Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ (٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال هو ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط كونه مؤجّلاً؛ لظاهر قوله وَليقول: ((إلى أجل معلوم))، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [الموضع الثاني]: مما اختلفوا فيه أيضاً: أنه لا بد من كون الأجل معلوماً؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقول النبيّ وَّ: ((إلى أجل معلوم))، قال ابن قُدامة كَُّهُ: ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة اختلافاً، فأما كيفيته، فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه لا يختلف، ولا يصح أن يؤجله بالحصاد، والجذاذ، وما أشبهه، وكذلك قال ابن عباس، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وابن المنذر، وعن أحمد رواية أخرى: أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال مالك، وأبو ثور، وعن ابن عمر: أنه كان يبتاع إلى العطاء، وبه قال ابن أبي ليلى، وقال أحمد: إن كان شيء يُعرف، فأرجو، وكذلك إن قال: إلى قُدُوم الغزاة، وهذا محمول على أنه أراد وقت العطاء؛ لأن ذلك معلوم، فأما نفس العطاء، فهو في نفسه مجهول، يختلف، ويتقدم، ويتأخر، ويَحْتَمِل أنه أراد نفس العطاء؛ لكونه يتفاوت أيضاً، فأشبه الحصاد، واحتَجّ من أجاز ذلك، بأنه أجل يتعلق بوقت من الزمن، يُعرف في العادة، لا يتفاوت فيه تفاوتاً كثيراً، فأشبه إذا قال: إلى رأس السنة. واحتجّ الأولون بما رُوي عن ابن عباس ﴿ّ: أنه قال: ((لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم))؛ ولأن ذلك يختلف، ویقرب ویبعد، فلا يجوز أن یکون أجلاً، کقدوم زيد. [فإن قيل]: فقد رُوي عن عائشة ◌َّا، أنها قالت: ((إن رسول الله وَّه) بَعَث إلى يهوديّ: أن ابعث إليّ بثوبين إلى الميسرة)). [قلنا]: قال ابن المنذر: رواه حَرَمِيّ بن عُمارة، قال أحمد: فيه غفلة، وهو صدوق، قال ابن المنذر: فأخاف أن يكون من غفلاته، إذ لم يُتَابَع عليه، ثم لا خلاف في أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث المذكور أخرجه النسائيّ في ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ((سننه))، وهو حديث صحيح، كما بيّنته في ((شرح النسائيّ)) (١)، فالظاهر أن الحديث يدلّ لمن قال بجواز السلم إلى العطاء، ونحوه، مما يُعْلَم عادة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: إذا جعل الأجل إلى شهر، تعلّق بأوله، وإن جعل الأجل اسماً يتناول شيئين: كجمادى، وربيع، ويوم النفر، تعلق بأولهما، وإن قال: إلى ثلاثة أشهر: إلى انقضائها؛ لأنه إذا ذكر ثلاثة أشهر مبهمة، وجب أن يكون ابتداؤها من حين لفظه بها، وكذلك لو قال: إلى شهر كان آخره، وينصرف ذلك إلى الأشهر الهلالية، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ الَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ الآية [التوبة: ٣٦]، وأراد الهلالية، وإن كان في أثناء شهر، كمّلنا شهرين بالهلال، وشهراً بالعدد ثلاثين يوماً، وقيل: تكون الثلاثة كلها عددية، قاله الموفّق ◌َّتُهُ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [الأمر الثالث]: في كون الأجل معلوماً بالأهلة، وهو أن يُسلم إلى وقت يُعلم بالهلال، نحو أول الشهر، أو أوسطه، أو آخره، أو يوم معلوم منه؛ لقول الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]، ولا خلاف في صحة التأجيل بذلك، ولو أسلم إلى عيد الفطر، أو النحر، أو يوم عرفة، أو عاشوراء، أو نحوها جاز؛ لأنه معلوم بالأهلة، وإن جعل الأجل مقدَّراً بغير الشهور الهلالية، فذلك قسمان: [أحدهما]: ما يعرفه المسلمون، وهو بينهم مشهور، ككانون، وشباط، أو عيد لا يختلف، كالنيروز، والمهرجان عند من يعرفهما، فظاهر كلام الخرقيّ، وابن أبي موسى، أنه لا يصح؛ لأنه أسلم إلى غير الشهور الهلالية، أشبه إذا أسلم إلى الشعانين، وعيد الفطير؛ لأن هذه لا يعرفها كثير من المسلمين، أشبه ما ذكرنا، وقال القاضي: يصح، وهو قول الأوزاعيّ، والشافعيّ، قال الأوزاعيّ: إذا أسلم إلى فصح النصارى، وصومهم جاز؛ لأنه (١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٢٤/٣٥ - ١٢٧. (٢) ((المغني)) ٤٠٤/٦. ٦٣ (٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١١) معلوم لا يختلف، أشبه أعياد المسلمين، وفارق ما يختلف، فإنه لا يعلمه المسلمون. [القسم الثاني]: ما لا يعرفه المسلمون، كعيد الشعانين، وعيد الفطير، ونحوهما، فهذا لا يجوز السلم إليه؛ لأن المسلمين لا يعرفونه، ولا يجوز تقليد أهل الذمة فيه؛ لأن قولهم غير مقبول، ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم، لا يعرفه المسلمون، وإن أسلم إلى ما لا يختلف، مثل كانون الأول، ولا يعرفه المتعاقدان، أو أحدهما لم يصح؛ لأنه مجهول عنده، قاله الموفّق أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في الكلام على الشرط الخامس: وهو كون المُسْلَم فيه عامّ الوجود في محله، قال الموفّق تَخَّتُهُ: ولا نعلم فيه