Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٩)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم بيع الخمر، وهو التحريم.
٢ - (ومنها): التشديد في التجارة بالخمر، حيث قرنه الشارع بالربا
المتوعّد عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِ ﴾ الآية
[البقرة: ٢٧٩].
٣ - (ومنها): اهتمام الشارع بشأن الربا، والخمر حيث أشاعه في
المسجد على المنبر تأكيداً، وتشديداً في تحريمه.
[فائدة]: قال الإمام البخاريّ تَكْثُ في ((كتاب التفسير)) من ((صحيحه)):
((بابُ ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، ثم أخرج عن ابن
عبّاس ﴿ّ قال: آخر آية نزلت على النبيّ وَل ـ آية الربا)).
فقال في ((الفتح)): كذا ترجم المصنّف بقوله: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى
اللّه﴾، وأخرج هذا الحديث بهذا اللفظ، ولعله أراد أن يجمع بين قولي ابن
عباس، فإنه جاء عنه ذلك من هذا الوجه، وجاء عنه من وجه آخر: ((آخر آية
نزلت على النبيّ وَلّ: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾، وأخرجه الطبريّ من
طُرُق عنه، وكذا أخرجه من طُرُقِ جماعةٍ من التابعين، وزاد عن ابن جريج
قال: يقولون: إنه مكث بعدها تسع ليال، ونحوه لابن أبي حاتم، عن سعيد بن
جبير، ورُوي عن غيره أقلُّ من ذلك، وأكثر، فقيل: إحدى وعشرين، وقيل:
سبعاً .
وطريق الجمع بين هذين القولين أن هذه الآية هي ختام الآيات الْمُنَزَّلة
في الربا؛ إذ هي معطوفة عليهنّ.
وأما ما سيأتي في آخر ((سورة النساء)) من حديث البراء: ((آخر سورة
نزلت براءة، وآخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ [النساء:
١٧٦]، فيُجمع بينه وبين قول ابن عباس بأن الآيتين نزلتا جميعاً، فيصدُق أن
كلّاً منهما آخر بالنسبة لِمَا عداهما.
ويَحْتَمِل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيَّدةً بما يتعلق بالمواريث مثلاً،
بخلاف آية البقرة، ويَحتَمِل عكسه، والأول أرجح؛ لِمَا في آية البقرة من
الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول.

٥٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وحَكَى ابن عبد السلام أن النبيّ ◌َّ عاش بعد نزول الآية المذكورة أحداً
وعشرين يوماً، وقيل: سبعاً.
[النصر: ١]؛ أنها
وأما ما ورد في ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
آخر سورة نزلت، مع ما ورد في سورة براءة أنها آخر سورة نزلت، فيُجمع بأن
آخرية سورة النصر نزولها كاملةً بخلاف براءة(١).
[تنبيه]: المراد بالآخرية في الربا تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة
البقرة، وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة، على ما يدل
عليه قوله تعالى في آل عمران في أثناء قصة أُحد: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَأْكُلُواْ الرِّبَوْاْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٠]. انتهى(٢)، والله تعالى
أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٤٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ
الآيَاتُ مِنْ آخِرٍ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا - قَالَتْ - خَرَجَ رَسُولُ اللهِوَّهِ إِلَى
الْمَسْجِدِ، فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَّةً) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريباً أيضاً.
٤ - (الأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله، و((مسلم)) هو: أبو الضُّحَى المذكور في السند
الماضي.
(١) راجع: ((الفتح)) ١٣٤/١١ ((تفسير سورة النصر) رقم (٤٩٦٨).
(٢) ((الفتح)) ٧٠٦/٩ - ٧٠٧ رقم (٤٥٤٤).

٥٤٣
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٤١)
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي
قبله، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٤١] (١٥٨١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِلَهـ
يَقُولُّ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةُ: ((إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْئَةِ،
وَالْخِنْزِيرٍ (١)، وَالأَصْنَام)، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى
بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَاَ الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: (لَا، هُوَ حَرَامٌ))، ثُمَّ
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللهَ لَمَّا رَكْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ
شُحُومَهَا، أَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم قبل بابين.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل
[٥] (ت١٢٨) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ) تقدّم قريباً .
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ﴿يًّا، تقدّم قبل باب.
[تنبيه]: هذا الحديث مما اتّفق عليه الشيخان سنداً ومتناً، فقد رواه
البخاريّ عن قتيبة بهذا السند.
شرح الحديث:
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح) اسم أبيه: أسلم، وقد بَيَّنَ البخاريّ تَُّ برواية
علّقها أن يزيد بن أبي حبيبً لم يسمعه من عطاء، وإنما كَتَب به إليه، ونصّه:
(١) وفي نسخة: ((ولحم الخنزير)).

