Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٦)
أنه لَمّا سمع أن فيهما إثماً كبيراً، وأن إثمهما أكبر من نفعهما، وأنه قد منع من
الصلاة في حال السُّكْر، ظهر له أن هذا مناسبٌ للمنع منها، فتوقّع ذلك.
انتھی(١).
(وَلَعَلَّ اللهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْراً) يعني تحريمها (فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا) أي: من
الخمر (شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ، وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ) قال القرطبيّ كَُّ: فيه دليل على أن الخمر
وبيعها كانا مباحين إباحةً متلقاة من الشرع؛ لأن النبيّ وَلّ قرّر أصحابه عليها،
وليس ذلك من باب البقاء على البراءة الأصلية؛ لأن إقراره دليلُ الجواز
والإباحة، كما قررناه في الأصول.
وفيه دليلٌ على اغتنام فرصة المصالح المالية إذا عرضت، وعلى صيانة
المال، وعلى بذل النصيحة والإشارة بأرجح ما يعلمه من الوجوه المصلحية.
(٢) .
انتھی
(قَالَ) أبو سعيد نَظَتُهُ (فَمَا) نافية (لَبِثْنَا) بكسر الموحّدة، من باب تَعِبَ؛
أي: لم نمكُث (إِلَّا يَسِيراً) أي: وقتاً قليلاً (حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ وََّ) وفي بعض
النسخ: ((حتى قال وَّ) ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ) شرطيّة (أَدْرَكَتْهُ) أي:
من بلغته، وهو بصفات المكلَّفين، من العقل، والبلوغ (هَذِهِ الآيَةُ) يعني بالآية:
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّ الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزَُْ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ
الشَّيْطَنِ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، قاله القرطبيّ كَُّ(٣). (وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ) جملة في
محلّ نصب على الحال (فَلَا يَشْرَبْ، وَلَا يَبِعْ))) أي: لا يحلّ له أن يشرب
الخمر، ولا أن يبيعها (قَالَ) أبو سعيد: (فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ) يقال: استقبلتُ
الشيءَ: إذا واجهته، فهو مُستَقْبَلٌ بفتح الموحّدة، اسم مفعول(٤)، والمعنى أنهم
توجّهوا، وذهبوا (بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا) أي: من الخمر (فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ،
فَسَفَكُوهَا) أي: أراقوها، وصبّوها، يقال: سَفَكتُ الدمَ، والدمعَ، من باب
ضرب، وفي لغة من باب قَتَلَ: أرقته، والفاعل: سافكٌ، وسَفّاكٌ مبالغة(٥).
(١) «المفهم)) ٤٥٥/٤.
(٣) ((المفهم)) ٤٥٦/٤.
(٥) ((المصباح المنير)) ٢٧٩/١.
(٢) «المفهم)) ٤٥٥/٤.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٨٨/٢.
٥٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ـيّ من نهيه وَ و عن الشرب
قال القرطبيّ كَّلُهُ: وقد فهمت الصحابة
والبيع أنها لا يُنتفع بها بوجه من الوجوه، ولذلك بادروا إلى إراقتها، وإتلافها،
ولو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لنَّه النبيّ ◌َ ◌ّ عليها، كما نَبَّه على ما في
جلد الميتة من المنفعة؛ لَمّا قال: ((هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به))
متّفقٌ عليه، وعلى هذا فلا يجوز تخليلها، ولا أن تعالج بالملح والسَّمك فيصنع
منها الْمُرْي، وإلى مَنْع ذلك ذهب الجمهور: مالك، والشافعيّ، وأحمد،
وغيرهم، وحُكي جواز تخليلها عن أبي حنيفة، والأوزاعيّ، والليث، وقد دلَّ
على فساد هذا ما ذكرناه آنفاً، وما يأتي من نهيه عن اتخاذ الخمر خلّاً، وسيأتي
مزيد بيان على هذا.
قال القاضي عياض ◌َُّهُ: وفي هذا أيضاً: منع الانتفاع بها للتداوي،
وغير ذلك من العطش عند عدم الماء، ولتجويز لقمة غُصّ بها، وهو قول
مالك، والشافعيّ، وغيرهم.
وأجاز ذلك أبو حنيفة، وأحمد، وقاله بعض أصحابنا، ورُوي عن
الشافعي: جوازه أيضاً إذا خاف التلف، وقاله أبو ثور.
