Indexed OCR Text

Pages 741-760

٧٤١
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُُّهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
[والثاني]: العلم بأحكامه عليهم، ومراده منهم.
[والثالث]: العلم بمساعي القلوب، من خواطرها، وهمومها، ومحمود
أوصافها، ومذمومها .
وأما أعمال القلوب، فالتحلّ بالمحمود من الأوصاف، والتخلّي من
المذموم منها، ومنازلة المقامات، والترقّي عن مفضول المنازلات، إلى سنيّ
الحالات.
وأما الأحوال، فمراقبة الله تعالى في السرّ والعلن، والتمكّن من
الاستقامة على السنن، وإلى هذا أشار رسول الله وَ ﴿ل حيث قال: ((أن تعبد الله
كأنك تراه)) متّفقٌ عليه، وتفصيل هذه المعاقد الْجُمليّة توجد في تصانيف محقّقي
الصوفيّة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل هي مفصّلة في الكتاب والسنّة، فمن
أمعن النظر، وأجال الفكر ظفر بمقاصدها، وأما ما اصطلح عليه المتأخّرون من
الألفاظ المصطلحيّة، فلا حاجة للمكلّف إليها، ولا هي مما تكلّم بها النبيّ ◌َليقول
الذي جعل الله تعالى هداية الأمة على يديه، ولا كان يعرفها الصحابة
الكرام ﴿، ولا التابعون لهم بإحسان، ولو سئلوا عنها لما استطاعوا أن
يفهموها، فضلاً عن أن يجيبوا عنها، ولو طُلب من الأئمة الأربعة الفقهاء
المحققين، أو من الأئمة الستة المحدثين الناقدين أن يحُلّوا بعض غوامضها لما
وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فهيهات هيهات أن يكون هذا من مقاصد الدين، الذي
أكمله الله ◌ُعَلَ، وأتمّه، والنبيّ وَّ﴿ حيّ بين ظهراني أصحابه، فلا يقبل الزيادة
ولا النقص، قال الله رَكَ في محكم كتابه: ﴿اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، وقد حذّر النبيّ وَُّ من
محدثات الأمور، فكان يقول في خطبته: ((إن أصدق الحديث كتاب الله،
وأحسن الهدي هدي محمد وَّ*، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة،
وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار))، رواه النسائيّ رقم (١٥٧٨) بسند
صحيح.
وأخرج الترمذيّ من حديث العرباض بن سارية ره، قال: وعظنا
رسول الله ﴿ يوماً، بعد صلاة الغداة، موعظة بليغة، ذَرَفت منها العيون،

٧٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مُودِّع، فماذا تعهد إلینا یا
رسول الله؟ قال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدٌ حبشي، فإنه
من يعش منكم، يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة،
فمن أدرك ذلك منكم، فعليه بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا
عليها بالنواجذ)).
وذكر الإمام الذهبيّ تَّثُ في ((ميزان الاعتدال)) عن الحافظ سعيد بن
عمرو البردعيّ، أنه قال: شَهِدت أبا زرعة، وقد سئل عن الحارث بن أسد
المحاسبيّ، وكتبه؟ فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بِدَعِ
وضلالات، وعليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يُغنيك، قيل له: في هذه الكتب
عبرة، فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة،
بلغكم أن سفيان، ومالكاً، والأوزاعيّ صنّفوا هذه الكتب في الخطرات،
والوساوس، ما أسرع الناس إلى البدع.
قال الذهبيّ: مات الحارث سنة (٢٤٣) وأين مثل الحارث؟ فكيف لو
رأى أبو زرعة تصانيف المتأخّرين، كـ((القوت)) لأبي طالب، وأين مثل ((القوت))؟
كيف لو رأى ((بهجة الأسرار)) لابن جهضم، و((حقائق التفسير)) للسلميّ، لطار
لبّه، كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسيّ في ذلك على كثرة ما في
(الإحياء)) من الموضوعات، كيف لو رأى ((الغنية)) للشيخ عبد القادر، كيف لو
رأى («فصوص الحكم))، و((الفتوحات المكيّة))، بلى لَمّا كان الحارث لسان
القوم في ذلك العصر، كان معاصره ألف إمام في الحديث، فيهم مثل أحمد بن
حنبل، وابن راهويه، ولَمّا صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسيّ، وابن
شحانة، كان قطب العارفين كصاحب ((الفصوص))، وابن سفيان، نسأل الله
العفو، والمسامحة، آمين. انتهى كلام الذهبيّ كَّ هُ(١).
وبالجملة فمن لم يستغن بكتاب الله تعالى، وكتب السنة المطهرة،
كالكتب الستة، وغيرها، فلا يرجى منه خير أبداً، فعليه أن يبكي على نفسه،
ويتوب إلى الله تعالى، ويسأله أن يصلح قلبه، وقالبه، والله تعالى أعلم.
(١) ((ميزان الاعتدال)) (٤٣٠/١ - ٤٣١).

٧٤٣
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
ولنعد إلى كلام القرطبيّ، قال دَّثُهُ :
[تنبيه]: الجوارح، وإن كانت تابعة للقلب، فقد يتأثّر القلب بأعمالها،
للارتباط الذي بين الباطن والظاهر، والقلب مع الجوارح كالملك مع الرعيّة،
إن صلح صلحت، ثم يعود صلاحها عليه بزيادة مصالح ترجع إليه، ولذلك
قيل: المَلِكُ سوقٌ، ما نفق عنده جُلب إليه.
وقد نصّ على هذا المعنى النبيّ وَّه، فقال: ((إن الرجل ليصدق، فينكت
في قلبه نكتة بيضاء، حتى يُكتب عند الله صدّيقاً، وإن الرجل ليكذب الكذبة،
فيسودّ قلبه حتى يُكتب عند الله كذّاباً))(١).
وأخرج أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي هريرة مرظه، عن
رسول الله عليه، قال: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نُكتت في قلبه نكتةٌ سوداء،
فإذا هو نزع، واستغفر، وتاب صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حتى تعلو قلبه،
وهو الران الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا بَلِّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
[المطففين:
١٤
١٤]»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.
وقال مجاهد: القلب كالكفّ تقبض منه بكل ذنب أصبع، ثم يُطبع، وإلى
هذا المعنى الإشارة بقوله وَله: ((إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد
كلّه)) متّصلاً بقوله: ((الحلال بيّنٌ، والحرام بيّنٌ))؛ إشعاراً بأن أكل الحلال
ينوّره، ويُصلحه، وأكل الحرام، والشبهة يُفسده، ويقسيه، ويُظلمه، وقد وجد
ذلك أهلُ الورع، حتّى قال بعضهم: استسقيت جنديّاً، فسقاني شَرْبة ماء،
فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحاً، وقيل: الأصل المصحّح للقلوب
والأعمال أكل الحلال، ويُخاف على آكل الحرام، والمتشابه أن لا يُقبل له
عملٌ، ولا تُسمع له دعوةٌ، ألا تَسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾
(١) هكذا ساقه القرطبيّ، ولم يذكر من أخرجه، والذي في ((الصحيحين)) من حديث
عبد الله بن مسعود رضاه، عن النبيّ وَّر قال: ((إن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ
يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صدّيقاً. وإن الكذب يهدي إلى
الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله
كذاباً».

٧٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
[المائدة: ٢٧]، وآكل الحرام المسترسل في الشبهات ليس بمثّقٍ على الإطلاق،
وقد عضد ذلك قوله وَي: ((أيها الناس إن الله طيّبٌ، ولا يقبل إلا طيّباً، وإن الله
تعالى أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا
مِن طَيْبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَّتِبَتِ وَأَعْمَلُواْ
صَلِحًا﴾ الآية [المؤمنون: ٥١]، ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث، أغبر، يقول:
يا ربّ، يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنّى يُستجاب
له))، رواه مسلم، والترمذيّ، ولَمّا شرب أبو بكر جرعة لبن من شبهة استقاءها،
فأجهده ذلك حتى تقيّأها، فقيل له: أكلّ ذلك في شربة؟ فقال: والله لو لم
تخرج إلا بنفسي لأخرجتها، سمعت رسول الله وَل يقول: ((كلّ لحم نبت من
سُحت فالنار أولى به))(١).
وعند هذا يعلم الواحد منا قدر المصيبة التي هو فيها، وعِظَم المحنة
التي ابتُلي بها، إذ المكاسب في هذه الأوقات قد فسدت، وأنواع الحرام
والشبهات قد عمّت، فلا يكاد أحد منّا اليوم يتوصّل إلى الحلال، ولا ينفكّ
عن الشبهات، فإن الواحد منا، وإن اجتهد فيما يعلمه، فكيف يعمل فيمن
يعامله؟ مع استرسال الناس في المحرّمات، والشبهات، وقلّة من يتّقي ذلك،
من جميع الأصناف، والطبقات، مع ضرورة المخالطة، والاحتياج للمعاملة،
وعلى هذا فالخلاص بعيدٌ، والأمر شديدٌ، ولولا النهي عن القنوط واليأس،
لكان ذلك الأولى بأمثالنا من الناس، لكنّا إذا دفعنا عن أنفسنا أصول
المحرّمات، واجتهدنا في ترك ما يمكننا من الشبهات، فعفو الله تعالى
مأمولٌ، وكرمه مرجوّ، فلا ملجأ إلا هو، ولا مفزع إلا إليه، ولا استعانة إلا
به، ولا حول، ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذُ(٢)،
وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(١) عزاه في الهامش إلى الطبرانيّ في ((الكبير)) (١٣٦/١٩) ويحتاج إلى التأكّد، والله
أعلم.
(٢) ((المفهم)) ٤٩٤/٤ - ٤٩٨.

(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٨ - ٤٠٨٩)
٧٤٥
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ (ح) وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ
مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨]
(ت١٨٧) أو (١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله.
[تنبيه]: رواية وكيع، وعيسى بن يونس، كلاهما عن زكريا بن أبي زائدة
لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٨٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ،
وَأَبِي فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيَّ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ
زَكَرِيَّاءَ أَتُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَأَكْثَرُ (١)).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (مُطَرِّفُ) بن طَرِيف أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة
فاضلٌ، من صغار [٦] (ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧٢.
٣ - (أَبُو فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيُّ) عروة بن الحارث الْهَمْدانيّ، أبو فَرْوة الأكبر،
ثقةٌ [٥].
(١) وفي نسخة: ((وأكبر)).

٧٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن أبي ليلى،
والشعبيّ، وأبي الضُّحَى، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وسليمان التيميّ، والسفيانان، وجرير، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
روى له البخاري مقروناً بغيره، قلت: لم يذكر له المؤلف شيخاً من
الصحابة، وقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين وحديثه في مسند الدارمي،
فالله أعلم.
أخرج له البخاريّ مقروناً بغيره، والمصنّف مقروناً أيضاً بمطرّف، وأبو
داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: من يكنى بأبي فروة في الرواة ثلاثة (١):
أ - أبو فروة الهمْدانيّ، عروة بن الحارث هذا.
ب - وأبو فروة الْجُهَنيّ، مسلم بن سالم الكوفيّ، وهو الأصغر، صدوق
من السادسة، أخرج له الجماعة، إلا الترمذيّ، وسيأتي عند مسلم في ((كتاب
اللباس والزينة)) برقم (٢٠٦٧)، وليس له عنده إلا هذا الحديث.
ج - وأبو فَرْوة الْجَزَريّ الرُّهاويّ، واسمه يزيد بن سِنان التميميّ،
ضعيف، من كبار السابعة، وهو من أفراد الترمذيّ، وابن ماجه.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨]
(ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
٦ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد المدنيّ، صدوقٌ، إلا أنه اختَلَطت عليه
أحاديث أبي هريرة ◌ُبه [٥] (ت١٤٨) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان) ١٠ / ١٥٠.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدٍ) بن وهب الْهَمْدانيّ الْخَيْوَانيّ - بخاء معجمة -
الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
(١) أما أبو فروة الأشجعيّ عند النسائيّ في ((عمل اليوم والليلة)) فصوابه: فروة
الأشجعيّ، بدون ((أبو))، فتنبّه.

٧٤٧
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُُّهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٩)
رَوَى عن أبيه، والشعبيّ، وأبي حازم سلمان الأشجعيّ، وعائشة، ولم
یدر کھا .
وروى عنه عبد الملك بن عُمير، وهو من أقرانه، والأعمش، ومالك بن
مِغْوَل، ومحمد بن عجلان، وشعبة، وخالد الحذاء، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن
سعد: کان قليل الحديث.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والترمذيّ، وابن
ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: قال في ((تهذيب التهذيب)): وقع عند مسلم في ((البيوع)) من طريق
يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن ابن عجلان، عن عبد الرحمن بن سعيد،
عن الشعبيّ، عن النعمان بن بشير حديث: ((الحلالُ بَيِّنٌ))، ووقع عند أبي عوانة
في ((صحيحه))، وابن حبان من طريق عبد الله بن عياش القتبانيّ، عن ابن
عجلان، عن سعيد بن عبد الرحمن الهمدانيّ، عن الشعبيّ، ورواه أبو عوانة
أيضاً من طريق أبي ضَمْرة، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن سعد، عن
الشعبيّ، فكأنه اختُلِف في اسمه، والله أعلم. انتهى (١).
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ) أي: روى كلّ هؤلاء الثلاثة، وهم: مُطرِّف بن
طريف، وأبو فروة الْهَمْدانيّ، وعبد الرحمن بن سعيد هذا الحديث عن
الشعبيّ، عن النعمان بن بشير ثا، عن النبيّ
وقوله: (أَتُمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَأَكْثَرُ) ووقع في بعض النسخ: ((وأكبر)) بالباء،
قال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((أتمّ من حديثهم، وأكبر)) هو بالباء الموحّدة، وفي
كثير من النسخ بالمثلثّة، والله أعلم. انتهى(٢).
[تنبيه]: رواية مطرّف بن طَرِيف، عن الشعبيّ ساقها أبو عوانة في
((مسنده)) (٣٩٨/٣) فقال:
(١) ((تهذيب التهذيب)) ١٦٩/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٠/١١.

٧٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وحدثنا إسماعيل القاضي، قثنا عليّ بن عبد الله، قئنا (١) جرير، عن
مُطَرِّف، عن الشعبيّ، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت النبيّ وَّ هُ يقول:
((لكل ملك حمى، وإن حمى الله حلاله وحرامه، والمشتبهات بين ذلك، كما
أن راعياً لو رَعَى بجانب الحمى لم تلبث غنمه أن ترتع وسطه، فاجتنبوا
المشتبهات)».
ورواية أبي فَرْوة الْهَمْدانيّ، عن الشعبيّ، ساقها البخاريّ في ((صحیحه))،
فقال:
وحدّثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن عيينة، عن أبي فَرْوة، سمعت
الشعبيّ، سمعت النعمان بن بشير ◌ًا، عن النبيّ وَل و (ح) وحدّثنا محمد بن
كثير، أخبرنا سفيان، عن أبي فَرْوة، عن الشعبيّ، عن النعمان بن بشير ◌ًَّا،
قال: قال النبيّ وَّه: ((الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن، وبينهما أمور مشتبهة، فمن
ترك ما شُبِّه عليه من الإثم، كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يَشُكّ فيه
من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حِمَى الله، من يرتع حول
الحمى يوشك أن يواقعه)). انتهى.
ورواية عبد الرحمن بن سعيد عن الشعبيّ ساقها أيضاً أبو عوانة في
((مسنده))، مقروناً بالحارث بن يزيد الْعُكليّ - لكنه سمّاه سعيد بن عبد الرحمن،
وقد سبق أنه مختلف في اسمه - فقال (٣٩٩/٣):
(٥٤٦٨) - حدّثنا عليّ بن عثمان النفيليّ، قثنا سعيد بن عيسى بن تَلِيد،
قئنا الْمُفَضَّل، قال: حدّثني ابن عجلان، عن الحارث بن يزيد الْعُكْليّ،
وسعيد بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبيّ، سمع النعمان بن بشير يقول:
سمعت النبيّ ◌َّ* يقول: ((اجعلوا بينكم وبين الحرام سُتْرةً من الحلال، مَن
جَعَل ذلك كان أشدّ استبراءاً لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان کالمرتع إلى
جنب الحمى، يوشك أن يقع فيه، وإن لكل ملك حِمّى، وإن حمى الله في
الأرض محارمه)). انتهى، والله تعالى أعلم.
(١) قوله: ((قثنا)) في الموضعين مختصر من ((قال: حدّثنا))، فتنبّه.

٧٤٩
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٩٠)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٩٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ،
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ
عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَامِرِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، صَاحِبَ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِحِمْصَ، وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
يَقُولُ: ((الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ))، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ،
إِلَى قَوْلِهِ: ((يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو
عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نبيلٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان))
٢١١/٢٦.
٣ - (جدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ
الإمام الشهير، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة [٧] (١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص ٤١٢.
٤ - (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمَحيّ، أو السَّكْسكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ،
ثقةٌ فقيهٌ [٦] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل:
مدنيّ الأصل، صدوق، يقال: اختلط [٦] مات بعد (١٣٠) وقيل غير ذلك (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ٨٧/ ٤٦٢.
٦ - (عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
عابدٌ [٤] مات قبل (١٢٠) (م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٢٧/ ١٣٦١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) وفي الرواية السابقة: ((النعمان بن بشير)) بـ((أل))،
وكلاهما صحيح؛ لأنها زائدة للمح الأصل، فيجوز إثباتها، وحذفها، كما قال
ابن مالك ظه في ((الخلاصة)):

٧٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
وَبَعْضُ الاغْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا
فِذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ
وقوله: (بِحِمْصَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم، آخره صاد
مهملة، مصروفاً وغير مصروف، بلدة معروفة بالشام.
[تنبيه]: رواية عون بن عبد الله، عن الشعبيّ ساقها أبو عوانة في ((مسنده))
(٣٩٩/٣) فقال:
(٥٤٧٠) - حدّثنا عباس الدُّوريّ، وأحمد بن عليّ الخراز، قالا: ثنا
شُجاع بن أشرس، قثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي
هلال، عن عون بن عبد الله، عن عامر الشعبيّ، أنه سمع النعمان بن بشير بن
سعد، صاحب رسول الله ﴿، وهو يخطب الناس بِحِمْصَ، وهو يقول:
سمعت رسول الله ◌َل﴿ يقول: ((الحلال بَيِّنٌ، والحرام بَيِّنٌ، وبين ذلك أمور
مشتبهات، فمن ترك ذلك، فهو أسلم لدينه ولعرضه، ومن وقع فيهنّ فيوشك أن
يقع في الحرام، كالمرتع إلى جانب الحمى، يوشك أن يقع فيه)). انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بَِهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٤٢) - (بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِْنَاءِ رُكُوبِهِ)
قال القرطبيّ تَكْثُ: البعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، يقال
للجمل: بعير، وللناقة: بعير، تقول العرب: صَرَعني بعيرك، وشَرِبتُ من لبن
بعيري، وإنما يقال له: بعير إذا أجذع(١)، والجمع أبعرة، وأباعر، وبُعران.
(٢) .
انتهى .
وقال الفيّوميّ تَُّهُ: البَعِيرُ: مثل الإنسان، يقع على الذكر والأنثى،
يقال: حَلَبتُ بَعِيرِي، والجَمَلُ: بمنزلة الرجل يختص بالذكر، والنَّاقَةُ: بمنزلة
(١) ((الجَذَعَ)) من الإبل: ما استكمل أربعة أعوام، ودخل في السنة الخامسة.
(٢) ((المفهم)) ٥٠١/٤.

٧٥١
(٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩١)
المرأة تختص بالأنثى، والبَكْرُ، والبَكْرَةُ: مثل الفتى والفتاة، والقَلُوصُ؛
كالجارية، هكذا حكاه جماعة، منهم ابن السِّكِّيت، والأزهريّ، وابن جنيّ، ثم
قال الأزهريّ: هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواصّ أهل العلم باللغة،
ووقع في كلام الشافعيّ نَّثُ في الوصية: لو قال: أعطوه بعيراً، لم يكن لهم
أن يعطوه ناقةً، فحَمَل البعير على الجمل، ووجهه أن الوصية مبنية على عرف
الناس، لا على مُحْتَمِلات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواصّ، وحَكَى في («كفاية
المتحفظ)) معنى ما تقدَّم، ثم قال: وإنما يقال: جملٌ، أو ناقةٌ، إذا أَربعا، فأما
قبل ذلك، فيقال: قَعُود، وبَكْرٌ، وبَكْرَةٌ، وقَلُوصٌ، وجمع البَعِيرِ: أَبْعِرَةٌ،
وأَبَاعِرُ، ويُعْرَانُ، بالضم. انتهى(١) .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٩١] (٧١٥(٢)) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي،
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَل لَهُ
قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْراً
لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، قَالَ: ((بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ)، قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: ((بِعْنِهِ))، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةِ (٣)،
وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَتَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ
رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَالَ: ((أَثْرَانِ مَاكَسْتُكَ لَآَخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ،
وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا في البابين الماضيين، و((زكرياء)) هو: ابن أبي زائدة،
و((عامر)) هو: الشعبيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالكوفيين، إلا
الصحابيّ ◌َ﴿ه، فمدنيّ، ومسلسلٌ بالتحديث إلا موضعاً واحداً، وفيه رواية
الراوي عن أبيه، وفيه جابر به أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
(١) ((المصباح المنير)) ٥٤/١.
(٣) وفي نسخة: ((بأوقيّة)) في الموضعين.
(٢) هذا مكرّر، فتنبّه.

٧٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
شرح الحديث:
(عَنْ عَامِرٍ) بن شَرَاحيل الشعبيّ، وفي رواية للبخاريّ: ((سمعت عامراً))
(حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿يَا (أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ) لم يذكر في هذه الرواية مكان سفره، وفي
رواية مغيرة التالية: ((قال: غزوت مع رسول الله (وَل9))، وفي رواية سالم بن
أبي الجعد: ((قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله وَ لي)، وفي رواية
أبي نضرة: ((كنّا مع النبيّ ◌َ ﴿ في سفر))، وفي رواية أبي المتوكّل: ((سافرت
مع رسول الله وَ ﴿ في بعض أسفاره، أظنّه غازياً))، وهذه الروايات كلها عند
مسلم .
قال في ((الفتح)): وكذا أبهمه أكثر الرواة عن جابر، ومنهم من قال:
(كنت في سفر))، ومنهم من قال: «كنت في غزوة تبوك))، ولا منافاة بينهما،
وفي رواية أبي المتوكل في ((الجهاد)): ((لا أدري غزوة، أو عمرة))، ويؤيد كونه
كان في غزوة، قوله في آخر رواية أبي عوانة، عن مغيرة: ((فأعطاني الجمل
وثمنه، وسهمي مع القوم))، لكن جزم ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، بأن
ذلك كان في غزوة ذات الرقاع، من نخل، وكذا أخرجه الواقديّ، من طريق
عطية بن عبد الله بن أنيس، عن جابر، قال الحافظ تَُّهُ: وهي الراجحة في
نظري؛ لأن أهل المغازي أضبط لذلك، من غيرهم، وأيضاً فقد وقع في رواية
الطحاويّ: أن ذلك وقع في رجوعهم من طريق مكة إلى المدينة (١)، وليست
طريقُ تبوك ملاقية لطريق مكة، بخلاف طريق غزوة ذات الرقاع، وأيضاً فإن في
كثير من طرقه: أنه * سأله في تلك القصة: ((هل تزوجت؟))، قال: نعم،
قال: ((أتزوجت بكراً، أم ثيباً؟))، الحديث، وفيه اعتذاره بتزوجه الثيب، بأن
أباه استُشهِد بأحد، وترك أخواته، فتزوج ثيباً لتمشطهن، وتقوم عليهن، فأشعر
بأن ذلك كان بالقرب من وفاة أبيه، فيكون وقوع القصة في ذات الرقاع أظهر،
من وقوعها في تبوك؛ لأن ذات الرقاع كانت بعد أُحد بسنة واحدة، على
الصحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع سنين، والله أعلم، لا جرم جزم البيهقيّ في
(١) هذه الرواية عند مسلم، كما أسلفته، فكان الأولى عزوها إليه، فتنبّه.

٧٥٣
(٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩١)
((الدلائل)) بما قال ابن إسحاق. انتهى(١).
(عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا) أي: تَعِبَ (فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ) أي: يطلقه، وليس
المراد أن يجعله سائبة، لا يركبه أحد، كما كانوا يفعلون في الجاهلية؛ لأنه لا
يجوز في الإسلام، ففي أول رواية مغيرة، عن الشعبيّ التالية: ((قال: غزوت
مع رسول الله (َّر، فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي قد أعيا، ولا يكاد يسير))،
والناضح - بنون، وضاد معجمة، ثم حاء مهملة - هو الجمل الذي يُستَقَى عليه،
سُمِّي بذلك لنضحه بالماء حال سقيه، واختُلِف في تعيين هذه الغزوة، كما
سيأتي بعد هذا، ووقع عند البزار من طريق أبي المتوكل، عن جابر: أن الجمل
كان أحمر، قاله في ((الفتح))(٢).
(قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ◌َ﴿) بكسر الحاء المهملة؛ أي: أدركني، يقال:
لَحِقْتُهُ، ولَحِقْتُ بِه أَلْحَقُ، من باب تَعِبَ لَحَاقاً بالفتح: أدركته، وأَلْحَقْتُهُ،
بالألف مثله، وأَلْحَقْتُ زيداً بعمرو: أتبعته إياه، فَلَحِقَ هو، وأَلْحَقَ أيضاً، وفي
الدعاء: ((إن عذابك بالكفار مُلحِقٌ))، يجوز بالكسر: اسم فاعل، بمعنى لَاحِقٍ،
ويجوز بالفتح: اسم مفعول؛ لأن الله تعالى أَلْحَقَهُ بالكفار؛ أي: يُنْزِله بهم،
وأَلْحَقَ القائفُ الولدَ بأبيه: أخبر بأنه ابنه؛ لِشَبَه بينهما يظهر له، واسْتَلْحَقْتُ
الشيءَ: ادّعيته، ولَحقِهَ الثمنُ لُحُوقاً: لزمه، فاللُّحوقُ: اللزوم، والَّلحاقُ:
الإدراك، قاله الفيّومِيّ ◌َّفُ(٣) .
(فَدَهَا لِي، وَضَرَبَهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((فمرّ النبيّ ◌ََّ، فضربه، فدعا
له))، قال في ((الفتح)): كذا فيه بالفاء فيهما كأنه عَقَّب الدعاءَ له بضربه،
ولأحمد من هذا الوجه: ((فضربه برجله، ودعا له)) (فَسَارَ سَيْراً لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ)
وفي رواية يونس بن بُكير، عن زكريا، عند الإسماعيليّ: ((فضربه رسول الله وَّت،
ودعا له، فمشى مِشْيَةً ما مشى قبل ذلك مثلها))، وفي رواية مغيرة الآتية:
((فزجره، ودعا له)).
(١) ((الفتح)) ٦٦٤/٥ - ٦٦٥.
(٢) ((الفتح)) ٥٩٨/٦ ((كتاب الشروط)) رقم (٢٧١٨).
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٥٠/٢.

٧٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وفي رواية عطاء وغيره، عن جابر نظُه عند البخاريّ في ((الوكالة)): ((فَمَرّ
بي النبيّ وَّر، فقال: من هذا؟ قلت: جابر بن عبد الله، قال: ما لك؟ قلت:
إني على جمل ثِفَال، فقال: أمعك قَضِيب؟ قلت: نعم، قال: أعطنيه،
فأعطيته، فضربه، فزجره، فكان من ذلك المكان من أول القوم)).
وللنسائيّ من هذا الوجه: ((فَأَزْحَف، فزجره النبيّ بََّ، فانبَسَط، حتى
كان أمام الجيش)).
وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر عند البخاريّ في ((البيوع)):
(فتخلف، فنزل، فحَجَنه بِمْحجنه، ثم قال: اركب، فركبت، فقد رأيته أَكُفّه عن
رسول الله ێ)).
وعند أحمد من هذا الوجه: «فقلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا،
قال: أَنِخْه، وأناخ رسول الله وَّة، ثم قال: أعطني هذه العصا، أو اقطع لي
عصاً من شجرة، ففعلت، فأخذها، فنخسه بها نَخَسَات، فقال: اركب،
فرکبت)).
وللطبرانيّ من رواية زيد بن أسلم، عن جابر: ((فأبطأ عليّ، حتى ذهب
الناس، فجعلت أرقبه، ويُهِمّني شأنه، فإذا النبيّ وَّ، فقال: أجابر؟ قلت:
نعم، قال: ما شأنك؟ قلت: أبطأ عليّ جملي، فَتَفَث فيها - أي: العصا - ثم
مَجَّ من الماء في نحره، ثم ضربه بالعصا، فوثب)).
ولابن سعد من هذا الوجه: ((ونضح ماءً في وجهه، ودُبُره، وضربه
بعُصَیّة، فانبعَثَ، فما كِدت ◌ُمسكه)).
وفي رواية أبي الزبير، عن جابر الآتية عند مسلم: ((فكنت بعد ذلك
أَحبس خِطامه؛ لأسمع حديثه))، وله من طريق أبي نَضْرة، عن جابر: ((فنخسه،
ثم قال: اركب بسم الله))، زاد في رواية مغيرة التالية: ((فقال لي: كيف ترى
بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتك)).
(قَالَ) بَرِ ((بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ))) بالواو، وفي بعض النسخ: ((بأوقيّة)) بالهمزة،
وكلاهما صحيح، وقال النوويّ تَخْذّثُهُ: هكذا هو في النسخ ((بوقيّة))، وهي لغة
صحيحة، سَبَقت مراراً، ويقال: أوقيّة، وهي أَشْهَر، وفيه أنه لا بأس بطلب

٧٥٥
(٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِتَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩١)
البيع من مالك السلعة، وإن لم يَعْرِضها للبيع. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): و((الوُقيّة)) من الفضة كانت في عُرف ذلك الزمان
أربعين درهماً، وفي عرف الناس بعد ذلك عشرة دراهم، وفي عرف أهل مصر
اليوم اثنا عشر درهماً (٢)، وسيأتي بيان الاختلاف في قدر الثمن قريباً - إن
شاء الله تعالى -.
(قُلْتُ: لَا) أي: لا أبيعه، وفي رواية أحمد: ((فكرهت أن أبيعه))، وفي
رواية مغيرة التالية: ((قال: أتبيعنيه؟ فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره،
فقلت: نعم))، وللنسائيّ من هذا الوجه: ((وكانت لي إليه حاجة شديدة))،
وعند أحمد من رواية نُبيح - وهو بالنون، والموخَّدة، والمهملة،
مصغراً -: ((قال: فقال لي رسول الله وَله: أنت بائعي جملك هذا؟ قال: قلت:
نعم، قال: بكم؟ قال: قلت: بوقية، قال: قال لي: بخ بخ، كم في أوقية من
ناضح وناضح؟ قال: قلت: يا نبي الله ما بالمدينة ناضح أحبّ أنه لنا مكانه،
قال: فقال النبيّ ◌َله: قد أخذته بوقية)).
وفي رواية عطاء: ((قال: بعنيه، قلت: بل هو لك يا رسول الله، قال:
بعنیه))، زاد النسائي من طريق أبي الزبير: «قال: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه»،
ولابن ماجه من طريق أبي نضرة، عن جابر: ((فقال: أتبيع ناضحك هذا؟ والله
يغفر لك))، زاد النسائيّ من هذا الوجه: ((وكانت كلمة تقولها العرب: افعل
كذا، والله يغفر لك))، ولأحمد: ((قال سليمان - يعني بعض رواته -: فلا أدري
كم من مرة)) يعني: قال له: والله يغفر لك)). وللنسائيّ من طريق أبي الزبير،
عن جابر: ((اسْتَغْفَر لي رسول الله وَّ﴿ ليلة البعير خمساً وعشرين مرةً))، وفي
رواية وهب بن كيسان، عن جابر، عند أحمد: ((أتبيعني جملك هذا يا جابر؟
قلت: بل أهبه لك، قال: لا، ولکن بعنیه)).
قال الحافظ تَخُّْهُ: وفي كل ذلك رَدُّ لقول ابن التين: إن قوله: ((لا)) ليس
بمحفوظ في هذه القصّة. انتهى (٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ٣١/١١.
(٣) ((الفتح)) ٢٩٩/٦ - ٦٠٠.
(٢) ((الفتح)) ٦/ ٦٠٠.

٧٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(ثُمَّ قَالَ) وَ ((بِعْنِيهِ»، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ) وفي رواية سالم بن أبي الجعد، عن
جابر، الآتية: ثُمَّ قَالَ لِي: ((بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا))، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ،
قَالَ: (لَا، بَلْ بِعْنِيهِ))، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((لَا، بَلْ
بِعْنِيهِ))، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ، فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَالَ: ((قَدْ
أَخَذْتُهُ))، ولابن سعد، وأبي عوانة، من هذا الوجه: ((فلما أكثر عليّ قلت: إن
لرجل عليّ أوقيةً من ذهب، هو لك بها، قال: نعم))، وفي رواية أحمد من هذا
الوجه: (فقال: بعنيه، قلت: هو لك، قال: قد أخذته بوقية)).
(وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي) ((الْحُمْلان)) بضمّ الحاء المهملة،
وسكون الميم: الحمل، والمفعول محذوف؛ أي: استثنيتُ حمله إياي، وقد
رواه الإسماعيليّ بلفظ: ((واستثنيت ظهره إلى أن نَقْدَم))، وفي رواية جرير، عن
مغيرة الآتية بعد هذا عند مسلم: ((فبعته إياه، على أن لي فَقَار ظهره حتى أبلغ
المدينة))، ولأحمد من طريق شريك، عن مغيرة: ((اشتَرَى مني بعيراً على أن
يُفْقِرني ظهره سفري ذلك))، وقد ذكر البخاريّ تَخْفُ الاختلاف في ألفاظه على
جابر ظُه، وسيأتي بيانه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(فَلَمَّا بَلَغْتُ) أي: المدينة، وفي رواية مغيرة، عن الشعبيّ التالية: ((قال:
فقلتُ له: يا رسول الله إني عَروسٌ، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت الناس إلى
المدينة، حتى انتهيتُ، فلقيني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرته بما صنعتُ
فيه، فلامني فيه)).
ووقع عند أحمد من رواية نبيح المذكورة: ((فأتيت عمتي بالمدينة، فقلت
لها: ألم تري أني بعت ناضحنا؟ فما رأيتها أعجبها ذلك)).
وجزم بعضهم بأنه جَدُّ - بفتح الجيم، وتشديد الدال ـ ابن قيس، وأما
عمته فاسمها هند بنت عمرو، ويَحْتَمِل أنهما جميعاً لم يعجبهما بيعه؛ لأنه لم
یکن عنده ناضح غيره.
وفي رواية للبخاريّ في ((الجهاد)): ((ثم قال: ائت أهلك، فتقدّمتُ الناس
إلى المدينة))، وفي رواية وهب بن كيسان في ((البيوع)): ((وقدم رسول الله وكليوم
المدينة قبلي، وقَدِمت بالغداة، فجئت إلى المسجد، فوجدته، فقال: الآن
قَدِمتَ؟ قلت: نعم، قال: فَدَعِ الجمل، وادخل، فصلِّ ركعتين)).

