَعُوا)؛ أي: اختلف الصحابة الحاضرون لديه بَّ في ذلك، ففي
رواية عبيد الله الثالثة: ((فقال عمر: إن رسول الله وَل قد غلبه الوجع، وعندكم
القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت، فاختصموا، فمنهم من يقول:
قرّبوا يكتب لكم رسول الله وَل﴿ كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال
عمر)).
وقوله: (وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيَّ تَنَازُعُ) قال في ((الفتح)): هو من جملة
الحديث المرفوع، ويَحْتَمل أن يكون مدرجاً من قول ابن عبّاس .
والصواب الأول، فقد وقع عند البخاريّ في ((العلم)) بلفظ: ((ولا ينبغي عندي
التنازع)).
والمعنى: أنه وَ﴿ لَمّا رأى تنازعهم في ذلك قال لهم: ((وما ينبغي عندي
(١) ((المفهم)) ٥٥٨/٤ - ٥٥٩.

٤٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الوصايا
تنازع))، وفي رواية عبيد الله: ((فلَمّا أكثروا اللغو، والاختلاف عند
رسول الله وَّ﴾، قال رسول الله وَله: قوموا)). (وَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ؟
اسْتَفْهِمُوهُ)؛ أي: اطلبوا منه فَهْم ما قاله في شأن الكتاب، قال في ((الفتح)):
قوله: ((فقالوا: ما شأنه؟ أَهَجَر؟)) بهمزة لجميع رواة البخاريّ، وفي الرواية التي
في الجهاد بلفظ: ((فقالوا: هجر)) بغير همزة، ووقع للكشميهنيّ هناك: ((فقالوا :
هَجَرَ هَجَرَ رسول الله (َّ)) أعاد ((هجر)) مرتين.
وقال القرطبيّ تَخْذّتُهُ: وقوله: ((أهجرَ؟ استفهموه)) كذا الرِّواية الصحيحة في
هذا الحرف ((أهَجَرَ؟)) بهمزة الاستفهام، ((وهَجَرَ)) بالفتح بغير تنوين، على أنَّه
فعل ماض، وقد رواه بعضهم: ((أهُجُراً)) بفتح الهمزة، وبضم الهاء، وتنوين
الراء، على أن يجعله مفعولاً بفعل مضمر؛ أي: أقال هُجْراً، وقد رُوي في غير
مسلم: ((هَجَرَ)) بلا استفهام، والهَجْر: يراد به هذيان المريض، وهو الكلام
الذي لا ينتظم، ولا يُعتدّ به؛ لعدم فائدته، ووقوع مثل هذا من النبيّ ◌َّ في
حال مرضه، أو صحته محال؛ لأن الله تعالى حَفِظَه من حين بعثه إلى حين
قبضه عمَّا يُخِلّ بالتبليغ، ألا تسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَ ﴿ إِنْ هُوَ
إِلَّا وَحَّىٌ يُوحَى ﴾﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ.
لَفِظُونَ ﴾ [الحجر: ٩]، وقد شَهِد له بأنه على صراط مستقيم، وأنه على
الحقّ المبين، إلى غير ذلك. ولذلك قال وَّه: ((خذوا عني في الغضب
والرضا، فإني لا أقول على الله إلا حقّاً))(١)، ولمَّا علم أصحابه هذا كانوا
يأخذون عنه ما يقوله في كل حالاته، حتَّى في هذه الحالة، فإنهم تلقَّوا عنه،
وقبلوا منه جميع ما وصَّى به عند موته، وعملوا على قوله: ((لا نورث))،
ولقوله: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب))، و((أجزوا الوفد بنحو ما كنت
(١) حديث صحيح، رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) ٢/ ١٦٢ عن عبد الله بن عمرو قال:
كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله وَلفي أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا:
إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صل9، ورسول الله ويل في بشر، يتكلم في
الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله وَ *، فقال:
((اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حقّ)). انتهى.

