Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٨)
يَحْتَجّ بإطلاقه من لم يقل بسدِّ الذرائع، وهو الشافعيّ، وأبو حنيفة، وكافتهم،
فأجازوا شراء الْبَرْنيّ مثلاً ممن باع منه الجمع، ومنعه مالك تَخْتُ على أصله في
سدِّ الذرائع، فإن هذه الصورة تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلاً، ويكون
الثمن لغواً، ولا حجَّة لهم في هذا الحديث؛ لأنَّه وَّهِ لم يَنُصّ على جواز شراء
التمر الثاني ممن باع منه التمر الأول، ولا تناولَه ظاهر اللفظ بعموم، بل
بإطلاقه، والمطلق يَحْتَمِل التقييد احتمالاً يوجب الاستفسار، فكأنه إلى الإجمال
أقرب، وبهذا فرق بين العموم والإطلاق، فإن العموم ظاهر في الاستغراق،
والمطلق صالح له، لا ظاهر فيه، وإذا كان كذلك فيتقید بأدنی دلیل، وقد دلَّ
على تقييده الدليلُ الذي دلَّ على سدِّ الذرائع، كما بيَّنَّاه في الأصول، وقد نصَّ
ابن عبّاس ﴿ها على مَنْع مثل هذا، حيث مَنَع فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب
والطعام مُرْجأ؟
وفي هذا الحديث من الفقه: جواز اختيار طيبات الأطعمة دون أدانيها،
وجواز الوكالة، وفيه ما يدلُّ على أن البيوع الفاسدة كلَّها تفسخ، وتُرَدُّ إذا لم
تَفُتْ. انتهى(١).
والحديث تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٧٨] (١٥٩٥) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ
مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ
تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ، وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ الثَّمْرِ، فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنٍ
بِصَاعٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ إِ، فَقَالَ: ((لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ، وَلَا
صَاعَيْ حِنْطَةٍ (٢) بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنٍ))).
(١) ((المفهم)) ٤ /٤٨٢ - ٤٨٣.
(٢) وفي نسخة: ((لا صاعين تمراً، ولا صاعين حنطةً)).
٦٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ،
ثم الكوفيّ، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٣ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
والباقون ذُكروا في الباب، و((إسحاق بن منصور)) هو: الْكَوْسج،
و((يحيى)) هو ابن أبي كثير، و((أبو سعيد)) هو: الخدريّ
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َُّهُ أنه (قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ) بضمّ أوله، مبنيّاً
للمفعول؛ أي: نُعْطَى، وكان هذا العطاء مما كان رسول الله وَلا يَقسمه فيهم
مما أفاء الله تعالى عليهم من خيبر، قاله في ((الفتح))(١). (تَمْرَ الْجَمْع) بفتح،
فسكون (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) أي: في زمنه، ثم فسّر الْجَمْعِ بقوله: (وَهُوَ
الْخِلْطُ) بكسر الخاء المعجمة، وسكون اللام، آخره طاء مهملة: هو المختلط
من أنواع شتّى، وإنما خُلط لرداءته، وجمعه: أخلاطٌ(٢)، وقوله: (مِنَ التَّمْرِ)
بيان للخِلْط (فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنٍ) أي: من الجمع (بِصَاعِ) أي: من النوع الجيّد،
كالْجَنيب، والْبَرْنيّ (فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَه، فَقَالَ: ((لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ)
بنصب (صاعَي))؛ لأن ((لا)) هي النافية للجنس، تعمل عمل ((إنّ))، فتنصبُ
اسمها إذا كان مضافاً، كهذا، أو شبيهاً بالمضاف، كقولك: لا طالباً للعلم
ممقوت، وإلى هذا أشار ابن مالك تَخْذّثُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
عَمَلَ ((إِنَّ) اجْعَلْ لِ((لا)) فِي النَّكِرَهْ مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَةْ
(١) ((الفتح)) ٣١١/٤.
(٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ص ٣٨٧.
٦٨٣
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٨)
فَانْصِبْ بِهَا مُضَافاً اوْ مُضَارِعَهْ وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ اذْكُرْ رَافِعَهْ
و((صاعي)) أصله ((صاعين))، حُذفت نون؛ لإضافته إلى ((تمر))، كما قال
في ((الخلاصة)):
نُوناً تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَ«طُورٍ سِينَا))
والمعنى: لا يحلّ لكم أن تبيعوا صاعين من تمر بصاع منه، وإن اختلفا
في الْجَودة.
ووقع في بعض النسخ: ((لا صاعين تمراً، ولا صاعين حنطةً))، وعليه
فـ(تمراً))، و((حنطةً)) منصوبان على التمييز.
(وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ) أي: لا تبيعوا صاعي حنطة، بصاع منها،
وقوله: (وَلَا دِرْهَمَ) بالبناء علَّى الفتح من غير تنوين؛ لأنه اسم ((لا)) غير
مضاف، ولا شبيهٌ به، كما أسلفت بحثه آنفاً (بِدِرْهَمَيْنٍ))) أي: ولا تبيعوا درهماً
واحداً بدرهمين، فإنه من الربا الذي توعّد الله رَ آكله بقوله: ﴿الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ الآية
[البقرة: ٢٧٥]، ولعنه رسول الله ◌َي فيما يأتي للمصنّف من حديث جابر
((لعن رسول الله * آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء))،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٧٨/٣٩] (١٥٩٥)، و(البخاريّ) في ((البيوع)»
(٢٠٨٠)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٧٢) و((الكبرى)) (٢٥/٤)، و(ابن ماجه)
في ((التجارات)) (٢٢٥٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٩١/١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٤٩/٣ و٥٠) و((الكبرى)) (٢٥/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/
٣٩٠ و٣٩١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٢٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح
معاني الآثار)) (٦٨/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩١/٥)، والله تعالى
أعلم.