قال: وإذا امتنع الانتفاع بها مطلقاً فلا يصحّ تملكها لمسلم، ولا تُقَرّ في
يديه، بل تتلف عليه، ويجب ذلك عليه، ويتلفها الوصيّ على اليتيم.
وقد ذكر ابن خواز منداد من قدماء أصحابنا (١) العراقيين أنها تُملك،
ونَزَع إلى ذلك بأنها يمكن أن يزال بها الغُصص، ويُطفأ بها الحريق، فتملك
لذلك، وهذا نقلُ لا يُعرف لمالك، ولا يُلتفت لشيء مما قيل هنالك؛ لأنا لا
نسلم جواز ذلك، على ما ذكرناه آنفاً فيمن غص بلقمة. ولو سلّمنا ذلك فلا
يُلتفت إليه لِنُدوره، وعدم وقوعه، وإنما ذلك تجويز وهميّ، وتقدير ذهنيّ،
فاعتباره وسواسٌ أعرض النبيّ وَ﴿ وأصحابه عنه، ولم يلتفتوا إلى شيء منه.
انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(١) يعني المالكيّة.
(٢) ((المفهم)) ٤٥٦/٤ - ٤٥٧.
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٦)
٥٢٣
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف تَخْلُ، ولم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٣٦/٣٤] (١٥٧٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٣٢٠/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم بيع الخمر، وهو مجمع عليه، قال النوويّ:
والعلة فيها عند الشافعيّ وموافقيه كونها نجسة، أو ليس فيها منفعة مباحة
مقصودة، فيُلْحَق بها جميع النجاسات، كالسرجين(١)، وذرق الحمام، وغيره،
وكذلك يُلحق بها ما ليس فيه منفعة مقصودة، كالسباع التي لا تصلح
للاصطياد، والحشرات، والحبة الواحدة من الحنطة، ونحو ذلك، فلا يجوز
بيع أي من ذلك، وأما الحديث المشهور في كتب ((السنن)) عن ابن عباس .
أن النبيّ وَّ قال: ((إن الله إذا حَرّم على قوم أكل شيء حَرَّم عليهم ثمنه))،
فمحمول على ما المقصود منه الأكل، بخلاف ما المقصود منه غير ذلك؛
كالعبد، والبغل، والحمار الأهليّ، فإن أكلها حرام، وبيعها جائز بالاجماع.
انتھی .
٢ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الأشياء قبل ورود الشرع لا تكليف
فيها بتحريم ولا غيره، وفي المسألة خلاف مشهور للأصوليين:
الأصح: أنه لا حكم، ولا تكليف قبل ورود الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا
كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
والثاني: أن أصلها على التحريم، حتى يرد الشرع بغير ذلك.
والثالث: على الإباحة.
والرابع: على الوقف، وهذا الخلاف في غير التنفس ونحوه من
(١) تقدّم في ((كتاب الطهارة)) أن الأرجح كون السرجين ونحوه طاهراً، فتنبه.
٥٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها، فإنها ليست محرَّمة، بلا خلاف إلا
على قول من يُجَوِّز تكليف ما لا يطاق.
٣ - (ومنها): أن فيه أيضاً بذلَ النصيحة للمسلمين في دينهم، ودنياهم؛
لأنه وَلّ نصحهم في تعجيل الانتفاع بها ما دامت حلالاً.
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّثُ: هذا الحديث دليل على تحريم تخليل
الخمر، ووجوب المبادرة بإراقتها، وتحريم إمساكها، ولو جاز التخليل لبيّنه
النبيّ ◌َّ لهم، ونهاهم عن إضاعتها، كما نصحهم وحثّهم على الانتفاع بها قبل
تحريمها، حين توقّع نزول تحريمها، وكما نَبَّه أهلَ الشاة الميتة على دباغ
جلدها، والانتفاع به.
قال: وممن قال بتحريم تخليلها، وأنها لا تَظْهُر بذلك: الشافعيّ،
وأحمد، والثوريّ، ومالك في أصح الروايتين عنه، وجوّزه الأوزاعيّ، والليث،
وأبو حنيفة، ومالك في رواية عنه.
وأما إذا انقلبت بنفسها خَلّ فتطهر عند جميعهم، إلا ما حُكي عن
سحنون المالكيّ أنه قال: لا تَطهر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٣٧] (١٥٧٩) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ
زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ وَعْلَةَ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ -؛ أَنَّهُ جَاءَ
عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ
السَّبَئِيِّ - مِنْ أَهْلِ مِصْرَ -؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَجُلاً أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ﴿ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟))، قَالَ: لَا، فَسَارَّ إِنْسَاناً، فَقَالَ لَهُ
(١) ((شرح النوويّ)) ٣/١١.