خلافاً، وذلك لأنه إذا كان كذلك، أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه، وإذا لم يكن عام الوجود، لم يكن موجوداً عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه، فلم يصح بيعه، كبيع الآبق، بل أولى، فإن السلم احتُمِل فيه أنواٌ من الغرر للحاجة، فلا يُحتَمل فيه غرر آخر؛ لئلا يكثر الغرر فيه، فلا يجوز أن يسلم في العنب، والرطب، إلى شباط أو آذار، ولا إلى محل لا يُعلم وجوده فيه، كزمان أول العنب، أو آخره، الذي لا يوجد فيه إلا نادراً، فلا يؤمَن انقطاعه. ولا يجوز أن يُسلم في ثمرة بستان بعينه، ولا قرية صغيرة؛ لكونه لا يؤمَن تلفه وانقطاعه. قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، كالإجماع من أهل العلم، وممن حفظنا عنه ذلك: الثوريّ، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وإسحاق، قال: ورَوينا عن النبيّ وَله: أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير، في تمر مسمى، فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان، فقال النبيّ وَّر: ((أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيلٌ مسمى، إلى أجل مسمى))، رواه ابن ماجه (١) وغيره، ورواه أبو إسحاق الجوزجانيّ في ((المترجم))، وقال: أجمع الناس على الكراهة لهذا (١) رواه ابن ماجه في ((سننه)) ٧٦٦/٢، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده الوليد بن مسلم، وهو معروف بالتدليس، وقد رواه بالعنعنة. ٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع البيع، ولأنه إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، لم يؤمَن انقطاعه وتلفه، فلم يصح كما لو أسلم في شيء، قدّره بمكيال معين، أو صنجة معينة، أو أحضر خرقة، وقال: أسلمت إليك في مثل هذه. [تنبيه]: لا يُشترط كون المُسْلَم فيه موجوداً، حال السَّلَم، بل يجوز أن يسلم في الرُّطَب في أوان الشتاء، وفي كل يوم معدوم، إذا كان موجوداً في المحلّ، وهذا قول مالك، والشافعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، وقال الثوريّ، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي: لا يجوز حتى يكون جنسه موجوداً حال العقد إلى حين المحلّ؛ لأن كل زمن يجوز أن يكون محلًّ للمُسْلَم فيه؛ لموت المُسْلَم إليه، فاعتبر وجوده فيه كالمحلّ. واحتجّ الأولون بأن النبيّ وَّ، قدم المدينة، وهم يُسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم))، ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطاً لذكره، ولنهاهم عن السلف سنتين؛ لأنه يلزم منه انقطاع المُسْلَم فيه أوسط السنة، ولأنه يثبت في الذمة، ويوجد في محله غالباً، فجاز السلم فيه كالموجود، ولا نُسَلِّم أن الدَّين يَحُل بالموت، وإن سلَّمنا فلا يلزم أن يُشترط ذلك الوجود، إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال السلم مجهولة، والمحل ما جعله المتعاقدان محلّاً، وههنا لم يجعلاه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الأولون هو الأرجح؛ لأن النبيّ وَّ حينما بيّن لهم التعامل الصحيح في السلم لم يستفصلهم ذلك، فدلّ على أنه يجوز، ولو كان ينقطع في بعض الأحيان، فإن الشرط وجوده وقت حلول الأجل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: إذا تعذر تسليم المُسْلَم فيه عند المحلّ، إما لغيبة المسلم إليه، أو عجزه عن التسليم، حتى عُدم المسلم فيه، أو لم تَحْمِل الثمار تلك السنة، فالْمُسْلِم بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد، فيطالب به، وبين أن يفسخ العقد، ويرجع بالثمن، إن كان موجوداً، أو بمثله إن كان مثليّاً، وإلا بقيمته، وبه قال الشافعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، وقيل: إنه ينفسخ العقد بنفس التعذر؛ لكون المُسْلَم فيه من ثمرة العام، بدليل وجوب التسليم منها، فإذا هلكت انفسخ العقد، كما لو باعه قفيزاً من صبرة، فهلكت، والأول هو ٦٥ (٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١١) الصحيح، فإن العقد قد صح، وإنما تعذر التسليم، فهو كما لو اشترى عبداً، فأبق قبل القبض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): في الكلام على الشرط السادس: وهو أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة، وأكثر ما لم يكن ذلك شرطاً؛ لأنه معاوضة لا يخرج بتأخير قبضه من أن يكون سَلَماً، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس. وحجة الأولين: أنه عقد معاوضة لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق، فلا يجوز التفرق فيه قبل القبض كالصرف، ويفارق المجلس ما بعده بدليل الصرف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما قاله مالك كَّلُ هو الظاهر؛ لأنه لم يرد نصّ باشتراط القبض، وما ذكروه من الاستدلال ليس بواضح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة عشرة): في اختلافهم في اشتراط معرفة صفة الثمن المعيّن : قال الموفّق تَخْتُ: لا خلاف في اشتراط معرفة صفته، إذا كان في الذمة؛ لأنه أحد