٦٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٧٩] (١٥٩٤ (١)) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ
الصَّرْفِ، فَقَالَ: أَيَداً بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ،
فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: أَيَداً بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:
فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ، فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ، قَالَ: فَوَ اللهِ لَقَدْ
جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللهِ،وَّهِ بِتَمْرٍ، فَأَنْكَرَهُ، فَقَالَ: ((كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرٍ
أَرْضِنَا؟»، قَالَ: كَانَ فِي تَمْرِ أَرْضِنَا - أَوْ فِي تَمْرِنَا - الْعَامَ بَعْضُ الشَّيْءِ، فَأَخَذْتُ
هَذَا، وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: ((أَضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ، لَا تَقْرَبَنَّ هَذَا، إِذَا رَابَكَ مِنْ
تَمْرَِ شَيْءٌ، فَبِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ) المعروف بابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) هو: ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط
قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة العبديّ؛ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ
عَبَّاسِ) ﴿هَا (عَنِ الصَّرْفِ) أراد بالصرف هنا بيع الذهب بالذهب متفاضلاً
(فَقَالَ: أَيَداً بِيَدٍ؟) أي: أتبيعه مقابضةً بلا تأخير البدلين، أو أحدهما؟ (قُلْتُ:
نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ) وفي الرواية التالية: ((سألت ابن عمر، وابن عباس
(١) هذا رقم مكرّر، فليُتنبّه.
٦٨٥
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٩)
عن الصرف، فلم يريا به بأساً))، قال النوويّ تَخْذُ: معنى ذلك أن ابن عمر وابن
عباس ما كانا يعتقدان أنه لا ربا فيما كان يداً بيد، وأنه يجوز بيع درهم
بدرهمين، ودينار بدينارين، وصاع تمر بصاعين من التمر، وكذا الحنطة، وسائر
الربويات كانا يريان جواز بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلاً، وأن الربا لا يحرم
في شيء من الأشياء، إلا إذا كان نسيئة، وهذا معنى قوله: أنه سألهما عن
الصرف، فلم يريا به بأساً، يعني الصرف متفاضلاً، كدرهم بدرهمين، وكان
معتمدهما حديث أسامة بن زيد: ((إنما الربا في النسيئة))، ثم رجع ابن عمر، وابن
عباس ◌ًا عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلاً حين بلغهما
حديث أبي سعيد ظُه، كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحاً، وهذه الأحاديث
التي ذكرها مسلم تدلّ على أن ابن عمر، وابن عباس ظًا لم يكن بلغهما حديث
النهي عن التفاضل في غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه. انتهى(١).
(فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسِ)
(فَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َظُ
(عَنِ الصَّرْفِ) أي: بيع الذهب بالذهب متفاضلاً (فَقَالَ: أَيَداً بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ،
قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ) أبو سعيد ◌َ﴿هُ (أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟) يعني ابن عبّاس (إِنَّا
سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ، فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ) أي: بهذه الفتوى (قَالَ) أبو سعيد: (فَوَ الهِ لَقَدْ جَاءَ
بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللهَِّهِ بِتَمْرٍ) تقدّم أنه بلال
(فَأَنْكَرَهُ) أي: أنكر ◌َّ
ذلك التمر؛ لكونه ليس من تمرّهم (فَقَالَ: «كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أَرْضِنَا؟»،
قَالَ) ذلك الفتى (كَانَ فِي تَمْرٍ أَرْضِنَا - أَوْ) للشكّ من الراوي (فِي تَمْرِنَا - الْعَامَ)
منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ((كان)) أي: وجد في هذا العام في تمرنا (بَعْضُ
الشَّيْءِ) أي: من الرداءة (فَأَخَذْتُ هَذَا) التمر الجيّد (وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ) أي:
زدت في كيل التمر الرديء؛ ليكون مقابلاً لجودته (فَقَالَ) وَِّ («أَضْعَفْتَ) أي:
اشتريت بالضعف (أَرْبَيْتَ) أي: عاملت بالربا (لَا تَقْرَبَنَّ) بفتح الراء، وتُضمّ،
يقال: قَرِبتُ الأمرَ أقرَبه، من باب تَعِب، وفي لغة من باب نصر قرباناً بالكسر:
إذا فعلته، أو دانيته، ومن الأول: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِفٌ﴾ الآية [الإسراء: ٣٢]، ومن
الثاني: ((لا تقرَبِ الْحِمَى))(٢)، وقوله: (هَذَا) مفعول ((تقربنّ)) (إِذَا رَابََكَ مِنْ
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣/١١ - ٢٥.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٩٦/٢.