٤٦٧
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
أجيزهم))، إلى غير ذلك، ولم يتوقفوا، ولا شكُّوا في شيء منه.
وعلى هذا: يستحيل أن يكون قولهم: أَهَجَرَ، لِشكِّ عَرَضَ لهم في صحة
قوله زمن مرضه، وإنَّما كان ذلك من بعضهم على جهة الإنكار على من توقف
في إحضار الكتف والدواة، وتلكّأ عنه، فكانه يقول لمن توقف: كيف تتوقف،
أتظن: أنه قال هذياناً؟ فدع التوقف وقرِّب الكتفَ، فإنه إنما يقول الحق، لا
الْهَجْرَ، وهذا أحسنُ ما يُحْمَل ذلك عليه، فلو قدَّرنا: أن أحداً منهم قال ذلك
عن شكٍّ عرض له في صحَّة قوله؛ كان خطأ منه، وبعيدٌ أن يقرَّه على ذلك
القول من كان هناك ممن سمعه من خيار الصحابة وكبرائهم، وفضلائهم، هذا
تقدیرٌ بعیدٌ، ورأيُّ غیر سدید.
ويحتمل: أن يكون هذا صدَرَ عن قائله عن دهشٍ وحيرةٍ أصابه في ذلك
المقام العظيم، والمصاب الجسیم، كما قد أصاب عمر وغيره عند موته. انتهى
كلام القرطبيّ تَخَذُ(١).
وقال في ((الفتح)): قال القاضي عياض: معنى أهجر: أفحش، يقال:
هجر الرجل: إذا هَذِيَ، وأهجر: إذا أفحش.
وتُعُقّب بأنه يستلزم أن يكون بسكون الهاء، والروايات كلها إنما هي
بفتحها، وقد تكلم عياض وغيره على هذا الموضع، فأطالوا، ولخصه القرطبيّ
تلخيصاً حسناً، ثم لخصته من كلامه.
وحاصله أن قوله: ((هَجَرَ)) الراجح فيه إثبات همزة الاستفهام، وبفتحات،
على أنه فعل ماض، قال: ولبعضهم: ((أَهُجْراً)) بضم الهاء، وسكون الجيم،
والتنوين، على أنه مفعول بفعل مضمر؛ أي: قال هُجْراً، والهجر بالضم، ثم
السكون: الهذيان، والمراد به هنا ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم،
ولا يُعْتَدّ به؛ لعدم فائدته، ووقوعُ ذلك من النبيّ وَّر مستحيل؛ لأنه معصوم في
صحته ومرضه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمُوَقَ (٣)﴾، ولقوله ◌َّ: (إني لا
أقول في الغضب والرضا إلا حقّاً)).
وإذا عُرِف ذلك فإنما قاله من قاله مُنكِراً على من توقف في امتثال أمره
(١) (المفهم)) ٤ /٥٥٩ - ٥٦٠.

٤٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الوصايا
بإحضار الكتف والدواة، فكأنه قال: كيف تتوقف؟ أتظن أنه كغيره يقول
الهذيان في مرضه؟ امتَثِلْ أمره، وأحضره ما طَلَب، فإنه لا يقول إلا الحقّ،
قال: هذا أحسن الأجوبة.
قال: ويَحْتَمِل أن بعضهم قال ذلك عن شكّ عرض له، ولكن يبعده أن
لا ينكره الباقون عليه، مع كونهم من كبار الصحابة، ولو أنكروه عليه لنُقِل.
ويَحْتَمِل أن يكون الذي قال ذلك صدر عن دهش وحيرة، كما أصاب
كثيراً منهم عند موته مَله .
وقال غيره: ويَحْتَمِل أن يكون قائل ذلك أراد أنه اشتد وجعه، فأطلق
اللازم، وأراد الملزوم؛ لأن الهذيان الذي يقع للمريض ينشأ عن شدة وجعه،
وقيل: قال ذلك؛ لإرادة سكوت الذين لَغَطُوا، ورفعوا أصواتهم عنده، فكأنه
قال: إن ذلك يؤذيه، ويفضي في العادة إلى ما ذُكر.
ويَحْتَمِل أن يكون قوله: (أَهَجَرَ)) فعلاً ماضياً، من الهجر - بفتح الهاء،
وسكون الجيم - والمفعول محذوف؛ أي: الحياة، وذكره بلفظ الماضي مبالغةً
لَمّا رأى من علامات الموت.
قال الحافظ: ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات التي ذكرها القرطبيّ،
ويكون قائل ذلك بعض من قرُب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتدّ
عليه الوجع قد يشتغل به عن تحرير ما يريد أن يقوله، لجواز وقوع ذلك، ولهذا
وقع في الرواية الثانية: ((فقال بعضهم: إنه قد غلبه الوجع)).
ووقع عند الإسماعيليّ من طريق محمد بن خلاد، عن سفيان في هذا
الحديث: ((فقالوا: ما شأنه يهجر؟ استفهموه)).
وعند ابن سعد من طريق أخرى، عن سعيد بن جبير: ((إن نبيّ الله ليهجر))،
ويؤيده أنه بعد أن قال ذلك: ((استفهموه)) بصيغة الأمر بالاستفهام؛ أي: اختبروا
أمْره بأن يستفهموه عن هذا الذي أراده، وابحثوا معه في كونه الأولى أو لا .
وفي قوله في الرواية الثانية: ((فاختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب
لكم)) ما يُشعر بأن بعضهم كان مُصَمِّماً على الامتثال، والردّ على من امتنع
منهم، ولمّا وقع منهم الاختلاف ارتفعت البركة، كما جرت العادة بذلك عند
وقوع التنازع والتشاجر.