٥٢٥
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْنَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٧)
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((بِمَ سَارَرْتَهُ؟))، فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: ((إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا
حَرَّمَ بَيْعَهَا))، قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدثانيّ، هَرويّ الأصل، أبو محمد، صدوق في
نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن، من قدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م
ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عُمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ،
ربّما وَهِمَ [٨] (ت١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦١.
٣ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح المصريّ، تقدّم
قبل باب.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٥ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قبل باب.
٦ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولى عمر بن الخطّاب، أبو عبد الله، أو أبو
أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان))
٣٦/ ٢٥٠.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَعْلَةَ) المصريّ، صدوق [٤] (م ٤) تقدم في
((الحيض)) ٨١٨/٢٦.
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) ﴿يَا، تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ) بفتح الواو، وإسكان العين المهملة (السَّبَبِيِّ)
بفتح السين المهملة، والموحّدة، بعدها همزة: نسبة إلى سبإ بن يشجب بن
٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
يعرب بن قحطان(١). (مِنْ أَهْلِ مِصْرَ) المدينة المعروفة، تذكّر، وتؤنّث، قاله
الجوهريّ(٢)، وقال الفيومي: والمصر: كلُّ كُورة يُقسم فيها الفيءُ،
والصدقات، قاله ابن فارس، وهذه يجوز فيها التذكير، فتُصرف، والتأنيث،
فتُمنع، والجمع أمصار. انتهى(٣). (أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ◌َّ (عَمَّا
يُعْصَرُ) بالبناء للمفعول، وقوله: (مِنَ الْعِنَبِ؟) بيان لـ((ما))، يعني أنه سأله عن
حكم الشراب الذي يُعصر من العنب، هل هو حلال، أم لا؟
وفي رواية الإمام أحمد تَظُّهُ في «مسنده)) ٢٤٤/١ - من طريق فُليح بن
سُليمان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وَعْلَة، قال: سألت ابن عباس،
فقلت: إنا بأرض لنا بها الكُرُوم، وإن أكثر غَلَّاتها الخمر، فقال: قَدِم رجل من
دَوْس على رسول الله وَ *، براوية خمر، أهداها له، فقال له رسول الله وكلين :
((هل علمت أن الله حرّمها بعدك؟))، فأقبل صاحب الراوية، على إنسان معه
فأمره، فقال النبيّ وَّه: ((بماذا أمرته؟))، قال: ببيعها، قال: ((هل علمت أن
الذي حرّم شربها، حرّم بيعها، وأكْلَ ثمنها؟))، قال: فأمر بالمزادة، فأهريقت.
و٢٣٠/١ - من طريق محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم، عن
عبد الرحمن بن وَعْلة، قال: سألت ابن عباس، عن بيع الخمر، فقال: كان
لرسول الله * صديق من ثقيف، أو من دوس، فلقيه بمكة عام الفتح براوية
خمر، يُهدِيها إليه، فقال رسول الله وَ الغفور: ((يا أبا فلان أما علمت أن الله
حرمها؟)) فأقبل الرجل على غلامه، فقال: اذهب فبعها، فقال رسول الله وَله :
(يا أبا فلان، بماذا أمرته؟)) قال: أمرته أن يبيعها، قال: ((إن الذي حرَّم شربها
حرم بيعها))، فأَمر بها، فأُفرغت في البطحاء.
و٣٢٣/١ -٣٢٤ - من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن زيد بن أسلم، عن
ابن وعلة، عن ابن عباس؛ أن رجلاً خرج والخمر حلال، فأهدى لرسول الله ولايه
راوية خمر، فأقبل بها يقتادها على بعير، حتى وجد رسول الله وسلّ جالساً، فقال:
((ما هذا معك؟)) قال: راوية خمر أهديتها لك، الحديث، وفيه قال: فأمر بعَزَالي
(١) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٢٦/١.
(٢) ((الصحاح)) ص ٩٩٠.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٧٤/٢.
٥٢٧
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٧)
المزادة ففُتحت، فخرجت في التراب، فنظرت إليها في البطحاء ما فيها شيء.
وفي رواية أبي يعلى في («مسنده)) ٣٥٣/٤ عن عبد الرحمن بن وَعْلة قال:
سألت ابن عباس عن بيع الخمر من أهل الذمة؟ فقال: أهدى رجل من ثقيف،
أو من دوس لرسول الله ◌َم راويةً عام الفتح، وكان رسول الله وَله يصادقه في
الجاهلية، فقال له رسول الله وَله: ((إن الله قد حرّمه))، فأصغى إلى غلام له
معه، قال: اذهب بها إلى الْحَزَوَّرة قرية إلى جنب المدينة، فبعها، قال: فقال
رسول الله وَل: ((ما الذي أمرته؟)) قال: أمرته أن يبيعها، قال: ((يا فلان إن
الذي حَرَّم شربها حرَّم ثمنها))، فأَمَر بها، فأهريقت. انتهى.
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿يَا (إِنَّ رَجُلاً) تقدّم في رواية أحمد المذكورة أنه رجل
من دوس، وفي رواية: ((كان لرسول الله ﴿ صديقٌ من ثقيف، أو من دوس))،
وسيأتي في رواية أبي حنيفة أنه يكنى أبا عامر، وقال صاحب ((التنبيه)): هو تميم
الداريّ، وقيل: رجل من ثقيف يُكنى أبا تمّام، قاله الخطيب، وقال ابن
بشكوال: إن اسمه كيسان أبو نافع الدمشقيّ، كما في ((موّإ ابن وهب)»، وفي
((الصحابة)) لابن رِشدين، وقيل: أبو عامر الثقفيّ، ذكره ابن بشكوال. انتهى(١).
(أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ رَاوِيَةَ خَمْرٍ) الراوية هنا معناها: الْمَزَادة، قال في
((القاموس)): الراوية: المزادة فيها الماء، والبعير، والبغل، والحمار، يُستقى
علیه. انتھی.
وقال في ((اللسان)): قال ابن سِيده: والراوية هو البعير، أو البغل، أو
الحمار الذي يُستقَى عليه الماء، والرجل المستقِي أيضاً، قال: والعامة تسمّي
المزادة: راويةً، وذلك جائز على الاستعارة، والأصل الأول، قال أبو النجم
[من الرجز]:
مَشْيَ الرَّوَايَا بِالْمَزَادِ الأَثْقَلِ
تَمْشِي مِنَ الرِّدَّةِ مَشْيَ الْحُفَّلِ
قال ابن بَرّيّ: شاهد الراوية للبعيرِ قول أبي طالب [من الطويل]:
وَيَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الْحَدِيدِ إِلَيْكُمُ نُهُوضَ الرَّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصَّلَاصِلِ
فالروايا جمع راوية للبعير، وشاهد الراوية للمزادة قول عَمرو بن مِلْقَطَ:
(١) ((تنبيه المعلم)) ص (٢٦٣).
٥٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ذَاكَ سِنَانٌ مُخْلِبٌ نَصْرُهُ كَالْجَمَلِ الأَوْطَفِ بِالرَّاوِيَهْ
انتھی.
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟»، قَالَ) الرجل:
(لا) أي: لم أعلم بذلك، قال النوويّ كَُّهُ: لعلّ السؤال كان ليعرف حاله،
فإن كان عالماً بتحريمها، أنكر عليه هديّتها، وإمساكها، وحملها، وعزّره على
ذلك، فلما أخبره أنه كان جاهلاً بذلك عَذَرَه، والظاهر أن هذه القضيّة كانت
على قرب تحريم الخمر، قبل اشتهار ذلك. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يدلّ على ذلك ما تقدّم في رواية أحمد:
((هل علمت أن الله حرمها بعدك؟))، وفي رواية: ((أن رجلاً خرج والخمر
حلال))، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ◌َُّ: قوله {وَّهِ للمُهدِي راويةً: ((هل عَلِمتَ أن الله
حرّمها؟))، وقول الْمُهدِي: لا، يدلّ على قرب عهد التحريم من زمن الإهداء،
ثم إنّ النبيّ وَّهَ بَيَّن له الحكم، ولم يوبّخه، ولم يذمّه؛ لأن الرجل كان
متمسّكاً بالإباحة المتقدّمة، ولم يبلغه الناسخ، فكان دليلاً على أن الحكم لا
يرتفع بوجود الناسخ، بل ببلوغه، كما قرّرناه في الأصول. انتهى(٢).
