Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
(٥١) - بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٢٦)
تخاصما: أعماك الله عَمَى أروى، فكنا نظن أنه يريد الوحشية، وهو كان يريد
ما أصاب أروى بدعوة سعيد بن زيد (١).
وأخرج أبو نعيم أيضاً بسند فيه ابن ◌َهِيعة، عن محمد بن زيد بن مهاجر،
أنه سمع أبا غطفان الْمُرّيّ يُخبر أن أروى بنت أويس أتت مروان بن الحكم،
مستغيثةً من سعيد بن زيد، وقالت: ظلمني أرضي، وغلبني حقيّ، وكان جارها
بالعقيق، فركب إليه عاصم بن عمر، فقال: أنا أظلم أروى حقّها، فوالله لقد
ألقيت لها ستمائة ذراع من أرضي، من أجل حديث سمعته من رسول الله وَلآ،
سمعت رسول الله و 9 يقول: ((من أخذ من حقّ امرئ من المسلمين شيئاً بغير
حقّ ◌ُوِّقه يوم القيامة، حتى سبع أرضين))، قومي يا أروى، فخذي الذي
تزعمين أنه حقّك، فقامت، فتسحبت في حقّه، فقال: اللهم إن كانت ظالمةً،
فَأَعْم بصرها، واقتلها في بئرها، فعَمِيت، ووقعت في بئرها، فماتت(٢).
(فَقَالَ) سعید بن زید
(دَعُوهَا وَإِيَّاهَا)؛ أي: اتركوا المرأة مع أرضها
التي تدّعي أني ظلمتها فيها (فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي: إنما قلت: دعوها؛ لأني
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ فِيهِ يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ شِبْراً)؛ أي: مقدار شبر، وهو بكسر
الشين المعجمة، وسكون الموحّدة، والراء، قال الفيّوميّ كَُّ: ((الشِّبْرُ))
- بالكسر -: ما بين طَرَفي الْخِنْصِرِ والإبهام بالتفريج المعتاد، والجمع أَشبار،
مثل حِمْل وأَحْمال.
و((البُصْمُ)) - بضم الباء الموحدة، وسكون الصاد المهملة -: ما بين
الخنصر والبنصر.
و((الْعَتَبُ)) - بعين مهملة، وتاء مثناة من فوقُ، ثم باء موحدةٌ، وزانُ
سَبَبٍ -: ما بين الوُسْطَى والسبابة، ويقال: هو جعلك الأصابع الأربع
مضمومةً.
و((الفِتْرُ)): ما بين السبابة والإبهام.
و(الفَوْتُ)): ما بين كلّ أصبعين طولاً .
(١) راجع: ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم ١/ ٩٧.
(٢) ((حلية الأولياء)) ١/ ٩٧.

١٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وشَبَرْتُ الشيءَ شَبْراً، من باب قَتَلَ: قِسْتُهُ بِالشِّبْرِ، وكم شَبْرُ ثوبك؟
بالفتح، إذا سألت عن المصدر. انتهى.
وفي حديث عائشة ها الآتي آخر الباب: ((من ظلم قِيد شبر من
الأرض))، وهو - بكسر القاف، وسكون التحتانيّة _؛ أي: قَدْره، وكأنه ذَكر
الشبرَ إشارةً إلى استواء القليل والكثير في الوعيد، قاله في ((الفتح)) (١).
وقوله: (مِنَ الأَرْضِ) بيان لـ((شِبْراً)) (بِغَيْرِ حَقِّهِ، طُوِّقَهُ) - بضم أوله - على
البناء للمجهول، ونائب الفاعل ضمير راجع إلى آخذ الأرض، وضمير المفعول
الثاني إلى ما أخذه.
وفي رواية عروة: ((فإنه يُطَوَّقه))، ولأبي عوانة، والجوزقيّ في حديث أبي
هريرة: ((جاء به مُقَلَّده)) (فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) هكذا النسخ بـ(في))،
وهي بمعنى ((من))، ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((من سبع أرضين))، و((أَرَضون))
بفتح الراء، ويجوز إسكانها، وقال النوويّ: قال أهل اللغة: الأرضون - بفتح
الراء - وفيها لغة قليلةٌ بإسكانها، حكاها الجوهريّ وغيره. انتهى(٢) .
وقال الفيّوميّ: الأرض مؤنّئةٌ، والجمع أَرَضُون - بفتح الراء. قال أبو
زيد: وسَمِعتُ العرب تقول في جمع الأرض: الأَراضي، والأُرُوض، مثلُ فلس
وفُلُوس، وجمعُ فَعْل فَعَالِي في أرؤض، وأراضي، وأهلٍ وأَهالي، وليلٍ
ولَيالي، بزيادة الياء، على غير قياس، ورُبّما ذُكّرت الأرض في الشعر على
معنى البساط. انتهى(٣) .
قال القرطبيّ تَخْتُ: اختُلِف في معنى: ((طُوِّقه))، فقيل: معناه: كُلّف أن
يطيق حمله، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [آل
عمران: ١٦١]، وقد جاء في غير ((صحيح مسلم)): ((جاء يحمله يوم القيامة إلى
سبع أرضين))، وفي أخرى: ((كُلِّف أن يَحْمِل ترابها إلى المحشر))، وقيل:
جُعِلت في عنقه كالطّوق؛ كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾
الآية [آل عمران: ١٨٠]، وهو ظاهر حديث عائشة ◌ّا: ((طُوِّقه من سبع
(١) ((الفتح)) ٦/ ٢٧٢.
(٣) ((المصباح المنبر)) ١/ ١٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٨/١١.