٤٦٩
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
وقد مضى في ((الصيام)) أنه وُّهُ خرج يخبرهم بليلة القدر، فرأى رجلين
يختصمان، فرُفعت.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فرُفعت البركة)) فيه نظر لا يخفى، بل
هذا مما لا يليق بمنصب الحافظ، فإنه لا شكّ أن البركة فيما اختاره الله لهذه
الأمة، من عدم الكتابة، ويدلّ على ذلك ما ذكره نظيراً له، وهو ارتفاع علم
ليلة القدر، فإنه ليس فيه رفع للبركة قطعاً، بدليل قوله وَيقول: ((وعسى أن يكون
خيراً لكم))، فهل بعد رفع البركة من خير يرجى، فتبصّر بالإنصاف.
والحاصل أن الخير كلّ الخير فيما اختاره الله تعالى لهذه الأمة من بقاء
دينها، وبقاء تمسّكها بكتاب ربها، وهذا هو الحاصل من الصدر منها، فإن
الصحابة ﴿م اجتمعوا على من قال في حقه النبيّ وَلقر: ((يأبى الله والمؤمنون
إلا أبا بكر))، وفي رواية: ((معاذ الله أن يختلف الناس على أبي بكر))، ولله
تعالى الحمد والمنة، ومنه التوفيق والعصمة.
وقال المازريّ: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح
أمره لهم بذلك لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه
قرينة دلّت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختَلَف
اجتهادهم، وصَمَّم عمر على الامتناع لِمَا قام عنده من القرائن بأنه نَِّ قال
ذلك عن غير قصد جازم، وعزمه وَير كان إما بالوحي، وإما بالاجتهاد، وكذلك
تركه إن كان بالوحي، فبالوحي، وإلا فبالاجتهاد أيضاً، وفيه حجة لمن قال
بالرجوع إلى الاجتهاد في الشرعيات.
قال الجامع: اجتهاده وّ في مثل هذا وحي؛ أي: إن الوحي أقرّه، حيث
لم ينزل بنقضه، فدلّ على أن ما قاله، وسكت عنه اجتهاداً مما أقرّه الله تعالى
عليه، فلا ينبغي الشكّ والتردّد في كونه هو الحقّ، فتبصّر.
وقال النوويّ: اتفق قول العلماء على أن قول عمر: ((حسبنا كتاب الله))
من قوة فقهه، ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب أموراً ربما عَجَزُوا عنها،
فاستحقّوا العقوبة؛ لكونها منصوصةً، وأراد أن لا ينسدّ باب الاجتهاد على
العلماء، وفي تركه ويقول الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه رأيه، وأشار بقوله:
((حسبنا كتاب الله)) إلى قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨].

٤٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
ويَحْتَمِل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله صل﴿ لَمّا رأى ما هو فيه
من شدة الكرب، وقامت عنده قرينة بأن الذي أراد كتابته ليس مما لا يستغنون
عنه؛ إذ لو كان من هذا القبيل لم يتركه 18 لأجل اختلافهم.
قال: ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: ((إن الرزية ... إلخ))؛ لأن عمر
كان أفقه منه قطعاً .
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد النوويّ تَّثُ في تحقيقه الجواب
الشافي الكافي في هذه المسألة، فقد أشار إلى أن فقه عمر ظ ته أحقّ
بالصواب، فإن كتاب الله فيه الكفاية التامة، وأيضاً فقد رأى ذاته أنه وصل لو
نصّ على شخص معيّن، فاختلف فيه الناس بعد التنصيص، فإنه يكون سبباً
لنزول العقوبة عليهم، كما جرت بذلك سُنَّة الله في الأمم السالفة، بخلاف ما
إذا كان أمراً اجتهاديّاً، فإن الخلاف فيه هيّن يُعذر المخطىء، بل يؤجر عليه.
وأيضاً فإن في ترك الكتابة مصالحَ فتح باب الاجتهاد للعلماء، فيحصل
لهم الأجر والمثوبة في ذلك.
وأيضاً راعى عظته حالة النبيّ وَيّ، فإنه في حال شدّة المرض، فلا ينبغي
زيادة العناء عليه بشيء غير ضروريّ؛ إذ لو كانت الكتابة ضروريّة لَمَا تركها وَ ه
من يوم الخميس إلى يوم الاثنين، فتأمل أيها اللبيب هذا كلّه حقّ التأمل يظهر
لك وجه الصواب، وبالله تعالى التوفيق.
وقال الخطابيّ: لم يتوهم عمر الغلط فيما كان النبيّ وَ * يريد كتابته، بل
امتناعه محمول على أنه لَمّا رأى ما هو فيه من الكرب، وحضور الموت،
خَشِي أن يجد المنافقون سبيلاً إلى الطعن فيما يكتبه، وإلى حمله على تلك
الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق، فكان ذلك سبب
توقف عمر، لا أنه تعمد مخالفة قول النبيّ وَّ﴿، ولا جواز وقوع الغلط عليه،
حاشا وكلا. انتهى.
قال الجامع: ينبغي أن يزاد في قول الخطابيّ أن عمر مع رؤيته ما ذُكر
رأى أن الكتابة ليست ضروريّة؛ لأن في كتاب الله ما يغنينا عنها، بل هي كانت
مجرّد إيضاح وبيان، فلا ينبغي زيادة المشقّة عليه، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم
بالصواب.