(فَسَارَّ إِنْسَاناً) لم يُعرف اسم ذلك الإنسان(٣)، و((سارّ)) من السّرّ الذي هو
بمعنى الكلام الخفيّ، قال النوويّ كَُّ: المسارِرُ الذي خاطبه النبيّ وَّ هو
الرجل الذي أهدى الراوية، كذا جاء مبيّناً في غير هذه الرواية، وأنه رجلٌ من
دوس، قال القاضي: وغَلِط بعض الشارحين، فظنّ أنه رجلٌ آخر. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم في روايات أحمد ((أنه أقبل على
غلامه، فقال: اذهب بها، فبعها))، وفي رواية: ((فأقبل صاحب الراوية، على
إنسان معه، فأمره)) الحديث، وفي رواية: «فدعا رجلاً، فسارّه)) الحديث.
فتبيّن بهذا كله أن الذي سارّ هو المهدي.
لكن ذكر محمد مرتضى الزبيديّ في ((عقود الجواهر المنيفة في أدلة
(١) ((شرح النوويّ)) ٤/١١.
(٣) ((تنبيه المعلم)) ص٢٦٤.
(٢) ((المفهم)» ٤/ ٤٥٧.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٤/١١.
٥٢٩
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٧)
مذهب الإمام أبي حنيفة)) ص٢٢٥: عن أبي حنيفة، عن محمد بن قيس: أن
رجلاً من ثقيف، يكنى أبا عامر، كان يُهدي إلى النبيّ ◌َ﴿ في كلّ عام راوية
من خمر، فأهدى إليه في العام الذي حُرّمت الخمر راوية خمر، كما كان
يُهديها، فقال رسول الله وَله: (يا أبا عامر إن الله تعالى حرّم الخمر، فلا حاجة
لنا في خمرك)»، فقال رجلٌ: خذها، وبعها، واستعن بثمنها على حاجتك،
قال: ((إن الله تعالى حرّم شربها، وحرّم بيعها، وأكل ثمنها))، كذا رواه الحسن
ابن زیاد عنه(١). انتھی.
فإن صحّ هذا (٢)، يَحْتَمِل أن يكون في واقعة أخرى، أو يُحمل على أن
الرجل أمره ببيعها، ثم سارّ هو غلامه بذلك، فنهاه النبيّ وَّر عنه، والله تعالى
أعلم.
(فَقَالَ لَّهُ) أي: لصاحب الراوية (رَسُولُ اللهِوَهِ: ((بِمَ سَارَرْتَهُ؟») أي: بأيّ
شيء تحدّثت معه سرّاً؟ (فَقَالَ) صاحب الراوية: (أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ) وَلِ: ((إِنَّ
الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا))) قال القرطبيّ تَظْلُهُ: ((الذي)) هنا كناية عن اسم الله
تعالى، فكأنه قال: إن الله حرّم شربها، وحرّم بيعها، ويَحْتَمِل أن يكون معناه:
إن الذي اقتضى تحريم شربها، اقتضى تحريم بيعها؛ إذ لا تُراد إلا للشرب،
فإذا حُرّم الشرب لم يجز البيع؛ لأنه يكون من أَكْل المال بالباطل، وقد دلّ
على صحة هذا قوله وَله: ((إن الله إذا حرّم على قوم شيئاً حرّم عليهم ثمنه))،
يعني شيئاً يؤكل، أو يُشرب؛ لأن ذلك هو السبب الذي خرج عليه الحديث،
ويُلحَق به كلّ محرّم نجس، لا منفعة فيه، واختُلف في جواز بيع ما فيه منفعة
منها، كالأزبال، والعَذِرة، فحرّم ذلك الشافعيّ، ومالك، وجُلّ أصحابه،
وأجاز ذلك الكوفيّون، والطبريّ، وذهب آخرون إلى إجازة ذلك للمشتري، دون
البائع، ورأوا أن المشتري أعذر من البائع؛ لأنه مضطرّ إلى ذلك، رُوي ذلك
(١) الحسن بن زياد اللؤلؤيّ، صاحب الإمام أبي حنيفة رأس في الفقه، ولكن كذّبه ابن
معين، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو داود، وقال الدارقطنيّ: متروك، وتكلم
فيه غيرهم. راجع ترجمته في: ((ميزان الاعتدال)) ٤٩١/١.
(٢) كيف يصحّ وراويه الحسن بن زياد، وقد عرفت حاله؟، هيهات هيهات.
٥٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
عن بعض المالكيّة، وهي قولة عن الشافعيّ. انتهى(١).
(قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ) وفي بعض النسخ: ((ففتح المزاد)) بدون هاء، قال
النوويّ كَثّثُ: هكذا وقع في أكثر النسخ ((المزاد)» بحذف الهاء في آخرها، وفي
بعضها ((المزادة)) بالهاء، وقال في أول الحديث: ((أَهْدَى راويةً))، وهي هي،
قال أبو عبيد: هما بمعنَى، وقال ابن السِّكِّيت: إنما يقال لها: مزادة، وأما
الراوية فاسم للبعير خاصّةً، والمختار قول أبي عبيد، وهذا الحديث يدلّ لأبي
عبيد، فإنه سماها راويةً، ومزادةً، قالوا: سُمِّيت راويةً؛ لأنها تُروي صاحبها
ومن معه، ومزادةً؛ لأنه يُتَزَوَّد فيها الماء في السفر وغيره، وقيل: لأنه يزاد فيها
جلد ليتّسع. انتهى(٢).
(حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا) غاية للفتح؛ أي: ففتح، وصبّ حتى فرغ ما في
المزادة من الخمر، قال القرطبيّ تَخَّلهُ: فيه دليل على أن أواني الخمر إذا لم
تكن مُضْراة(٣) بالخمر؛ أنه يجوز استعمالها في غير الخمر إذا غُسلت، ألا ترى
أن النبيّ وَ﴿ لم ينكر عليه إبقاءها عنده، ولا أمره بشقها؟ ولو كانت نجسة لا
يطهرها الغسل لأمَره بشقُّها؟ وتقطيعها، كما فعل أبو طلحة لَمَّا قال لأنس: قم
إلى هذه الجرار فاكسرها. قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله
حتی تکسرت. انتهى(٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ولا أمره بشقّها، كذلك لم يأمره بغسلها،
فمن أين أخذ القرطبيّ الغسل؟ فقوله: يجوز استعمالها في غير الخمر إذا
غُسلت، يحتاج إلى دليل، فإن الحديث ساكت عن الغسل، كما سكت عن
الشقّ، والتقطيع.
وقد أخرج الشيخان في ((صحيحيهما)) من حديث سلمة بن الأكوع اته؛
أن النبيّ ◌َّه لمّا رآهم أوقدوا ناراً كثيرة، قال: ((ما هذه النار؟ على أي شيء
(١) ((المفهم)) ٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٤ - ٥.
(٣) الضاري من الآنية: الذي ضري بالخمر: أي اشتدّ، فإذا جعل فيه النبيذ صار
مسكراً .
(٤) ((المفهم)) ٤٦٠/٤
٥٣١
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٧)
توقدون؟))، قالوا: على حُمُر إنسية، فقال: ((أهريقوا ما فيها، وكَسِّروها))، قال
رجل: يا رسول الله، ألا نهريق ما فيها، ونغسلها؟ قال: ((أو ذاك))، فقد أمر واله
هنا بكسر الإناء، ثم رخّص لهم في غسلها، واستعمالها، فقد جاء نصّ ظاهر
يدلّ على نجاسة تلك الآنية بسبب نجاسة الحمر الإنسيّة، وأما في مسألة
الخمر، فلم يرد إلا إهراقها، ثم استعمال الإناء دون شقّ، أو غسل، وهذا
دليل واضح في الفرق بين المسألتين، فتأمله حقّ التأمل بالإنصاف، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ها هذا من أفراد المصنّف رََّلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٣٧/٣٤ و٤٠٣٨] (١٥٧٩)، و(النسائيّ) في
((البيوع)) (٣٠٧/٧ و٣٠٨) وفي ((الكبرى)) (٥٢/٤)، و(مالك) في ((الموطٍ))
(١٥٩٨)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (١٤٠/١ و١٤١)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(٤٤٧/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٠/١ و٢٤٤ و٣٢٣ و٣٥٨)، و(الدارميّ)
في ((سننه)) (٢٠١١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٩٤٢ و٤٩٤٤)، و(أبو
يعلى) في («مسنده)) (٢٥٩٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٦٩/٣ و١٠٨/٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١/٦ و١٢) و((الصغرى)) (٣٤١/٧) و((المعرفة)) (٦/
٤٣١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٤٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم بيع الخمر، وهو التحريم، وهو مجمع عليه.
٢ - (ومنها): أن الإنسان إذا رأى من يفعل المنكر ينبغي له أن يسأله قبل
الإنكار عليه، هل هو يعلم حكمه، أم لا؟
٣ - (ومنها): أن من ارتكب معصيةً جاهلاً تحريمها لا إثم عليه، ولا
تعزیر .
٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز سؤال الإنسان عن بعض أسرار
الإنسان، فإن كان مما يجب كتمانه كتمه، وإلا فيذكره، قاله النوويّ دَّثُ،
٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وقال القرطبيّ تَُّ: فيه دليلٌ على أن العالم إذا خاف على أحد الوقوع فيما لا
يجوز وجب عليه أن يستكشف عن ذلك الشيء حتى يتبيّن له وجهه، ولا يكون
هذا من باب التجسّس، بل من باب النصيحة، والإرشاد.
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ◌َُّ: إن فيه دليلاً لمذهب الشافعيّ،
والجمهور أن أواني الخمر لا تُكسَر، ولا تُشقّ، بل يراق ما فيها، وعن مالك
روايتان :
[إحداهما]: كالجمهور.
[والثانية]: يُكسر الإناء، ويُشقّ السقاء، وهذا ضعيفٌ، لا أصل له، وأما
حديث أبي طلحة ◌ُه؛ أنهم كسروا الدِّنَانَ، فإنما فعلوا ذلك بأنفسهم، من
غير أمر النبيّ مَّد.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ نَّثهُ: في هذا الحديث من الفقه أن ما
يُعْصَر من العنب يسمى خمراً في لسان العرب، لكن الاسم الشرعيّ لا يقع
عليها، إلا أن تَغْلي، وتَرْمِي بالزَّبَد، ويُسكر كثيرها أو قليلها، وفي اللغة قد
يُسمَّى العنب خمراً؛ لكن الحكم يتعلق بالاسم الشرعيّ دون اللغويّ.
٧ - (ومنها): ما قاله أيضاً: إن النهي من قِبَل الله إذا ورد فحكمه
التحريم، إلا أن يزيحه عن ذلك دليل يبيّن المراد منه، ألا ترى إلى قول
رسول الله وَعليه: ((أما علمت أن الله حرّمها))، ثم قال: ((إن الذي حرّم شربها
حرّم بيعها))، فأطلق عن الله تحريمها، ولا خلاف بين علماء المسلمين أن
تحريمها إنما ورد في سورة المائدة بلفظ النهي في قوله ربك: ﴿إِنَّمَا اُلْخَتُرُ
وَاُلْمَيْسِرُ﴾ - إلى - ﴿فَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ - وإلى - ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠
- ٩١]، وهذه الآية نسخت كلَّ لفظ ورد بإباحتها نصّاً، أو دليلاً، فنسخت ما
جرى من ذكرها في سورة البقرة، وسورة النساء، وسورة النحل(١).
٨ - (ومنها): ما قاله أيضاً: في ذلك أيضاً دليل على تحريم بيع العذرات
وسائر النجاسات، وما لا يحل أكله، ولهذا - والله أعلم - كره مالك بيع زِبْل
الدوابّ، ورخص فيه ابن القاسم؛ لِمَا فيه من المنفعة، والقياس ما قاله مالك،
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ١٤٥/٤.
٥٣٣
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْنَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٧)
وهو مذهب الشافعيّ، وظاهر هذا الحديث شاهد لصحة ذلك، قال: فلم أر
وجهاً لذكر اختلاف الفقهاء في بيع السرجين والزَّبل ها هنا؛ لأن كل قول
تعارضه السنة وتدفعه، ولا دليل عليه من مثلها، لا وجه له، قال الله :
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
الآية [الأحزاب: ٣٦].
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في كتاب الطهارة أن الأرجح من أقوال
العلماء طهارة الزِّبل والسِرْجين، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٩ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الإثم مرفوع عمن لم يَعْلَم. قال الله مت
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِيِنَ حَقََّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ومن أمكنه التعلم ولم يتعلم
أثم، والله أعلم.
١٠ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الخمر لا يجوز لأحد تخليلها، ولو
جاز لأحد تخليلها ما كان رسول الله لهو لِيَدَع الرجل أن يفتح المزادتين حتى
ذهب ما فيهما؛ لأن الخلّ مالٌ، وقد نَهَى رسول الله وَلّر عن إضاعة المال، بل
كان رسول الله ﴿ يأمره أن يُخَلِّلها؛ لقوله وَّى: ((نِعْمَ الإدام الخلّ)، ولأنه وَّ
أنصح الناس للناس، وأدلهم على قليل الخير وكثيره (١).
١١ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخْلُّهُ: وقد فَهِمَ الجمهور من تحريم
الخمر وبيعها، والمنع من الانتفاع بها، واستخباث الشرع لها، لإطلاق الرِّجس
عليها، والأمر باجتنابها، الحكمَ بنجاستها .