٥٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
((وقال أبو عاصم: حدّثنا عبد الحميد(١)، حدّثنا يزيد، كتَب إليّ عطاء، سمعت
جابراً ظه، عن النبيّ وَّ﴾)). انتهى.
قال الحافظ تَقْذُ: وليزيد فيه إسناد آخر، ذكره أبو حاتم في ((العلل)) من
طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب،
عن عمرو بن الوليد بن عبدة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال ابن أبي
حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: قد رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد، عن
عطاء، ويزيد لم يسمع من عطاء، ولا أعلم أحداً من المصريين رواه عن يزيد
متابعاً لعبد الحميد بن جعفر، فإن كان حفظه فهو صحيح؛ لأن محله الصدق.
قال الحافظ: قد اختلف فيه على عبد الحميد، ورواية أبي عاصم عنه
الموافقة لرواية غيره عن يزيد أرجح، فتكون رواية حاتم بن إسماعيل شاذّةً.
(٢)
.
انتھی
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿يَا، في رواية أحمد، عن حجاج بن محمد،
عن الليث، بسنده: ((سمعت جابر بن عبد الله بمكة)) (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَالم
يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ) جملة حاليّة من ((رسول الله (ێ))، وفيه بيان تاريخ
ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ويَحْتَمل أن يكون التحريم وقع قبل
ذلك، ثم أعاده ليسمعه من لم يكن سمعه(٣).
((إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ) قال في ((الفتح)): هكذا وقع في ((الصحيحين))
بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد، وكان الأصل: حَرَّما، فقال القرطبيّ تَخْشُهُ:
إنه وَلجر تأذَّب، فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين؛ لأنه من نوع ما
رَدَّ به على الخطيب الذي قال: ((ومن يعصهما))، كذا قال، ولم تتفق الرواة في
هذا الحديث على ذلك، فإن في بعض طرقه في ((الصحيح)): ((إن الله حَرَّم))،
ليس فيه ((ورسوله))، وفي رواية لابن مردويه من وجه آخر، عن الليث: ((إن الله
ورسوله حَرَّما))، وقد صح حديث أنس رُه في النهي عن أكل الحمر الأهلية:
((إن الله ورسوله ينهيانكم))، ووقع في رواية النسائيّ في هذا الحديث:
(١) هو ابن جعفر الأنصاريّ المدنيّ المتوفى سنة (١٥٣هـ).
(٢) ((الفتح)) ٧١٦/٥.
(٣) ((الفتح)) ٧١٧/٥.

٥٤٥
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٤١)
((ينهاكم))، والتحقيق جواز الإفراد في مثل هذا، ووجهه الإشارة إلى أن أمر
النبيّ وَّ ناشئ عن أمر الله تعالى، وهو نحو قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ
يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، والمختار في هذا أن الجملة الأولى حُذِفت لدلالة الثانية
عليها، والتقدير عند سيبويه: والله أحقّ أن يرضوه، ورسوله أحقّ أن يرضوه،
وهو كقول الشاعر:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْـدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وقيل: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ خبر عن الاسمين؛ لأن الرسول ◌َّ تابع
لأمر الله ميل﴾(١).
(بَيْعَ الْخَمْرِ) قال الفيّوميّ تَخْذُ: الخَمْرُ: معروفة، تُذَكَّر، وتُؤنَّث، فيقال:
هو الخَمْرُ، وهي الخَمْرُ، وقال الأصمعيّ: الخَمْرُ أنثى، وأنكر التذكير، ويجوز
دخول الهاء، فيقال: الخَمْرَةُ، على أنها قطعة من الخَمْرِ، كما يقال: كُنّا في
لحمةٍ، ونبيذٍ، وعَسَلةٍ؛ أي في قطعة من كلّ شيء منها، ويُجْمَعِ الخَمْرُ على
الخُمُورِ، مثل فَلْس وفُلُوس، ويقال: هي اسم لكلّ مسكر، خَامَرَ العقلَ؛ أي
غطاه. انتهى (٢).
(وَالْمَيْتَةِ) - بفتح الميم - ما زالت عنه الحياة، لا بذكاة شرعية، والْمِيتة -
بالكسر - الهيئةُ، وليست مرادةً هنا، ونَقَل ابن المنذر وغيره الإجماع على
تحريم بيع الميتة، ويُسْتَثْنَى من ذلك السمك والجراد.
(وَالْخِنْزِيرِ) وفي بعض النسخ: ((ولحم الخنزير)) (وَالأَصْنَامِ) بالفتح: جمع
صنم، قال الجوهريّ: هو الوثن(٣)، وقال غيره: الوثن ما له جُّثّة، والصنم ما
كان مُصَوَّراً، فبينهما عموم وخصوص وجهيّ، فإن كان مصوراً، فهو وثن
وصنم (٤).
وقال الفيّوميّ كَُّهُ: الصَّنَمُ يقال: هو الوثن المتَّخَذ من الحجارة، أو
الخشب، ويُروَى عن ابن عباس ظْهَا، ويقال: الصَّنَمُ: المتخَذ من الجواهر
المعدنية التي تذوب، والوَثَنُ: هو المتخذ من حجر، أو خشب، وقال ابن
(١) (الفتح)) ٧١٧/٥.
(٣) (الصحاح)) ص٦٠٣.
(٢) («المصباح)) ١٨١/١ - ١٨٢.
(٤) ((الفتح)) ٧١٦/٥.