٤٧١
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَّهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
زاد في رواية البخاريّ: قوله: ((وقد ذهبوا يردّون عليه))، قال في
((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون المراد: يردّون عليه؛ أي: يعيدون عليه مقالته،
ويستثبتونه فيها، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: يردّون عنه القول المذكور على من
قاله. انتهى.
(قَالَ) وَِّ ((دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ) قال النوويّ تَّتُهُ: معناه: دَعُوني
من النزاع واللغط الذي شرعتم فيه، فالذي أنا فيه من مراقبة الله تعالى،
والتأهب للقائه، والفكر في ذلك ونحوه، أفضل مما أنتم فيه. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): قال ابن الجوزيّ وغيره: يَحْتَمِل أن يكون المعنى:
دعوني فالذي أعاينه من كرامة الله التي أعدّها لي بعد فراق الدنيا خير مما أنا
فيه في الحياة، أو أن الذي أنا فيه من المراقبة، والتأهب للقاء الله، والتفكر في
ذلك ونحوه، أفضل من الذي تسألونني فيه من المباحثة عن المصلحة في
الكتابة، أو عدمها .
ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: فإن امتناعي من أن أكتب لكم خير مما
تدعونني إليه من الكتابة.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل عكسه؛ أي: الذي أشرت عليكم به من الكتابة
خير مما تدعونني إليه من عدمها، بل هذا هو الظاهر، وعلى الذي قبله كان
ذلك الأمر اختباراً وامتحاناً، فهدى الله عمر لمراده، وخفي ذلك على غيره.
قال الجامع: استظاهر الحافظ العكس، وهو كون الكتابة خيراً فيه نظر لا
يخفى؛ لأنه يؤدّي أنه بَ ل مات وترك أمته على غير ما هو خير لهم؛ لأجل
تنازعهم، وهذا من أخطر ما يُعتقد في الدين، بل العكس، هو الخير كلّ
الخير، وهو الصواب الذي لا نعتقد سواه، وأن عمر ومن معه قد وُفّقوا لما هو
الخير، ولهذا عدّ بعضهم هذا من موافقات عمر ربه، وما أحقّه بذلك !.
قال: وأما قول ابن بطال: عمر أفقه من ابن عباس، حيث اكتفى
بالقرآن، ولم یکتف ابن عباس به.
فتعقب بأن إطلاق ذلك مع ما تقدم ليس بجيد، فإن قول عمر: ((حسبنا
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٣/١١.

٤٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
كتاب الله)) لم يُرد أنه يُكْتَفَى به عن بيان السُّنَّة، بل لِمَا قام عنده من القرينة،
وخَشِي من الذي يترتب على كتابة الكتاب مما تقدمت الإشارة إليه، فرأى أن
الاعتماد على القرآن لا يترتب عليه شيء مما خشيه، وأما ابن عباس، فلا يقال
في حقه: لم يكتف بالقرآن، مع كونه حبر القرآن، وأعلم الناس بتفسيره
وتأويله، ولكنه أسف على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه؛ لكونه أولى من
الاستنباط، والله أعلم. انتهى(١).
(أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ)؛ أي: في تلك الحالة، وهذا يدلّ على أن الذي أراد
أن يكتبه لم يكن أمراً، متحتماً؛ لأنه لو كان مما أُمر بتبليغه لم يكن يتركه
لوقوع اختلافهم، ولعاقب الله مَن حال بينه وبين تبليغه، ولبلّغه لهم لفظاً كما
أوصاهم بإخراج المشركين، وغير ذلك، وقد عاش بعد هذه المقالة أياماً،
وحفظوا عنه أشياء لفظاً، فيَحْتَمِل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه، والله
أعلم، قاله في ((الفتح)).
قال الجامع: ((وهذا يدلّ ... إلخ)) هذا مما أجاد فيه الحافظ من تحقيقاته
المفيدة، خلاف ما مضى له، مما يُنتقد، ويُتعقّب فيه، فقد أوضح هنا أن ما
أراده وَّر من الكتابة لهم ليس من الأمور المتحتّمة، وإلا لَمَا تركه، وقد عاش
بعده نحو أربعة أيام، وحفظ الصحابة خلالها منه سُنناً، فلو كان حتماً لَمَا
أهمله، وهذا هو الذي قرّرناه سابقاً، وهو الحقّ الذي لا نتردّد فيه.
وأما ما ذكره من احتمال أن يكون مجموع هذه الأمور هو الذي أراد أن
يكتبه، فمحلّ نظر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((أوصيكم بثلاث)) نصٌّ في أنه وَلِّ أوصى عند
موته، وهو مخصِّصٌ لقول مَنْ قال: إنه وَّر لم يوص بشيء، وقد تقدَّم ذلك.
انتھی(٢) .
(أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) قال القرطبيّ تَظْتُهُ: يعني
بالمشركين: اليهود؛ لأنه ما كان بقي مشرك في أرض العرب في ذلك الوقت
(١) ((الفتح)) ٥٩٣/٩ - ٥٩٤، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٣١).
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٦١.