٦٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
تَمْرَِكَ شَيْءٌ) أي: أوقعك في الشكّ، قال ابن الأثير تَلَقُ: الريبُ: الشكّ،
وقيل: هو الشكّ مع التُّهْمة، يقال: رابني الشيءُ، وأرابني: بمعنى شكَّكني،
وقيل: أرابني في كذا؛ أي: شكّكني، وأوهَمني الريبةَ فيه، فإذا استيقنته قلتَ:
رابني بغير ألف. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ تَخُّْهُ: ((الرَّيبُ)): الظنّ والشكّ، ورَابَنِي الشيءُ يَرِيبُنِي: إذا
جعلك شاكّاً، قال أبو زيد: رَابَنِي من فلان أمرٌ يَرِيبُنِي رَيْباً: إذا استيقنتَ منه
الرِّيبَةَ، فإذا أسأت به الظنّ، ولم تستيقن منه الرِّيبَةَ قلتَ: أَرَابَنِي منه أمرٌ هو فيه
إِرَابَةً، وأَرَابَ فلان إِرَابَةً، فهو مُرِيبٌ: إذا بلغك عنه شيءٌ، أو توهمته، وفي
لغة هذيل: أَرَابَنِي بالألف، فَرِبْتُ أنا، وارْتَبْتُ: إذا شككتَ، فأنا مُرْتَابٌ،
وزيد مُرْتَابٌ منه، والصلة فارقة بين الفاعل والمفعول، والاسم: الرِّيبَةُ،
وجمعها: رِيَبُ، مثل سِذْرَةٍ وسِدَرٍ. انتهى(٢).
(فَِعْهُ) أي: بع التمر الذي رابك منه شيء (ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ)))
أي: اشتر بثمن التمر الذي بعته التمر الذي تريد شراءه، وهو الجيّد، فقوله:
(الذي)) مفعول ((اشتر))، و((من التمر)) بيان للموصول، والمراد: التمر الجيّد،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف رَآتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٧٩/٣٩ و٤٠٨٠] (١٥٩٤)، و(أحمد) في
((مسنده)) (١٠/٣ و٦٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٣٨٩/٣ و٣٩٥)، و(أبو
يعلى) في ((مسنده)) (٥١٨/٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٦٨/٤
و١٠٦ و١١٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨١/٥ و٢٨٦) و((الصغرى)) (٥٪
٣٧) و((المعرفة)) (٣٠٥/٤)، والله تعالى أعلم.
(١) ((النهاية)) ٢٨٦/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٤٧/١.
٦٨٧
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٨٠)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٨٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا
دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّرْفِ، فَلَمْ يَرَبَا
بِهِ بَأْساً، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: مَا زَادَ
فَهُوَ رِباً، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَا أُحَدِّئُكَ إِلَّ مَا سَمِعْتُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَِّ، جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرِ طَيِّبٍ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ ◌َِِّ هَذَا
اللَّوْنَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَِّ: ((أَنَّى لَكَ هَذَاً؟))، قَالَ: انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنٍ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ
هَذَا الصَّاعَ، فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا، وَسِعْرَ هَذَا كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِهِ:
(وَيْلَكَ أَرْبَيْتَ إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ، فَبِعْ تَمْرََكَ بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ اشْتَرٍ بِسِلْعَتِكَ، أَّ تَمْرٍ
شِئْتَ))، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمْرُ بِالثَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِباً، أَمَ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟
قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ، فَتَهَانِي، وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ - قَالَ - فَحَدَّثَنِي أَبُو
الصَّهْبَاءِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى، تقدّم قريباً.
٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
و(«أبو نضرة))، و((أبو سعيد الخدريّ)) ذُكرا قبله.
وقوله: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّرْفِ، فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْساً) قال
القرطبيّ كَّلُهُ: يعني به صرف الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، سألهما عن
التفاضل بينهما، فأفتياه بالجواز أخذاً منهما بظاهر قوله ويتلقى: ((إنما الربا في
النسيئة))، فإن هذا اللفظ ظاهره الحصر، فكأنه قال: لا ربا إلا في النسيئة،
وهكذا وقع هذا اللفظ في البخاريّ، وهو مقتضى قوله هنا: ((لا ربا فيما كان
يداً بيد))، فينتفي ربا الفضل، وقد قدَّمنا أن هذا الخلاف شاذٍّ، متقدَّم، مرجوع
٦٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
عنه، كما قد نَصّ عليه هنا من رجوع ابن عمر، وابن عبّاس عنه. انتهى(١).
وقوله: (فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا) أي: أنكرت قول أبي سعيد: فهو ربا؛
لأجل فتوى ابن عمر، وابن عبّاس ﴿ه بجوازه، وإنما أنكره ظنّا منه أن أبا
سعيد قاله برأيه، مثل ما قالا، فبيّن له أبو سعيد ﴿به بأنه إنما قال له مستدلاً
بما سمعه من رسول الله *، لا بما استنبطه بفهمه كما فعلا.
وقوله: (صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ) صاحب النخل تقدّم أنه
بلالٌ ﴿ته، ومعنى كونه صاحب نخَّه: قيامه بخدمة نخله، وإحضار ما يصلح
للأكل منها إليه.
وقوله: (وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ وَلِ هَذَا اللَّوْنَ) قال القرطبيّ كَُّ: يشير به إلى
أنه نوع رديء من التمر، وهو الذي سُمّي في الحديث المتقدّم بالجمع.
(٢)
انتھی(٢).
وقوله: (أَنَّى لَكَ هَذَا؟) أي: من أين لك هذا التمر الجيّد؟
وقوله: (وَيْلَكَ أَرْبَيْتَ) أي: عاملت بالربا.
وقوله: (فَالثَّمْرُ بِالثَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِباً، أَم الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟) قال
القرطبيّ تَّتُهُ: هذا استدلال نظريّ ألحق فيه الفرعَ بالأصل بطريق الأولى
والأحق، وهي أقوى طرق القياس، ولذلك وافق على القول به أكثر منكري
القياس، وقد بيَّنَاه في الأصول، وكأنّ أبا سعيد به إنما عَدَل إلى هذه
الطريقة؛ لأنه لم يحضره شيء من نصوص حديث عبادة، وفضالة المتقدِّمة،
وهي أحقّ وأولى بالاستدلال بها على ذلك. انتهى(٣).
وقوله: (فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ أي: بعدما سمعت من
أبي سعيد ﴿ه تحريم ربا الفضل.
وقوله: (فَنَهَانِي) هذا تصريح بأن ابن عمر ظّ رجع عن قوله في
الصرف، وكونه لا يرى بأساً في التفاضل فيه.
وقوله: (فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ) هو: صُهيب البكريّ البصريّ، ويقال:
(١) ((المفهم)) ٤٨٤/٤.
(٣) ((المفهم)) ٤ /٤٨٦.
(٢) ((المفهم)" ٤٨٥/٤ - ٤٨٦.
٦٨٩
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٨١)
المدنيّ، مولى ابن عبّاس، صدوقٌ(١) [٤].
رَوَى عن مولاه ابن عباس، وابن مسعود، وعليّ بن أبي طالب.
وروى عنه سعيد بن جبير، ويحيى بن الجزار، وأبو معاوية البجليّ، وأبو
نضرة العبديّ، وطاووس.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال النسائيّ: أبو الصهباء صهيب بصريّ ضعيف،
وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وله ذكر في ((صحيح مسلم)) في هذا الباب، وأخرج له أبو داود،
والنسائي.
وقوله: (سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَهُ) هذا ظاهر في أن ابن
عبّاس ◌ًَّا رجع عن قوله في جواز التفاضل في الصرف، كما رجع ابن
ـا .
عمر
والحديث قد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٨١] (١٥٩٦) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، وَابْنُ أَبِي
عُمَرَ، جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ(٢) - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ عَبَّادٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ يَقُولُ: الدِّينَارُ
بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمَ، مِثْلاً بِمِثْلِ، مَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، فَقُلْتُ لَهُ:
إِنَّ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ غَيْرَ هَّذَا، فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا
الَّذِي تَقُولُ، أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ رَتَ؟
فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)).
(١) هذا هو الأولى، وأما ما قاله في ((التقريب)): إنه مقبول، فغير مقبول؛ لأنه قد روى
عنه جماعة، ووثقه أبو زرعة، والعجليّ، وذكره ابن حبّان، وابن خلفون في
((الثقات))، وتفرّد بتضعيفه النسائيّ، فمثله صدوقٌ. انظر: ((تهذيب الكمال)) مع ما
كُتب في هامشہ ٢٤١/١٣ - ٢٤٢.
(٢) وفي نسخة: ((عن ابن عيينة)).
٦٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم أيضاً
قبل باب.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضاً قبل باب.
٥ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم أيضاً قبل باب.
٦ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
و «أبو سعيد الخدريّ ﴿﴿ښہ)) ذُكر قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي صَالِح) ذكوان السمّان أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ)
(يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ) برفع ((الدينارُ))؛ أي: يباع الدينار بالدينار، ويَحتمل
النصب؛ أي: بيعوا الدينار بالدينار (وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَم، مِثْلاً بِمِثْلٍ) منصوب على
الحاليّة؛ أي: حال كونهما متماثلين في الوزن (مَنْ زَّادَ) أي: على مقدار المبيع
الآخر من جنسه (أَوِ ازْدَادَ) أي: طلب الزيادة، وأخذها (فَقَدْ أَرْبَى) قال
التوربشتيّ: أي أتى الربا وتعاطاه، ومعنى اللفظ: أخذ أكثر مما أعطى، مِنْ رَبا
الشيءُ يربو: إذا زاد، قال الطيبيّ: لعل الوجه أن يقال: أتى الفعل المحرّم؛
لأن من اشترى الفضّة عشرة مثاقيل بمثقال من ذهب، فالمشتري آخذ للزيادة،
وليس برباً. انتهى (١). قال أبو صالح: (فَقُلْتُ لَهُ) أي: لأبي سعيد الخدريّ (إِنَّ
ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا) أي: يقول بجواز التفاضل في بيع الدينار بالدينار،
والدرهم بالدرهم (فَقَالَ) أبو سعيد: (لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ) أي:
أخبرني (هَذَا الَّذِي تَقُولُ) بحذف العائد، وهو جائز، كما قال في ((الخلاصة)):
... وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢١٢٦/٧ - ٢١٢٧.
٦٩١
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٨١)
بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ»
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ
أي: تقوله، والذي يقوله: هو أنه لا ربا في الفضل فيما كان يداً بيد.
(أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ؟ فَقَالَ) ابن
عبّاس (لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِّهِ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللّهِ) وفي رواية
البخاريّ: ((قال: كلَّ ذلك لا أقول))، قال في ((الفتح)): بنصب ((كلَّ)) على أنه
مفعول مقدم، وهو في المعنى نظير قوله {وَّه في حديث ذي اليدين: ((كلُّ ذلك
لم يكن))، فالمنفيّ هو المجموع، وفي رواية مسلم الآتية من طريق عطاء: أن
أبا سعيد، لقي ابن عباس فذكر نحوه، وفيه: ((فقال: كل ذلك لا أقول، أما
رسول الله وَ ﴿، فأنتم أعلم به، وأما كتاب الله، فلا أعلمه))؛ أي: لا أعلم هذا
الحكم فيه، وإنما قال لأبي سعيد: أنتم أعلم برسول الله وَّ مني؛ لكون أبي
سعيد وأنظاره، كانوا أسنّ منه، وأكثر ملازمة لرسول الله وص له. انتهى(١).
(وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) حبّ رسول اللهِ وَّهِ، وابنُ حبّه
المتوفّى سنة (٥٤) وتقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣. (أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ:
((الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)) وفي الرواية التالية: ((إنما الربا في النسيئة))، وفي الرواية
الثالثة: ((لا ربا فيما كان يداً بيد))، وفي رواية: (((ألا إنما الربا في النسيئة))،
وتقدّم من طريق أبي نضرة، قال: ((سألت ابن عباس، عن الصرف؟ فقال: أيداً
بيد؟، قلت: نعم، قال: فلا بأس به، فأخبرت أبا سعيد، فقال: أَوَ قال ذلك؟
إنّا سنكتب إليه، فلا يفتيكموه))، وفي رواية عن أبي نضرة: ((سألت ابن عمر،
وابن عباس ها عن الصرف؟ فلم يريا به بأساً، فإني لقاعد عند أبي سعيد،
فسألته عن الصرف؟ فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك؛ لقولهما، فذكر
الحديث، قال: فحدثني أبو الصهباء، أنه سأل ابن عباس عنه بمكة؟ فكرهه))،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ◌ًا هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٦٤٨/٥.
٦٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٨١/٣٩ و٤٠٨٢ و٤٠٨٣ و٤٠٨٤] (١٥٩٦)،
و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢١٧٨ و٢١٧٩)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (٣/
٥٤٣)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٨١/٧) و((الكبرى)) (٣٢/٤)، و(ابن ماجه)
في ((التجارات)) (٢٢٥٧)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٢٥٩/٢)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٦٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في («مسنده)) (١١٤/١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٠٠/٥ و٢٠٢ و٢٠٤ و٢٠٦ و٢٠٨ و٢٠٩)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٥٩/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٤٢ و٤٤٣)، و(البزّار) في («مسنده)» (٧/
١٠ و١١ و١٢ و١٤ و١٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٩/٢)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (٥٠٢٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٨٧/٣)، و(الطحاويّ) في
(شرح معاني الآثار)) (٦٤/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٠/٥) و((الصغرى))
(٣٧/٥) و((المعرفة)) (٢٩٧/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم بيع الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وهو
الجواز إذا كان مثلاً بمثل، يداً بيد.
٢ - (ومنها): أن في قصة أبي سعید، مع ابن عمر، ومع ابن عباس .
المذكورة أن العالم يناظر العالم، ويوقفه على معنى قوله، ويردّه من الاختلاف
إلى الاجتماع، ويحتجّ عليه بالأدلة.
٣ - (ومنها): أن فيه إقرارَ الصغير للكبير بفضل التقدم.
٤ - (ومنها): أن في السياق دليلاً على أن أبا سعيد، وابن عباس
متفقان، على أن الأحكام الشرعية، لا تطلب إلا من الكتاب، أو السنة، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في الصرف:
الصرفُ - بفتح المهملة -: دفع ذهب، وأخذ فضة وعكسه، وله شرطان:
منع النسيئة مع اتفاق النوع، واختلافه، وهو المجمع عليه، ومنع التفاضل في
النوع الواحد منهما، وهو قول الجمهور، وخالف فيه ابن عمر، ثم رجع، وابن
عباس، واختلف في رجوعه، وقد رَوی الحاکم من طريق حيان العدوي - وهو
٦٩٣
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٨١)
بالمهملة، والتحتانية - سألت أبا مِجْلَز عن الصرف؟ فقال: كان ابن عباس، لا
يرى به بأساً زماناً من عمره، ما كان منه عيناً بعين، يداً بيد، وكان يقول: إنما
الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد، فذكر القصة والحديث، وفيه: ((التمر بالتمر،
والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يداً
بيد، مِثْلاً بمثل، فمن زاد فهو ربا))، فقال ابن عباس: أستغفر الله، وأتوب
إليه، فكان ينهى عنه أشدّ النهي. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بما تقدّم أن ابن عبّاس ◌ُّ ثبت
رجوعه، كما ثبت رجوع ابن عمر ها، فتكون المسألة إجماعية، فلا يجوز ربا
الفضل، كما لا يجوز ربا النسيئة بالإجماع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تأويل حديث أسامة
((لا ربا إلا في النسيئة)):
قال أبو العبّاس القرطبيّ كَُّهُ، ما حاصله: هذا الخلاف شاذّ متقدّم،
مرجوع عنه، كما قد نصّ عليه هنا من رجوع ابن عمر، وابن عبّاس پّ عنه،
وممن قال بقولهما من السلف: عبد الله بن الزبير، وزيد بن أرقم، وأسامة بن
زيد، ولا شكّ في معارضة هذا الحديث لحديث عبادة، وأبي سعيد، وغيرهما،
فإنها نصوصٌ في إثبات ربا الفضل، ولَمّا كان كذلك اختلف العلماء في كيفيّة
التخلّص من ذلك على أوجه، أشبهها وجهان:
[أحدهما]: أن حديث ابن عبّاس منسوخٌ بحديث عبادة، وأبي سعيد، غير
أنهم لم ينقلوا التاريخ صريحاً، وإنما أخذوه من رجوع ابن عبّاس عن ذلك،
ومِنْ عمل الجمهور من الصحابة، وغيرهم، من علماء المدينة على خلاف في
ذلك.
قال القرطبيّ: وهذا لا يدلّ على النسخ، وإنما يدلّ على الأرجحيّة.
[وثانيهما]: أن قوله: ((لا ربا إلا في النسيئة)) إنما مقصوده نفي الأغلظ
الذي حرّمه الله بنصّ القرآن، وتوعّد عليه بالعقاب الشديد، وجعل فاعله
محارباً لله، وذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ
الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ إلى آخر الآيات [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١] وما كانت
٦٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
العرب تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حلّ دَينها قالت للغريم: إما أن تقضي،
وإما أن تُرْبي: أي تزيد في الدين، وهذا هو الذي نسخه النبيّ وَّ يوم عرفة،
لَمّا قال: ((ألا إن كلّ ربا موضوع، وإن أول ربا أضعُهُ ربانا، ربا عباس))، متّفقٌ
عليه. وهذا كما تقول العرب: إنما المال الإبل، وإنما الشجاع عليٍّ، وإنما
الكريم يوسف ابن نبيّ الله، ولا عالم في البلد إلا زيد، ومثله كثير، يعنون
بذلك نفي الأكبر والأكمل، لا نفي الأصل، وهذا واضح، ومما يقرب فيه هذا
التأويل جدّاً رواية من روى: ((لا ربا فيما كان يداً بيد)) أي: لا ربا كثيرٌ، أو
عظيمٌ، كما قال: ((لا صلاة لجار المسجد، إلا في المسجد)) (١) أي: لا صلاة
كاملة.
قال: ويظهر لي وجهٌ آخر، وهو حسنٌ، وذلك أن دلالة حديث ابن
عبّاس على نفي ربا الفضل دلالة بالمفهوم، ودلالة إثباته دلالةٌ بالمنطوق،
ودلالة المنطوق راجحة على دلالة المفهوم، باتّفاق النُّظار. انتهى كلام القرطبيّ
ببعض تصرّف(٢)، وهو بحث مفيد نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ دَّثُ: أما حديث أسامة: ((لا ربا إلا في النسيئة)) فقد قال
قائلون بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل
بظاهره، وهذا يدل على نسخه. وتأوله آخرون تأويلات:
[أحدها]: أنه محمول على غير الربويات، وهو كبيع الدَّين بالدَّين
مؤجلاً، بأن يكون له عنده ثوب موصوف، فيبيعه بعبد موصوف مؤجلاً، فإن
باعه به حالاً جاز.
[الثاني]: أنه محمول على الأجناس المختلفة، فإنه لا ربا فيها من حيث
التفاضل، بل يجوز تفاضلها يداً بيد.
[الثالث]: أنه مجمل، وحديث عبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدريّ،
وغيرهما مُبَيَّن، فوجب العمل بالمبيَّن، وتنزيل المجمل عليه، هذا جواب
الشافعيّ ◌َظَّلُ. انتهى كلام النوويّ ◌َُّهُ(٣).
(١) حديث ضعيف، تقدّم الكلام عليه في ((كتاب الصلاة)).
(٢) (المفهم)) ٤/ ٤٨٤ - ٤٨٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٥/١١ - ٢٦.
٦٩٥
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٨٢ - ٤٠٨٣)
وقال في ((الفتح)): اتَّفَقَ العلماءُ على صحة حديث أسامة، واختلفوا في
الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ، لكن النسخ لا يثبت
بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله: ((لا ربا)) الربا الأغلظ الشديد التحريم،
المتوعدُ عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد،
مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل، لا نفي الأصل، وأيضاً
فنفي تحريم ربا الفضل، من حديث أسامة، إنما هو بالمفهوم، فيقدَّم عليه
حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، ويُحمَل حديث أسامة على الربا
الأكبر، كما تقدم، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب التأويلات: الترجيح بأن
دلالة حديث أسامة بالمفهوم، ودلالة حديث أبي سعيد بالمنطوق، فيرجّح
المنطوق على المفهوم، كما سبق استحسانه في كلام القرطبيّ نَّتُهُ، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[٤٠٨٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرِو - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ:
أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ(٢) قَالَ: ((إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) الليثيّ المكيّ مولى آل قارظ بن شيبة، ثقةٌ
كثير الحديث [٤] (ت١٢٦) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢١/ ٢٦٦٢.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي،
وبالله تعالى التوفيق.
[٤٠٨٣] (.) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ (ح) وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَذَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ،
(١) ((الفتح)) ٦٤٩/٥.
(٢) وفي نسخة: ((عن النبيّ ◌َِّ)).
٦٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((لَا رِباً فِيمَا كَانَ يَدأَ
بِيَدٍ)).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَقَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٣ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٤ - (ُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة
ثبتٌ تغيّر قليلاً [٧] (ت١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢
ص٤١٣.
٥ - (ابْنُ طَاوُسِ) عبد الله اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦]
(ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
٦ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه مستوفّی،
وبالله تعالى التوفيق.
[٤٠٨٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مِقْلٌ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ،
قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ
لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ فِي الصَّرْفِ، أَشَيْئاً سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ؟ أَمْ شَيْئاً وَجَدْتَهُ
فِي كِتَابِ اللّهِ رَنَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلَّا، لَا أَقُولُ، أَمَّا رَسُولُ اللهِ إِ، فَأَنْتُمْ
أَعْلَمُ بِهِ، وَأَمَّا كِتَابُ اللهِ، فَلَا أَعْلَمُهُ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي (١) أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ لهِ قَالَ: ((أَلَا إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ))).
(١) وفي نسخة: ((ولكني حدّثني)).
٦٩٧
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٨٤)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير البغداديّ، أبو صالح القَنْطَريّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦.
٢ - (مِقْلُ) - بكسر الهاء، وسكون القاف ـ ابن زياد السَّكْسَكيّ الدمشقيّ،
نزيل بيروت، قيل: هِقْلٌ لقبٌّ، واسمه محمد، أو عبد الله، وكان كاتب
الأوزاعيّ، ثقةٌ متقنٌ [٩] (ت١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٩٩/٤٤.
٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو الإمام المعروف، تقدّم قريباً.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ) أسلم، تقدّم أيضاً قريباً .
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث :
(عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرحمن بن عمرو؛ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي
ـُ (لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسِ) ◌َّا (فَقَالَ
رَبَاحِ) اسم أبيه أسلم (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) .
لَهُ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (قَوْلَكَ فِي الصَّرْفِ، أَشَيْئاً) منصوب بفعل مقدّر دلّ
عليه ما سبق؛ أي: أتقول شيئاً، ويَحْتَمِل أن يكون منصوباً على الاشتغال؛ أي:
أسمعت شيئاً؟ (سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَرَ؟ أَمْ شَيْئاً وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ رَكَ؟)
قال القرطبيّ تَخُّْ: هذا سؤال منكِرٍ لما سمعه، طالبٍ للحقيقة بالدليل، بَانٍ
على أن لا دليل على الأحكام الشرعيّة إلا الكتاب والسنّة. انتهى(١).
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلَّا) معناها الردع، والزجر؛ أي: ارتدع، وانزجر عما
تقوله، فإني (لَا أَقُولُ) ذلك، قال القرطبيّ كَّقُ؛ أي: لم أسمع فيه من النبيّ ◌َِّ
شيئاً، ولا فَهِمتُ من كتاب الله تعالى، ثم أخذ، فأسند الحديث عن
أسامة ظه، وأخبر أنه سمعه منه، فثبت الحديث بنقله، وهو الإمام العدل،
عن أسامة ذي المآثر والفضل، فلا شكّ في صحّة الحديث، وإنما هو متروك
بأحد الأوجه المتقدّمة، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
(أَمَّا رَسُولُ اللهِ ◌ِ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ) أي: بأحاديثه، فإنَّهم أسنّ منه، وهم
(١) ((المفهم)) ٤٨٦/٤.
(٢) ((المفهم)) ٤٨٦/٤ - ٤٨٧.
٦٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ملازموه حضراً وسفراً، وعندهم من حديثه ما ليس عنده لصغر سنه، وقد بيَّنًّا
أن النبيّ وَّهِ تُوُفِّي وابن عبّاس لم يحتلم، والذي سمع من النبيّ وَّ أحاديث
يسيرة، وأكثر حديثه عن كبار الصحابة ﴿ه، وفي سِنِّهِ يوم تُوُفِّي رسول الله وَلِهـ
ثلاثة أقوال، قيل: عشر، وقيل: خمس عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، قال أبو
عمر: وهو الذي عليه أهل السِّير والعلم، وهو عندي أصح. انتهى(١).
(وَأَمَّا كِتَابُ اللهِ، فَلَا أَعْلَمُهُ) أي: لا أعلم هذا الحكم من كتاب الله رَ
(وَلَكِنْ حَدَّثَنِي) وفي نسخة: ((ولكنّي حدّثني)) (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) ﴿هَا (أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((أَا) أداة استفتاح، وتنبيه (إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)) قد تقدّم
تأويل حديث أسامة هذا، ونزيد هنا ما نُقل عن الإمام الشافعيّ تَخَّتُهُ: يَحْتَمِل
أن يكون أسامة قد سمع رسول الله صل﴿ يُسأل عن الربا في صنفين مختلفين:
ذهبٍ بفضّةٍ، وتمر بحنطةٍ، فقال: ((إنما الربا في النسيئة))، فحفظه أسامة، فأدَّى
قول النبيّ وَّر، ولم يؤدّ مسألة السائل، فكان ما أُدّي منه عند من سمعه: ((لا
ربا إلا في النسيئة)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام الشافعيّ كَُّ في تأويل
حديث أسامة ◌َه: ((لا ربا إلا في النسيئة)) تأويل حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَيْهِ تَوَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤٠) - (بَابُ لَعْنِ آكِلِ الرِّبَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٨٥] (١٥٩٧) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -
وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ،
قَالَ: سَأَ شِيَكْ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنَا عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، قَالَ: قُلْتُ: وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ؟ قَالَ: إِنَّمَا نُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْنَا).
(١) ((المفهم)) ٤/ ٤٨٧.
٦٩٩
(٤٠) - بَابُ لَعْنِ آكِلِ الرِّبَا - حديث رقم (٤٠٨٥)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير
[١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، ثقةٌ، صحيح
الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (مُغِيرَةٌ) بن مِقْسَم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ
متقنٌّ، إلا أنه يدلّس، ولا سيّما عن إبراهيم [٦] (ت١٣٦) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٤/ ٢٥.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ
يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد [٢]
مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٢/٦.
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير المتوفى سنة (٣٢) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ١١/٣.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ هو خاله،
وفيه ابن مسعود رائه من مشاهير الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ مُغِيرَةَ) بضمّ الميم، وكسرها ابن مِقْسَم الضبيّ؛ أنه (قَالَ: سَأَلَ شِبَاك
إِبْرَاهِيمَ) قال الحافظ الجيّانيّ تَّفُهُ: هكذا في نسخة الجلوديّ أن الذي سأل
إبراهيم هو شباك الضبيّ، ووقع في نسخة أبي العلاء بن ماهان: ((عن مغيرة
قال: سألت إبراهيم، فحدّثنا عن علقمة، عن عبد الله إلخ))، قال: وشِباك هذا
كوفيّ مشهور بالرواية عن إبراهيم النخعيّ. انتهى كلام الجيّاني بتصرّف(١).
(١) راجع: ((تقييد المهمل)» ٨٦٧/٣.
٧٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
و(شِباك)) - بكسر الشين المعجمة، ثم موحّدة خفيفة، ثم كاف - الضبيّ
الكوفيّ الأعمى، ثقة [٦]، له ذكر في ((صحيح مسلم)) في هذا الموضع، ولا
رواية له، كما نبّه عليه في ((تهذيب التهذيب))(١).
(فَحَدَّثَنَا) أي: إبراهيم (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النخعيّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن
مسعود ظُه؛ أنه (قَالَ: لَعَنَ) بالبناء للفاعل، وفاعله (رَسُولُ اللهِ وَِّ آكِلَ الرِّبَا)
بالنصب على المفعوليّة؛ أي: آخذه، وإن لم يأكل، وإنما خَصّ الأكل؛ لأنه
أعظم أنواع الانتفاع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى ظُلْمًا﴾
الآية [النساء: ١٠].
(وَمُؤْكِلَهُ) بهمز، ويُبدل؛ أي: معطيه لمن يأخذه، وإن لم يأكل منه؛ نظراً
إلى أن الأكل هو الأغلب، أو الأعظم كما تقدم.
قال الخطابيّ تَكْثُ: سَوّى رسول الله وَل* بين آكل الربا ومُؤْكِله؛ إذ كلٌّ لا
يتوصل إلى أكله إلا بمعاونته ومشاركته إياه، فهما شريكان في الإثم، كما كانا
شريكين في الفعل، وإن كان أحدهما مُغْتَبِطاً بفعله؛ لِمَا يستفضله من البيع،
والآخر مُنْهَضِماً؛ لِمَا يلحقه من النقص، ولله رَّك حدود، فلا تُتجاوز في وقت
الوجود من الربح والعدم، وعند العسر واليسر، والضرورةُ لا تلحقه بوجه في
أن يوكله الربا؛ لأنه قد يجد السبيل إلى أن يتوصل إلى حاجته بوجه من وجوه
المعاملة والمبايعة، ونحوها.
قال الطيبيّ كَّلُهُ: لعل هذا الاضطرار إنما يَلحق بالموكل، فينبغي أن
يَحترز عن صريح الربا، فيتشبّث بوجه من وجوه المبايعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ
اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِبَواْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]، لكن مع وَجَل وخوف شديد عسى الله
أن يتجاوز عنه، ولا كذلك الآكل. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَّلهُ: آكل الربا آخذه، وعبَّر عن الأخذ بالأكل؛ لأن
الأخذ إنما يُرَاد للأكل غالباً؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَّمَى
خُظُلْمًا﴾؛ أي: يأخذونها، فإنه لم يعلّق الوعيد على أموال اليتامى من حيث
الأكل فقط، بل من حيث إتلافها عليهم بأخذها منهم، وموكل الربا: معطيه.
وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((الآخذ والمعطي فيه سواء)»، وفي معنى
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ١٤٩/٢.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٣/٦.