٥٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
فارس: الصَّنَمُ: ما يُتَّخَذ من خشب، أو نحاس، أو فضة. انتهى(١).
(فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) قال الحافظ تَُّ: لم أقف على تسمية القائل،
وفي رواية عبد الحميد: ((فقال رجلٌ)) (أَرَأَيْتَ) بمعنى أخبِرنا (شُحُومَ الْمَيْتَةِ)
جمع شَحْم، كفَلْس وفُلُوس (فَإِنَّهُ يُطْلَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يُلطخ (بِهَا
السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ) ببناء الفعل للمفعول، يقال: دَهَنتُ الشعرَ وغيره،
من باب قَتَل: إذا طليته، يعني أن تلك الشحوم تُطلى بها الجلود (وَيَسْتَصْبِحُ)
بالبناء للفاعل (بِهَا النَّاسُ؟) أي ينوّرون بها مصابيحهم، فهل يَحِلّ لنا بها
الانتفاع بالبيع وغيره؟ لِمَا ذُكِر من المنافع، فانها مقتضية لصحة ذلك (فَقَالَ) وَه
((لَا، هُوَ حَرَامٌ)))، الظاهر أن الضمير للانتفاع؛ أي الانتفاع بشحوم الميتة
حرامٌ، وهذا قاله أكثر العلماء.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((هو حرامٌ)) أي البيع حرامٌ، هكذا فسَّره بعض
العلماء، كالشافعيّ، ومن اتبعه، ومنهم من حمل قوله: ((هو حرام)) على
الانتفاع، فقال: يَحْرُم الانتفاع بها، وهو قول أكثر العلماء، فلا يُنتَفَع من الميتة
أصلاً عندهم، إلا ما خُصّ بالدليل، وهو الجلد المدبوغ، واختلفوا فيما
يتنجس من الأشياء الطاهرة، فالجمهور على الجواز، وقال أحمد، وابن
الماجشون: لا يُنتفَع بشيء من ذلك، واستدلّ الخطابيّ على جواز الانتفاع
بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلاب الصيد، فكذلك
يسوغ دَهْنُ السفينة بشحم الميتة، ولا فرق. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بتحريم الانتفاع بشحوم الميتة مطلقاً هو
الحقّ؛ لظاهر هذا الحديث، ولقوله ﴿ في الفأرة إذا وقعت في السمن: ((وإن
كان مائعاً فلا تقربوه))، وهو حديث صحيح، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ) أي طردهم، وأبعدهم
من رحمته، وقال القرطبيّ تَظُّ: قوله: ((قاتل الله اليهود))؛ أي: قتلهم؛ كقوله
تعالى: ﴿قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]، قاله الهروي، قال: وسبيل
((فاعَلَ)) أن يكون من اثنين، وربما يكون من واحد؛ كقوله: سافرت، وطارقت
(١) ((المصباح المنير)) ٣٤٩/١.

٥٤٧
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٤١)
النعل، وقال ابن عباس ﴿: لعنهم، وقد جاء ذلك مصرَّحاً به في الرواية
الأخرى، وقال غيره: عاداهم. انتهى(١).
(إِنَّ اللهَ وَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ) بالبناء للفاعل، من التحريم (شُحُومَهَا،
أَجْمَلُوهُ) بالهمزة لغة في جَمَله بدونها، قال في ((اللسان)): جَمَله يَجْمُلُهُ جَمْلاً
- من باب نصر - وأجمله: أذابه، واستَخرج دُهناً، وجَمَلَ أفصح من أجمل.
انتهى. (ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ))) قال في ((الفتح)): وسياقه مشعر بقوّة ما أوّله
الأكثر(٢) أن المراد بقوله: ((هو حرام)) البيع، لا الانتفاع، ورَوَى أحمد،
والطبرانيّ من حديث ابن عمر، مرفوعاً: ((الويلُ لبني إسرائيل، إنه لما حُرِّمت
عليهم الشحوم باعوها، فأكلوا ثمنها، وكذلك ثمن الخمر عليكم حرام)).
(٣)
انتھی
وأخرج أحمد من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب
أن عطاءً كتب، يَذكر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله وَله
يقول عام الفتح: ((إن الله ◌َك ورسوله حَرّم بيع الخنازير، وبيع الميتة، وبيع
الخمر، وبيع الأصنام))، وقال رجل: يا رسول الله ما ترى في شحوم الميتة،
فإنها يُذْهَن بها السفن، والجلود، ويُسْتَصَبَح بها؟ فقال رسول الله وَله: ((قاتل الله
يهود، إن الله لمّا حرّم عليهم شحومها، أخذوه فجمّلوه، ثم باعوه، فأكلوا
ثمنه» .
قال الحافظ: فظهر بهذه الرواية أن السؤال وقع عن بيع الشحوم(٤)، وهو
يؤيد ما قررناه، ويؤيده أيضاً ما أخرجه أبو داود، من وجه آخر، عن ابن عباس
أنه * قال، وهو عند الركن: ((قاتل الله اليهود إن الله حرّم عليهم الشحوم،
(١) ((المفهم)) ٤ / ٤٦٦.
(٢) تقدّم أن الأقوى هو الحمل على الانتفاع مطلقاً، فتنبّه.
(٣) ((الفتح)) ٤٢٥/٤.
(٤) هكذا قال في ((الفتح))، والظاهر أن نسخة ((المسند)) عنده بلفظ: ((فما ترى في بيع
شحوم الميتة)) بزيادة لفظة ((بيع))، ونسخة ((المسند)) عندي ليس فيها ((بيع)، فلا فرق
بين هذه الرواية والروايات الأخرى، فتنبّه.

٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرَّم على قوم أكل شيء حَرَّم عليهم
ثمنه)» .
قال جمهور العلماء: العلة في منع بيع الميتة، والخمر، والخنزير:
النجاسة، فيتعدَّى ذلك إلى كل نجاسة، ولكن المشهور عند مالك طهارة
الخنزير، والعلة في منع بيع الأصنام: عدم المنفعة المباحة، فعلى هذا إن
كانت بحيث إذا كُسرت يُنتفَع برُضاضها جاز بيعها، عند بعض العلماء من
الشافعية، وغيرهم، والأكثر على المنع؛ حملاً للنهي على ظاهره، والظاهر أن
النهي عن بيعها للمبالغة في التنفير عنها .
قال الجامع: ما قاله الأكثر من منع بيع الأصنام مطلقاً هو الأرجح؛
عملاً بظاهر النصّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: ويَلتحق بها في الحكم الصُّلْبان التي تعظمها النصارى، ويحرم
· نحت جميع ذلك، وصُنعته، وأجمعوا على تحريم بيع الميتة، والخمر،
والخنزير، إلا ما تقدمت الإشارة إليه في باب تحريم الخمر، ولذلك رَأَخَّص
بعض العلماء في القليل من شعر الخنزير؛ للخرز، حكاه ابن المنذر عن
الأوزاعيّ، وأبي يوسف، وبعض المالكية، فعلى هذا فيجوز بيعه، ويستثنى من
الميتة عند بعض العلماء ما لا تَحُلّه الحياة؛ كالشعر، والصوف، والوبَر، فإنه
طاهر، فيجوز بيعه، وهو قول أكثر المالكية، والحنفية، وزاد بعضهم: العظم،
والسنّ، والقرن، والِّلْف، وقال بنجاسة الشعور: الحسن، والليث،
والأوزاعيّ، ولكنها تطهر عندهم بالغسل، وكأنها متنجسة عندهم بما يتعلق بها
من رطوبات الميتة، لا نجسة العين، ونحوه قول ابن القاسم في عظم الفيل:
إنه يطهر إذا سُلِقٍ بالماء. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله
هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٧١٨/٥ - ٧١٩ ((كتاب البيوع)) رقم (٢٢٣٦).