٤٧٣
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
غيرهم، فتعيَّنوا، وقد جاء في بعض طرقه: ((أخرجوا اليهود من جزيرة العرب))
مفسّراً.
و((الجزيرة)): فَعِيلة بمعنى مفعولة، وهي مأخوذة من الْجَزْر، وهو:
القطع، ومنه: الْجَزّار، والْجِزَارة من الغنم، والجزور من الإبل؛ وكل ذلك
راجع إلى القطع، وسُميَّت أرض العرب بالجزيرة؛ لانقطاعها بإحاطة البحار بها
والحِرار، وأضيفت إلى العرب؛ لاختصاصهم بها، ولكونهم فيها ومنها.
واختُلِف في حدِّها، فقال الأصمعيّ: هي ما بين أقصى عدن أبين إلى
رِيف العراق في الطول، وفي العرض: من جُدَّة وما والاها إلى أطراف الشام،
وقال أبو عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى الأشعريّ إلى أقصى اليمن، وما
بين رمل يَبْرِين إلى منقطع السَّماوة، وقال المخزوميّ عن مالك: هي مكة،
والمدينة، واليمامة، واليمن، وحَكَى الهرويّ عنه: المدينة، والأول: المعروف
عنه، فقال مالك: يُخرَج من هذه المواضع التي ذكر المخزوميّ كل من كان
على غير دين الإسلام، ولا يُمنعون من التردُّد بها مسافرين، وكذلك قال
الشافعيّ، غير أنه استثنى من ذلك اليمن، ويُضْرَب لهم أجل ثلاثة أيَّام، كما
ضربه لهم عمر حين أجلاهم.
وقال الشافعيّ: ولا يدفنون فيها موتاهم، ويُلجؤون إلى الدَّفن بغيرها.
وقد رأى الطبريّ: أن هذا الحكم ليس خاصّاً بجزيرة العرب؛ فقال:
الواجب على كل إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه المسلمون إذا لم يكن
من بلادهم التي صولحوا عليها، إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم بها لعمارتها، فإذا
كان ذلك؛ فلا يَدَعهم في مصر مع المسلمين أكثر من ثلاث، وليسكنهم خارجاً
عنهم، ويمنعهم اتخاذ المساكن في أمصار المسلمين، فإن اتخذوها باعها
عليهم، واستدَلّ على ذلك بما رواه عن النبيّ وَّر من قوله: ((لا تبقى قبلتان
بأرض))(١)، وبقول ابن عبّاس: لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم،
(١) رواه أبو داود في ((سننه)) (٣٠٣٢)، والترمذيّ في ((جامعه)) (٦٣٣) بلفظ: ((لا تكون
قبلتان في بلد واحد))، فيه قابوس بن أبي ظبيان، قال فيه في ((التقريب)): فيه لين،
وضعّف الحديث الشيخ الألبانيّ، وهو محلّ نظر؛ لأن قابوس وإن ضعّفه بعضهم، =
:

٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
وبإخراج أهل الذُّمَّة من الكوفة إلى الحيرة، قال: وإنما خصَّ في الحديث
جزيرة العرب؛ لأنه لم يكن يومئذ للإسلام ظهور إلا بها .
قال القرطبيّ: وتخصيص الحكم بجزيرة العرب هو قولُ المتقدمين،
والسلف الماضين، فلا يُعْدَلُ عنه، ولم يُعَرِّج أبو حنيفة على هذا الحديث،
فأجاز استيطان المشركين بالجزيرة، ومخالفة مثل هذا جريرة. انتهى قول
القرطبيّ تَظُّهُ، وأجاد في قوله: ((ومخالفة مثل هذا جريرة))، فإن مخالفة
الحديث الصحيح، جريرة أي جريرة، لكن يُعتذر عن الإمام أبي حنيفة: بأنه لم
يصل إليه هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ◌َُّ: قوله وَله: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)):
قال أبو عبيد: قال الأصمعيّ: جزيرة العرب ما بين أقصى عدن اليمن إلى رِيف
العراق في الطول، وأما في العرض فمن جُدّة، وما والاها إلى أطراف الشام،
وقال أبو عبيدة: هي ما بين حَفَر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما
في العرض فما بين رَمْل يَبْرين إلى مُنقَطع السماوة.
وقوله: ((حَفَر)) أبي موسى هو بفتح الحاء المهملة، وفتح الفاء أيضاً،
قالوا: وسميت جزيرةً؛ لإحاطة البحار بها من نواحيها، وانقطاعها عن المياه
العظيمة، وأصل الْجَزْر في اللغة القطع، وأضيفت إلى العرب؛ لأنها الأرض
التي كانت بأيديهم قبل الإسلام، وديارهم التي هي أوطانهم، وأوطان
أسلافهم .
وحَكَى الهرويّ عن مالك أن جزيرة العرب هي المدينة، والصحيح
المعروف عن مالك أنها مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن.
وأخذ بهذا الحديث مالك، والشافعيّ وغيرهما من العلماء، فأوجبوا
إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها، ولكن
الشافعيّ خَصَّ هذا الحكم ببعض جزيرة العرب، وهو الحجاز، وهو عنده مكة
والمدينة واليمامة، وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب، بدليل
آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه.
= فقد وثقه آخرون، راجع ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)).