عِوَضَي السَّلَم، فإذا لم يكن معيّناً اشتُرِط معرفة صفته كالمُسْلَم فيه، إلا أنه إذا أطلق، وفي البلد نقد معيّن، انصرف الإطلاق إليه، وقام مقام وصفه، فأما إن كان الثمن معيناً، فقال القاضي وأبو الخطاب: لا بد من معرفة وصفه، واحتجا بقول أحمد تَخْذُّ يقول: أسلمت إليك كذا وكذا درهماً، ويصف الثمن، فاعتبر ضبط صفته، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة؛ لأنه عقد لا يملك إتمامه في الحال، ولا تسليم المعقود عليه، ولا يؤمَن انفساخه، فوجب معرفة رأس المُسْلَم فيه ليردّ بدله كالقرض والشركة، ولأنه لا يؤمَن أن يظهر بعض الثمن مستحقّاً، فينفسخ العقد في قَدْره، فلا يُدْرَى في كم بقي، وكم انفسخ . وقيل: لا يشترط؛ لأنه لم يُذكر في شرائط السلم، وهو أحد قولي الشافعيّ؛ لأنه عِوَضٌ مشاهَد، فلم يُحتجْ إلى معرفة قَدْره، كبيوع الأعيان. ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الثاني أرجح؛ لقول النبيّ ◌َّ: ((من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))، ولم يذكر معرفة ذلك، فلو كان لازماً لَمَا تركه وَّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة عشرة): في اختلافهم في اشتراط تعيين مكان الإيفاء: ذهب بعضهم إلى أنه ليس بشرط، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وطائفة من أهل الحديث، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وهو أحد قولي الشافعيّ؛ لقول النبيّ وَّر: ((من أسلم فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم))، ولم يذكر مكان الإيفاء، فدل على أنه لا يشترط، وفي الحديث الذي فيه: أن اليهوديّ أسلم إلى النبيّ وَّ، فقال النبيّ وَّ: ((أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى))(١)، ولم يذكر مكان الإيفاء، ولأنه عقد معاوضة، فلا يُشترط فيه ذكر مكان الإيفاء، كبيوع الأعيان. وقال الثوريّ: يُشترط ذكر مكان الإيفاء، وهو القول الثاني للشافعيّ، وقال الأوزاعيّ: هو مكروه؛ لأن القبض يجب بحلوله، ولا يُعلم موضعه حينئذٍ، فيجب شرطه؛ لئلا يكون مجهولاً . وقال أبو حنيفة، وبعض أصحاب الشافعيّ: إن كان لحمله مؤنة وجب شرطه، وإلا فلا يجب؛ لأنه إذا كان لحمله مؤنة، اختلف فيه الغرض، بخلاف ما لا مؤنة فيه. وقال ابن أبي موسى: إن كانا في برّية لزم ذكر مكان الإيفاء، وإن لم يكونا في برّية، فذِكْرُ مكان الإيفاء حسن، وإن لم يذكراه كان الإيفاء مكان العقد؛ لأنه متى كانا في برّية، لم يمكن التسليم في مكان العقد، فإذا ترك ذِكْره كان مجهولاً، وإن لم يكونا في برّية اقتضى العقد التسليم في مكانه، فاكتفى بذلك عن ذكره، فإنْ ذَكَره كان تأكيداً فكان حسناً، فإنْ شرط الإيفاء في مكان سواه صح؛ لأنه عقد بيع، فصح شرط ذِكْر الإيفاء في غير مكانه، كبيوع الأعيان. (١) تقدّم أن الحديث ضعيف، فتنبّه. ٦٧ (٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١٢) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول وهو عدم اشتراط مكان الإيفاء أرجح؛ لقوّة أدلته، كما سبق آنفاً . هذه خلاصة ما يتعلّق بحديث: ((من أسلف سلفاً، فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))، فهي تفريعٌ، وتفصيل لهذه الشروط المذكورة فيه، فالكلام، وإن طال إلا أن المقام اقتضى ذلك؛ لأن المقصود من الشرح إيضاح معاني الأحاديث المذكورة في الكتاب، على وجه مفيد، وهذا يكون على حسب مفاهيم الأحاديث، فبهذا أعتذر إلى من يقول لي طوّلت، وأسأمت، اللَّهم انفعنا بما علّمتنا، وعلِّمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً، إنك جواد كريم، رؤوف رحيم. وصلّى الله، وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١١٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا عبد الوَارِثِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِوَِّ، وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَسْلَفَ فَلَا يُسْلِفْ إِلَّا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزٍْ مَعْلُومٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت٢٣٦) وله بضع و(٩٠) سنة (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ / ١٥٧. ٢ - (عبد الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عبيدة التَُّّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨/ ١٧٦. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تم البحث فيه مستوفَى في الحديث السابق، وبالله تعالى التوفيق. ٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١١٣] (.) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثٍ عبد الوَّارِثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الصائغ البغداديّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (م) تقدم في ((الحيض)) ٧٤٨/١٠. والباقون ذكروا في الباب، وقبله. وقوله: (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) كذا وقع في النسخ، والصواب: ((عن ابن عُليّة))، قال النوويّ كَّلهُ: هكذا هو في نسخ بلادنا: ((عن ابن عيينة))، وكذا وقع في رواية أبي أحمد الْجُلُوديّ، ووقع في رواية ابن ماهان، عن مسلم، عن شيوخه هؤلاء الثلاثة: عن ابن عُلَيّة، وهو إسماعيل بن إبراهيم، قال أبو عليّ الغسانيّ، وآخرون من الحفاظ: والصواب رواية ابن ماهان، قالوا: ومن تأمل الباب عَرَف ذلك، قال القاضي عياض: لأن مسلماً ذكر أوّلاً حديث ابن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، وفيه ذكر الأجل، ثم ذكر حديث عبد الوارث، عن ابن أبي نَجِيح، وليس فيه ذكر الأجل، ثم ذكر حديث ابن عُلَيّة، عن ابن أبي نَجِيح، وقال: بمثل حديث عبد الوارث، ولم يذكر: ((إلى أجل معلوم))، ثم ذكر حديث سفيان الثوريّ، عن ابن أبي نَجِيح، وقال: بمثل حديث ابن عيينة، يذكر فيه الأجل. انتهى. والحاصل أن الصواب في هذا الإسناد: ((عن ابن عُليّة))، وأما ابن عيينة، فهو الذي ذُكر في أول حديث الباب، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: رواية ابن عُليّة عن ابن أبي نَجِيح هذه ساقها البخاريّ في (صحیحه)، فقال: (٢١٢٤) - حدّثنا عمرو بن زرارة، أخبرنا إسماعيل ابن عُلَيّة، أخبرنا ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس ﴿يا قال: قَدِمَ رسول الله وَّهُ المدينةَ، والناسُ يُسْلِفُون في الثمر العامَ والعامين، أو قال: ٦٩ (٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١٤) عامين، أو ثلاثةً - شك إسماعيل - فقال: ((من سلف في تمر، فَلْيُسْلِف في كيل معلوم، ووزن معلوم)). انتهى، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤١١٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، بِإِسْنَادِهِمْ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، يَذْكُرُ فِيهِ: ((إِلَى أَجَلِ مَعْلُوم))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قريباً . ٢ - (عبدُ الرحمنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) العَنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ناقد بصير [٩] (١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل بابين، و((أبو كريب)) هو: محمد بن العلاء، و((سفيان)): هو الثوريّ، و((ابن أبي نَجِيح)) هو: عبد الله بن يسار. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن ابن أبي نَجِيح هذه ساقها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: (٢٢٥٣) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي الْمِنهال، عن ابن عباس ﴿ه قال: قَدِمَ النبيّ ◌َِّل المدينةَ، وهم يُسلِفون في الثمار السنتين، والثلاثَ فقال: ((أَسْلِفُوا في الثمار، في كيل معلوم، إلى أجل معلوم))، وقال عبد الله بن الوليد: حدّثنا سفيان، حدّثنا ابن أبي نَجِيح، وقال: ((في كيل معلوم، ووزن معلوم)). انتهى. وساقها البيهقيّ في ((الكبرى)) (١٩/٦) فقال: (١٠٨٧٣) - أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ سليمان بن أحمد بن أيوب الحافظ، ثنا ابن أبي مريم، ثنا الفِرْيابيّ (ح) قال: وأنبأ سليمان، ثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم (ح) وأنبأ أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو جعفر ٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع محمد بن صالح بن هانئ، ثنا السريّ بن خزيمة، ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قَدِمَ رسول الله وَّ المدينةَ، وهم يُسلِفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله وَلفيه: ((أَسلِفوا في الثمار، في كيل معلوم، إلى أجل معلوم))، لفظ حديث أبي نعيم، وحديث الفِرْيابيّ مثله، إلا أنه قال: ((في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (٤٧) - (بَابُ تَحْرِيمِ الإِحْتِكَارِ(١)) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخّْتُهُ أوّل الكتاب قال: [٤١١٥] (١٦٠٥) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ مَعْمَراً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌّ))، فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَراً الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتکِرُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) تقدّم قريباً . ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. (١) ترجم النوويّ بقوله: ((بابُ تحريم الاحتكار في الأقوات))، وقوله: ((في الأقوات)) فيه نظر لا يخفى؛ لأنه من تقييد الحديث بالمذهب، فإن حديث الباب مطلق، لم يُذكر فيه («الأقوات))، فلا ينبغي تقييده به، والمسألة فيها خلاف، كما سأبيّنه بعد. والمذهب الصحيح هو الذي أطلق التحريم على مقتضى ظاهر النصّ، وقد أطلق الترجمة القرطبيّ في ((المفهم))، فقال: ((باب النهي عن الْحُكرة))، فأجاد كَثُ، وقد قدَّمت في أكثر من موضع أنه لا ينبغي تقييد إطلاق الأحاديث بالمذهب إلا إذا جاء دليل صريح يلجىء إلى التأويل، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٧١ (٤٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الإِحْتِكَار - حديث