Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ ٢٤ - کتاب الوصايا يقول: رجعت صلاتنا من أربعة إلى اثنتين في أسفارنا لحال السفر. (١) انتھی . وقال الفيّوميّ تَظُّْ: وَصَيتُ الشيءَ بالشيءٍ أَصِيهِ، من باب وَعَدَ: وَصَلْتُهُ، ووَصَّيتُ إلى فلان تَوْصِيةً، وأوصيتُ إليه إيصاءً، وفي السبعة: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ﴾ الآية [البقرة: ١٨٢] - بالتخفيف، والتثقيل - والاسم الوِصَاية بالكسر، والفتحُ لغةٌ، وهو وَصِيٍّ فَعِيلٌ بمعنى مفعول، والجمع الأوصياء، وأوصيتُ إليه بمال: جعلته له، وأوصيته بولده: استعطفته عليه، وهذا المعنَى لا يقتضي الإيجاب، وأوصيتُهُ بالصلاة: أمرته بها، وعليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيّ أَوْلَدِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]؛ أي: يأمركم، وفي حديثٍ: ((خَطَبَ النبيّ ◌َّ، فأوصى بتقوى الله))، معناه أمر، فيعمّ الأمر بأيّ لفظ كان، نحو: اتّقوا الله، وأطيعوا الله، وكذلك الخبرُ إذا كان فيه معنى الطلب، نحو: لقد فاز من اتّقى، وطُوبى لمن وَسِعَته السُّنّةُ، ولم تستهوه البدعةُ، ورحم الله من شغله عيبه عن عيوب الناس، ولا يتعيّن في الخطبة أوصيكم، كيف ولفظ الوصيّة مشترك بين التذكير والاستعطاف، وبين الأمر؟ فيتعيّن حمله على الأمر، ويقوم مقامه كلّ لفظ، فيه معنى الأمر، وتَوَاصَى القومُ: أوصى بعضهم بعضاً، واستوصيتُ به خيراً. انتهى كلام الفيّوميّ كَّتُهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً. وقال في ((الفتح)): الوصايا: جمع وصيّة، كالْهَدايا، وتُطلق على فعل الموصِي، وعلى ما يوصي به، من مال، أو غيره، من عهد، ونحوه، فتكون بمعنى المصدر، وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول، وهو الاسم. وفي الشرع: عهد خاصّ، مضافٌ إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التبرّع، قال الأزهريّ: الوصيّة من وَصَيتُ الشيءَ - بالتخفيف - أَصِيهِ: إذا وصلته، وسمّيت وصيّةً؛ لأن الميت يَصِل بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: وَصِيَّة - بالتشديد -، ووَصَاةٌ بالتخفيف، بغير همز. وتُطلق شرعاً أيضاً على ما يقع به الزجر عن المنهيّات، والحثّ على المأمورت. انتهى (٢). (١) ((تاج العروس)) ٨٦٤٨/١. (٢) ((الفتح)) ٦٦٢/٦. ٣٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا وقال ابن قُدامة كَُّ في ((المغني)): والوصيّة بالمال هي التبرّع به بعد الموت، والأصل فيها الكتاب، والسُّنّة، والإجماع، أما الكتاب، فقول الله ◌ُعَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُومِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية [النساء: ١١]. وأما السنّة، فحديث سعد بن أبي وقّاص ◌ُبه الآتي في الباب الثاني. قال: وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصيّة. (١) انتھی . وقال الشيخ وليّ الله الدهلويّ كَثُ في كتابه ((حجة الله البالغة)) - مبيّناً حكمة تشريع الوصيّة -: لَمّا كان الناس في الجاهليّة يضارّون في الوصيّة، ولا يتّبعون في ذلك الحكمة الواجبة، فمنهم من ترك الحقّ والأوجب مواساته، واختار الأبعد برأيه الأبتر، وجب أن يسدّ هذا الباب، ووجب عند ذلك أن يُعتبر المظانّ الكليّة بحسب القرابات، دون الخصوصيّات الطارئة بحسب الأشخاص، فلما تقرّر أمر المواريث قطعاً لمنازعتهم، وسدّاً لضغائنهم، كان من حكمه أن لا يسوغ الوصيّة لوارث؛ إذ في ذلك مناقضة للحدّ المضروب. وقال قبل ذلك: وأيضاً فالحكمة أن يأخذ ماله من بعده أقرب الناس منه، وأولاهم به، وأنصرهم له ... ومع ذلك فكثيراً ما تقع أمور توجب مواساة غيرهم، وكثيراً ما يوجب خصوص الحال أن يختار غيرهم، فلا بدّ من ضرب حدّ لا يتجاوزه الناس، وهو الثلث؛ لأنه لا بدّ من ترجيح الورثة، وذلك بأن يكون لهم أكثر من النصف، فضَرَب لهم الثلثين، ولغيرهم الثلث. انتهى كلام وليّ الله الدهلويّ تَخَذُهُ(٢). [تنبيه]: (اعلم) أن أول ((كتاب الوصية)) هو ابتداء الفوات الثاني، من المواضع الثلاثة التي فاتت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب مسلم، فلم يسمعها من مسلم، وقد سبق بيان هذه المواضع في ((شرح (١) ((المغني)) لابن قدامة كلشُ ٣٨٩/٨ - ٣٩٠. (٢) ((حجة الله البالغة)) ١١٦/٢. ٣٤٣ (١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ - حديث رقم (٤١٩٦) المقدّمة))(١)، وسبق أحد المواضع في ((كتاب الحج))، وهذا أول الثاني، وهو قول مسلم: حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى الْعَنَزيّ، واللفظ لابن المثنى، قالا: حدّثنا يحيى - وهو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر ◌ّ إلى