٤٧٥
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
قال العلماء: ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز، ولا
يمكّنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام، قال الشافعيّ وموافقوه: إلا مكة
وحرمها، فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخله في خفية وجب
إخراجه، فإن مات ودُفن فيه نُبِش وأخرج، ما لم يتغير، هذا مذهب الشافعيّ،
وجماهير الفقهاء.
وجوّز أبو حنيفة دخولهم الحرم، وحجة الجماهير قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا
الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، والله
ج
أعلم. انتهى(١).
(وَأَجِيزُوا الْوَقْدَ)؛ أي: أعطوهم، والجائزة: العطية: وقيل: أصله أن
ناساً وَفَدوا على بعض الملوك، وهو قائم على قنطرة، فقال: أجيزوهم،
فصاروا يُعطون الرجل، ويطلقونه، فيجوز على القنطرة متوجهاً، فسُمِّيت عطيةُ
مَن يَقْدَم على الكبير جائزةً، وتُستعمل أيضاً في إعطاء الشاعر على مدحه،
ونحو ذلك.
وقوله: (بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ)))؛ أي: بقريب منه، وكانت جائزة الواحد
على عهده وَّ﴿ وقيّةً من فضة، وهي أربعون درهماً، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((وأجيزوا الوفد)): الوفد: جمع وافد؛
كصحب، وصاحب، وركب، وراكب، وجمع الوفد: أوفاد، ووفود، والوفادة:
الاسم، وهو: القادم على القوم، والرسول إليهم، يقال: أوفدته: أرسلته،
والإجازة: العطية، وهذا منه ◌َ﴿ عهدٌ ووصيةٌ لولاة المسلمين بإكرام الوفود،
والإحسان إليهم، قضاءً لحقّ قصدهم، ورفقاً بهم، واستئلافاً لهم.
قال القاضي أبو الفضل: وسواء في ذلك عند أهل العلم؛ كانوا مسلمين
أو كفاراً؛ لأن الكافر إنَّما يَفِدُ في مصالح المسلمين، قال: وهذه سُنَّة لازمة
للأمة بعد النبيّ وَّرِ. انتهى(٣).
(قَالَ) سليمان الأحول (وَسَكَتَ)؛ يعني: سعيد بن جبير (عَنِ الثَّالِئَةِ)؛
(١) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٩٣ - ٩٤.
(٣) ((المفهم)) ٤ / ٥٦٢.
(٢) ((الفتح)) ٩ / ٥٩٤ - ٥٩٥.

٤٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
أي: عن ذكر الخصلة الثالثة (أَوْ قَالَهَا)؛ أي: ذكرها سعيد (فَأَنَسِيتُهَا) بضم أوله
من الإنساء رباعيّاً؛ أي: أنسانيها الشيطان، ولفظ البخاريّ: ((فنسيتها)) من
النسيان ثلاثيّاً .
قال النوويّ: الساكت ابن عبّاس، والناسي سعيد. انتهى، وفيه نظر؛ لِمَا
يأتي.
وقال الحافظ تَخّْتُهُ: قوله: ((وسكت عن الثالثة، أو قال، فنسيتها)) يَحْتَمِل
أن يكون القائل ذلك هو سعيد بن جبير، ثم وجدت عند الإسماعيليّ التصريح
بأن قائل ذلك هو ابن عيينة، وفي ((مسند الحميديّ))، ومن طريقه أبو نعيم في
(المستخرج)) قال سفيان: قال سليمان - أي: ابن أبي مسلم -: لا أدري أذكر
سعيد بن جبير الثالثة، فنسيتها، أو سكت عنها؟ وهذا هو الأرجح.
قال الداوديّ: الثالثة: الوصية بالقرآن، وبه جزم ابن التين، وقال
المهلَّب: بل هو تجهيز جيش أسامة، وقوّاه ابن بطال بأن الصحابة ﴿ لَمّا
اختلفوا على أبي بكر ﴿به في تنفيذ جيش أسامة، قال لهم أبو بكر: إن
النبيّ ◌َّهِ عَهِدَ بذلك عند موته.
وقال القاضي عياض: يَحْتَمِل أن تكون هي قوله: ((ولا تتخذوا قبري
وثناً))، فإنها ثبتت في ((الموطأ)) مقرونة بالأمر بإخراج اليهود، ويَحْتَمِل أن يكون
ما وقع في حديث أنس: أنها قوله: ((الصلاة، وما ملكت أيمانكم))، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسأئل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٢٤/٦ و٤٢٢٥ و٤٢٢٦] (١٦٣٧)،
و(البخاريّ) في ((العلم)) (١١٤) و((الجهاد)) (٣٠٥٣) و((المغازي)) (٤٤٣١
و٤٤٣٢) و((المرضى)) (٥٦٦٩) و((الاعتصام)) (٧٣٦٦)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (٤٣٨/٥ و٥٧/٦ و٣٦١/١٠)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٢٤١/١)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٢/١ و٣٢٤ و٣٣٦ و٣٥٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))

٤٧٧
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
(٤٣٣/٣ و٤٣٤ و٣٦٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٩٨/٤)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٤٧٦/٣ و٤٧٧ و٤٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٤ / ٥٦٢ -
٥٦٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٨٨/٥) و((الكبير)) (٣٦/١١ و٤٤٥)،
و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٥٤٢/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٧/٩)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن النبيّ ◌َ﴿ ما أوصى في مرضه بالخلافة إلى أحد، بل
همّ بذلك، ثم تركه؛ لِعِلْمه أنه مما لا تشتدّ إليه الحاجة؛ لأن الله تعالى تولّى
حفظ هذا الدين، وأكمله، فلا يُخشى عليه، فكان كذلك فقد ألهم الله تعالى
الصحابة على أن يتفقوا على إمامة أبي بكر
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: (اعلم): أن النبيّ وَّ معصوم من
الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته، وحال مرضه،
ومعصوم من ترك بيان ما أُمر ببيانه، وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس
معصوماً من الأمراض، والأسقام العارضة للأجسام ونحوها، مما لا نقص فيه
لمنزلته، ولا فساد لِمَا تمهد من شريعته، وقد سُحر بَّه حتى صار يُخَيَّل إليه أنه
فعل الشيء، ولم يكن فعله، ولم يصدر منه 98 في هذا الحال كلام في
الأحكام مخالف لِمَا سبق من الأحكام التي قررها .
فإذا علمت ما ذكرناه، فقد اختَلَف العلماء في الكتاب الذي هَمَّ النبيّ ◌َّه
به، فقيل: أراد أن يَنُصّ على الخلافة في إنسان معين؛ لئلا يقع نزاع وفتن،
وقيل: أراد كتاباً يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة؛ ليرتفع النزاع فيها،
ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه، وكان النبيّ وَ ﴿ هَمّ بالكتاب حين ظهر
له أنه مصلحة، أو أوحى إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحى إليه
بذلك، ونُسِخ ذلك الأمر الأول. انتهى.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَّتُهُ أيضاً: اتَّفَق العلماء المتكلمون في
شرح الحديث على أن هذا الحديث من دلائل فقه عمر، وفضائله، ودقيق
نظره؛ لأنه خَشِي أن يكتب ولل أموراً ربما عجزوا عنها، فاستحقوا العقوبة
عليها؛ لأنها منصوصة، لا مجال للاجتهاد فيها، فقال عمر نظُله: حسبنا

٤٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
كتاب الله؛ لقوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله:
﴿اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فعَلِم أن الله تعالى أكمل دينه، فأَمِن
الضلال على الأمة، وأراد الترفيه على رسول الله وَله، فكان عمر نظُته أفقه من
ابن عباس وموافقیه.
قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقيّ نَّتُهُ في أواخر كتابه «دلائل النبوة)):
إنما قَصَد عمر ◌َظُّه التخفيف على رسول الله وَّ حين غلبه الوجع، ولو كان
مراده له أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم، ولا لغيره؛ لقوله
تعالى: ﴿بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة
من خالفه، ومعاداة من عاداه، وكما أَمَر في تلك الحال بإخراج اليهود من
جزيرة العرب، وغير ذلك، مما ذكره في الحديث.
قال البيهقيّ: وقد حَكَى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه وَالّ أراد
أن يكتب استخلاف أبي بكر ظه، ثم ترك ذلك اعتماداً على ما عَلِمه من
تقدير الله تعالى ذلك كما هَمّ بالكتاب في أول مرضه حين قال: ((وارأساه))، ثم
ترك الكتاب، وقال: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر))، ثم نبّه أمته على
استخلاف أبي بكر بتقديمه إياه في الصلاة، قال البيهقيّ: وإن كان المراد بيانَ
أحكام الدين، ورفع الخلاف فيها، فقد عَلِم عمر ظُه حصول ذلك؛ لقوله
تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وعلم أنه لا تقع واقعة إلى يوم القيامة إلا
وفي الكتاب، أو السُّنَّة بيانها نصّاً، أو دلالةٌ، وفي تكلف النبيّ وَّ في مرضه
مع شدة وجعه كتابةً ذلك مشقة، ورأى عمر ته الاقتصار على ما سبق بيانه
إياه نصّاً، أو دلالةً؛ تخفيفاً عليه، ولئلا ينسدّ باب الاجتهاد على أهل العلم
والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول، وقد كان سبق قوله وَله: ((إذا اجتهد
الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر))، وهذا دليل على أنه
وَكَل بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء، وجعل لهم الأجر على الاجتهاد،
فرأى عمر رضيبه الصواب تركهم على هذه الجملة؛ لِمَا فيه من فضيلة العلماء
بالاجتهاد، مع التخفيف عن النبيّ وَ ﴿، وفي تركه وَالر الإنكار على عمر نظُّله
دليل على استصوابه.
قال الخطابيّ نَّهُ: ولا يجوز أن يُحْمَل قول عمر رَُّبه على أنه توهّم