رقم (٤١١٥) ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم قريباً. ٥ - (مَعْمَرُ) بن عبد الله بن نافع بن نَضْلَة العدويّ، وهو ابن أبي معمر صحابيّ كبير، من مهاجري الحبشة (م د ت ق) تقدم في ((البيوع)) ٤٠٧٣/٣٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد. أنه مسلسل بالمدنيين من أوله إلى آخره، والقعنبيّ، وإن كان بصريّاً، إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أن صحابيّه، وإن كان من أكابر الصحابة إلا أنه قليل الرواية، فليس له في الكتب إلا حديثان فقط، هذا عند المصنّف وأبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وحديث: ((الطعامُ بالطعام مثلاً بمثل))، عند المصنّف وحده، وقد مضى في محلّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ مَعْمَراً) هو ابن عبد الله الْعَدَويّ ◌َظُه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنٍ) شرطيّة (احْتَكَرَ) بالبناء للفاعل، يقال: احتَكَر زيد الطعامَ: إذا حبسه إرادة الغلاء، والاسم: الْحُكْرة - بضمّ، فسكون - مثلُ الْفُرْقة، من الافتراق، والْحَكْرُ - بفتحتين، وإسكان الكاف - لغة بمعناه، قاله الفيّومِيّ ◌َُّ(١). (فَهُوَ خَاطِئٌ))) وفي رواية: ((لا يَحتكر إلا خاطئ))، قال أهل اللغة: الخاطئ بالهمز: هو العاصي الآثم، قال القرطبيّ تَّثُهُ: ((خاطىءٌ)) اسم فاعل من خَطِىءَ - بكسر العين، وهمزة اللام - يَخطأ - بفتح العين - خِظْئاً في المصدر - بكسر الفاء، وسكون العين -: إذا أَثِمَ في فعله، على وزن عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْماً، والاسم منه: الْخَطَأُ - بفتح الخاء، والطاء - وأخطأ: إذا سلك سبيل (١) ((المصباح المنير)) ١٤٥/١. ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع الخطإ عامداً، أو غير عامد، قاله أبو عبيد، وقال: سمِعتُ الأزهريّ يقول: خَطِئْ: إذا تعمّد، وأخطأ: إذا لم يتعمّد، إخطاء، وخِظْئاً، والْخَطأُ الاسم. انتهى(١). وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: ((الخَطَأُ)) مهموزٌ - بفتحتين -: ضدّ الصواب، ويُقْصَر، ويمدّ، وهو اسم من أَخْطَأَ فهو مُخْطِئٍّ، قال أبو عبيدة: خَطِئَ خِطْئاً، من باب عَلِمَ، وأَخْطَأَ بمعنى واحدٍ لمن يُذنب على غير عمد، وقال غيره: خَطِئَ في الدين، وأَخْطَأَ في كلّ شيء، عامداً كان، أو غير عامد، وقيل: خَطِئَ: إذا تعمد ما نُهِي عنه، فهو خَاطِئٌّ، وأَخطأً: إذا أراد الصواب، فصار إلى غيره، فإن أراد غير الصواب، وفَعَلَهُ قيل: قَصَدَه، أو تَعَمَّده، والْخِطْءُ: الذنب؛ تسميةً بالمصدر. انتهى(٢). وقال النوويّ كَّلُهُ: وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار، قال أصحابنا: الاحتكار المحرَّم هو الاحتكار في الأقوات خاصّةً، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحال، بل يَدَّخِره ليغلوَ ثمنه، فأما إذا جاء من قريته، أو اشتراه في وقت الرخص، وادَّخَره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار، ولا تحريمَ فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، قال: هذا تفصيل مذهبنا . قال العلماء: والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام، واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره أُجبر على بيعه؛ دفعاً للضرر عن الناس. انتهى كلام النوويّ ◌َخْذُهُ(٣). وقال القرطبيّ تَخْتُ: وهذا الحديث بحكم إطلاقه، أو عمومه يدلّ على منع الاحتكار في كل شيء، غير أن هذا الاطلاق قد تقيّد، أو العموم قد تخصص بما قد فعله النبيّ وَّ، فإنَّه قد ادَّخَر لأهله قوت سنتهم، ولا خلاف (١) ((المفهم)) ٤/ ٥٢٠. (٣) (شرح النوويّ)) ٤٣/١١. (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧٤. ٧٣ (٤٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الإِحْتِكَار - حديث رقم (٤١١٥) في أن ما يدّخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت، وما يحتاجون إليه جائز لا بأس به، فإذاً مقصود هذا منع التجار من الادخار، وإذا ظهر ذلك: فهل يُمنعون من ادِّخار كل شيء مطلقاً، أو إنما يُمنعون من ادخار كل شيء من الأقوات، والحيوان، والعلوفة، والسَّمن، واللَّبن، والعسل، وغير ذلك - أضرّ بالناس أو لم يضر - إذا اشتري في أسواقهم، كما قاله ابن حبيب أخذاً بعموم الخبر أو بإطلاقه؟ أو إنما يمنعون من ادِّخار ما يضر بالناس ادِّخاره عند الحاجة إليه من الأقوات؟ وهو قول أبي حنيفة والشافعيّ، وهو مشهور مذهب مالك، وحملوا النهي على ذلك. قال القرطبيّ: وهذا هو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لأن ما لا يضر بالناس شراؤه، واحتكاره لا يُخَطّأ مشتريه بالاتفاق، ثم إذا اشتراه وصار ملكه فله أن يحتكره، أو لا يحتكره، ثم قد يكون احتكار ذلك مصلحة ينتفع بها في وقت آخر، فلعل ذلك الشيء ينعدم، أو يقلّ، فتدعو الحاجة إليه، فيوجد، فترتفع المضرّة، والحاجة بوجوده، فيكون احتكاره مصلحة، وترك احتكاره مفسدة . وأما الذي ينبغي أن يُمنع: ما يكون احتكاره مضرة بالمسلمين، وأشدُّ ذلك في الأقوات؛ لعموم الحاجة، ودعاء الضرورة إليها؛ إذ لا يُتصور الاستغناء عنها، ولا يتنزل غيرها منزلتها، فإن أبيح للمحتكرين شراؤها ارتفعت أسعارها، وعزّ وجودها، وشَخَّت النفوس بها، وحَرَصت على تحصيلها، فظهرت الفاقات، والشدائد، وعمّت المضار، والمفاسد، فحينئذ يظهر أن الاحتكار من الذنوب الكبار. وكل هذا فيمن اشترى من الأسواق، فأمَّا من جلب طعاماً؛ فإن شاء باع، وإن شاء احتكر، ولا يُعْرَض له إلا إن نزلت حاجة فادحة، وأمر ضروريّ بالمسلمين، فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته، فإن لم يفعل أُجبر على ذلك، إحياءً لِلْمُهَج، وإبقاءً للرَّمق، وأما إن كان اشتراه من الأسواق، واحتكره، وأضرّ بالناس؛ فيشترك فيه الناس بالسعر الذي اشتراه به. انتهى (١). (١) ((المفهم)) ٥٢٠/٤ - ٥٢١. ٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع (فَقِيلَ لِسَعِيدٍ) بن المسيِّب (فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟) أي: مع أنك تحدّث بهذا الحديث، قال القرطبيّ تَخّثُ: يدلّ على أنهم كانوا لا يتسامحون في ترك العمل بما يرؤُونه من الحديث، وجواب سعيد أن معمراً كان يحتكر دليل على أن العموم يخصَّص بمذهب الرَّاوي، وقد أوضحنا هذه الطريقة، في الأصول، وذلك منهم محمول على أنهم كانوا يحتكرون ما لا يضرّ بالناس؛ كالزيت، والأُدم، والثياب، ونحو ذلك. انتهى(١). (قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَراً الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ)؛ يعني: أن الصحابيّ راوي هذا الحديث كان يحتكر مع كونه يُحدّث بهذا الحديث؛ لأنه حمل الاحتكار الممنوع على احتكار الأقوات، لا على احتكار غيره. قال النووي: وأما ما ذُكر في الكتاب عن سعيد بن المسيِّب، ومعمر راوي الحديث، أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر وآخرون: إنما كان يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء، وكذا حمله الشافعيّ، وأبو حنيفة، وآخرون، وهو الصحيح. انتهى كلام النوويّ تَخْذُ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معمر بن عبد الله العدويّ ظُه هذا من أفراد المصنّف رَحْالْهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١١٥/٤٧ و٤١١٦ و٤١١٧] (١٦٠٥)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٤٤٧)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٦٧)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢١٥٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٣/٨، ٢٠٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠٢/٦) و((مسنده)) (١٦٩/٢)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٦٤/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٥٣/٣ و٤٥٤)، و(الدارميّ) في (١) ((المفهم)) ٥٢١/٤ - ٥٢٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٤٣/١١. ٧٥ (٤٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الِاخْتِكَار - حديث رقم (٤١١٥) ((سننه)) (٢٤٨/٢، ٢٤٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٩٣٦)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٤/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٣/٣)، و(الطبرانيّ) في (الأوسط)) (١٩١/٤ و١٢٠/٨) و((الكبير)) (٤٤٥/٢٠ -٤٤٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩/٦، ٣٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢١٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاحتكار: قال العلامة ابن قدامة ◌َظْلُ: والاحتكار المحرَّم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط : [أحدها]: أن يشتري، فلو جلب شيئاً، أو أدخل من غلته شيئاً، فادّخره لم يكن محتكراً، روي عن الحسن، ومالك، وقال الأوزاعيّ: الجالب ليس بمحتكر؛ لقوله: ((الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون)) (١)، ولأن الجالب لا يُضَيِّق على أحد، ولا يضر به، بل ينفع، فإن الناس إذا عَلِموا عنده طعاماً مُعَدّاً للبيع كان ذلك أطيب لقلوبهم. [الثاني]: أن يكون الْمُشْترَى قوتاً، فأما الإدام، والحلواء، والعسل، والزيت، وأعلاف البهائم فليس فيها احتكار محرَّم، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن أيّ شيء الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس، فهو الذي يُكره، وهذا قول عبد الله بن عمرو، وكان سعيد بن المسيِّب، وهو راوي حديث الاحتكار يحتكر الزيت، قال أبو داود: وكان يحتكر النوى، والخبَط، والبزر، ولأن هذه الأشياء مما لا تعمّ الحاجة إليها، فأشبهت الثياب، والحيوانات. [الثالث]: أن يُضيّق على الناس بشرائه، ولا يحصل ذلك إلا بأمرين: (أحدهما): أن يكون في بلد يَضِيق بأهله الاحتكار، كالحرمين، والثغور، قال أحمد: الاحتكار في مثل مكة، والمدينة، والثغور، فظاهر هذا أن البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب، كبغداد، والبصرة، ومصر لا يحرم فيها الاحتكار؛ لأن ذلك لا يؤثر فيها غالباً . (١) أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف؛ لأن في سنده علي بن سالم بن شوّال، ضعيف، وشيخه علي بن زيد بن جدعان، ضعيف أيضاً. ٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع (الثاني): أن يكون في حال الضيق، بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الأموال فيشترونها، ويُضَيِّقون على الناس، فأما إن اشتراه في حال الاتساع والرخص، على وجه لا يُضَيِّق على أحد فليس بمحرّم. انتهى(١). وقال العلامة الشوكانيّ كَّلُ: وظاهر أحاديث الباب أن الاحتكار محرَّم من غير فرق بين قوت الآدميّ والدواب وبين غيره، والتصريح بلفظ الطعام في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقية الروايات المطلقة، بل هو من التنصيص على فرد من الأفراد التي يطلق عليها المطلق، وذلك لأن نفي الحكم عن غير الطعام إنما هو لمفهوم اللقب، وهو غير معمول به عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد على ما تقرر في الأصول. وذهبت الشافعية إلى أن المحرّم إنما هو احتكار الأقوات خاصة لا غيرها، ولا مقدار الكفاية منها، قال ابن رسلان في ((شرح السنن)): ولا خلاف في أن ما يدّخره الإنسان من قوت، وما يحتاجون إليه من سَمْن، وعسل، وغير ذلك جائز لا بأس به. انتهى. ويدلّ على ذلك ما ثبت أن النبيّ ◌َليو كان يعطي كل واحدة من زوجاته مائة وسق من خيبر. قال ابن رسلان في ((شرح السنن)): وقد كان رسول الله وَال﴿ يَدَّخر لأهله قوت سنتهم، من تمر وغيره. قال أبو داود: قيل لسعيد - يعني: ابن المسيِّب ـ: فإنك تحتكر، قال: ومعمر كان يحتكر، وكذا في ((صحيح مسلم)). قال ابن عبد البرّ وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت، وحَمَلا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه، وكذلك حمله الشافعيّ، وأبو حنيفة، وآخرون. ويدلّ على اعتبار الحاجة، وقصد إغلاء السعر على المسلمين، قوله في حديث مَعْقِل: ((من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم)) (٢)، وقوله (١) ((الشرح الكبير)) ٤/ ٤٧. (٢) الحديث عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله وَ ل: ((من دخل في شيء من = ٧٧ (٤٧) - بَابُ تَحْرِیم الاخْتِكَار - حديث رقم (٤١١٥) في حديث أبي هريرة: ((يريد أن يغلي بها على المسلمين)) (١). قال أبو داود: سألت أحمد: ما الحكرة؟ قال: ما فيه عيش الناس؛ أي: حياتهم وقُؤْتهم، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - يُسأل عن أي شيء الاحتكار؟ فقال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يُكره، وهذا قول ابن عمر. وقال الأوزاعيّ: المحتكر من يعترض السوق؛ أي: ينصب نفسه للتردد إلى الأسواق؛ ليشتري منها الطعام الذي يحتاجون إليه؛ ليحتكره. قال السبكيّ: الذي ينبغي أن يقال في ذلك: أنه إن منع غيره من الشراء، وحصل به ضيق حَرُمَ، وإن كانت الأسعار رخيصة، وكان القَدْر الذي يشتريه لا حاجة بالناس إليه فليس لمنعه من شرائه وادخاره إلى وقت حاجة الناس إليه معنى، قال القاضي حسين، والرويانيّ: وربما يكون هذا حسنةً؛ لأنه ينفع به الناس، وقطع المحامليّ في ((المقنع)) باستحبابه، قال أصحاب الشافعيّ: الأولى بيع الفاضل عن الكفاية، قال السبكيّ: أما إمساكه حالة استغناء أهل البلد عنه رغبة في أن يبيعه إليهم وقت حاجتهم إليه، فينبغي أن لا يُكره، بل يستحب . والحاصل أن العلة إذا كانت هي الإضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار إلا على وجه يضرّ بهم، ويستوي في ذلك القوت وغيره؛ لأنهم يتضررون بالجمیع. = أسعار المسلمين؛ ليغليه عليهم كان حقّاً على الله أن يُقْعِده بعُظم من النار يوم القيامة))، أخرجه الطبرانيّ في ((الكبير))، و((الأوسط))، وفي إسناده زيد بن مُرّة أبو الْمُعلَّى، قال في ((مجمع الزوائد)): ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى. (١) لفظه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((من احتكر حُكْرةً يريد أن يُغْلي بها على المسلمين، فهو خاطىء)). رواه أحمد، وفي إسناده أبو معشر، وهو ضعيف، وقد وُثِّق. راجع: ((نيل الأوطار)) ٣٣٥/٥. وقد صحح الشيخ الألبانيّ كَّلُ حديث أبي هريرة ﴿ه هذا في ((السلسلة. الصحيحة))، فراجعها . ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وقال السبكيّ: إذا كان في وقت قحط، وكان في ادّخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرارٌ، فينبغي أن يُقْضَى بتحريمه، وإذا لم يكن إضرار فلا يخلو احتكار الأقوات عن كراهة. وقال القاضي حسين: إذا كان الناس يحتاجون الثياب، ونحوها؛ لشدة البرد، أو لستر العورة فيُكره لمن عنده ذلك إمساكه، قال السبكيّ: إن أراد كراهة تحريم فظاهر، وإن أراد كراهة تنزيه فبعيد. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من استعراض أقوال أهل العلم واستدلالاتهم في حكم الاحتكار أن أرجح الأقوال، هو القول بتحريم احتكار ما يضرّ بالمسلمين مطلقاً، سواء كان قوتاً، أو لباساً، أو غيرهما؛ لعموم حديث الباب، ولا يكون التنصيص في بعض الروايات بالطعام تقييداً للحكم؛ لأن ذلك من باب التنصيص على بعض الأفراد؛ للأهميّة، لا للتقييد، كما سبق في تحقيق الشوكانيّ ◌َخْلُ، وكذلك حَمْل معمر بن عبد الله نظبه، وابن المسيّب الاحتكار على الطعام لا يكون مقيّداً للعموم؛ لأنه رأي لهما، وإنما العبرة بعموم اللفظ المرويّ المعلّل بإدخال المضرّة على المسلمين، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُّ أوّل الكتاب قال: [٤١١٦] (.) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَشِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ) أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ (١) ((نيل الأوطار)) ٣٣٧/٥ - ٣٣٨. ٧٩ (٤٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الإِحْتِكَار - حديث رقم (٤١١٧) الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ) القرشيّ مولاهم، المدنيّ، صدوقٌ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ظه [٥] (ت١٤٨) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٥٠. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) القرشيّ العامريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٩٧/٢٣. والباقيان ذُكرا قبله، والحديث من أفراد المصنّف نَّهُ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١١٧] (.) - (قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ مُسْلِمٌ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوٍْ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي مَعْمَرٍ، أَحَدٍ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَمْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْنَى). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (بَعْضُ أَصْحَابٍ مسلم) قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ وغيره: هذا أحد الأحاديث الأربعة عشر المقطوعة في ((صحيح مسلم))، قال القاضي: قد قدمنا أن هذا لا يُسمّى مقطوعاً، إنما هو من رواية المجهول، قال النوويّ: وهو كما قال القاضي، ولا يضرّ هذا الحديث؛ لأنه أتى به متابعةً، وقد ذكره مسلم من طرق متّصلة برواية من سمّاهم من الثقات، وأما المجهول، فقد جاء مسمّى في رواية أبي داود وغيره، فرواه أبو داود في ((سننه)) عن وهب بن بقيّة، عن خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى بإسناده. انتهى(١). وقال الحافظ الرشيد العطار كَّلُ في ((غرر الفوائد)) بعد أن أورد هذا الحديث ما نصّه: وهذا أيضاً حديث صحيح ثابتٌ من حديث سعيد بن الْمُسيِّب، عن معمر بن أبي معمر، ويقال: معمر بن عبد الله، عن النبيّ وَّ، (١) ((شرح النوويّ)) ٤٣/١١ - ٤٤. ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع أخرجه مسلم في ((صحيحه)) منفرداً به، فأورده من طريقين متّصلين، وهما: طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وطريق محمد بن عمرو بن عطاء، كلاهما عن سعيد بن المسيِّب، ثم أردف ذلك بقوله: وحدّثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن عون، أنا خالد بن عبد الله .... ، فذكر الإسناد الذي ذكرناه، وقد تقدّم الجواب عن مثل هذا، ومع ذلك فإن حديث خالد بن عبد الله المذكور عن عمرو بن يحيى، قد أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٣٤٤٧) فرواه عن وهب بن بقيّة الواسطيّ، وهو أحد الثقات الذين روى عنهم في ((صحيحه))، عن خالد بن عبد الله، وهو الطّان بإسناده المذكور متّصلاً، فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر، والحمد لله. انتهى كلام الرشيد العطّار ◌َّتُهُ . ٢ - (عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بن أوس البزاز، أبو عثمان الواسطيّ، ثمّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٢٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٥/٨٨. ٣ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطحّان الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)» ٤٠٧/٧٨. ٤ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بن عمارة بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات بعد (١٣٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٨/ ٤٦٤. والباقون ذُكروا قبله، و((محمد بن عمرو)) هو: ابن عطاء، و((معمر بن أبي معمر)) هو: معمر بن عبد الله. [تنبيه]: رواية عمرو بن يحيى، عن محمد بن عمرو بن عطاء هذه ساقها أبو داود في ((سننه)) (٢٧١/٣) فقال: (٣٤٤٧) - حدّثنا وهب بن بقيّة، أخبرنا خالد، عن عمرو بن يحيى، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن المسيِّب، عن معمر بن أبي مَعْمَر أحد بني عديّ بن كعب، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يحتكر إلا خاطئ))، فقلت لسعيد: فإنك تحتكر؟ قال: ومعمر كان يحتكر. قال أبو داود: وسألت أحمد: ما الْحُكْرة؟ قال: ما فيه عيش الناس، قال أبو داود: قال الأوزاعيُّ: المحتكر مَن يعترض السوق. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .