Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٤٨) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ - حديث رقم (٤١١٨)
(٤٨) - (بَابُ النَّهْىِ عَنِ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١١٨] (١٦٠٦) - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الأُمُوِيُّ
(ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ
يُونُسَ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِلَّهِ يَقُولُ: ((الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسَّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِيُّ) عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان
الدمشقيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [٩] مات على رأس المائتين (خ م د ت س) تقدم
في (الحج)) ٣٣٦٧/٨٨.
٣ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السّرح المصريّ، تقدّم
قريباً .
٤ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٥ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدّم قريباً.
٦ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٧ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم أيضاً قريباً.
٨ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد المذكور في السند الماضي.
٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﴿به تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد.
أن أول نصف السند الثاني مسلسل بثقات المصريّين، والثاني منه مسلسل
بثقات المدنيين، وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة به أكثر من
روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ) قد تقدّم غير مرّة أن كسر يائه أولى من فتحها، فليُتنبّه
(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((الْحَلِفُ) - بفتح
الحاء المهملة، وكسر اللام، وتسكّن ؛ أي: اليمين، قال السيوطيّ ◌َُّهُ في
((حاشية أبي داود)): المراد: اليمين الكاذبة، فقال السنديّ: يمكن إبقاؤه على
إطلاقه؛ لأن الصادق لترويج أمر الدنيا، وتحصيله يتضمّن ذكر الله تعالى للدنيا،
وهو لا يخلو عن كراهة مّا، بخلاف يمين المدّعَى عليه، فإنها لإزالة التهمة،
فلا كراهة فيها، إذا كانت صادقة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السيوطيّ هو الأولى؛ لوروده مبيّناً
في رواية أحمد(١) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي
هريرة ◌َُّه، بلفظ: ((اليمين الكاذبة مَنفَقَةٌ للسلعة، مَمْحَقَةٌ للكسب))، وخير ما
فُسّر به الوارد هو الوارد، فتبصّر، وبالله تعالى التوفيق.
(مَنْفَقَةٌ) - بفتح الميم، والفاء، بينهما نون ساكنة - مَفْعَلة من النَّفاق - بفتح
النون -، وهو الرواج، ضدّ الكساد (لِلسِّلْعَةِ) بكسر السين المهملة: المتاع
(مَمْحَقَةٌ) - بالمهملة، والقاف، بوزن ما قبله، وحَكَى عياض ضمّ أوله، وكسر
الحاء، والْمَحْق النقص، والإبطال.
وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: الرواية: مَنفَقة، ممحقة - بفتح الميم، وسكون ما
بعدها، وفتح ما بعدها - وهما في الأصل مصدران مزيدان، محدودان، بمعنى
النَّفاق، والمحق؛ أي: الحلف الفاجرة تُنَفِّق السلعةَ، وتُمْحَقُ بسببها البركةُ،
فهي ذات نَفَاق، وذات مَحْق، ومعنى تمحق البركة؛ أي: تُذهبها، وقد تُذهب
رأس المال والربح، كما قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]
وقد يتعدّى المحق إلى الحالف، فيُعاقَب بإهلاكه، وبتوالي المصائب عليه، وقد
يتعدّى ذلك إلى خراب بيته، وبلده، كما روي أن النبيّ وَلو قال: ((اليمين
الفاجرة تذر الديار بلاقع))(٢)؛ أي: خالية من سكّانها، إذا توافقوا على التجرّؤ
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٣٥/٢.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) مطوّلاً (٣٥/١٠).

٨٣
(٤٨) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ - حديث رقم (٤١١٨)
على الأيمان الفاجرة، وأما محق الحسنات في الآخرة، فلا بدّ منه لمن لم
يتب، وسبب هذا كلّه أن اليمين الكاذبة يمين غَمُوس، يؤكل بها مال المسلم
بالباطل. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١).
وقوله: (لِلرِّبْحِ))) ولفظ البخاريّ من طريق الليث، عن يونس: ((للبركة))،
ولفظ النسائيّ من طريق ابن وهب، عن يونس: ((للكسب))، قال في ((الفتح)):
قوله: (للبركة)) تابعه عنبسة بن خالد، عن يونس عند أبي داود، وفي رواية ابن
وهب، وأبي صفوان عند مسلم: ((للربح))، وتابعهما أنس بن عياض، عند
الإسماعيليّ، ورواه الليث عند الإسماعيليّ بلفظ: ((ممحقة للكسب))، وتابعه ابن
وهب عند النسائيّ، ومال الإسماعيليّ إلى ترجيح هذه الرواية، وقد اختُلِف في
هذه اللفظة على الليث، كما اختلف على يونس، قال: ووقع للمزيّ في
((الأطراف)) في نسبة هذه اللفظة لمن خرّجها وَهَمِّ يُعْرَف مما حررته. انتهى (٢).
والمعنى أن الحلف مظنّة لرواج السلعة في الحال، لكنه مزيل لبركتها في
المآل، بأن يسلّط الله تعالى عليها وجوهاً من أسباب التلف، إما سرقة، أو
حرقاً، أو غرَقاً، أو غصباً، أو نهباً، أو عوارض أخرى يتلف بها ما شاء الله
تعالى، فيكون كسبه، وجمعه مجرّد تعب، وكدّ، وهو عقاب من الله تعالى، مع
ما ينتظره من العذاب الأليم في الآخرة، إن لم يتب، كما قال ريق: ﴿فَلَ
تُمْجِبِكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُهُمْ
[التوبة: ٥٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
٥٥
وَهُمْ كَفِرُونَ
والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رؤيته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١١٨/٤٨] (١٦٠٦)، و(البخاريّ) في ((البيوع))
(١) ((المفهم)) ٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣.
(٢) ((الفتح)) ٥٤٤/٥، كتاب ((البيوع)) رقم (٢٠٨٧).

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(٢٠٨٧)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٣٣٥)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٧/
٢٤٦) و((الكبرى)) (٦/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦٨/٤)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٤٧/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٥/٢ و٢٤٢
و٤١٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٩٠٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/
٤٠١ و٤٠٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٤٧/١١ و٣٦٦)، و(الطبريّ) في
((تهذيب الآثار)) (٥٨/٣ و٥٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٥/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٠٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن الحلف في البيع، قال النوويّ ◌َخَّتُهُ: فيه
النهي عن كثرة الحلف في البيع، فإن الحلف من غير حاجة مكروه، وينضم إليه
هنا ترويج السلعة، وربما اغترّ المشتري باليمين. انتهى.
٢ - (ومنها): أن اليمين يرغّب المشترين في الشراء، فيكون سبباً لزيادة
الربح، وكثرة المال.
٣ - (ومنها): بيان شؤم الحلف الكاذب؛ إذ هو وإن كان دافعاً للناس أن
يشتروا السلعة، لكنه مزيل للبركة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١١٩] (١٦٠٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنٍ أَبِي شَيْبَةَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ کَعْبٍ بْنِ مَالِك،
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ
فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفَّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.

٨٥
(٤٨) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ - حديث رقم (٤١١٩)
٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ،
صدوقٌ عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦١.
٤ - (مَعْبَدُ بْنُ كَعْبٍ بْنِ مَالِك) الأنصاريّ السَّلَميّ - بفتحتين - ثقةٌ(١) [٣]
(خ م خد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦٠.
٥ - (أَبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيُّ) الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ
- بكسر الراء، وسكون الموحّدة، بعدها مهملة - ابن بُلْدُمة - بضم الموحدة،
والمهملة، بينهما لام ساكنة ـ السلميّ - بفتحتين - المدنيّ، شهد أُحداً، وما
بعدها، ولم يصحّ شهوده بدراً، ومات ظله سنة (٥٤) وقيل: سنة (٣٨)
والأول أصحّ (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
والباقيان تقدّما قبل باب.
شرح الحديث:
(أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِيَّاكُمْ) هذا
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ)
تحذيرٌ، وهو تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، وهو منصوب بفعل
محذوف وجوباً، والتقدير: إياكم أحذّر، قال ابن مالك تَتَّقُ في ((خلاصته)):
إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
(وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ) بنصب ((كثرة)) بالعطف على ((إيّا))، والمعنى:
أحذّركم من إكثار الحلف في البيع، وإنما حذّرهم منه؛ لأن الغالب ممن كثرت
أيمانه وقوعه في الكذب، والفجور، وإن سلِم من ذلك - على بُعده - لم يَسلم
من الحنث، أو الندم؛ لأن اليمين حنث، أو مندمة، وإن سَلِم من ذلك لم
يَسْلَم من مدح السلعة المحلوف عليها، والإفراط في تزيينها؛ ليُروّجها على
المشتري، مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى، لا على جهة التعظيم، بل على
جهة مدح السلعة، فاليمين على ذلك تعظيم للسِّلَع، لا تعظيم الله تعالى، وهذه
(١) وقول ((التقريب)): مقبول، غير مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وأخرج له الشيخان،
ووثقه ابن حبّان، ولم يجرحه أحد، فلا جرم أنه ثقةٌ، فتنبّه.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
كلّها أنواع من المفاسد، لا يُقدِم عليها إلا من عقله، ودينه فاسد، قاله
القرطبيّ ◌َُّهُ(١).
(فَإِنَّهُ)؛ أي: المذكور من كثرة الحلف (يُنَفِّقُ) بضم أوله، وتشديد الفاء،
من التنفيق، ويجوز كونه من الإنفاق؛ أي: يروّج السلعة (ثُمَّ يَمْحَقُ))) بفتح
أوله، وثالثه، من باب نفع، كما سبق قريباً؛ أي: يزيل البركة، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة الأنصاريّ ظُه هذا من أفراد
المصنّف نَخَذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١١٩/٤٨] (١٦٠٧)، و(النسائيّ) في ((البيوع))
(٢٤٦/٧) و((الكبرى)) (٦/٤)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢٢٠٠)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦٨/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٧/٥ و٣٠١)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠١/٣)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٥٧ و
٥٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٥/٥) و((الصغرى)) (١٣/٥)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٤٩) - (بَابُ الشُّفْعَةِ)
(الشُّفعة)) بضمّ الشين المعجمة، وسكون الفاء، وغَلِط من حرّكها،
مأخوذة من الشَّفْع، وهو الزوج، وقيل: من الزيادة، وقيل: من الإعانة، قاله
في ((الفتح)) ١٩٢/٥.
وقال الفيّوميّ: شفَعت الشيءَ شَفْعاً، من باب نفع: ضممتُهُ إلى الفرد،
وشفعتُ الركعة: جعلتها ثنتين، ومن هنا اشتُقّت الشُّفْعة، وهي مثالُ غُرْفة؛ لأن
(١) ((المفهم)) ٥٢٣/٤.