٤٧٩
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَّهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٤)
الغلط على رسول الله وَله، أو ظَنّ به غير ذلك، مما لا يليق به بحال، لكنه
لَمّا رأى ما غلب على رسول الله وَّر من الوجع، وقرب الوفاة، مع ما اعتراه
من الكرب، خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض، مما لا عزيمة له
فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين، وقد كان أصحابه وَاهـ
يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية
في التحلّل، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أَمَر بالشيء أمر
عزيمة، فلا يراجعه فيه أحد منهم.
قال: وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم يُنزل عليه، وقد
أجمعوا كلَّهم على أنه لا يُقَرّ عليه، قال: ومعلوم أنه وَّر وإن كان الله تعالى قد
رفع درجته فوق الخلق كلهم، فلم يُنَزِّهه عن سمات الحدث، والعوارض
البشرية، وقد سَهَى في الصلاة، فلا يُنكَرِ أن يُظَنّ به حدوث بعض هذه الأمور
في مرضه، فيتوقف في مثل هذا الحال حتى تتبين حقيقته، فلهذه المعاني
ـنَّه .
وشبهها راجعه عمر
قال الخطابيّ: وقد رُوي عن النبيّ وَّ﴾ أنه قال: ((اختلاف أمتي
رحمة))(١)، فاستصوب عمر ما قاله، قال: وقد اعتَرَض على حديث اختلاف
أمتي رحمة رجلان: أحدهما مغموصٌ عليه في دينه، وهو عمرو بن بحر
الجاحظ، والآخر معروف بالسخف والخلاعة، وهو إسحاق بن ابراهيم
الموصليّ، فإنه لمّا وضع كتابه في الأغاني، وأمكن في تلك الأباطيل لم يرض
بما تزوّد من إئمها حتى صدَّر كتابه بذمّ أصحاب الحديث، وزعم أنهم يروون
ما لا يدرون، وقال هو والجاحظ: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق
عذاباً، ثم زعم أنه إنما كان اختلاف الأمة رحمة في زمن النبيّ ◌َّ خاصة،
فإذا اختلفوا سألوه فبيَّن لهم.
والجواب عن هذا الاعتراض الفاسد: أنه لا يلزم من كون الشيء رحمةً
أن يكون ضده عذاباً، ولا يلتزم هذا ويذكره إلا جاهل، أو متجاهل، وقد
(١) حديث منكر، بل موضوع، انظر كلام الشيخ الألبانيّ كَّهُ في: ((السلسلة الضعيفة))
٤ / ٤٤٧.

٤٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
قال الله تعالى: ﴿وَمِن زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِهِ﴾ [القصص: ٧٣]
فسمى الليل رحمة، ولم يلزم من ذلك أن يكون النهار عذاباً، وهو ظاهر لا
شك فيه .
قال الجامع عفا الله عنه: تعب الخطابيّ بهذا التأويل الذي ذكره عجيب،
فإن حديث: ((اختلاف أمتي رحمة))، حديث لا أصل له، بل هو موضوع، فلا
داعي إلى التكلّف بالتأويل، وقد حقّق الكلام فيه الشيخ الألبانيّ تَظُّ في كتبه،
فراجعه تستفد(١).
وقال المازريّ كَّتُهُ: إن قيل: كيف جاز للصحابة الاختلاف في هذا
الكتاب، مع قوله وَالفجر: ((ائتوني أكتب))، وكيف عصوه في أمره؟.
فالجواب: أنه لا خلاف أن الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى
الوجوب عند من قال: أصلها للندب، ومن الوجوب إلى الندب عند من قال:
أصلها للوجوب، وتنقل القرائن أيضاً صيغة افْعَلْ إلى الإباحة وإلى التخيير،
وإلى غير ذلك من ضروب المعاني، فلعله ظهر منه وَل﴿ من القرائن ما دلّ على
أنه لم يوجب عليهم، بل جعله إلى اختيارهم، فاختَلَف اختيارهم بحسب
اجتهادهم، وهو دليل على رجوعهم إلى الاجتهاد في الشرعيات، فأدَّى
عمر نظريته اجتهاده إلى الامتناع من هذا، ولعله اعتقد أن ذلك صدر منه وَلخير من
غير قصد جازم، وهو المراد بقولهم: ((أَهَجَرَ))، وبقول عمر رَظُهُ: (غَلَبَ عليه
الوجع))، وما قارنه من القرائن الدالة على ذلك، على نحو ما يَعهدونه من
أصوله وَّة في تبليغ الشريعة، وأنه يجري مجرى غيره من طرق التبليغ المعتادة
منه وَّة، فظهر ذلك لعمر دون غيره، فخالفوه، ولعل عمر خاف أن المنافقين
قد يتطرقون إلى القدح فيما اشتَهَر من قواعد الإسلام، وبلَّغه وَِّ الناسَ بكتاب
يُكتب في خلوة وآحاد، ويضيفون إليه شيئاً ليشبّهوا به على الذين في قلوبهم
مرض، ولهذا قال: عندكم القرآن حسبنا كتاب الله. انتهى كلام
المازريّ ◌َُّ(٢)، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((صفة صلاة النبيّ لَ﴾)) ص٥٨ و٦١، و((السلسلة الضعيفة)) ٤/ ٤٤٧.
(٢) راجع: ((شرح النوويّ)) ١١/ ٩٢ - ٩٣.