١٢٣
(٥١) - بَابُ إِثْم مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٢٦)
أرضين))، وقيل: خُسِف به في مثل الطوق منها، وهو ظاهر قوله: ((طَوَّقه الله
إلى سبع أرضين))، وفي ((صحيح البخاري)) نصّاً: ((خُسِف به يوم القيامة إلى
سبع أرضين))، وقيل: يُجْمَع ذلك كلّه عليه، وقد دلّ على ذلك ما رواه الطبريّ
في هذا الحديث، وقال: ((كَلَّفه الله حمله حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يُطَوَّقه يوم
القيامة حتى يُقْضَى بين الناس))، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَظّهُ(١) .
وقال النوويّ تَخُّْ: وأما التطويق المذكور في هذا الحديث فقالوا:
يَحْتَمِل أن معناه أنه يَحْمِل مثله من سبع أرضين، ويُكَلَّف إطاقة ذلك، ويَحْتَمِل
أن يكون يُجْعَل له كالطَّوْق في عنقه، كما قال ◌َ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ
الْقِيَمَةُ﴾، وقيل: معناه: أنه يُطَوَّق إثم ذلك، ويلزمه كلزوم الطَّوْق بعنقه،
وعلى تقدير التطويق في عنقه يُطَوِّل الله تعالى عنقه، كما جاء في غِلَظ جلد
الكافر، وعِظَم ضِرْسه. انتهى كلام النوويّ كَذُّهُ(٢) .
وقال في ((الفتح)): قال الخطابيّ: قوله: ((ُوِّقَهُ)) له وجهان:
[أحدهما]: أن معناه أنه يُكَلَّف نقل ما ظَلَم منها في القيامة إلى المحشر،
ويكون كالطّوْق في عنقه، لا أنه ◌ُوِّق حقيقةً.
[الثاني]: معناه أنه يعاقب بالخسف إلي سبع أرضين؛ أي: فتكون كلُّ
أرض في تلك الحالة طَوْقاً في عنقه. انتهى.
وقال في ((الفتح)): وهذا يؤيِّده حديث ابن عمر ﴿ها عند البخاريّ بلفظ:
((خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين)).
وقيل: معناه: كالأول، لكن بعد أن يُنقل جميعه يُجعل كله في عنقه
طَوْقاً، ويَعْظُمُ قدرُ عنقه حتى يسع ذلك، كما ورد في غِلَظ جلد الكافر، ونحو
ذلك.
وقد رَوَى الطبريّ، وابن حبان، من حديث يعلى بن مُرّة مرفوعاً: ((أَيُّما
رجل ظَلَم شبراً من الأرض، كَلَّفَهُ الله أن يَحفِرِه حتى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم
يُطَوَّقه يوم القيامة، حتى يُقْضَى بين الناس)).
(١) ((المفهم)) ٥٣٤/٤ - ٥٣٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٨/١١ - ٤٩.

١٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ولأبي يعلى بإسناد حسن، عن الحكم بن الحارث السّلميّ مرفوعاً: ((من
أخذ من طريق المسلمين شبراً، جاء يوم القيامة يَحمِله من سبع أرضين)).
ونظير ذلك ما تقدم في ((كتاب الزكاة)) في حديث أبي هريرة رَظ ◌ُه في حَقِّ
مَنْ غَلَّ بعيراً: جاء يوم القيامة يحمله.
ويَحْتَمِل - وهو الوجه الرابع - أن يكون المراد بقوله: ((يُطَوَّقه)) يُكَلَّف أن
يَجعله له طَوْقاً، ولا يستطيع ذلك، فيعذّب بذلك، كما جاء في حَقّ مَن كَذَب
في منامه كُلِّف أن يَعْقِد شعيرة.
ويَحْتَمِل - وهو الوجه الخامس - أن يكون التطويق تطويق الإثم، والمراد
به أن الظلم المذكور لازم له في عنقه لزومَ الإثم، ومنه قوله تعالى: ﴿اَلْزَمْنَهُ
طَِرَهُ فِ عُنُقَةٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٣]، وبالوجه الأول جزم أبو الفتح القشيريّ،
وصححه البَغَويّ.
ويَحْتَمِل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية، أو تنقسم أصحاب هذه
الجناية، فَيُعَذَّب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا، بحسب قوّة المفسدة، وضعفها .
وقد رَوَى ابن أبي شيبة بإسناد حسن، من حديث أبي مالك
الأشعريّ ◌ُله: ((أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يَسْرِقه رجل،
فَيُطَوَّقه من سبع أرضين)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الاحتمالات أنه يُكَلَّف نقل ما ظَلَم
منها في القيامة إلى المحشر، ويكون كالطّوْق في عنقه، ثم بعد أن يُنقل جميعه
يُجعل كله في عنقه طَوْقاً، ويَعْظُمُ قدرُ عنقه حتى يسع ذلك، كما ورد في غِلَظ
جلد الكافر، ونحو ذلك.
وأقوى هذه الاحتمالات هو الاحتمال الثاني، وهو أنه يعاقب بالخسف إلى
سبع أرضين، ثم يُجعل في عنقه طَوْقاً يَحمِله حتى يُقضَى بين الناس؛ فهذا أقرب
التأويل للتطويق المذكور في هذا الحديث؛ كما يؤيّده حديثا يعلى بن مرّة،
والحكم بن الحارث ﴿ه المذكوران آنفاً، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى وليّ
التوفيق.
(١) ((الفتح)) ٢٧٢/٦ - ٢٧٣.