آخره. (١) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤١٩٦] (١٦٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ(٢) - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِم لَهُ شَيْءٌ، يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّنُ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمَريّ الفقيه، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه المشهور، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله ﴿هَا، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب، وكذلك لطائف الإسناد تقدّمت غير مرّة. (١) راجع: ((قرة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح مسلم بن الحجاج)) ٦٦/١ - ٦٧. (٢) ((العنزيّ)) بفتحتين: نسبة إلى عَنَزَة، وهو حيّ من ربيعة، قاله السمعانيّ في «الأنساب)) ٣٩١/٩. ٣٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا شرح الحديث: (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿َا (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ)؛ أي: ما اللائق به، قال الحافظ وليّ الدين تَخْذّثُ: التعبير بـ((امرىء)) خرج مخرج الغالب، فلا فرق في صحّة الوصيّة بين الرجل والمرأة، وسواء كانت متزوّجة، أو غير متزوّجة، أَذِنَ لها زوجها، أو لم يأذن لها، ولو كانت بكراً، ولم يأذن أبوها لا يختلف الحكم بذلك، فإنه تحصيل قربة أخرويّة عند انقضاء العمر في قدر مأذونٌ فيه شرعاً، والله أعلم. انتهى(١) . (مُسْلِم) قال في ((الفتح)): كذا في أكثر الروايات، وسقط لفظ ((مسلم)) من رواية أحمدًّ، عن إسحاق بن عيسى، عن مالك، والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذُكر للتهييج؛ لتقع المبادرة لامتثاله؛ لِمَا يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصيّة الكافر جائزة في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بحث فيه السبكيّ من جهة أن الوصيّة شُرعت زيادةً في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصيّة كالإعتاق، وهو يصحّ من الذّمّيّ، والحربيّ. (٢) انتھی (٢). وقوله: (لَهُ شَيْءٌ) جملة اسميّة في محلّ جرّ صفة لـ((امرىء)) بعد صفة، وقوله: (يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ) جملة فعليّة في محلّ رفع صفة لـ(شيءٌ))، ولفظ البخاريّ: ((له شيء يوصي فيه))، قال ابن عبد البرّ كَُّ: لم يختلف الرواة عن مالك في هذا اللفظ، ورواه أيوب، عن نافع بلفظ: ((له شيء يريد أن يوصي فيه))، ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع مثل أيوب، أخرجهما مسلم، ورواه أحمد، عن سفيان، عن أيوب، بلفظ: ((حقٌّ على كلّ مسلم أن لا يبيت ليلتين، وله ما يوصي فيه ... )) الحديث، ورواه الشافعيّ، عن سفيان بلفظ: ((ما حقّ امرىء، يؤمن بالوصيّة ... )) الحديث، قال ابن عبد البرّ: فسّره ابن عيينة: أي يؤمن بأنها حقّ. انتهى. وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز، عن (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٦/ ١٩٢. (٢) ((الفتح)) ٦/ ٦٦٤. ٣٤٥ (١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ - حديث رقم (٤١٩٦) نافع، بلفظ: ((لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين ... )) الحديث، وذكره ابن عبد البرّ، عن سليمان بن موسى، عن نافع مثله. وأخرجه الطبرانيّ من طريق الحسن، عن ابن عمر مثله. وأخرجه الإسماعيليّ من طريق رَوْح بن عُبادة، عن مالك، وابن عون جميعاً عن نافع، بلفظ: ((ما حقّ امرىء مسلم له مالٌ، يريد أن يوصي فيه)). وذكره ابن عبد البرّ من طريق ابن عون بلفظ: ((لا يحلّ لامرىء مسلم، له مالٌ))، وأخرجه الطحاويّ أيضاً، وقد أخرجه النسائيّ من هذا الوجه، ولم يَسُق لفظه. قال أبو عمر: لم يُتابع ابن عون على هذه اللفظة. قال الحافظ: إن عنى عن نافع بلفظها، فمسلّمٌ، ولكن المعنى يمكن أن يكون متّحداً، كما سيأتي. وإن عَنَى عن ابن عمر، فمردود؛ لِمَا سيأتي قريباً ذِكْرُ من رواه عن ابن عمر أيضاً بهذا اللفظ. قال ابن عبد البرّ: قوله: ((له مالٌ)) أَولى عندي من قول من روی: ((له شيء))؛ لأن الشيء يُطلق على القليل والكثير، بخلاف المال. قال الحافظ: كذا قال، وهي دعوى لا دليل عليها، وعلى تسليمها، فرواية ((شيء)) أشمل؛ لأنها تعمّ ما يُتموّل، وما لا يُتموّل، كالمختصّات، والله أعلم. انتهى(١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: (له شيء يوصي فيه)) عامّ في الأموال، والبنين الصغار، والحقوق التي له، وعليه كلها، من ديون، وكفّارات، وزكوات فرّط فيها، فإذا وصّى بذلك أُخرجت الديون من رأس المال، والكفّارات، والزكوات من ثلثه، على تفصيل يُعرف في الفقه. انتهى(٢). [تنبيه]: قال الطيبيّ ◌َُّ: قوله: ((ما حقّ امرىء مسلم)): ((ما)) بمعنى (ليس))، وقوله: (يبيت ليلتين)) صفة ثالثة لـ((امرىء))، و(يوصي فيه)) صفة ((شيءٌ))، والمستثنى خبر(٣)، يعني: أن قوله: ((إلا ووصيته ... إلخ)) خبر ((ما)) الحجازيّة، أو خبر المبتدأ، وهو ((حقُّ امرىء)) إن كانت تميميّة، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٦٦٥/٦. (٢) ((المفهم)) ٤٤١/٤. (٣) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧/ ٢٢٥٠. ٣٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا وقوله: (يَبِيتُ) تقدّم أنه صفة ثالثة ((لامرىء))، ويجوز أن يكون في محلّ نصب على الحال، أو هي الخبر، ومتعلّق (يبيت)) محذوف، تقديره: آمناً، أو ذاكراً، وقدّره ابن التين: مَوْعُوكاً، والأول أولى؛ لأن استحباب الوصيّة لا يختصّ بالمريض، نعم قال العلماء: لا يُندب أن يكتب جميع الأشياء المحقّرة، ولا ما جرت العادة بالخروج منه، والوفاء له عن قرب، والله تعالى أعلم، ذكره في ((الفتح)) (١). (لَيْلَتَيْنِ) ظرف لـ((يبيتُ))، قال في ((الفتح)): كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة، والبيهقيّ من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب: ((يبيت ليلةً أو ليلتين))، ولمسلم، والنسائيّ من طريق الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: ((يبيت ثلاث لیال)». وكأنّ ذكر الليلتين، والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، فَفُسح له هذا القدر؛ ليتذكّر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دالٌ على أنه للتقريب، لا للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان، وإن كان قليلاً، إلا ووصيته مكتوبة. وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية للتأخير، ولذلك قال ابن عمر في رواية سالم الآتية: «لم أَبِتْ ليلةً منذ سمعت رسول الله وَه يقول ذلك، إلا ووصيتي عندي)). قال الطيبيّ: في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة؛ أي: لا ينبغي أن يبيت زماناً ما، وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك. وقال القرطبيّ: المقصود بذكر الليلتين، أو الثلاث التقريب، وتقليل مدّة ترك كَتْب الوصيّة، ولذلك لمّا سمعه ابن عمر لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيّة، والحزم المبادرة إلى كتبها أوّلَ أوقات الإمكان؛ لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة. ويحتمل أن يكون إنما خصّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن (١) ((الفتح)) ٦٦٥/٦. ٣٤٧ (١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ - حديث رقم (٤١٩٦) ينظر فيما له، وما عليه، فيتحقّق بذلك، ويَترؤَّى فيها ما يوصى به، ولمن يوصي إلى غير ذلك. انتهى. (إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)) تقدّم أنّ هذه الجملة خبر ((ما))، أو خبر المبتدأ، ويحتمل أن تكون جملة حاليّة مستثناة من أعمّ الأحوال؛ أي: ليس حقّه البيتوتة في حال من الأحوال، إلا في حال كون الوصيّة مكتوبة عنده، والكتابة أعمّ من أن تكون بخطّه، أو بخطّ غيره. استَدَلّ به أحمد، ومحمد بن نصر المروزيّ من الشافعيّة على جواز الاعتماد على الخطّ، ولو لم يقترن بالشهادة، وهذا عندهم خاصّ بالوصيّة؛ لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام، وأما الجمهور فيشترطون الإشهاد، ولا تثبت الوصيّة عندهم بالكتاب بدون الإشهاد، وحجتهم قوله ربك: ﴿شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]، وأما حديث الباب فقد أجابوا عنه بأنه لا تعرّض فيه لاشتراط الإشهاد، وعدمه، والمراد أن تكون الوصيّة مكتوبة بشرائطها المعروفة، ومنها الإشهاد، فلا يدلّ ذلك على نفي الاشتراط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٩٦/١ و٤١٩٧ و٤١٩٨ و٤١٩٩ و٤٢٠٠] (١٦٢٧)، و(البخاريّ) في ((الوصايا)) (٢٧٣٨)، و(أبو داود) في ((الوصايا)) (٢٨٦٢)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (٩٧٤) و((الوصايا)) (٢١٢٨)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٢٣٨/٦ - ٢٣٩) و((الكبرى)) (١٠٠/٤)، و(ابن ماجه) في ((الوصايا)) (٢٦٩٩)، و(مالك) في ((الموطإ)) (١٤٩٢) و((الوصايا)) (٣١٧٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢/ ٣٠٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٤٥٥ و ٤٥٦٤ و٤٨٨٤ و٥٠٩٧ و٥١٧٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٤٦)، و(أبو يعلى) في (مسنده)) (١٩٧/١٠)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٣٨/١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٧١/٣ و٤٧٢ و٤٧٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٨٣/١٣)، ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٢٠٣/١ و٢٠٨ و٢٧٨)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٥٠/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧١/٦ - ٢٧٢) و((الصغرى)) (٦/ ٥١) و((المعرفة)) (٩٥/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على كتابة الوصيّة. ٢ - (ومنها): الحضّ على الوصيّة، ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصّوها بالمريض، وإنما لم يقيّد به في الخبر؛ لاطراد العادة به. ٣ - (ومنها): أنه يُستفاد منه أن الأشياء المهمّة ينبغي أن تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالباً . ٤ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: ((مكتوبةٌ عنده)) على جواز الاعتماد على الكتابة والخطّ، ولو لم يقترن ذلك بالشهادة. وخصّ أحمد، ومحمد بن نصر من الشافعيّة ذلك بالوصيّة؛ لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام. وأجاب الجمهور بأن الكتابة ذُكرت لِمَا فيها من ضبط المشهود به، قالوا: ومعنى ((وصيّته مكتوبة عنده))؛ أي: بشرطها، وقال المحبّ الطبريّ: إضمار الإشهاد فيه بُعْدٌ. وأجيب بأنهم استدلّوا على اشتراط الإشهاد بأمر خارج، كقوله تعالى: ﴿ِشَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]، فإنه يدلّ على اعتبار الإشهاد في الوصيّة. وقال القرطبيّ: ذِكْرُ الكتابة مبالغةٌ في زيادة التوثّق، وإلا فالوصيّة المشهود بها متّفقٌ عليها، ولو لم تكن مكتوبة، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أنه استدلّ بقوله أيضاً: ((وصيّته مكتوبة عنده)) على أن الوصيّة تنفذ، وإن كانت عند صاحبها، ولم يجعلها عند غيره، وكذلك إن جعلها عند غيره، وارتجعها . ٦ - (ومنها): أن فيه منقبةً لابن عمر هما؛ لمبادرته لامتثال قول الشارع، ومواظبته عليه، حيث يقول - كما سيأتي -: ((ما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﴿ قال ذلك إلا وعندي وصيّتي)). ٣٤٩ (١) - بَابُ الْحَتِّ عَلَى كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ - حديث رقم (٤١٩٦) ٧ - (ومنها): أن فيه الندبَ إلى التأهّب للموت، والاحتراز قبل الفوت؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت؛ لأنه ما من وقت يُفرض إلا وقد مات فيه جمعٌ جمّ، وكلّ واحد بعينه جائزٌ أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهّباً لذلك، فيكتب وصيّته، ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر، ويُحبط عنه الوزر، من حقوق الله تعالى، وحقوق عباده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوصيّة: قال العلامة ابن قدامة تَخْذِفُهُ في ((المغني)): لا تجب الوصيّة إلا على من عليه دينٌ، أو عنده وديعةٌ، أو عليه واجبٌ يوصي بالخروج منه؛ فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات، وطريقه في هذا الباب الوصيّة، فتكون مفروضة عليه، فأما الوصيّة بجزء من ماله، فليست بواجبة على أحد، في قول الجمهور، وبذلك قال الشعبيّ، والنخعيّ، والثوريّ، ومالكٌ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وغيرهم. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أن الوصيّة غير واجبة، إلا على من عليه حقوق بغير بيّنة، وأمانة بغير إشهاد، إلا طائفة شذّت، فأوجبتها، روي عن الزهريّ أنه قال: جعل الله الوصيّة حقّاً مما قلّ، أو كثُر، وقيل لأبي مِجْلَز: على كلّ ميت وصيّةٌ؟ قال: إن ترك خيراً. وقال أبو بكر عبد العزيز: هي واجبةٌ للأقربين الذين لا يرثون، وهو قول داود، وحُكي ذلك عن مسروق، وطاوس، وإیاس، وقتادة، وابن جرير. واحتجّوا بالآية، وخبر ابن عمر، وقالوا: نُسخت الوصيّة للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت فيمن لا يرث من الأقربين. واحتجّ الأولون بأن أكثر أصحاب رسول الله وَ له لم يُنقل عنهم وصيّةٌ، ولم يُنقل لذلك نكير، ولو كانت واجبةً لم يُخِلّوا بذلك، ولنُقِل عنهم نقلاً ظاهراً. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة تَقَّهُ(١). وقال في ((الفتح)): واستدلّ بحديث ابن عمر ◌ًا المذكور في الباب مع (١) ((المغني)) ٣٩٠/٨ - ٣٩١. ٣٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا ظاهر آية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية [البقرة: ١٨] على وجوب الوصيّة، وبه قال الزهريّ، وأبو مِجْلَز، وعطاء، وطلحة بن مصرّف في آخرين، وحكاه البيهقيّ عن الشافعيّ في القديم، وبه قال إسحاق، وداود، واختاره أبو عوانة الإسفراينيّ، وابن جرير، وآخرون، ونَسَبَ ابنُ عبد البرّ القول بعدم الوجوب إلى الإجماع، سوى من شذّ، كذا قال. قال الجامع عفا الله رب عنه: قوله: ((كذا قال)) إشارة من صاحب ((الفتح)) إلى الاعتراض على ابن عبد البرّ في دعواه الإجماع، وهو حقيقٌ بالاعتراض عليه، كيف يدّعي الإجماع، وقد سبق قول كثير من أهل العلم به؟ إن هذا لهو العجب، والله تعالى أعلم. قال: واستُدلّ لعدم الوجوب من حيث المعنى؛ لأنه لو لم يوص لقُسم جميع ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصيّة واجبة لأخرج من ماله سهم ینوب عن الوصيّة. وأجابوا عن الآية بأنها منسوخة، كما قال ابن عبّاس ضًَّا: ((كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحبّ، فجعل لكلّ واحد من الأبوين السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع)) رواه البخاريّ. وأجاب من قال بالوجوب بأن الذي نُسِخ الوصيّة للوالدين والأقارب الذين يرثون، وأما الذي لا يرث، فليس في الآية، ولا في تفسير ابن عبّاس ما يقتضي النسخ في حقّه. وأجاب من قال بعدم الوجوب عن قوله في الحديث: ((ما حقّ امرىء)) بأن المراد الحزم والاحتياط؛ لأنه قد يفجؤه الموت، وهو على غير وصيّة، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، وهذا عن الشافعيّ، وقال غيره: الحقّ لغةً الشيء الثابت، ويُطلق شرعاً على ما ثبت به الحكم، والحكم الثابت أعمّ من أن يكون واجباً، أو مندوباً، وقد يُطلق على المباح أيضاً، لكن بقّة، قاله القرطبيّ. قال: فإن اقترن به ((على))، أو نحوها، كان ظاهراً في الوجوب، وإلا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التقدير فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب، بل اقترن هذا الحقّ بما يدلّ على الندب، ٣٥١ (١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ - حديث رقم (٤١٩٦) وهو تفويض الوصيّة إلى إرادة الموصي، حيث قال: ((له شيء يريد أن يوصي فيه))، فلو كانت الوصيّة واجبة، لما علّقها بإرادته. وأما الجواب عن الرواية التي بلفظ ((لا يحلّ)) فلاحتمال أن يكون راويها ذكرها، وأراد بنفي الحلّ ثبوت الجواز بالمعنى الأعمّ الذي يدخل تحته الواجب، والمندوب، والمباح. واختلف القائلون بوجوب الوصيّة، فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة، وعن طاوس، وقتادة، والحسن، وجابر بن زيد في آخرين: تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصّة، أخرجه ابن جرير وغيره عنهم، قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم تنفذ، ويردّ الثلث كلّه إلى قرابته، وهذا قول طاوس، وقال الحسن، وجابر بن زيد: ثلثا الثلث، وقال قتادة: ثلث الثلث. وأقوى ما يردّ على هؤلاء ما احتجّ به الشافعيّ من حديث عمران بن حُصين ﴿ّ في قصّة الذي أعتق عند موته ستّة أعبد له، لم يكن له مالٌ غيرهم، فدعاهم النبيّ ◌َّآ، فجزّأهم ستّة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة، قال: فجعل عتقه في المرض وصيّةً، ولا يقال: لعلّهم كانوا أقارب المعتق؛ لأنا نقول: لم تكن عادة العرب أن تملك من بينها وبينه قرابة، وإنما تملك من لا قرابة له، أو كان من العجم، فلو كانت الوصيّة تبطل لغير القرابة لبطلت في هؤلاء، وهذا استدلالٌ قويّ، والله أعلم. ونقل ابن المنذر عن أبي ثور أن المراد بوجوب الوصيّة في الآية والحديث، يختصّ بمن عليه حقّ شرعيّ، يَخشَى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به، كوديعة، ودَيْن لله، أو الآدميّ، قال: ويدلّ على ذلك تقييده بقوله: (له شيء يريد أن يوصي فيه))؛ لأنه فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه، ولو كان مؤجّلاً، فإن أراد ذلك ساغ له، وإن أراد أن يوصي به ساغ له. وحاصله يرجع إلى قول الجمهور: إن الوصيّة غير واجبة لعينها، وإن الواجب لعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير، سواء كانت بتنجيز، أو وصيّة، ومحلّ وجوب الوصيّة إنما هو فيما إذا كان عاجزاً عن تنجيز ما عليه، وكان لم يعلم بذلك غيره، ممن يثبت الحقّ بشهادته، فأما إذا كان قادراً، أو علم بها غيره، فلا وجوب. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا وعُرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصيّة قد تكون واجبةً، وقد تكون مندوبةً فيمن رجا منها كثرة الأجر، ومكروهةً في عكسه، ومباحة فيمن استوى الأمران فيه، ومحرّمة فيما إذا كان فيها إضرارٌ، كما ثبت عن ابن عبّاس ◌ًَّا: ((الإضرار في الوصيّة من الكبائر)). رواه سعيد بن منصور موقوفاً بإسناد صحيح، ورواه النسائيّ، ورجاله ثقات. واحتجّ ابن بطّال تبعاً لغيره بأن ابن عمر ﴿ًا لم يوص، فلو كانت الوصيّة واجبةً لَمَا تركها، وهو راوي الحديث. وتُعُقّب بأن ذلك إن ثبت عن ابن عمر، فالعبرة بما روى، لا بما رأى، على أن الثابت عنه في ((صحيح مسلم))، كما تقدّم أنه قال: ((لم أبت ليلةً إلا ووصيّتي مكتوبةٌ عندي)). والذي احتجّ بأنه لم يوص اعتمد على ما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، قال: ((قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أما مالي، فالله يعلم ما كنت أصنع فيه، وأما رِبَاعي، فلا أحبّ أن يُشارك ولدي فيها أحد)»، أخرجه ابن المنذر وغيره بإسناد صحيح. ويُجمع بينه وبين ما رواه مسلم بالحمل على أنه كان يكتب وصيّته، ويتعاهدها، ثم صار يُنجز ما كان يوصي به معلّقاً، وإليه الإشارة بقوله: فالله يعلم ما كنت أصنع في مالي. ولعلّ الحامل له على ذلك حديثه الذي أخرجه البخاريّ من طريق الأعمش، قال: حدثني مجاهد، عن عبد الله بن عمر ﴿ًّا، قال: أخذ رسول الله وَله بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل))، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت، فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. فصار يُنجز ما يريد التصدّق به، فلم يَحتج إلى تعليق. وقد علّق البخاريّ في ((الوصايا))، قال: ((وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سُكنى لذوي الحاجات من آل عبد الله))، وقد وصله ابن سعد بمعناه، وفيه: ((أنه تصدّق بداره محبوسة، لا تباع، ولا توهب))، فبهذا يحصل التوفيق. أفاده في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن الوصيّة قد تكون واجبة، كالوصيّة بحقوق الله تعالى ٣٥٣ (١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ - حديث رقم (٤١٩٦) الواجبة، وحقوق الآدميين، وقد تكون غير واجبة، فالأدلة التي تقتضي الوجوب تُحمل على ما إذا كان عليه حقّ واجب، وغيرها يُحمل على غيره، وبهذا تجتمع الأدلّة الواردة في هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في قدر المال الذي تُشْرَع فيه الوصيّة : قال الحافظ وليّ الدين تَخُّْ: اختلف السلف في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصيّة، أو تجب عند من أوجبها، فروي عن عليّ رَظُه أنه قال: ستمائة درهم، أو سبعمائة درهم ليس بمال فيه وصيّة، وروي عنه أنه قال: ألف درهم مالٌ، فيه وصيّة. وقال ابن عباس: لا وصيّة في ثمانمائة درهم. وقالت عائشة يا في امرأة لها أربعة من الولد، ولها ثلاثة آلاف درهم: لا وصيّة في مالها. وقال إبراهيم النخعيّ: ألف درهم إلى خمسمائة درهم. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا﴾ [البقرة: ١٨٠]: الخير ألف، فما فوقها. وعن عليّ: من ترك مالاً يسيراً، فليدَعْه لورثته، فهو أفضل. وعن عائشة فيمن ترك ثمانمائة: لم يترك خيراً، فلا يوصي، أو نحو هذا من القول. وحكى ابن حزم عن عائشة أنها قالت فيمن ترك أربعمائة دينار: ما في هذا فضل عن ولده. وقال أبو الفرج السرخسيّ من الشافعيّة: إن من قلّ ماله، وكثر عياله يستحبّ أن لا يفوّته عليهم بالوصيّة. والصحيح المعروف عند الشافعيّة استحباب الوصيّة لمن له مالٌ مطلقاً. انتهى كلام وليّ الدين ◌َُّهُ(١). وقال العلامة ابن قدامة تَخَُّ بعد أن حكى نحو الخلاف المذكور ما نصّه: والذي يَقْوَى عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة، فلا تستحبّ الوصيّة؛ لأن النبيّ وَ للم علّل المنع من الوصيّة بقوله: ((أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدَعَهم عالة))؛ ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبيّ، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم، كان ترْكه لهم كعطيّتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصيّة لغيرهم، فعند هذا يختلف الحال باختلاف الورثة في (١) ((طرح التثريب)) ١٨٨/٦ - ١٨٩. ٣٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا كثرتهم وقلّتهم، وغناهم، وحاجتهم، فلا يتقيّد بقدر من المال، والله أعلم. انتهى كلام ابن قُدامة ◌َّهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن قُدامة تَُّ عندي تفصيلٌ حسن جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال: [٤١٩٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: ((وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ))، وَلَمْ يَقُولًا: ((يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِیهِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قبل باب. و ((عُبید الله)) ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) الضمير لعبد الله بن نُمير، وعبدة بن سليمان؛ يعني: أنهما رويا هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر العمريّ بسنده السابق. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله بن عُمر الْعُمَريّ ساقها الترمذيّ في ((جامعه))، فقال: (٩٧٤) - حدّثنا إسحاق بن مَنْصُورٍ، أخبرنا عبد اللهِ بن نُمَيْرٍ، حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بن عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابن عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ﴿ قال: ((ما حَقُّ (١) ((المغنى)) ٣٩٢/٨ - ٣٩٣. ٣٥٥ (١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ - حديث رقم (٤١٩٨) امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، وَلَّهُ شَيْءٌ يُوصِي فيه، إلا وَوَصِيَّتْهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ))، قال أبو عِيسَى: حَدِيثُ ابن عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. انتهى(١). وأما رواية عبدة بن سليمان، عن عبيد الله، فلم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٩٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا (٢) أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ - كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْئِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ - يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ - كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعِ، عَنِ أَبَّنِ عُمِّرَ، عَنِ النَِّّ ◌َّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ، وَقَالُوا جَمِيعاً: (لَهُ شَيْءٌ يُّوصِي فِيهِ))، إِلَّا فِي حَدِيثٍ أَيُّوبَ، فَإِنَّهُ قَالَ: ((يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ))، كَرِوَايَةِ يَحْبَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة عشر: ١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن الحسين الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت١٧٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٣ - (أَبُو الطَّاهِرٍ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٤ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٥ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ اللَّيْئِيُّ) مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوق يَهِمُ [٧] (ت١٥٣) (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٥/٤٢. (١) ((سنن الترمذيّ)) ٣٠٤/٣. (٢) وفي نسخة: ((حدّثني)). ٣٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا ٦ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) المدنيّ، أبو عبّاد، أو أبو سعد، صدوق له أوهام، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٣/٨٧. والباقون ذُكروا في الباب والبابين قبله، و((ابن أبي فُديك)) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم المدنيّ. وقوله: (كُلَّهُمْ عَنْ نَافِع)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: أيوب السختيانيّ، ويونس بن يزيد الأيليّ، وأسَّامة بن زيد الليثيّ، وهشام بن سعد رووا هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر ﴿ًا، عن النبيّ وَّر، بمثل رواية عبيد الله العمريّ، عن نافع المذكور قبله. [تنبيه]: رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع ساقها البيهقيّ في ((الكبرى))، فقال: (١٢٩٦٥) - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنَّ يُوصِيَ فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنٍ، لَيْسَتْ وَصِيَتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَةً)). انتهى(١). ورواية ابن عليّة، عن أيوب، عن نافع، ساقها الإمام أحمد في ((مسنده)) فقال : (٥١١٨) - حدّثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّله قال: ((ما حقّ امرئ يبيت ليلتين، وله ما يريد أن يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عنده)). انتهى(٢). وأما رواية ابن وهب، عن يونس، وأسامة بن زيد، كلاهما عن نافع، فقد ساقها البيهقيّ في ((الصغرى))، فقال: (٢٤١٥) - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرِ الْقَاضِي، وَأَبُو زَكَرِيًّا الْمُزَكِّي، قَالُوا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ (١) ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ ١١٠/٢. (٢) ((مسند أحمد)) ٥٠/٢. ٣٥٧ (١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ - حديث رقم (٤١٩٩ - ٤٢٠٠) عَبْدِ الْحَكَمِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ اللَّيْنِيُّ، أَنَّ نَافِعاً، حَدَّثَهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتْهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)). انتهى(١). وأما رواية هشام بن سعد، عن نافع، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَ لهَ قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِم، لَّهُ شَيْءٌ يُوصِّي فِيهِ، يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، إِلَّ وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ))، قَالَ عَبَّدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ ذَلِكَ، إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الْخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٠/٦٣. ٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ الحافظ، تقدّم