٥٤٩
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٤١)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٤١/٣٤ و٤٠٤٢] (١٥٨١)، و(البخاريّ) في
((البيوع)) (٢٢٣٦) و((التفسير)) (٤٦٣٣)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٤٨٦)،
و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٩٧)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٧/ ١٧٧)
و((الكبرى)) (٨٦/٣ و٥٤/٤)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢١٦٧)، و(مالك)
في «الموطًإِ» (٩٣١/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٤/٣ و٣٢٦)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (١٤٩/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٧٠/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٢/٦ و٣٥٤/٩) و((الصغرى)) (٣٦٧/٨) و((المعرفة))
(٢٨٤/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم بيع هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث، قال
النوويّ كَّلُ: وأما قوله ◌َلقر: ((لا، هو حرام))، فمعناه: لا تبيعوها، فإن بيعها
حرام، والضمير في ((هو)) يعود إلى البيع، لا إلى الانتفاع، هذا هو الصحيح
عند الشافعيّ وأصحابه أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة في طلي السفن،
والاستصباح بها، وغير ذلك، مما ليس بأكل، ولا في بدن الآدميّ، وبهذا قال
أيضاً عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن جرير الطبريّ.
وقال الجمهور: لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلاً؛ لعموم النهي عن
الانتفاع بالميتة، إلا ما خُصّ، وهو الجلد المدبوغ.
وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة، فهل
يجوز الاستصباح بها ونحوه من الاستعمال في غير الأكل، وغير البدن، أو
يُجعَل من الزيت صابون، أو يُطْعَمُ العسل المتنجس للنحل، أو يُطْعِم الميتة
لكلابه، أو يُطْعِم الطعام النجس لدوابه؟ فيه خلاف بين السلف، والصحيح من
مذهبنا جواز جميع ذلك، ونقله القاضي عياض عن مالك، وكثير من الصحابة،
والشافعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، وأصحابه، والليث بن سعد، قال: ورُوي
نحوُه عن عليّ، وابن عمر، وأبي موسى، والقاسم بن محمد، وسالم بن
عبد الله بن عمر.

٥٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال: وأجاز أبو حنيفة، وأصحابه، والليث، وغيرهم بيع الزيت النجس،
إذا بَيِّنه .
وقال عبد الملك بن الماجشون، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح: لا
يجوز الانتفاع بشيء من ذلك كلُّه في شيء من الأشياء، والله أعلم. انتهى(١).
قال: قال العلماء: وفي عموم تحريم بيع الميتة أنه يحرم بيع جُثّة الكافر
إذا قتلناه، وطلب الكفار شراءه، أو دفع عوض عنه، وقد جاء في الحديث أن
نوفل بن عبد الله المخزوميّ قتله المسلمون يوم الخندق، فبذل الكفار في جسده
عشرة آلاف درهم للنبيّ ◌َّ، فلم يأخذها، ودفعه إليهم، وذكر الترمذيّ حديثاً
نحو هذا.
٢ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض تَخُّْ: تضمَّن هذا الحديث أن ما
لا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه، ولا يحل أكل ثمنه، كما في الشحوم
المذكورة في الحديث، فاعتَرَضَ بعض اليهود والملاحدة بأن الابن إذا وَرِثَ
من أبيه جارية كان الأب وطئها، فإنها تَحرُم على الابن، ويَحِلّ له بيعها
بالإجماع، وأكل ثمنها، قال القاضي: وهذا تمويه على من لا علم عنده؛ لأن
جارية الأب لم يحرم على الابن منها غير الاستمتاع على هذا الولد دون غيره
من الناس، ويَحِلّ لهذا الابن الانتفاع بها في جميع الأشياء، سوى الاستمتاع،
ويحل لغيره الاستمتاع وغيره، بخلاف الشحوم، فإنها محرَّمة المقصودِ منها،
وهو الأكل منها على جميع اليهود، وكذلك شحوم الميتة محرَّمة الأكل على
كل أحد، وكان ما عدا الأكل تابعاً له، بخلاف موطوأة الأب، والله أعلم.
انتھی(٢).
٣ - (ومنها): تحريم استعمال شحوم الميتة في أيّ نوع من أنواع
الاستعمال.
٤ - (ومنها): أن فيه إبطال كلّ حيلة، يُتوصّل بها إلى تحليل محرّم، وأنه
لا يتغيّر حكمه بتغيّر هيئته، وتبدّل اسمه، فإن اليهود أذابوا الشحوم، حتى
صارت وَدَكاً، وزال عنها اسم الشحم، ومع ذلك لُعِنوا.
(١) ((شرح النوويّ)) ٧/١١ - ٠٨
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٥٦/٥ - ٢٥٧.

٥٥١
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٤١)
قال القاضي عياض تَخْلَتُهُ: في هذا الحديث إبطال الحيّل، والحجة على
من قال بها في إسقاط حدود الشرع من الكوفيين، وفيه الحجة لمالك في
مراعاة الذرائع، وسدّ بابها. انتهى(١).
٥ - (ومنها): أن من احتال في استعمال الأشياء المحرّمة، كان ملعوناً؛
لكونه سلك مسلك اليهود الذين لعنهم الله تعالى؛ لانتهاكهم ما حرّم الله تعالى
بالاحتیال.
٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَُّ: هذا الحديث يدلُّ على أن تحريم
الخمر كان متقدِّماً على فتح مكة، وقد سؤَّى في هذا الحديث بين الخمر،
والميتة، والخنزير، والأصنام، فلا يجوز بيع شيء مِمَّا يقال عليه خمرٌ، وقد
قدّمنا، ويأتي: أن الخمر: كل شراب يُسكر من أيّ شيء كان، من عنب أو
غيره، فيحرم بيع قليله وكثيره، وقد قلنا: إن تحريم نفعه مُعَلَّل بنجاسته، وأنه
ليس فيه منفعة مسوِّغة شرعاً.
قال الجامع عفا الله عنه: تعليله بالنجاسة فيه نظر، وقد قدّمنا تحقيقه، فلا
تنس، والله تعالى أعلم.
قال: وأما الميتة: فيحرم بيع جميع أجزائها، حتى عظمها، وقرنها، ولا
يستثنى عندنا منها شيء إلا ما لا تَحُلَّهُ الحياة كالشعر، والصوف، والوبر، فإنه
طاهر من الميتة، وينتزع من الحيوان في حال حياته وهو طاهر، وهو قول
مالك، وأبي حنيفة. وزاد أبو حنيفة، وابن وهب من أصحابنا إلى ذلك: أن
العظم من الفيل وغيره، والسن، والقرن، والظلف، كلها لا تَحُلُّها الحياة، فلا
تنجس بالموت.
والجمهور على خلافهما في العظم، وما ذُكر معه، فإنها تَحُلُّها الحياة،
وهو الصحيح، فإن العظم والسن يألم، ويُحَسُّ به الحرارة والبرودة، بخلاف
الشعر، وهذا معلوم بالضرورة. فأمَّا أطراف القرون، والأظلاف، وأنياب
الفيلة: فاختلف فيها، هل حكمها حكم أصولها فتنجس؟ أو حكمها حكم
الشَّعر؟ على قولين.
(١) ((إكمال المعلم)) ٢٥٤/٥.

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وأمَّا الريش: فالشعري منه شعرٌ، وأسفله عظم. ومتوسطه؛ هل يلحق
بأصله أو بأطرافه؟ فيه قولان لأصحابنا. وقد قال بنجاسة الشعر: الحسن
البصري، والليث بن سعد، والأوزاعيّ، لكنها تطهر بالغسل عندهم، فكأنها
عندهم نجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة. وإلى نحو من هذا ذهب ابن
القاسم في أنياب الفيل فقال: تطهر إن سُلِقَتْ بالماء.
وعن الشافعي في الشعور ثلاث روايات:
أحدها : أن الشعر ينجس بالموت.
والثانية: أنها طاهرة كقولنا .
والثالثة: أن شعر ابن آدم وحده طاهر، وأن ما عداه نجس.
وأمَّا جلود الميتة: فلا تباع قبل الدباغ، ولا ينتفع بها؛ لأنها كلحم
الميتة، ولقوله وَهو: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب))، وأما بعد
الدِّباغ؛ فمشهور مذهب مالك: أنها لا تطهر بالدِّباغ، وإنما ينتفع بها، وهو
مذهب جماعة من أهل العلم، وعلى هذا فلا يجوز بيعها، ولا الصلاة عليها،
ولا بها، ولا ينتفع بها إلا في اليابسات دون المائعات، إلا في الماء وحده.
وذهب الجمهور من السَّلف، والخلف: إلى أنها تطهر طهارة مطلقة،
وأنها يجوز بيعها، والصلاة عليها، وبها، وإليه ذهب الشافعي، ومالك في
رواية ابن وهب، وهو الصحيح لقوله وَ﴾: ((أيُّما إهاب دبغ فقد طهر))،
ولقوله وقال: «دباغ الإهاب طهوره))، وغير ذلك. وكلها صحيح.
ومما لا يجوز بيعه لأنه ميتة جسد الكافر، وقد أُعطي النبيّ وَل * يوم
الخندق في جسد نوفل بن عبد الله المخزوميّ عشرة الآف درهم، فلم يأخذها،
ودفعه إليهم، وقال: ((لا حاجة لنا بجسده، ولا ثمنه)).
وأمَّا الخنزير، وهو الحيوان المعروف البريُّ، ولا تَعْرِف العرب في البحر
خنزيراً، وقد سُئل مالك عن خنزير البحر؛ فقال: أنتم تسمونه خنزيراً؛ أي: لا
تسمِّيه العرب بذلك. وقد اتَّقاه مرة أخرى على جهة الورع، والله أعلم.
فأمَّا البريّ: فلا خلاف في تحريمه، وتحريم بيعه، وأنه لا تعمل الذكاة
فيه، ومن هنا قال كافة العلماء: إن جلده لا يُطَهِّرُهُ الدِّباغ، وإنما يُطَهِّرُ الدباغ
جلد ما تعمل الذكاة فيه، وألحق الشافعي بالخنزير الكلب، فلا يطهر جلده