٨٧
(٤٩) - بَابُ الشُّفْعَةِ
صاحبها يشفع ماله بها، وهي اسم للمِلك المشفوع، مثلُ اللَّقْمَة، اسم للشيء
الملقوم، وتُستعمل بمعنى التملّك لذلك الملك، ومنه قولهم: من ثبتَ له
شُفْعة، فأخّر الطلب بغير عذر، بطلت شفعته، ففي هذا المثال جمعٌ بين
المعنيين، فإن الأولى للمال، والثانية للتملّك، ولا يُعرف لها فعلٌ. انتهى.
وقال في ((الفتح)) - بعد أن ذكر المعاني اللغوية الماضية -: وفي الشرع:
انتقال حصّة شريك إلى شريك، كانت انتَقَلت إلى أجنبيّ، بمثل الْعِوَض
المسمّى، ولم يَخْتَلِف العلماء في مشروعيّتها، إلا ما نُقل عن أبي بكر الأصمّ
من إنكارها. انتهى.
وقال القرطبيّ تَّثُ: الشفعة في اللغة: هي الضمّ، والجمع، وفي عُرف
الشرع: أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه من المشتري بما اشتراه به، وهي
حقّ للشريك على المشتري، فيجب عليه أن يُشفِعَه، ولا يحلّ له الامتناع من
ذلك. انتھی(١).
وقال ابن قُدامة ◌َُّ في ((المغني)): الشفعة: هي استحقاقُ الشريك انتزاعَ
حصة شريكه، الْمُنْتَقِلة عنه، من يد من انتَقَلَت إليه، وهي ثابتة بالسُّنَّة،
والإجماع:
أما السُّنَّة فما رُوي عن جابر بنظُبه، قال: ((قضى رسول الله وَله بالشفعة،
فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِفَت الظُّرُق فلا شفعة))، متفق عليه،
ولمسلم قال: ((قضى رسول الله وَلّ، بالشفعة في كل شِرْك لم يُقْسَم، رَبْعَةٍ، أو
حائطٍ، لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك،
فإن باع ولم يستأذنه، فهو أحقُّ به))، وللبخاري: ((إنما جعل رسول الله وَلـ
الشفعةَ، فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِفت الطرقُ، فلا شفعة)).
وأما الإجماع، فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة،
للشريك الذي لم يقاسم، فيما بيع من أرض، أو دار، أو حائط، والمعنى في
ذلك أن أحد الشريكين، إذا أراد أن يبيع نصيبه، وتمكّن من بيعه لشريكه،
وتخليصه مما كان بصدده، من توقّع الخلاص والاستخلاص، فالذي يقتضيه
(١) ((المفهم)) ٥٢٣/٤.

٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
حسن العشرة، أن يبيعه منه؛ ليصل إلى غرضه، من بيع نصيبه، وتخليصه
شريكه من الضرر، فإذا لم يفعل ذلك، وباعه لأجنبيّ، سَلَّطَ الشرعُ الشريكَ
على صرف ذلك إلى نفسه، ولا نَعْلَم أحداً خالف هذا، إلا الأصمّ، فإنه قال:
لا تثبت الشفعة؛ لأن في ذلك إضراراً بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا عَلِم
أنه يؤخذ منه، إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فيستضرّ
المالك، وهذا ليس بشيء؛ لمخالفته الآثار الثابتة، والإجماع المنعقد قبله،
والجواب عما ذكره من وجهين:
[أحدهما]: أنّا نشاهد الشركاء يبيعون، ولا يُعْدَم من يشتري منهم، غير
شركائهم، ولم يمنعهم استحقاقه الشفعة من الشراء.
[الثاني]: أنه يمكنه إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسِم، فيسقط استحقاق
الشفعة.
واشتقاق الشفعة: من الشفع، وهو الزوج، فإن الشفيع كان نصيبه منفرداً
في ملكه، فبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه، فيشفعه به. وقيل: اشتقاقها من
الزيادة؛ لأن الشفيع يزيد المبيع في ملكه. انتهى كلام ابن قُدامة ◌َّهُ(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٢٠] (١٦٠٨) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: (مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكُ فِي رَبْعَةٍ، أَوْ
نَخْلِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ
اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نُسب لجدّه، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠]
(ت٢٢٧) وله (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
(١) ((المغني)) ٤٣٥/٧ - ٤٣٦.

٨٩
(٤٩) - بَابُ الشُّفْعَةِ - حديث رقم (٤١٢٠)
٢ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكر التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ
إمامٌ [١٠] (٢٢٦) على الأصحّ (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، وهو
أبو خيثمة المذكور في السند الثاني، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ المكيّ، صدوق،
يدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ◌ًا، توفي بالمدينة بعد سنة (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وهو (٢٧٥) من رباعيّات الكتاب، وأن
فيه جابراً ظبه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ◌َبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((مَنْ) شرطيّة (كَانَ لَهُ
شَرِيِكَ فِي رَبْعَةٍ) - بفتح الراء، وسكون الموحّدة: هي المسكن والدارُ، وقال
القرطبيّ تَخْتُ: الربعة: تأنيث الرَّبْع، وهو المنزل، وإنما قيل للمنزل: رَبْعٌ؛
لأن الإنسان يَرْبَعُ فيه؛ أي: يُقيم، يقال: هذه رَبْعٌ، وهذه ربعة، كما يقال:
دارٌ، ودارةٌ. انتهى. (أَوْ نَخْلٍ) بفتح، فسكون: تقدّم أنه اسم جمع، واحدته
نخلة، وكلُّ جمع بينه وبين واحده الهاءُ قال ابن السِّكِّيت: فأهلُ الحجاز يؤنثون
أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد،
وتميم يُذَكِّرون، فيقولون: نَخْلٌ كريمٌ، وكريمةٌ، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿فَغْلٍ
[الحاقة: ٧]، وأما النَّخِيلُ بالياء
٧
[القمر: ٢٠]، و﴿فَعْلٍ خَاوِيَةٍ
٢٠
◌ُنْقَعِرِ
فمؤنّثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك(١). (فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ)
بضمّ حرف المضارعة، من الإيذان، وهو الإعلام؛ أي: حتّى يُعلمه، قال
(١) ((المصباح المنير)) ٥٩٦/٢ - ٥٩٧.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
القرطبيّ تكثّثهُ: هو محمول على الإرشاد إلى الأولى، بدليل قوله: ((فإن باع،
ولم يؤذنه إلخ ... ))، ولو كان ذلك على التحريم لذَمّ البائعَ، ولَفَسَخَ البيعَ،
لكنه أجازه، وصححه، ولم يذمّ الفاعل، فدلّ على ما قلناه، وقد قال بعض
شيوخنا: إن ذلك يجب عليه. انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله بعض المشايخ هو
الحقّ، فيجب عليه أن يُعْلِمه، ولا يستلزم ترك الواجب بطلان البيع، كما مرّ
تقريره في بيع المصرَّاة، وتلقّي الجلب، فلا تغفل، والله تعالى أعلم.
(شَرِيكَهُ) قال القرطبيّ تَخَُّهُ: هو عموم في المسلم، والذميّ، وهو قول
مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وحُكي عن الشعبيّ، والثوريّ: أنه لا شفعة للذميّ؛
لأنه صاغرٌ، وهو قول أحمد، والصواب الأول؛ للعموم، ولأنه حقّ جری بسببه،
فيترتّب عليه حكمه من استحقاق طلبه، وأخذه، كالدَّين، وأرش الجناية. انتهى.
(فَإِنْ رَضِيَ) ذلك الشريكُ أَخْذَ المشتَرَى، وقوله: (أَخَذَ) معناه: أن ذلك
الشريك إن رضي أخذ المشترَى أخذه بالثمن الذي اشتراه به المشتري، من
عين، أو عَرْض، نقداً، أو إلى أجل، وهذا قول مالك، وأصحابه. وذهب أبو
حنيفة، والشافعيّ إلى أنه لا يَشفع إلى الأجل، وأنه إن شاء شفع بالنقد، وإن
شاء صبر إلى الأجل، فيشفع عنده(٢).
(وَإِنْ كَرِهَ) بفتح، فكسر، من باب تَعِبَ (تَرَلَكَ)))؛ أي: فهو بالخيار من
الأخذ والترك، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضًَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٢٠/٤٩ و٤١٢١ و٤١٢٢] (١٦٠٨)،
و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٢١٤) و((الشفعة)) (٢٢٥٧) و((الشركة)) (٢٤٩٥
(١) ((المفهم)) ٤ / ٥٢٧.
(٢) ((المفهم)) ٥٢٨/٤.

٩١
(٤٩) - بَابُ الشُّفْعَةِ - حديث رقم (٤١٢٠)
و٢٤٩٦) و((الحيل)) (٦٩٧٦)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٥١٢ و٣٥١٤)،
و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٧٠)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٣٢٠/٧)، و(ابن
ماجه) في ((الأحكام)) (٢٤٩٩)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٦٥/٢)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٤٣٨١ و١٤٣٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(١٦٤/٧ و١٦٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٥٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣١٢/٣ و٣٩٧ و٣٩٠/٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٥١٤)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥١٧٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢١٧١)، و(أبو القاسم البغوي)
في ((الجعديّات)) (٢٧٠١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤١٣/٣)، و(الطحاوي)
في ((شرح معاني الآثار)) (١٢٣/٤)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٨١/١)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٢٢/٤ و٢٢٣ و٢٢٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(١٠٥/٦ و١٠٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢١٧٢ و٢١٧٣)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ثبوت الشفعة للشريك، وهذا مما لا خلاف فيه، إلا ما شذّ
به أبو بكر الأصمّ حيث أنكرها، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية - إن
شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أنه لا ينبغي لمن له شريك أن يبيع نصيبه إلا بعد أن
يستأذن شريكه، فإن باع بدون استئذان، فلشريكه أن يأخذه بالعوض المسمّى.
٣ - (ومنها): مراعاة الشرع حقوق المسلمين، وحرمتهم، فجعل للشريك
على شريكه حقّاً في ملكه، بحيث لا يحلّ له بيعه إلا بإذنه؛ لأن فيه إدخالَ
ضرر عليه إذا باعه ممن لا يراعي حقوق الجوار، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أحكام الشفعة:
قد تقدّم أنهم مجمعون على مشروعية الشفعة في الجملة، إلا أبا بكر
الأصمّ، وقد اختلفوا في أشياء، قد فصّلها ابن قُدامة كَّتُ في كتابه الممتع
((المغني))، وأنا ألخّص ما تيسّر منه؛ تتميماً للفائدة، وتكميلاً للعائدة:
قال رَّتُ - عند قول الخرقيّ ◌َلُ: ولا تجب الشفعة، إلا للشريك

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
المقاسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِفت الظُّرُق فلا شفعة - ما حاصله:
وجملة ذلك: أن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك
المشتري بغير رضاء منه، وإجبار له على المعاوضة، مع ما ذكره الأصم، لكن
أثبتها الشرع لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا بشروط أربعة:
[أحدها]: أن يكون المُلك مشاعاً، غير مقسوم، فأما الجار، فلا شفعة
له، وبه قال عمر، وعثمان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب،
وسليمان بن يسار، والزهريّ، ويحيى الأنصاريّ، وأبو الزناد، وربيعة،
والمغيرة بن عبد الرحمن، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو
ثور، وابن المنذر.
وقال ابن شُبْرُمة، والثوريّ، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي: الشفعة
بالشركة، ثم بالشركة في الطريق، ثم بالجوار.
وقال أبو حنيفة: يُقَدَّم الشريكُ، فإن لم يكن، وكان الطريق مشتركاً،
كدَرْب لا ينفذ، تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب، والأقربِ، فالأقربِ، فإن لم
يأخذوا، ثبتت للملاصق من درب آخر خاصة.
وقال العنبري، وسوار: تثبت بالشركة في المال، وبالشركة في الطريق،
واحتجوا بما رَوَى أبو رافع ◌َُّبه قال: قال رسول الله وَله: ((الجار أحق
بصقبه))، رواه البخاريُّ، وأبو داود، والنسائيّ، ورَوَى الحسن، عن سمرة رُبه:
أن النبيّ وَلّ، قال: ((جار الدار أحق بالدار))، رواه الترمذيّ، وقال: حديث
حسن صحيح، ورَوَى الترمذيّ في حديث جابر ◌ُه: ((الجار أحق بداره،
بشفعته، يُنْتَظَرُ به إذا كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً))، وقال: حديث
حسن، ولأنه اتصال مُلك يدوم ويتأبّد، فتثبت الشفعة به كالشركة.
واحتجّ الأولون بقول النبيّ وَّه: ((الشفعة فيما لم يُقسَم، فإذا وقعت
الحدود، وصُرِفت الطرق فلا شفعة))، متّفقٌ عليه.
ورَوَى ابن جريج، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، أو عن أبي
سلمة، أو عنهما: قال: قال رسول الله وَل﴿ه: ((إذا قُسِمَت الأرضُ وحُدَّت، فلا
شفعة فيها))، رواه أبو داود، ولأن الشفعة ثبتت في موضع الوفاق، على خلاف
الأصل؛ لمعنى معدوم في محل النزاع، فلا ثبتت فيه، وبيان انتفاء المعنى: هو

٩٣
(٤٩) - بَابُ الشُّفْعَةِ - حديث رقم (٤١٢٠)
أن الشريك ربما دخل عليه شريك، فيتأذَّى به، فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته،
أو يطالب الداخل المقاسمة، فيدخل الضرر على الشريك، بنقص قيمة ملكه،
وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق، وهذا لا يوجد في المقسوم. فأما حديث
أبي رافع ظه، فليس بصريح في الشفعة، فإن الصَّقَب: القرب، يقال:
بالسين، والصاد، قال الشاعر:
كُوفِيَّةٌ نَازِعُ مَحِلَّتُهَا لَا أَمَمِّ دَارُهَا وَلَا صَقَبُ
فيَحْتَمِلُ أنه أراد به الإحسان بجاره، وَصِلته، وعيادته، ونحو ذلك،
وخبرنا صريح صحيح، فيُقَدَّم، وبقية الأحاديث في أسانيدها مقال، فحديث
سمرة ظه يرويه عنه الحسن، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة، قاله أصحاب
الذي
الحديث، قال ابن المنذر: الثابت عن رسول الله وَلقوله حديث جابر
رويناه، وما عداه من الأحاديث، فيها مقال، على أنه يَحْتَمِل أنه أراد بالجار
الشريك، فإنه جارٌ أيضاً، ويسمى كل واحد من الزوجين جاراً، قال الشاعر:
أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَةْ
قاله الأعشى، وتُسمَّى الضرّتان جارتين؛ لاشتراكهما في الزوج، قال
حمل بن مالك ظه: كنت بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى،
بِمِسْطَح، فقتلتها وجنينها، وهذا يمكن في تأويل حديث أبي رافع أيضاً. انتهى
كلام ابن قُدامة دَّثُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بعدم ثبوت الشفعة
للجار، وإنما هي قاصرة على الشريك فقط، هو الحقّ؛ لقوّة أدلّته، كما تقدّم
بيانه آنفاً .
(الشرط الثاني): أن يكون المبيع أرضاً؛ لأنها التي تبقى على الدوام،
ويدوم ضررها، وأما غيرها، فينقسم قسمين:
[أحدهما]: تثبت فيه الشفعة تبعاً للأرض، وهو البناء، والغراس، يباع
مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة، تبعاً للأرض، قال ابن قدامة: ولا نعرف فيه
بين من أثبت الشفعة خلافاً، وقد دل عليه قول النبيّ وَّر، وقضاؤه بالشفعة في
(١) ((المغني)) ٤٣٦/٧ - ٤٣٩.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
كل شِرْك، لم يُقْسَم: رَبْعَةٍ، أو حائط، وهذا يدخل فيه البناء، والأشجار.
[القسم الثاني]: ما لا تثبت فيه الشفعة تبعاً، ولا مفرداً، وهو الزرع،
والثمرة الظاهرة، تباع مع الأرض، فإنه لا يؤخذ بالشفعة مع الأصل، وبهذا
قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة، ومالك: يؤخذ ذلك بالشفعة مع أصوله؛ لأنه متصل بما
فيه الشفعة، فيثبت فيه الشفعة؛ تبعاً كالبناء والغراس.
وحجة الأولين أنه لا يدخل في البيع تبعاً، فلا يؤخذ بالشفعة، كقماش
الدار، وعكسه البناء والغراس، وتحقيقه أن الشفعة بيع في الحقيقة، لكن
الشارع جعل له سلطان الأخذ بغير رضى المشتري، فَإِنْ بِيعَ الشجر وفيه ثمرة
غير ظاهرة، كالطلع غير المؤبَّر، دخل في الشفعة؛ لأنها تتبع في البيع،
فأشبهت الغراس في الأرض، وأما ما بيع مفرداً من الأرض، فلا شفعة فيه،
سواء كان مما يُنقل، كالحيوان، والثياب، والسفن، والحجارة، والزرع،
والثمار، أو لا ينقل، كالبناء، والغراس، إذا بيع مفرداً، وبهذا قال الشافعيّ،
وأصحاب الرأي، ورُوي عن الحسن، والثوريّ، والأوزاعيّ، والعنبريّ،
وقتادة، وربيعة، وإسحاق: لا شفعة في المنقولات.
واختُلِف عن مالك، وعطاء، فقالا مرة كذلك، ومرة قالا: الشفعة في
كل شيء، حتى في الثوب، قال ابن أبي موسى: وقد رُوي عن أحمد رواية
أخرى: أن الشفعة واجبة فيما لا ينقسم، كالحجارة، والسيف، والحيوان، وما
في معنى ذلك، قال أبو الخطاب: وعن أحمد رواية أخرى: أن الشفعة تجب
في البناء، والغراس، وإن بيع مفرداً، وهو قول مالك؛ لعموم قوله الآتي :
((الشفعة فيما لم يُقْسَم))، ولأن الشفعة، وُضعت لدفع الضرر، وحصولُ الضرر
بالشركة فيما لا ينقسم، أبلغ منه فيما ينقسم، ولأن ابن أبي مليكة، رَوَى أن
النبيّ وَّ، قال: ((الشفعة في كل شيء)).
قال: ولنا أن قول النبيّ وَّ: ((الشفعة فيما لم يُقْسَم، فإذا وَقَعَت
الحدودُ، وصُرِفت الطرقُ فلا شفعة))، لا يتناول إلا ما ذكرناه، وإنما أراد ما لا
ينقسم من الأرض، بدليل قوله: ((فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق))، ولأن
هذا مما لا يتباقى على الدوام، فلا تجب فيه الشفعة، كصبرة الطعام، وحديثُ

٩٥
(٤٩) - بَابُ الشُّفْعَةِ - حديث رقم (٤١٢٠)
ابن أبي مليكة مرسل، لم يَرِد في الكتب الموثوق بها. انتهى كلام ابن
قُدامة ◌َخَذَلُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي ترجيح القول بثبوت الشفعة
في كلّ شيء؛ فقد أخرج الطحاويّ، في ((شرح معاني الآثار)) (١٢٥/٤، ١٢٦)
قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن أبي
حمزة السّكّريّ، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن ابن أبي مليكة، عن ابن
عباس ◌ًا، قال: قال رسول الله وَل: ((الشريك شفيع، والشفعة في كلّ
شيء))، ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح.
قال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عديّ، قال: ثنا ابن
إدريس، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر نَظُه، قال: ((قضى رسول الله وَلهم
بالشفعة في كلّ شيء)). انتهى. ورجاله أيضاً رجال الصحيح.
فقول صاحب ((المغني)): إن حديث ابن أبي مليكة مرسل لم يَرِد في الكتب
الموثوق بها غير صحيح، فقد ثبت مرفوعاً متّصلاً عند الطحاويّ، كما علمت.
والحاصل أن القول بتعميم الشفعة في كلّ شيء هو الحقّ، فتبصّر، والله
تعالى أعلم بالصواب.
(الشرط الثالث): أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن
قسمته من العَقار، كالحمّام الصغير، والرَّحَى الصغيرة، والعضادة، والطريق
الضيقة، والعراص الضيقة، فعن أحمد فيها روايتان:
[إحداهما]: لا شفعة فيه، وبه قال يحيى بن سعيد، وربيعة، والشافعيّ.
[والثانية]: فيها الشفعة، وهو قول أبي حنيفة، والثوريّ، وابن سُرَيج،
وعن مالك كالروايتين، ووجه هذا، عموم قوله وَلجر: ((الشفعة فيما لم يُقْسَم))،
وسائر الألفاظ العامة، ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة، والضرر في
هذا النوع أكثر؛ لأنه يتأبد ضرره، قال: والأول ظاهر المذهب؛ لما روي عن
النبيّ ◌َ﴿، أنه قال: ((لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة))، والمنقبة
الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب في ((رؤوس المسائل)).
(١) ((المغني)) ٤٣٩/٧ - ٤٤١.

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بثوت الشفعة فيما لا
يمكن قسمته هو الأرجح؛ لعموم الأدلّة، وأما ما رواه أبو الخطّاب، فإنه
يحتاج إلى النظر في إسناده، وقد أخرجه عبد الرزاق في ((مصنّفه)) (٨٧/٨)
مرسلاً، فتأمّل، والظاهر أنه لا يصلح للاحتجاج به، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(الشرط الرابع): أن يكون الشقص منتقلاً بعوض، وأما المنتقل بغير
عوض، كالهبة بغير ثواب، والصدقة، والوصية، والإرث، فلا شفعة فيه، في
قول عامّة أهل العلم، منهم: مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وحُكي عن
مالك رواية أخرى في المنتقل بهبة، أو صدقة أن فيه الشفعةَ، ويأخذه الشفيع
بقيمته، وحُكي ذلك عن ابن أبي ليلى؛ لأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر الشركة،
وهذا موجود في الشركة كيفما كان، والضرر اللاحق بالمتَّهِب، دون ضرر
المشتري؛ لأن إقدام المشتري على شراء الشِّقْص، وبذلِهِ ماله فيه، دليل حاجته
إليه، فانتزاعه منه أعظم ضرراً مِنْ أخذه ممن لم يوجد منه دليل الحاجة إليه.
واحتجّ الأولون بأنه انتقل بغير عوض، فأشبه الميراث، ولأن محلّ
الوفاق، هو البيع، والخبر ورد فيه، وليس غيره في معناه؛ لأن الشفيع يأخذه
من المشتري بمثل السبب الذي انتقل به إليه، ولا يُمكن هذا في غيره، ولأن
الشفيع يأخذ الشِّقْصَ بثمنه، لا بقيمته، وفي غيره يأخذه بقيمته، فافترقا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأولون من أنه لا شفعة في
المُنْتَقِلِ بغير عوض هو الأظهر عندي؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم.
قال: فأما المنتقل بعوض، فينقسم قسمين:
[أحدهما]: ما عِوَضه المال، كالبيع، فهذا فيه الشفعة بغير خلاف، وهو
في حديث جابر ◌َُّه: ((فإن باع، ولم يُؤْذِنْه، فهو أحقّ به))، وكذلك كلّ عقد
جرى مجرى البيع، كالصلح بمعنى البيع، والصلح عن الجنايات الموجبة
للمال، والهبة المشروط فيها ثوابٌ معلومٌ؛ لأن ذلك بيع ثبتت فيه أحكام البيع،
وهذا منها، وبه يقول مالكٌ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، إلا أن أبا حنيفة،
وأصحابه قالوا: لا تثبت الشفعة في الهبة المشروط فيها ثوابٌ، حتى يتقابضا؛
لأن الهبة لا تثبتُ إلا بالقبض، فأشبهت البيع بشرط الخيار.

٩٧
(٤٩) - بَابُ الشُّفْعَةِ - حديث رقم (٤١٢١)
وحجة الأولين أنه يملكها بعوض، هو مالٌ، فلم يفتقر إلى القبض في
استحقاق الشفعة، كالبيع، ولا يصحّ ما قالوه من اعتبار لفظ الهبة؛ لأن
العوض صَرَفَ اللفظ عن مقتضاه، وجعله عبارةً عن البيع، خاصّةً عندهم، فإنه
ينعقد بها النكاح الذي لا تصحّ الهبة فيه بالاتفاق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المذهب الأول هو الأرجح؛
لظهور متمسّكه، والله تعالى أعلم بالصواب.
[القسم الثاني]: ما انتقل بعوض، غير المال، نحو أن يجعل الشِّقص
مهراً، أو عِوَضاً في الخلع، أو في الصلح عن دم العمد، فقيل: لا شفعة فيه،
وبه قال الحسن، والشعبيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه عنهم ابن
المنذر، واختاره؛ لأنه مملوك بغير مال، فأشبه الموهوب، والموروث، وقيل:
تجب فيه الشفعة، وبه قال ابن شُبْرُمة، والحارث العكليّ، ومالك، وابن أبي
ليلى، والشافعيّ، واحتجوا بأنه مملوك بعقد معاوضة، فأشبه البيع. انتهى كلام
ابن قُدامة دَخَذَهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الأوّل هو الأظهر؛ لظهور
مُتَمَسَّكِهِ أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٢١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِبْنِ نُمَيْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ، قَالَ: ((قَضَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ، أَوْ
حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرََ، فَإِذَا
بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريباً.
(١) راجع: ((المغني)) لابن قدامة تقذفُ ٧/ ٤٣٦ - ٤٤٥.

٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨]
(ت١٩٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكرواً في الباب وقبله.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله ﴿ه، أنه (قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ وَلِ)؛ أي:
حَكَمَ، وأَلْزَم (بِالشَّفْعَةِ) بضمّ، فسكون: هي في اللغة الضمّ، والجمع،
وشرعاً: أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه من المشتري بما اشتراه به،
وذكر ابن فارس في ((مقاييس اللغة)) أن مادّة ((شفع)) تدلّ على مقارنة الشيئين،
ومنه الشفع خلاف الوتر، تقول: كان فرداً فشفعته، ومنه: ناقة شَفُوعٌ، وهي
التي تَجمَع بين مِحلبين في حلبة واحدة، ومنه: شفاعة الرجل لآخر؛ لأن
الشفيع يكون ثاني المشفوع له في تحصيل مطلبه، ومنه استُعيرت الكلمة لشُفعة
الدار والأرض؛ لأن الشفيع يضمّ الدار المشفوعة إلى ملكه. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قال أهل اللغة: الشفعة مِنْ شَفَعتُ الشيءَ: إذا
ضممته، وثَنَيْتَهُ، ومنه: شفع الأذان، وسُمِّيت شفعة؛ لضَمّ نصيب إلى نصيب.
(٢)
انتهى .
ونقل الطيبيّ تَُّ عن ((المغرب)» أن الشفعة اسم للملك المشفوع
بملكك، من قولهم: كان وتراً، فشفَعْته بآخر؛ أي: جعلته زوجاً له، ونظيره
الأُْلة، واللُّقْمة في أن كلّ واحدة منهما فُعْلةٌ بمعنى مفعول، هذا أصلها، ثمّ
جُعِلت عبارةً عن تملّكِ مخصوص، وقد جمعهما الشعبيّ في قوله: مَنْ بيعت
شُفعته، وهو حاضرٌ، فلم يطلُب ذلك، فلا شفعة له. انتهى (٢).
(فِي كُلِّ شِرْكَةٍ)؛ أي: في كلّ شيء مشترك، ولفظ الرواية التالية: ((في
كل شِرْك)) وهو مِنْ أشركته في البيع: إذا جعلته لك شريكاً، وفيه ثلاث لغات،
(١) ((مقاييس اللغة)) لابن فارس ٢٠١/٣، و((الجمهرة)) لابن دريد ٦٠/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٥/١١.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢١٩٧/٧.

٩٩
(٤٩) - بَابُ الشُّفْعَةِ - حديث رقم (٤١٢١)
كنظائره: ((شركةٌ)) بفتح، فكسر، و((شِرْكة))، بنقل كسرة الراء إلى الشين،
وتسكين الراء، و((شَرْكةٌ)) بفتح، فسكون، نظير كَلِمة، وكِلْمة، وكَلْمة.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: الشَّرْكُ: النصيب المشترك، وقد يقال على الشريك،
كقوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَّهُ شِرْكَاءَ(١) فِيمَا آتَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠]؛ أي: شريكاً،
قال: وهذا يدلّ على أن الشفعة إنما تُستَحقّ بالاشتراك في رقبة المُلك، لا
باستحقاق منفعة في المُلك، كممرّ طريق، ومسيل ماء، واستحقاق سُكنى؛ لأن
كلّ ذلك ليس بشرك. انتهى(٢).
وقال النوويّ كَّثُ: أجمع المسلمون على ثبوت الشفعة للشريك في
العَقار ما لم يُقْسَم، قال العلماء: الحكمة في ثبوت الشفعة إزالة الضرر عن
الشريك، وخُصّت بالعقار؛ لأنه أكثر الأنواع ضرراً، واتفقوا على أنه لا شفعة
في الحيوان، والثياب، والأمتعة، وسائر المنقول، قال القاضي: وشَذَّ بعض
الناس، فأثبت الشفعة في العُروض، وهي رواية عن عطاء، وتثبت في كل شيء
حتى في الثوب، وكذا حكاها عنه ابن المنذر، وعن أحمد رواية أنها تثبت في
الحيوان، والبناء المنفرد. انتهى(٣).
وقوله: (لَمْ تُقْسَمْ) قال القرطبيّ تَخْذُهُ: هذا يفيد أن الشفعة لا تجب إلا
بالجزء المشاع؛ الذي يتأتى إفرازه بالقسمة، فلا تجب فيما لا ينقسم،
كالحمَّام، والرَّحا، وفحل النخل، والبئر، وما أشبه ذلك مما لا ينقسم،
وأعني بكونه لا ينقسم: أنه لو فُسِمَ لبطلت المنفعة المقصودة منه قبل القَسْم،
كالحمّام إذا قُسِم بطل كونه حمّاماً، وكذلك الرَّحا، وهذا هو مشهور
المذهب(٤)، وقيل: تجري الشفعة في ذلك؛ لأنه وإن بطل كونه حمّاماً فيصح
أن ينقسم بيوتاً مثلاً، أو دكاكين، والظاهر الأول، وهو قول ابن القاسم؛ لأنه
يلزم من قَسْمه إفساد مالية عظيمة، وذلك ضرر عظيم فيُدفع. انتهى(٥)، وقد مرّ
(١) بكسر الشين، وسكون الراء، وهي قراءة نافع، وأبي بكر عن عاصم، كما قاله
السمين الحلبي.
(٢) ((المفهم)) ٥٢٣/٤ - ٥٢٤.
(٤) يعني: المذهب المالكيّ.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤٥/١١ - ٤٦.
(٥) («المفهم)» ٤ /٥٢٤.

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة من شرح الحديث الماضي.
(رَبْعَةٍ، أَوْ حَائِطٍ) وفي الرواية التالية: ((الشفعة في كلّ شرك في أرض، أو
رَبْعٍ، أو حائط))، قال القرطبيّ: الرواية الصحيحة فيه بخفض ((ربعةٍ))، وما
بعده، على البدل، من ((كل شركة))، فهو تفسير له، وتقیید.
و((الرَّبْعَة)) - بفتح الراء، وسكون الموحّدة -: تأنيث الرَّبْع: وهو المنزل،
ويُجمع على رُبوع، وإنما قيل للمنزل: رَبْعٌ؛ لأن الإنسان يربع فيه؛ أي: يُقیم،
يقال: هذه رَبْعٌ، وهذه رَبْعَةٌ، كما يقال: دارٌ، ودارة، ثم سُمّي به الدار،
والمسكن.
و((الحائط)): بستان النخل، و((الأرض)): يعني بها البَرَاح الذي لا سَكَنَ
فيها، ولا شجر، وإنما هي مُعَدَّةٌ للزراعة. انتهى كلام القرطبيّ تَظّهُ(١) .
وقال النوويّ تَخْذَّتُهُ: ((الرَّبْعَةُ))، و((الرَّبْعُ)) - بفتح الراء، وإسكان الباء -،
والربع: الدار، والمسكن، ومُطْلَق الأرض، وأصله المنزل الذي كانوا يرتبعون
فيه، والربعة: تأنيث الربع، وقيل: واحده، والجمع الذي هو اسم الجنس:
رَبْعٌ، کتمرة وتمر. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: وقد دلَّ هذا الحديث على أن الشفعة إنما تُسْتَحقّ
في العقار المشترك الذي يَقبَل القسمة، وهذا هو المحلّ المتفق على وجوب
الشفعة فيه، واختُلِف فيما عدا ذلك، فذهب بعض المكيين إلى وجوبها في كل
شيء من العقار، والحيوان، والعُروض، والأطعمة، وإليه ذهب عطاء في
إحدى الروايتين عنه معتمداً في ذلك على ما خرَّجه الترمذيّ من حديث ابن
عباس ◌ّ مرفوعاً: ((الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء))، ورَوَى الطحاويّ
نحوه عن جابر مرفوعاً، ومُتمسِّكاً في ذلك بقياس غير العقار عليه، بعلَّة وجود
الاشتراك، ولا حجة في ذلك؛ لأن الحديث ليس بصحيح الإسناد، وإنما
صحيحه مرسل، ولو سلّمنا صحته، لكنه مقيّد بما ذكرناه من قوله: ((ربعةٍ، أو
حائطٍ، أو أرضٍ))، ومثل هذا التقييد متفق على قبوله عند أهل الأصول؛ لأنه
قد اتفق فيه الموجِب والموجَب، وبدليل قوله ◌َّه: ((إنما الشفعة فيما لم يُقْسَم،
(١) «المفهم)) ٤ / ٥٢٤.