قبل بابین. ٣ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ (ح) وَحَدَّثَنَا (٢) ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ (١) ((السنن الصغرى)) ١٩٠/٢. (٢) وفي نسخة: ((ثني)). ٣٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر: ١ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ، تقدّم قريباً. ٥ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ يعني: أن كلّ هؤلاء الثلاثة: يونس بن يزيد الأيليّ، وعُقيل بن خالد الأيليّ، ومعمر بن راشد رووا هذا الحديث عن الزهريّ بسنده الماضي، نحو رواية عمرو بن الحارث المذكورة في الحديث الماضي. [تنبيه]: رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ ساقها النسائيّ مقرونة برواية عمرو بن الحارث، فقال: (٣٦١٩) - أخبرنا أَحْمَدُ بن يحيى بن الْوَزِيرِ بن سُلَيْمَانَ، قال: سمعت ابن وَهْبٍ قال: أخبرني يُونُسُ، وَعَمْرُو بن الحارث، عن ابن شِهَابٍ، عن سَالِم بن عبد اللهِ، عن أبيه، عن رسول اللهِ وَلَه قال: ((ما حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِم، له شَيْءً يُوصَى فيه، فَيَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، إلا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ)). انتهى. وأما رواية عُقيل، عن الزهريّ، فقد ساقها أبو عوانة في ((مستخرجه))، فقال : (٤٦٤٠) - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِم أَنْ يَبِيتَ ثَلاثاً، إِلاَّ وَعِنْدَهُ وَصِيَّتُهُ))، ٣٥٩ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ لا تَمُرُّ بِهِ ثَلاثُ لَيَالٍ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ. انتهى(١). وأما رواية معمر، عن الزهريّ فقد ساقها عبد بن حُميد في ((مسنده))، فقال: (٧٢٧) - أخبرنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله وَّله يقول: ((ما حقّ امرئ مسلم، تَمُرّ عليه ثلاث ليال، إلا ووصيته عنده))، قال ابن عمر: فما مَرَّت عليّ ثلاث قطّ، إلا ووصيتي عندي. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾. (٢) - (بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالقُّلُثِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠١] (١٦٢٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ وَهـ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مِنْ وَجَعِ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَنِي(٣) مَا تَرَى مِنَ الْوَجِّعِ، وَأَنَا فُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّ ابْنَةٌ لِي (٤) وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُنَيّ مَالِي؟، قَالَ: ((لَا))، قَالَ: قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: ((لَا، القُّلُثُ، وَالقُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً، يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ (٥) بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: ((إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ (٦) بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ))، قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ مِنْ أَنْ تُوُنِّيَ بِمَكَّةَ). (١) ((مستخرج أبي عوانة)) ٣/٧. (٣) وفي نسخة: ((بلغ بي)). (٥) وفي نسخة: ((أتخلّف أصحابي)). (٢) ((مسند عبد بن حميد)) ٢٣٨/١. (٤) وفي نسخة: ((إلا بنت لي)). (٦) وفي نسخة: ((حتى ينتفع)). ٣٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، ثقةٌ حجة، تُكُلُّم فيه بلا قادح [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الشهير، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٥ - (أَبُوهُ) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات رظ ◌ُه سنة (٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان نيسابوريّاً إلا أنه دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿، ذو مناقب جمّة، فهو من السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وهو آخرهم موتاً، مات بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص أنه (قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ وََّ)؛ أي: زارني، يقال: عُدتُ المريض عِيَادً: زُرتُهُ، فالرجل عائد، وجمعه عُوّادٌ، والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوّدٌ بغير ألف، قاله الفيّوميّ تَظُّهُ(١)، وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض، فأما الزيارة، فأكثرها للصحيح، وقد تقال للمريض، وأما قوله تعالى: ﴿حَّ [التكاثر: ٢] فكناية عن الموت. انتهى (٢). ٢ زُدُ الْمَقَابِرَ (١) ((المصباح المنير)) ٤٣٦/٢. (٢) ((المفهم)) ٥٤٣/٤.