٥٥٣
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٤١)
عنده، وقال الأوزاعيّ، وأبو ثور: إنما يُطَهِّرُ الدِّباغ جلد ما يؤكل لحمه. وقد
أجاز مالك تذكية السِّباع والفيل لأخذ جلودها، وهذا إنما يتم على قوله بكراهة
لحومها، وأما على ما قاله في ((الموطأ)) من أن السِّباع حرام: فلا تعمل الذكاة
فيها، فلا تطهر جلودها بالدباغ، کالخنزير.
وقد شذَّ داود، وأبو يوسف فقالا: إنه يطهر بالدِّباغ جلدُ كل حيوان،
حتى الخنزير، ومتمسكهما: قوله وَلاير: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر))، ويعتضد أبو
يوسف بقياس جلد الخنزير على جلد الميتة.
وينفصل للجمهور عنهما: بأن هذا العموم محمولٌ على نوع السبب الذي
أخرجه، وهو ميتة ما تعمل الذكاة فيه، وبأن جلد الخنزير نادرٌ لا يخطر بالبال
حالة الإطلاق، فلا يقصد بالعموم، كما قررناه في أصول الفقه.
وبأنه: لا يقال: إهاب إلا على جلد ما يؤكل لحمه، كما قاله النَّضْر بن
شُمَیْل.
قال الجامع عفا الله عنه: الصحیح أن الإهاب اسم لکلّ جلد لم يُدبغ،
سواء كان لمأكول اللحم، أو غيره، فتبصّر.
قال: وأمَّا القياس: فليس بصحيح؛ لوجود الفرق، وذلك: أن الأصل:
ميتة ما تعمل الذّكاة فيه، والفرع: ميتة ما لا تعمل الذكاة فيه. فكانت أغلظ،
وأفحش، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في ((كتاب الطهارة)) أن الصحيح من
أقوال أهل العلم أن الدباغ يُطهّر جلود الميتة كلها، الخنزير والكلب،
وغيرهما، كما عزاه القرطبيّ هنا إلى داود، وأبي يوسف؛ لقوّة أدلته، فراجعه
تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
قال: وأمَّا الأصنام: فهي الصور الْمُتَّخَذَةُ للعبادة، ولا خلاف في تحريم
اتخاذها، وبيعها، وإنما يجب كسرها، وتغييرها، وكذلك كل صورة مجسدة،
كانت صورة ما يعقل، أو ما لا يعقل، وأما ما كان رقماً في ثوب أو بناءً في
حائط، ففيه تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله - وقد سُئل عن بيع شحوم الميتة -: ((لا، هو حرام))؛ نصٌّ في أنه
يحرم بيعها؛ وإن كانت فيها منافع، وذلك: لأنها جزء من الميتة كاللحم، أو

٥٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
هي كالشحم مع اللحم، فإنه عنه يكون، ولا يلزم من تحريم بيعها، والحكم
بنجاستها، ألّا يجوز الانتفاع بها، لما قدّمناه. وهذا هو الذي يتمشى على
مذهب مالك، فإنه قد أجاز الانتفاع بما ماتت فيه ميتة من المائعات؛ كالزيت،
والسمن، والعسل، وغير ذلك، مع الحكم بنجاسته. فقال: يعمل من الزيت
النجس الصابون، ويُستصبح به في غير المساجد، ويُعلف العسلُ النحلَ.
ويطعم النجس الماشية، وإلى نحو ذلك ذهب الشافعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة.
ورُوي عن عليّ وابن عمر ﴿ًّا، وقد فَرَّق بعض أهل العلم بين شحوم الميتة،
وبين ما ينجس بما وقعت فيه نجاسة، فقال: لا ينتفع بالشحوم؛ لأنها نجسة
لعينها، بخلاف ما ينجس بما وقع فيه، فإنه ينتفع به؛ لأن نجاسته ليست لِعَينه،
بل عارضة.
قال القرطبيّ: وهذا الفرق ليس بصحيح، فإن النجاسة حكم شرعيّ
والأحكام الشرعية ليست صفات للأعيان، بل هي راجعة لقول الشارع: افعلوا،
أو لا تفعلوا. كما قد حققناه في أصول الفقه. ولو سلّمنا لقلنا: إن النجاسة
العينية قد اختلطت مع العارضة ولا مميّز، فحكمهما سواء.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يقال بجواز الانتفاع بشيء من ذلك، وفي
الحديث الصحيح: ((إذا وقعت الفأرة في السَّمن، فإن كان جامداً فألقوها وما
حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه))، والانتفاع بها قربان لها فلا يجوز؟! ثم في
الانتفاع بها التلطخ بها عند مباشرتها، ولا يجوز التلطخ بالنجاسات شرعاً.
فالجواب: القول بموجب ما ذكر، فإن القرب المنهيّ عنه إنما هو
الأكل؛ بدليل قوله في أول الحديث: ((إن كان جامداً فألقوها، وكلوه))، وفي
بعض طرقه: ((وكلوا سمنكم))، ثم قال بعد هذا: ((وإن كان مائعاً فلا تقربوه))؛
أي: بأكل، وأيضاً: فقد قررنا في أصول الفقه أن الشرع إذا نهى عن شيء،
وأوقع نهيه عليه، فإنما يعني بذلك النهي عما يراد ذلك الشيء له، وإن سكت
عنه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ أي بالوطء،
وكقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكُّهَتُّكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ أي وطؤهن ومقدماته،
وكذلك العرف إذا قال العربيّ: لا تقرب الماء؛ أي: لا تشربه، والخبز؛ أي:
لا تأكله، وهذا معلوم. وأما النهي عن مباشرة النجاسات: فإنما يُحْمَل على

٥٥٥
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِبرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٤٢)
التحريم عند محاولة فعلِ الطهارةُ شرطٌ فيه؛ كالصلاة، ودخول المسجد، ونحو
ذلك. وأما فيما لم يكن كذلك فلا يكون حراماً بالاتفاق.
ثم اختلف القائلون بجواز الانتفاع بها، هل يجوز بيع ما يُنتفع به منها أو
لا؟ على قولين؛ والصحيح: منع الجواز؛ لقوله وَلّى: ((قاتل الله اليهود، نُهوا
عن الشحم، فباعوه، وأكلوا ثمنه))، وفي بعض طرقه: ((إن الله إذا حرَّم على
قوم شيئاً حرَّم عليهم ثمنه)). انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٤٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ
جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ عَامَ الْفَتْحِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
حَدَّثَنَا الضَّخَُّ - يَعْنِي أَبَا عَاصِم - عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَََّنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ،
قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه
عَامَ الْفَتْحِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو أُسَامَّةً) حمّاد بن أُسامة، تقدّم أيضاً قبل باب.
٤ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاريّ
المدنيّ، صدوق، رُمي بالقدر، وربّما وَهِمَ [٦] (١٥٣) (خت م ٤) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٩٥/٤.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٦ - (أَبُو عَاصِم الضَّخَّاكُ) بن مخلد النبيل، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكرواً قبله.
(١) ((المفهم)) ٤ / ٤٦١ - ٤٦٦.

٥٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
[تنبيه]: رواية عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب هذه ساقها
الإمام أحمد تَخْتُ في («مسنده)) ٣٢٦/٣ فقال:
(١٤٥٣٥) - ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد بن
جعفر، قال: أخبرني يزيد بن أبي حبيب؛ أن عطاءً كتب يذكر أنه سمع جابر بن
عبد الله يقول: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول عامَ الفتح: ((إن الله رَك ورسوله
حَرَّم بيع الخنازير، وبيع الميتة، وبيع الخمر، وبيع الأصنام))، وقال رجل: يا
رسول الله، ما ترى في شحوم الميتة؟ فإنها يُذْهَن بها السُّفُنُ، والجلود،
ويُستَصبَحُ بها، فقال رسول الله وَ ه: ((قاتل الله يهودَ، إن الله لَمَّا حَرَّمَ عليهم
شحومها، أخذوه، فجَمَلُوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه)). انتهى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٤٣] (١٥٨٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
عَمْرٍو، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَلَغَ هُمَرَ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْراً، فَقَالَ:
قَاتَلَ اللهُ سَمُرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، خُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ
الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، فَبَاهُوهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (طَاؤُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فقيه
فاضلٌ [٣] (١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذكروا في الباب وقبله.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ، وفيه
ابن عباس ◌ًا من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، وفيه عمر ظُه أحد
الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة

٥٥٧
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٤٣)
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) ◌َا أنه (قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ) بن الخطّابِ رَبُهُ (أَنَّ سَمُرَةَ) بن
جندب بن هلال الفَزَاريّ، حليف الأنصار، صحابيّ مشهور، مات
بالبصرة سنة (٥٨) تقدّمت ترجمته في ((المقدمة)) ١/١. (بَاعَ خَمْراً) وفي رواية
البخاريّ: ((بلغَ عمر أن فلاناً باع خمراً».
قال ابن الجوزيّ، والقرطبيّ كَّلُهُ وغيرهما: اختُلِفَ في كيفية بيع
سمرة ر ◌ُبه للخمر على ثلاثة أقوال:
[أحدها]: أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية، فباعها منهم،
مُعتَقِداً جواز ذلك، وهذا حكاه ابن الجوزيّ عن ابن ناصر، ورجّحه، وقال:
كان ينبغي له أن يوليهم بيعها، فلا يدخل في محظور، وإن أخذ أثمانها منهم
بعد ذلك؛ لأنه لم يتعاط محرَّماً، ويكون شبيهاً بقصة بريرة حيث قال: ((هو
عليها صدقة، ولنا هدية)).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا الوجه هو أرجح التأويلات،
وأقربها؛ كما لا يخفى على من تأمله، والله تعالى أعلم.
[والثاني]: قال الخطابيّ: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمراً،
والعصير يسمى خمراً، كما قد يُسَمَّى العنب به؛ لأنه يئول إليه، قاله الخطابيّ،
قال: ولا يُظَنُّ بسمرة أنه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها، وإنما باع
العصير .
[والثالث]: أن يكون خَلَّل الخمر، وباعها، وكان عمر يعتقد أن ذلك لا
يُحِلُّها، كما هو قول أكثر العلماء، واعتقد سمرة الجواز، كما تأوله غيره أنه
يُحِلّ التخليل، ولا ينحصر الحِلّ في تخلُّلها بنفسها.
قال القرطبيّ تبعاً لابن الجوزيّ: والأشبه الأول.
قال الحافظ: ولا يتعيّن على الوجه الأول أخذها عن الجزية، بل يَحْتَمَل
أن تكون حصلت له عن غنيمة، أو غيرها.
وقد أبدى الإسماعيليّ في ((المدخل)) فيه احتمالاً آخر، وهو أن سمرة
عَلِمَ تحريم الخمر، ولم يعلم تحريم بيعها، ولذلك اقتصر عمر على ذمه دون
عقوبته، وهذا هو الظن به.

٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال الحافظ: ولم أر في شيء من الأخبار أن سمرة كان والياً لعمر على
شيء من أعماله، إلا أن ابن الجوزيّ أطلق أنه كان والياً على البصرة لعمر بن
الخطاب، وهو وَهَمٌ، فإنما ولي سمرة على البصرة لزياد، وابنه عبيد الله بن
زياد بعد عمر بدهر، وولاة البصرة لعمر قد ضُبِطُوا، وليس منهم سمرة.
ويَحْتَمِل أن يكون بعض أمرائها استَعْمَل سمرةً على قبض الجزية.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي في توهيم ابن الجوزيّ فيما ذكره من كون
سمرة والياً لعمر ﴿يا نظرٌ، وليس كونه والياً لزياد وابنه أن يكون قبل ذلك والياً
لعمر ظه، ولا يكون مجرّد عدم ذكره في ولاة عمر حجة في ذلك؛ لاحتمال
أن يكونوا نسوه، فتأمل، والله تعالى أعلم.
◌ُ (أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ
(فَقَالَ) عمر ◌َبه: (قَاتَلَ اللهُ سَمُرَةَ)
قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ) أي: أبعدهم من رحمته، وطردهم من رأفته (حُرِّمَتْ)
بتشديد الراء مبنيّاً للمفعول (عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ) أي: أكلها، وإلا فلو حُرِّم عليهم
بيعها لم يكن لهم حيلة فيما صنعوه من إذابتها (فَجَمَلُوهَا) - بفتح الجيم
والميم -؛ أي: أذابوها، يقال: جمله يجمُله جَمْلاً، من باب نصر، وأجمله:
إذا أذابه، واستخرج دهنه، وجَمَل ثلاثيّاً أفصح من أجمل رباعيّاً، والجميل
الشحم المذاب(٢).
(فَبَاعُوهَا))) أي: الشحوم المذابة من الخمر.
قال في (الفتح)): ووجه تشبيه عمر لله بيع المسلمين الخمر ببيع اليهود
المذاب من الشحم الاشتراك في النهي عن تناول كل منهما، لكن ليس كل ما
حُرِّم تناوله حُرِّم بيعه، كالحمر الأهلية، وسباع الطير، فالظاهر أن اشتراكهما
في كون كلٌّ منهما صار بالنهي عن تناوله نجساً، هكذا حكاه ابن بطال عن
الطبريّ، وأقرّه، وليس بواضح، بل كل ما حُرِّم تناوله حُرِّم بيعه، وتناول
الحُمُر، والسباع، وغيرهما مما حُرِّم أكله، إنما يتأتى بعد ذبحه، وهو بالذبح
(١) ((الفتح)) ٧٠٠/٥ - ٧٠١.
(٢) راجع: ((لسان العرب)) ١١/ ١٢٧.

٥٥٩
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْنَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٤٣)
يصير ميتةً؛ لأنه لا ذكاة له، وإذا صار ميتة صار نجساً، ولم يجز بيعه، فالإيراد
في الأصل غير وارد.
هذا قول الجمهور، وإن خالف في بعضه بعض الناس.
وأما قول بعضهم: الابن إذا وَرِث جارية أبيه حَرُم عليه وطؤها، وجاز له
بيعها، وأكْلُ ثمنها، فأجاب عياض عنه بأنه تمويه؛ لأنه لم يحرم عليه الانتفاع
بها مطلقاً، وإنما حَرُم عليه الاستمتاع بها؛ لأمر خارجيّ، والانتفاع بها لغيره
في الاستمتاع وغيره حلالٌ إذا ملكها، بخلاف الشحوم، فإن المقصود منها،
وهو الأكل كان محرَّماً على اليهود في كل حال، وعلى كل شخص، فافترقا.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٤٣/٣٤ و٤٠٤٤] (١٥٨٢)، و(البخاريّ) في
((البيوع)) (٢٢٢٣) و((الأنبياء)) (٣٤٦٠)، و(النسائيّ) في ((الفرَع والعتيرة)) (٧]
١٧٧) و((الكبرى)) (٨٧/٣ و٣٤٢/٢)، و(ابن ماجه) في (٣٣٨٣)، و(الشافعيّ)
في «مسنده)) (١٤١/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٤٨٥٤)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤٤/٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٣)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٥/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١١٥/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤٧١/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٥٧٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٢٥٢ و٦٢٥٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٧٨/١)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٨٦/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم بيع الخمر، وقد نَقَل ابن المنذر وغيره في ذلك
الإجماع، وشَذَّ من قال: يجوز بيعها، ويجوز بيع العنقود المستحيل باطنه
(١) ((الفتح)) ٧٠١/٥ - ٧٠٢.

٥٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
خمراً، واختُلِف في علة ذلك، فقيل: لنجاستها، وقيل: لأنه ليس فيها منفعة
مباحة مقصودة، وقيل: للمبالغة في التنفير عنها .
٢ - (ومنها): بيان جواز لعن العاصي المعيَّن، ولكن يَحْتَمِل أن يقال: إن
قول عمر: قاتل الله سمرة لم يُرِد به ظاهره، بل هي كلمة تقولها العرب عند
إرادة الزجر، فقالها في حقّه تغليظاً عليه.
٣ - (ومنها): أن فيه إقالةَ ذوي الهيآت زلاتهم؛ لأن عمر اكتَفَى بتلك
الكلمة عن مزيد عقوبة ونحوها .
٤ - (ومنها): فيه إبطال الحيل، والوسائل إلى المحرَّمة.
٥ - (ومنها): أن الشيء إذا حُرِّم عينه حُرِّم ثمنه.
٦ - (ومنها): أنّ فيه دليلاً على أن بيع المسلم الخمر من الذميّ لا
يجوز، وكذا توكيل المسلم الذميّ في بيع الخمر، وأما تحريم بيعها على أهل
الذمة، فمبنيّ على الخلاف في خطاب الكافر بالفروع.
٧ - (ومنها): أن فيه استعمالَ القياس في الأشباه والنظائر.
٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على تحريم بيع جثة الكافر إذا قتلناه، وأراد
الكافر شراءه.
٩ - (ومنها): أنه استُدلّ به على منع بيع كل محرّم نجس، ولو كان فيه
منفعة، كالسرقين، وأجاز ذلك الكوفيون، وذهب بعض المالكية إلى جواز ذلك
للمشتري دون البائع؛ لاحتياج المشتري دونه، ذكر ذلك كلّه في ((الفتح)) (١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٤٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ
- يَعْنِ ابْنَ الْقَاسِمِ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
(١) ((الفتح)) ٧٠١/٥ - ٧٠٢.