١٢٥
(٥١) - بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٢٦)
(اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً)؛ أي: في هذه الدعوى (فَأَعْم بَصَرَهَا) بقطع
الهمزة، أمر من الإعماء، وفي الرواية التالية: ((فَعَمِّ بصرها)) بتشديد الميم، من
التعمية، قال الفيّوميّ تَخْلُ: عَمِيَ عَمَّى: فَقَدَ بصرَهُ، فهو أَعْمَى، والمرأة
عَمْيَاءُ، والجمع عُمْيٌّ، من باب أَحْمَر، وعُمْيَانُ أيضاً، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال:
أَعْمَيْتُهُ، ولا يقع العَمَى إلا على العينين جميعاً، ويستعار العَمَى للقلب؛ كنايةً
عن الضلالة، والعلاقة عدم الاهتداء، فهو عَم، وأَعْمَى القَلْبِ، وعَمِيَ الخبرُ:
خَفِي، ويُعَدَّى بالتضعيف، فيقال: عَمَّيْتُهُ. انتهىَ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر عبارة الفيّوميّ أن تعدية عَمِيَ بمعنى فَقَّدَ
بصره بالهمزة، وأما التعدية بالتضعيف فهو لـ ((عَمِيَ الخبرُ)) بمعنى خَفِي، لكن
أثبت المجد تعدية الأول بالتضعيف، وعبارته: عَمِيَ - كَرَضِي - عَمّى: ذَهَبَ
بصره كلُّهُ، قال: وعَمَاه تعميةً: صَيَّره أعمى. انتهى(٢).
فأدت عبارة المجد هذه أن الرواية هنا بلفظ: ((فأعم بصرها))، و((عَمِّ
بصرها)) كلتاهما صحيحتان، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا) وفي الرواية التالية: ((واقتلها في أرضها))، وقول
سعيد هذا دليلٌ على أن سعيداً استجاز الدُّعاء على الظالم بأكثر مما ظَلم فيه،
وفيه إشكال مع قوله تعالى: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله:
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيَّهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ووجهُ
الإشكال: أنه كما لا يجوز أن يأخذ من الظالم، أو الغاصب زيادةً على
القصاص، أو على مقدار ما أَخَذ، كذلك لا يجوز أن يدعو عليه بزيادة على
ذلك؛ لإمكان الإجابة، فتحصل الزيادة الممنوعة، ولو لم يُستَجب له؛ أليس قد
أراد وتمنى شرّاً زائداً على قدر الجناية للمسلم؟! وهو ممنوع منه، وإنما الذي
يجوز أن يدعو به على الظالم أن يقول: اللهم خُذ لي حقي منه، اللهم افعل به
مثل ما فعل، وما أشبه ذلك، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُرِ
٤٣
[الشورى: ٤٣].
ويجاب عنه بالفرق بين الدُّعاء على الظالم بأكثر مما ظَلم فيه، وبين أن
(١) ((المصباح المنير)) ٤٣١/٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٩١٤.

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
يُفْعَل به أكثر مما ظَلم فيه، فإن الدعاء ليس مقطوعاً بإجابته، فإذا صدر عن
المظلوم بحكم حرقة مظلمته، وشدَّة مَوْجِدته لم نقل: إنه صدر عنه محرَّم،
وغاية ذلك: أن يكون تَرَك الأولى؛ لأنه منتصر، ولأنه لم يصبر، ولذلك قال
النبيّ وَّ: ((واتّق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب))، متّفقٌ عليه،
ويدلّ على جواز ذلك ما رُوي: أن النبيّ وَّ رأى رجلاً خَلَق الثياب، فأمره أن
يلبس ثوبيه، فلمّا لبسهما قال: ((ما له؟ - ضرب الله عنقه - أليس هذا خيراً))(١)،
وفي كتاب أبي داود: عن سعيد بن غزوان، عن أبيه أنه مرَّ بين يدي
رسول الله وَلو بتبوك، وهو يصلي، فقال: ((قطع صلاتنا، قطع الله أثره))، قال:
فما قمت عليهما إلى يومي هذا - يعني: رجليه -؛ فدلَّ هذا على أن الدَّعاء
المذكور ليس محرَّماً .
قال الجامع عفا الله عنه: استدلال القرطبيّ على جواز الدعاء على الظالم
بأكثر مما ظَلَم غير صحيح، أما الحديث الأول فليس فيه دعاء على الظالم،
وإنما هو دعاء لرجل مسلم أن ينال الشهادة، وأما الحديث الثاني فضعيف؛
لأن في سنده سعيد بن غزوان، وأبوه مجهولان، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٣٦/١٢) فقال:
(٥٤١٨) - أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاريّ، أخبرنا أحمد بن أبي بكر، عن
مالك، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله وَل
في غزوة أنمار، قال: فبينما أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله صل* قال فقلت: يا
رسول الله هَلُمّ إلى الظل، قال: فنزل رسول الله وَّه، قال جابر: فقمت إلى غِرَارة
لنا، فالتمست فيها، فوجدت فيها جِرْوَ قِثَّاء، فكسرته، ثم قرّبته إلى رسول الله وَّر،
فقال رسول الله وَ﴾: ((من أين لكم هذا؟))، فقلت: خرجنا به يا رسول الله من
المدينة، قال جابر: وعندنا صاحب لنا نُجَهِّزه؛ ليذهب يرعى ظهرنا، قال:
فجهزته، ثم أدبر يذهب في الظهر، وعليه بُردان له قد خَلُقَا، قال: فنظر إليه
رسول الله وَ﴾، فقال: ((أما له ثوبان غير هذين؟)) قال: فقلت: يا رسول الله له
ثوبان في الْعَيبةِ، كسوته إياهما، قال: ((فادعه، فمره، فليلبسهما))، قال: فدعوته،
فلبسهما، ثم وَلَّى يذهب، فقال رسول الله وَّه: ((ما له ضرب الله عنقه؟ أليس هذا
خيراً؟)) فسمعه الرجل، فقال: يا رسول الله في سبيل الله، فقال رسول الله إليه:
((في سبيل الله))، فقُتِل الرجل في سبيل الله. انتهى.

١٢٧
(٥١) - بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٢٦)
قال: وأما قوله: إنه أراد الشرَّ للظالم وتمنَّاه، فنقول بجواز ذلك، ليرتدع
الظالم عن شرّه، أو غيره ممن يريد الظلم والشر.
ولو سلّمنا أن ذلك لا يجوز لأمكن أن يقال: إنه لا يلزم من الدُّعاء
بالشر أن يكون ذلك الشر متمنَّى، ولا مراداً للدَّاعي، فإن الإنسان قد يدعو
على ولده وحبيبه بالشر؛ بحكم بادرة الغضب، ولا يريد وقوعه به، ولا يتمناه،
والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله القرطبيّ من جواز الدعاء
على الظالم بأكثر مِن ظُلمه، فيه نظر لا يخفى؛ لمخالفته للأدلة الشرعية، كقوله
تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ الآية [النساء: ١٤٨]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَحَزَّوُاْ سِنْئَةٍ سَيْئَةٌ مِثْلُهَ﴾
الآية [الشورى: ٤٠]، وكذا استدلاله بالحديثين الماضيين فيه نظر لا يخفى، كما
أوضحته آنفاً، وكذا دعاء سعيد بن زيد المذكور وإن كان صحابيّاً لا يكون
حجة؛ لأنه يُحمل على أنه صدر منه في حال غضبه، فلا يُتَأَسَّى به.
والحاصل أن الدعاء على المظلوم يجوز بمثل ظلمه، أو أن يأخذ الله له
من ظالمه حقّه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الراوي، وهو محمد بن زيد: (فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ)؛ أي: تطلب
(الْجُدُرَ) بضمّتين: جمع جدار، وهو الحائط، مثلُ كتاب وكُتُب، وقوله:
، (فَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي فِي
(تَقُولُ) جملة حاليّة (أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ) ◌َ
الدَّارِ)؛ أي: التي ادّعت على سعيد غصبها منها، فتركها لها (مَرَّتْ عَلَى بِثْرٍ فِي
الدَّارِ، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا)؛ يعني: أنها دُفنت في تلك البئر، ولعلها
كانت صالحة للدفن فيها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعيد بن زيد نظ به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((المفهم)) ٥٣٧/٤ - ٥٣٨.

١٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٢٥/٥١ و٤١٢٦ و٤١٢٧ و٤١٢٨] (١٦١٠)،
و(البخاريّ) في ((المظالم)) (٢٤٥٢) و((بدء الخلق)) (٣١٩٨)، و(الترمذيّ) في
((جامعه)) (١٤١٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٧٥٥)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٤٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٨ و١٨٩ و١٩٠)، و(الدارميّ) في
(سننه)) (٣٤٧/٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤١٧/٣)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (٩٥١ و٩٥٤ و٩٥٥ و٩٥٦ و٩٥٩ و٩٦٢)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٣١٩٥ و٥١٦٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٥٢ و٣٥٣ و٣٥٤
و٣٥٥)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٩٦/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٨/٦)
و((الصغرى)) (٣٧٥/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الظلم، والغصب، وتغليظ عقوبته.
٢ - (ومنها): بيان إمكان غصب الأرض، خلافاً لمن قال: لا يمكن
ذلك، قال النوويّ كَُّ: وفيه إمكان غصب الأرض، وهو مذهبنا، ومذهب
الجمهور، وقال أبو حنيفة تَخْذَلُهُ: لا يُتَصَوَّر. انتهى(١).
٣ - (ومنها): بيان أن غصب الأرض من الكبائر، قاله القرطبيّ تَكَّتُهُ،
قال في ((الفتح)): وكأنه فَرَّعه على أن الكبيرة ما وَرَد فيه وعيد شديد.
٤ - (ومنها): بيان أن من مَلك أرضاً مَلك أسفلها إلى منتهى الأرض،
فله أن يمنع مَن حَفَرَ تحتها سَرَباً(٢) أو بئراً بغير رضاه.
٥ - (ومنها): أن مَن مَلَك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه، من حجارة
ثابتة، وأبنية، ومعادن، وغير ذلك، وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء، ما لم يَضُرّ
بمن یجاوره.
وقال القرطبيّ تَُّ: وقد استُدِلَّ على أن من مَلك شيئاً من الأرض مَلك
ما تحته مما يقابله، فكل ما يوجد فيه من معدن، أو كنز فهو له، قال: وقد
اختُلِف في ذلك في مذهب مالك، فقيل ذلك، وقيل: هو للمسلمين، وعلى
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٩/١١ - ٥٠.
(٢) ((السَّرَبُ)) بفتحتين: بيت في الأرض لا منفذ له. قاله في ((المصباح)) ٢٧٢/١.

١٢٩
(٥١) - بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٢٦)
ذلك فله أن يَنزِل بالحفر ما شاء ما لم يَضُرّ بمن يجاوره، وكذلك أن يرفع في
الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض، من البناء ما شاء، ما لم يَضُرَّ بأحد،
فيُمْنَعُ. انتهى (١).
٦ - (ومنها): أن الأرضين السبع متراكمة، لم يُفْتَقْ بعضها من بعض؛
لأنها لو فُتِقت لاكتُفِي في حقّ هذا الغاصب بتطويق التي غَصَبها؛ لانفصالها
عما تحتها، أشار إلى ذلك الداوديّ كَّتُهُ .
٧ - (ومنها): فيه أن الأرضين السبع طباقٌ كالسموات، وهو ظاهر قوله
تعالى: ﴿ اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١٢]، قال
القرطبيّ رَُّهُ: أي في العدد؛ لأن الكيفيّة والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار،
فتعيّن العدد. انتهى.
وقيل: إن المراد بقوله: ((سبع أرضين)) سبعة أقاليم، وتُعُقِّب بأنه لو كان
كذلك لم يُطَوَّق الغاصب شبراً من إقليم آخر، قاله ابن التين تَخْثُ، ذكره في
((الفتح)) (٢).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: قال العلماء: هذا تصريح بأن الأرضين سبع طبقات،
وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وأما
تأويل المماثلة على الهيئة والشكل، فخلاف الظاهر، وكذا قول من قال:
المراد بالحديث سبع أرضين من سبع أقاليم؛ لا أنّ الأرضين سبع طباق، وهذا
تأويل باطل، أبطله العلماء بأنه لو كان كذلك لم يُطَوَّق الظالم بشبر من هذا
الإقليم شيئاً من إقليم آخر، بخلاف طباق الأرض، فإنها تابعة لهذا الشبر في
المُلك، فمن مَلك شيئاً من هذه الأرض مَلَكه، وما تحته من الطباق، قال
القاضي عياض: وقد جاء في غِلَظ الأرضين وطباقهنّ، وما بينهنّ حديث ليس
(٣)
بثابت. انتهى ١١.
وقال في ((الفتح)) في ((كتاب بدء الخلق)) عند شرح قوله تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِى
خَلَقَ سَبْعَ سَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١٢]: قال الداوديّ فيه دلالة
(١) ((المفهم)) ٥٣٥/٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤٨/١١.
(٢) ((الفتح)) ٢٧٣/٦.

١٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
على أن الأرضين بعضها فوق بعض، مثلُ السماوات، ونُقِلَ عن بعض
المتكلمين أن المثلية في العدد خاصةً، وأن السبع متجاورة، وحَكَى ابن التين
عن بعضهم أن الأرض واحدةٌ، قال: وهو مردود بالقرآن والسُّنَّة.
قال الحافظ: لعله القول بالتجاور، وإلا فيصير صريحاً في المخالفة،
ويدلّ للقول الظاهر ما رواه ابن جرير من طريق شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن
أبي الضحى، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: في كل
أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق، هكذا أخرجه مختصراً،
وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم، والبيهقيّ من طريق عطاء بن السائب، عن
أبي الضحى، مُطَوَّلاً، وأوله: ((أي: سبع أرضين، في كل أرض آدم كآدمكم،
ونوح كنوحكم، وإبراهیم کإبراهيمكم، وعیسی کعيسى، ونبي كنبيكم))، قال
البيهقيّ: إسناده صحيح، إلا أنه شاذٌ بمرّة.
وروى ابن أبي حاتم، من طريق مجاهد، عن ابن عباس، قال: لو
حدثتكم بتفسير هذه الآية لكفرتم، وكَفَّركم تكذيبكم بها، ومن طريق سعيد بن
جبير، عن ابن عباس نحوه، وزاد: وهنّ مكتوبات بعضهنّ على بعض.
وظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يرُدّ أيضاً على أهل الهيئة
قولهم: أَنْ لا مسافة بين كلّ أرض وأرض، وإن كانت فوقها، وأن السابعة
صماء، لا جوف لها، وفي وسطها المركز، وهي نقطة مقدَّرة متوهمة إلى غير
ذلك من أقوالهم التي لا برهان عليها .
وقد رَوَى أحمد، والترمذيّ من حديث أبي هريرة ◌َُّه مرفوعاً: ((إن بين
كل سماء وسماء خمسمائة عام، وأن سَمْك كل سماء كذلك، وأن بين كل
أرض وأرض خمسمائة عام))، وأخرجه إسحاق بن راهويه، والبزار، من حديث
أبي ذرّ نحوه، ولأبي داود، والترمذيّ من حديث العباس بن عبد المطلب،
مرفوعاً: ((بين كل سماء وسماء إحدى، أو اثنتان وسبعون سنةً))، وجُمِع بين
الحديثين بأن اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السير وسرعته. انتهى (١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٤٩٥/٧ - ٤٩٦، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣١٩٥).

١٣١
(٥١) - بَابُ إِثْم مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٢٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٢٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ، اذَّعَتْ عَلَى سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ
أَخَذَ شَيْئاً مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ
آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئاً بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ؟ قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَلِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً،
طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ))، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ
إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ
بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا، إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ، فَمَاتَتْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر، أو أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دَلَّس [٥] (ت٥ أو١٤٦) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
ذكر قبله.
و
و((سعيد بن زيد))
وقوله: (أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ) كذا وقع في نسخ ((صحيح مسلم))
المطبوعة، ومثله في ((جامع الأصولَ)) لابن الأثير، وكذلك ذَكَر أبو نعيم في
((الحلية)) اسمها في موضعين، ولكن المعروف ((بنت أنيس))، ولم يذكر الحافظ
في ((الإصابة))، ولا ابن الأثير في ((أُسْد الغابة)) غير (بنت أنيس))، وجزم الأستاذ
محمد ذهني في تعليقه بأنه خطأ من النساخ، والله أعلم(١).
وقوله: (فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ) بن أبي العاص بن أُميّة،
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ١/ ٦٧٧.

١٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
أبو عبد الملك، ليست له صحبة، توفّي سنة (٦٥) تقدّمت ترجمته في ((الصيام))
٢٥٨٩/١٣.
وقوله: (فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئاً؟) هذا قاله إنكاراً لما
ادّعته أروى، وقد تقدّم من رواية أبي نعيم في ((الحلية)) أنه قال: ((أنا أظلم
أروى حقّها؟ فوالله لقد ألقيت لها ستمائة ذراع من أرضي، من أجل حديث
سمعته من رسول الله وَالر ... )) الحديث.
وقوله: (فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا) قال القرطبيّ ◌َُّهُ:
((لا أسألك)) قرأناه بفتح الكاف، على خطاب سعيد، وهو صحيحٌ، وفيه
إشكال، وذلك أن الأرض كانت في يد سعيد، وادَّعَت المرأة أنَّه غصبها إيَّاها،
ألا ترى قول عروة: إن أروى ادَّعَت على سعيد أنه أخذ لها شيئاً من أرضها،
فهو المدَّعَى عليه، وكيف يُكَلَّف المذَّعَى عليه إقامة البينة على إبطال دعوى
الْمُدَّعِي؟! وإنما القضاء كما قال النبيّ وَّر للحضرميّ المدَّعِي: ((شاهداك، أو
يمينه))(١)، وإنما يصلح أن يخاطب بهذه الكاف المدَّعِية، وعلى هذا: فينبغي أن
تكون مكسورة، ويكون مروان قال لها ذلك كفّاً لها عن تماديها على دعواها؛
لِعِلْمه بصدق سعيد من جهة قرائن أحواله، لا أن الخبر الذي ذكره يدلُّ على
براءته من دعواها، لكن ما كان معلوماً من دِينٍ سعيد، ومن ورعه، وفضله،
وأنه مشهود له بالجنة، وعِظَم هذا الوعيد الشديد الذي سمعه من النبيّ وَلا
مشافهةً مع نزارة هذا القدر المدّعَى عليه به، فحصل عند مروان العلم بصدقه،
فقال للمرأة: لا أسألكِ بينة؛ أي: لأنك لا تجدينها بوجه، ثم إنه لم يقض
بينهما بشيء، ولم يُحوجه سعيدٌ إلى قضاء، بل بادر إلى أن سلّم لها ما اذَّعته،
وزادها من أرضه، فقال: دعوها لها .
قال القرطبيّ: فهذا الذي ظهر لي في هذا الخطاب، فإنه إن كان متوجهاً
لسعيد لزم أن يكون مروان عَدَل عن جهة القضاء المنصوص عليها؛ التي لا
اختلاف فيها، وأن سعيداً أقرَّه عليها، وكل ذلك باطل، فتعيَّن ما اخترناه، والله
أعلم.
(١) رواه أحمد في «مسنده)) (٢١١/٥)، والبخاريّ في ((صحيحه)) (٢٥١٥ و٢٥١٦).

١٣٣
(٥١) - بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٢٨ - ٤١٢٩)
قال: أو يعني بـ((البينة)): مَن يَشْهَد لسعيد بصحة الحديث الذي رواه؛
لأنه صدّقه في الرواية، ولم يحتج إلى الاستظهار بزيادة شهادة غيره على ذلك،
ولم يُرِد بالبينة هنا الشهادة التي يستند حكم الحاكم إليها؛ لأنها لا تلزم
المدّعى عليه، فكيف يُسقِط عنه ما لا يلزم؟. انتهى كلام القرطبيّ تَّهُ(١)،
وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٢٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ
أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ لَهُ
يَقُولُ: (مَنْ أَخَذَ شِبَّراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ
أَرَضِينَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِبَّاءَ بْنٍ أَبِي زَائِدَةَ) الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ
متقنٌّ، من كبار [٩] (ت٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥٪
١٢١.
والباقون ذكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٢٩] (١٦١١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْراً مِنَ
الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلَّا طَوَّقَهُ اللهُ إِلَى سَبْعٍ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)»).
(١) ((المفهم)) ٥٣٥/٤ - ٥٣٦.

١٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابین.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريباً.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر حفظه بآخره
[٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٤ - (أبوه) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣]
(ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌ُْبه، تقدّم في الباب الماضي، وشرح الحديث واضح
يُعلم مما مضى.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذَلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٢٩/٥١] (١٦١١)، و(الطيالسيّ) في («مسنده))
(٢٤١٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٦٦/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٣٨٧ و٤٣٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥١٦١ و٥١٦٢)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٤١٥/٣)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (١٧٨/٣)، و(الطبرانيّ) في
(الأوسط)) (٢١٦/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٩/٦)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٣٠] (١٦١٢) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الصَّمَدِ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ - حَدَّثَنَا حَرْبٌ - وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ - حَدَّثَنَا يَحْيَى
- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، وَكَانَ بَيْنَهُ
وَبَيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ:
يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِّهِ قَالَ: (مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ

١٣٥
(٥١) - بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٣٠)
الأَرْضِ، طُوْقَهُ(١) مِنْ سَبْعٍ أَرَضِينَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) النُّكْريّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٦) (م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٧.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو
سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٣ - (حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ) اليشكريّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ [٧]
(ت١٦١) (خ م د ت س) تقدم في ((الحج)) ٣٣٣٩/٨٣.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم قريباً.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريباً.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ظُها، تقدّمت أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: يحيى، عن محمد بن
إبراهيم، عن أبي سلمة، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض
الأقوال، وفيه عائشة رضيّا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، وفيه
قوله: ((يعني: ابن عبد الوارث)) والقائل هو المصنّف، وإنما أتى به؛ لأن شيخه
لم ينسبه إلى أبيه، فزاد ((يعني))؛ لئلا ينسب إلى شيخه ما لم يقله، لو قال:
((حدّثني عبد الصمد بن عبد الوارث))، ومثله قوله: ((وهو ابن شدّاد))، وقوله:
((وهو ابن أبي كثير))، الظاهر أنه من قول المصنّف أيضاً، ويَحْتَمِل أن يكون
ممن فوقه، وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
فَوْقَ شُيُوخِ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ
أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
بِنَحْوِ (يَعْنِي)) أَوْ بِـ((إِنَّ)) أَوْ بِـ(هُؤْ))
(١) وفي نسخة: ((طوّقه الله)).