٧٥٧
(٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩١)
قال الحافظ دَّثُ: وظاهرهما التناقض؛ لأن في إحداهما أنه تقدم الناس
إلى المدينة، وفي الأخرى أن النبيّ ◌َّ قَدِمَ قبله، فَيَحْتَمِل في الجمع بينهما أن
يقال: إنه لا يلزم من قوله: فتقدمت الناس أن يستمرّ سبقه لهم؛ لاحتمال أن
يكونوا لَحِقُوه بعد أن تقدمهم، إما لنزوله لراحة، أو نوم، أو غير ذلك، ولعله
امتثل أمره بأن لا يدخل ليلاً، فبات دون المدينة، واستمرّ النبيّ وَّ إلى أن
دخلها سَحَراً، ولم يدخلها جابر حتى طلع النهار، والعلم عند الله تعالى.
(١)
انتھی
(أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ) وفي رواية مغيرة: ((قال: فلما قَدِمَ رسول اللهِوَّهِ المدينةَ
غدوت إليه بالبعير))، وفي رواية أبي المتوكل، عن جابر عند البخاريّ:
((فدخلت - يعني المسجد - إليه، وعَقَلت الجمل، فقلت: هذا جملك، فخرج،
فجَعَل يُطيف بالجمل، ويقول: جملنا، فبعث إليّ أواقٍ من ذهب، ثم قال:
استوفيتَ الثمنَ؟ قلت: نعم)).
(فَتَقَدَنِي ثَمَنَّهُ) أي: أعطانيه إياه، يقال: نقدت الرجلَ الدراهمَ نَقْداً، من
باب نصر: أعطيته إياه، فهو متعدّ إلى مفعولين، ويقال: نقدتها له على الزيادة
أيضاً، وأما نَقَدتُ الدراهم، من باب نصر أيضاً: إذا نظرتها لتعرف جيّدها،
وزَيْفَها، فهو متعدّ إلى مفعول، والفاعل ناقد، والجمع نقّاد، مثلُ كافر وكُفّار،
أفاده الفيّوميّ ◌َخْذُ(٢).
(ثُمَّ رَجَعْتُ) ولفظ البخاريّ: ((ثم انصرفتُ))، وفي رواية مغيرة التالية:
((فأعطاني ثمنه، وردّه عليّ))، وعند البخاريّ في ((الاستقراض)): ((فأعطاني ثمن
الجمل، والجملَ، وسهمي مع القوم))، وهي كلها بطريق المجاز؛ لأن العطية
إنما وقعت له بواسطة بلال، كما يأتي في رواية سالم بن أبي الجعد، عن
جابر: ((فلما قَدِمت المدينة، قال رسول الله بَّه لبلال: أعطه أوقيّةً من ذهب،
وزده، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطاً، فقلت: لا تفارقني زيادة
رسول الله وَ﴿، قال: فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرّة)).
ولأحمد، وأبي عوانة من طريق وهب بن كيسان: ((فوالله ما زال يَنْمِي
(١) ((الفتح)) ٦٠٠/٦ - ٦٠١.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٢٠/٢.

٧٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ويزيد عندنا، ونرى مكانه من بيتنا، حتى أصيب أمس فيما أصيب الناس يوم
الحرة)) .
وفي رواية أبي الزبير، عن جابر عند النسائيّ: ((فقال: يا بلال أعطه
ثمنه، فلما أدبرت دعاني، فخِفْتُ أن يُرُدّه عليّ، فقال: هو لك))، وفي رواية
للبخاريّ في ((النكاح)) من طريق وهب بن كيسان، عن جابر: ((فأمر بلالاً أن
يزن لي أوقية، فوزن بلال وأرجح لي في الميزان، فانطلقت، حتى وَلَّيت،
فقال: ادْعُ جابراً، فقلت: الآن يردّ عليّ الجمل، ولم يكن شيء أبغض إليّ
منه، فقال: خذ جملك، ولك ثمنه».
قال الحافظ تَّقُ: وهذه الرواية مشكلة مع قوله: ((ولم يكن لنا ناضح
غيره))، وقوله: ((وكانت لي إليه حاجة شديدة، ولكني استحييت منه))، ومع
تندیم خاله له على بيعه.
قال: ويمكن الجمع بأن ذلك كان في أول الحال، وكان الثمن أوفر من
قيمته، وعَرَف أنه يمكن أن يشتري به أحسن منه، ويبقى له بعض الثمن، فلذلك
صار یکره ردّه عليه.
ولأحمد من طريق أبي هبيرة، عن جابر: ((فلما أتيته دفع إليّ البعير،
وقال: هو لك، فمررت برجل من اليهود، فأخبرته، فجعل يَعْجَبُ، ويقول:
اشترى منك البعير، ودفع إليك الثمن، ثم وهبه لك؟ قلت: نعم))(١).
(فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي) ولفظ البخاريّ: ((على أثري))، وهو بفتحتين، أو
بكسر، فسكون، يقال: جئتُ في أَثَرِهِ، وفي إِثْرِهِ؛ أي: تَبِعته عن قُرْب(٢).
(فَقَالَ: ((أَتْرَانِي) بضمّ التاء؛ أي: أتظنّني (مَاكَسْتُكَ) قال النوويّ كَُّ: قال أهل
اللغة: المماكسة: هي المكالمة في النقص من الثمن، وأصلها النقص، ومنه
مَكْسُ الظالم، وهو ما ينتقصه، ويأخذه من أموال الناس. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ماكستك)) هو من المماكسة؛ أي: المناقصة في
الثمن، وأشار بذلك إلى ما وقع بينهما من المساومة عند البيع، كما تقدم.
(١) ((الفتح)) ٦/ ٦٠١ - ٦٠٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٣١/١١.
(٢) ((المصباح)) ٤/١.

٧٥٩
(٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩١)
(لآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ، وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ))) ولفظ البخاريّ: ((ما
كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك، فهو مالك»، ولأبي نعيم في
((المستخرج)): ((أتُراني إنما ماكستك لآخذ جملك، خذ جملك، ودراهمك،
هما لك)).
ووقع لأحمد عن يحيى القطان، عن زكريا، بلفظ: ((قال: أظننت حين
ماكستك، أذهب بجملك؟ خذ جملك، وثمنَهُ، فهما لك)).
قال في ((الفتح)): وهذه الرواية، وكذلك رواية البخاريّ توضح أن اللام
في قوله: (لآخذ)) للتعليل، وبعدها همزة ممدودة، ووقع لبعض رواة مسلم،
كما حكاه عياض: ((لا)) بصيغة النفي، ((خذ)) بصيغة الأمر، ويلزم عليه التكرار
في قوله: ((خذ جملك)). انتهى.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: وقوله: ((خذ جملك ودراهمك، فهو لك)) هذا يدلُّ
على أن هذا من رسول الله صل عطية مبتدأة بعد صحة شرائه، وملكه للبعير،
وهذا مبطل لتأويل بعض الشافعية في هذا الحديث؛ إذ قال: إن ذلك لم يكن
من النبيّ وَ ﴿ شراء للبعير، ولا بيعاً من جابر حقيقة، وهذا من قائله تغيير
وتحريف، لا تأويل، وكيف يقبل هذا التأويل مع قوله: ((أتبيعنيه بأوقية، فقال:
قد بعته منك بأوقية، على أن لي ظهره إلى المدينة))، بعد المماكسة؟ وهذا نصّ
لا يقبل التأويل، وكذلك قوله: ((فهو لك)) بعد قوله: «خذ جملك ودراهمك»،
وذلك واضح لمن تأمل أفراد تلك الكلمات ومركّباتها. انتهى(١).
وقال ابن الجوزيّ كَّثُ: هذا من أحسن التكرم؛ لأن من باع شيئاً فهو
في الغالب محتاج لثمنه، فإذا تعوّض من الثمن بقي في قلبه من المبيع أَسَفٌ
على فراقه، كما قيل [من الطويل]:
وَقَدْ تُخْرِجُ الْحَاجَاتُ يَا أُمَّ مَالِكِ نَفَائِسَ مِنْ رَبِّ بِهِنَّ ضَنِينُ
فإذا رُدّ عليه المبيع مع ثمنه ذهب الهمّ عنه، وثبت فرحه، وقُضيت
حاجته، فكيف مع ما انضم إلى ذلك من الزيادة في الثمن. انتهى(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المفهم)) ٤ /٥٠٤.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٦٠٢/٦.

٧٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله
هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه (١):
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢ /٤٠٩١ و٤٠٩٢ و ٤٠٩٣ و٤٠٩٤ و ٤٠٩٥
و٤٠٩٦ و٤٠٩٧ و٤٠٩٨ و٤٠٩٩ و٤١٠٠] وتقدم في ((كتاب صلاة المسافرين
وقصرها)) [١٦٥٦/١٢ و١٦٥٧/١٣ و١٦٥٨] (٧١٥)، و(البخاريّ) في ((الصلاة))
(٤٤٣) و((البيوع)) (٢٠٩٧) و((الوكالة)) (٢٣٠٩) و((الهبة)) (٢٦٠٤)، و(أبو داود)
(٢٨٣/٣)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٥٣)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٧]
٢٩٧ و٢٩٨) و((الكبرى)) (٤٤/٤)، و(ابن ماجه) ٢٢٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٢٢٣/٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٥٨)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٩٩/٣ و٣٩٢)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٠٦٩)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٥٠/١٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٤٨/٣ و٢٤٩)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤١/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥
٣٣٧) و((المعرفة)) (٣٧٤/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(٢):
١ - (منها): بيان جواز بيع البعير، واستثناء ركوبه.
٢ - (ومنها): بيان أنه إذا باع بشرط لا يتنافى مع مقصود العقد، جاز
البيع والشرط.
٣ - (ومنها): جواز المساومة لمن يُعَرِّض سلعته للبيع.
٤ - (ومنها): جواز المماكسة في المبيع قبل استقرار العقد، وابتداء
المشتري بذكر الثمن.
٥ - (ومنها): أن القبض ليس شرطاً في صحة البيع.
(١) سبق تخريج هذا الحديث في ((كتاب الصلاة))، وإنما أعدته هنا لأني نسيت تخريج
ما في هذا الكتاب هناك، فتنبّه.
(٢) المراد فوائد حديث جابر ظه بجميع رواياته المختلفة المذكورة عند المصنّف،
وعند غيره التي أشرت إليها في الشرح، فتنبّه.