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وَالْفَضْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ
[فائدة]: قال في ((الفتح)): في هذا الإسناد ما يُشعر بقلّة تدليس يحيى بن
أبي كثير؛ لأنه سمع الكثير من أبي سلمة، وحَدَّث عنه هنا بواسطة محمد بن
إبراهيم. انتهى.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التيميّ (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف
(حَدَّثَهُ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ) قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم (خُصُومَةٌ فِي
أَرْضِ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ) ◌َهُنَا (فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبٍ
الأَرْضَ)؛ أي: ابتعد عن الخصومة في الأرض (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ) الفاء
للتعليل؛ أي: لأنه ◌َّ﴿ ﴿قَالَ: ((مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ) بكسر القاف، وسكون
التحتانيّة؛ أي: قَدْره، يقال: هو قِيدُ رُمْح، وقادُ رُمح؛ أي: قدره (١)، ويقال
أيضاً: قيس وقاس، وقيب وقاب كلها بمعنى واحد (مِنَ الأَرْضِ، طُوِّقَهُ(٢) مِنْ
سَبْعٍ أَرَضِينَ))) تقدّم أنه بفتح الراء، ويجوز تسكينها، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿نا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٣٠/٥١ و٤١٣١] (١٦١٢)، و(البخاريّ) في
((المظالم)) (٢٤٥٣) و((بدء الخلق)) (٣١٩٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٤/٦
و٧٩ و٢٥٢ و٢٥٩).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٣١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ،
أَخْبَرَنَا أَبَانٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ
دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
(١) ((المصباح المنير)) ٥٢١/٢.
(٢) وفي نسخة: ((طوّقه الله)).

١٣٧
(٥١) - بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٣١)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٢ - (حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٦) (ع)
تقدم في ((الإیمان)) ٣٢٢/٥٥.
٣ - (أَبَانُ) بن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ له أفراد [٧] مات في
حدود (١٦٠) (خ م ج ت س ق) تقدم في ((الطهارة)) ١/ ٥٤٠.
والباقون ذُكروا قبله، و((يحيى)) هو: ابن أبي كثير المذكور في السند
الماضي.
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) فاعل ((ذَكَر)) ضمير أبان؛ أي: ذَكر أبان بن يزيد عن
یحیی بن أبي كثير مثل ما ذكره حرب بن شدّاد عنه.
[تنبيه]: ذكر الحافظ الجيّانيّ في ((التقييد)) (٨٦٩/٣) أنه وقع في نسخة
أبي العلاء في إسناد هذا الحديث خطأ، حيث قال: ((حبّان بن هلال، نا أبان،
نا يحيى بن آدم أن محمد بن إبراهيم حدّثه))، وإنما هو يحيى بن أبي كثير، لا
یحیی بن آدم. انتھی.
[تنبيه آخر]: رواية أبان بن زيد، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها أبو
عوانة في ((مسنده)) (٤١٦/٣) فقال:
وحدثنا أبو أمية، قئنا موسى بن إسماعيل، قئنا أبان بن يزيد، عن
يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، حدّثه، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، قال: كنت أخاصم في أرض، فقالت لي عائشة: يا أبا سلمة
اجتنب الأرض، فإني سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((من ظَلَم قِيد شبر من
الأرض، طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .

١٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(٥٢) - (بَابُ قَدْرِ الطَّرِيقِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٣٢] (١٦١٣) - (حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ
سَبْعَ أَخْرُعٍ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت مَ د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين،
ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٤/ ١٦٧٤.
٣ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) بن مِهْران، أبو الْمُنازل، ثقةٌ حافظ يرسل، تغيّر حفظه
لَمّا قَدِم من الشام [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤.
٤ - (يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الحارث الأنصاريّ مولاهم، أبو الوليد
البصريّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، وخاله محمد بن سيرين، وأنس بن مالك، وأبي العالية،
والأحتف، وجماعة.
ورَوَى عنه ابن عون، وخالد الحذّاء، ومَهْديّ بن ميمون، وعاصم
الأحول، وحماد بن سلمة، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة
أحاديث برقم (١٦١٣)، و(٢١٩٦): ((رَأَخَّص رسول الله وَّر في الرقية من العين
والْحُمَة))، وأعاده بعده و(٢٧٣٠) في دعاء الكرب.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الله بن الحارث الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، نَسِيب
ابن سيرين، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٣٨/٢٦.

١٣٩
(٥٢) - بَابُ قَدْرِ الطَّرِيقِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ - حديث رقم (٤١٣٢)
و ((أبو هريرة))
، ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالبصریین غیر الصحابيّ، فمدنيّ، وفیه ثلاثة من التابعین روی
بعضهم عن بعض، ورواية الأَوَّلين من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الخامسة.
شرح الحديث:
(عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الحارث الأنصاريّ (عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ) حُ (أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((إِذَا اخْتَلَفْتُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((إذا
تشاجروا في الطريق))، تفاعلوا من المشاجرة - بالمعجمة، والجيم -؛ أي:
تنازعوا، وللإسماعيليّ: ((إذا اختَلَف الناس في الطريق))، ولأبي عوانة في
((صحيحه))، وأبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، من طريق بُشَير بن كعب - وهو
بالتصغير والمعجمة - عن أبي هريرة ظه بلفظ: ((إذا اختلفتم في الطريق،
فاجعلوه سبعة أذرع»، ومثله لابن ماجه من حديث ابن عباس رضيًا.
قوله: (في الطريق) زاد المستملي في روايته ((الميتاء))(١) ولم يتابَع عليه،
وليست بمحفوظة في حديث أبي هريرة، وإنما ذكرها المؤلف في الترجمة مشيراً
بها إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وذلك فيما أخرجه عبد الرزاق،
عن ابن عباس ﴿ًّا، عن النبيّ وَلّر: ((إذا اختلفتم في الطريق الْمِيتاء، فاجعلوها
سبعة أذرع))، ورَوَى عبد الله بن أحمد في ((زيادات المسند))، والطبريّ من
حديث عبادة بن الصامت ظ ◌ُبه قال: ((قَضَى رسولُ اللهِ وَّ في الطريق
الْمِيتاء ... ))، فذكره في أثناء حديث طويل، ولابن عديّ من حديث أنس نظراته:
((قَضَى رسول الله وََّ في الطريق الميتاء التي تُؤْتَى من كل مكان ... ))، فذكره،
وفي كلٍّ من الأسانيد الثلاثة مقال. انتهى(٢).
(١) ((الميتاء)) - بميم مكسورة، وتحتانية ساكنة، وبعدها فوقانية، ومدّ بوزن مِفْعال ـــ من
الإتيان، والميم زائدة، قال أبو عمرو الشيباني: الميتاء أعظم الطرُق، وهي التي
يكثر مرور الناس فيها، وقال غيره: هي الطرق الواسعة، وقيل: العامرة. راجع:
((الفتح)) ٦/ ٢٩٣.
(٢) ((الفتح)) ٢٩٤/٦.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(جُعِلَ) بالبناء للمفعول (عَرْضُهُ) - بفتح، فسكون: خلاف الطول، يقال:
عَرُضَ الشيءُ بضمّ الراء عِرَضاً، وزانُ عِنَبٍ، وعَرَاضَةً بالفتحِ: اتَّسَعَ عَرْضُهُ،
وهو تباعد حاشيتيه، فهو عَرِيض، والجمع عِرَاضٌ، مثلُ کَرِیم وکِرَام،
فالْعَرْض: خلاف الطول، قاله الفيّوميّ ◌َُّهُ(١).
والمعنى هنا: أنه يُجعل سعة عرضه (سَبْعَ أَذْرُع))) قال النوويّ ◌َُّهُ:
هكذا هو في أكثر النسخ: ((سبع أذرع))، وفي بعضها: ((سبعة أذرع))، وهما
صحيحان، والذراع يُذكَّر، ويؤنث، والتأنيث أفصح. انتهى.
وقال الفيّوميّ تَخْذُهُ: ((الذِّرَاعُ)): اليدُ من كلّ حيوان، لكنها من الإنسان
من الْمَرْفِق إلى أطراف الأصابع، وذِرَاعُ القياس: أنثى في الأكثر، ولفظ ابن
السّكِّيت: الذِّرَاعُ أنثى، وبعض العرب يُذَكّر، قال ابن الأنباريّ: وأنشدنا أبو
العباس، عن سلمة، عن الفراء شاهداً على التأنيث قولَ الشاعر [من الرجز]:
أَرْمِي عَلَيْهَا وَهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ وَهْيَ ثَلاثُ أَذْرُعْ وَإِصْبَعُ
وعن الفراء أيضاً: الذِّرَاعُ: أنثى، وبعض عُكْلٍ يُذَكِّر، فيقول: خمسة
أذرع، قال ابن الأنباريّ: ولم يَعرف الأصمعيّ التذكيرَ، وقال الزجاج: التذكير
شاذّ غير مختار، وجَمْعُها: أَذْرٌُ، وذُرْعَانٌ، حكاه في ((الْعُباب))، وقال سيبويه:
لا جمع لها غير أذرع، وذِرَاعُ القِيَاسِ: ستُّ قبضات معتدلات، ويُسَمَّى ذِرَاعَ
العَامَّةِ، وإنما سُمِّي بذلك؛ لأنه نَقَصَ قبضةً عن ذِرَاعِ المَلِكِ، وهو بعض
الأكاسرة، نقله المطرزيّ. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): الذي يظهر أن المراد بالذراع ذراع الآدميّ، فيُعْتَبر
ذلك بالمعتدل، وقيل: المراد بالذراع ذراع البنيان المتعارف، قال الطبريّ:
معناه أن يُجعَل قدر الطريق المشتركة سبعة أذرع، ثم يبقى بعد ذلك لكل واحد
من الشركاء في الأرض قَدْرُ ما يَنْتَفِع به، ولا يَضُرّ غيره، والحكمة في جعلها
سبعة أذرع؛ لتسلكها الأحمال والأثقال دخولاً وخروجاً، ويسع ما لا بُدّ لهم
من طرحه عند الأبواب، ويلتحق بأهل البنيان مَن قَعَد للبيع في حَافَة الطريق،
فإن كانت الطريق أزيد من سبعة أذرع لم يمنع من القعود في الزائد، وإن كان
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٠٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٠٧/١ - ٢٠٨.