وخالفهم في ذلك ربيعة وحده(٢) من السلف فرأى: أنها طاهرة، وأن
المحرَّم إنما هو شربها، وهو قولٌ شاذ يردُّه ما تقدَّم، وما كان يليق بأصول
ربيعة، فإنه قد علم أن الشرع قد بالغ في ذم الخمر حتى لعنها وعَشَرةً بسببها،
وأمر باجتنابها، وبالغ في الوعيد عليها. فمن المناسب بتصرفات الشرع الحكم
بتنجيسها مبالغة في المباعدة عنها، وحماية لقربها .
فان قيل: التنجيس حكم شرعي، ولا نصّ فيه، ولا يلزم من كون الشيء
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ١٤٦/٤.
(٢) بل تابعه غيره، فقد حكي عن الليث بن سعد، والمزنيّ من أصحاب الشافعيّ، فتنبّه.
٥٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
محرَّماً أن يكون نجساً؛ فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس.
فالجواب: أنها وإن لم يكن فيها لفظٌ نصّ بالوضع الْمُتَّحِد، لكن فيها ما
يدلُّ دلالة النصوصية بمجموع قرائن الآية ومساقها، ويَعْرفُ ذلك من تصفّح
الآية وتفهَّمها. ثم ينضاف إلى الآية جملة ما ذكرناه، فيحصل اليقين بالحكم
بتنجيسها. ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصّاً لتعطلت
الشريعة، فإن النصوص فيها قليل. وأيُّ نص يوجد على تنجيس البول،
والعذرة، والدَّم، والميتة، وغير ذلك، ولا يوجد نصٌّ على تنجيس شيء مما
هنالك. وإنما هي الظواهر، والعمومات، والأقيسة.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ولا يوجد نصّ على تنجيس شيء إلخ لا
يخفى ما فيه من المجازفة، فقد جاءت نصوص كثيرة في نجاسة أشياء؛
كالبول، ودم الحيض والاستحاضة، والمذي، والميتة، وغير ذلك، فلتراجع
النصوص الصحيحة الكثيرة لذلك.
قال: وقوله: لا يلزم من الحكم بالتحريم الحكم بالتنجيس. قلنا: لم
نستدل بمجرد التحريم، بل بتحريم مستخبث شرعيّ يحرم شربه، وإن شئت أن
تحرر قياساً؛ قلت: مستخبث شرعاً، يحرم شربه، فيكون نجساً؛ كالبول،
والدَّم، وهذا هو الأولى بربيعة، فإنه الملقَّب بـ ((ربيعة الرأي))، والله تعالى
أعلم.
وقد استدل بعض من تابع ربيعة على عدم تنجيس الخمر، وهو سعيد بن
الحداد القروي بسفك الخمر على طرق المدينة. قال: ولو كانت نجسة لما
فعلوا ذلك، ولنهى رسول الله وَّر عنه، كما نهى عن التخلِّي في الطرق.
والجواب: أن الصحابة ظه فعلت ذلك لضرورة الحال؛ لأنهم لم يكن
لهم سُروبٌ، ولا آبارٌ يريقونها فيها؛ إذ الغالب من حالهم: أنهم لم تكن لهم
كُنُف في بيوتهم. وقالت عائشة ◌ًُّا: إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في
البيوت، ونَقْلها إلى خارج المدينة فيه كلفة، ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب
على الفور، فالتحق صبّها في الطرق بالنجاسات التي لا تنفكُّ الطرق عنها،
كأرواث الدواب، وأبوالها. وأيضاً، فإنها يمكن التحرُّز منها، فإن طرق المدينة
كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة، بحيث تصير نهراً يعمّ الطريق كلّها،
٥٣٥
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٧)
بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرُّز عنها. هذا مع ما يحصل في ذلك
من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من
إتلافها، وأنه لا ينتفع بها. ويتتابع الناس، ويتوافقوا على ذلك، والله أعلم.
انتهى كلام القرطبيّ كَذفه(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وبعد هذه المصاولات والمجاولات من القرطبيّ
لم يأتنا بشيء صريح من الأدلّة يُتمسّك به على نجاسة الخمر، لا من النصّ،
ولا من الإجماع، فإن المسألة مختلف فيها، كما سبق في كلامه، ولم ينفرد
ربيعة الرأي بالقول بطهارتها، فقد نُقِل عن الليث بن سعد، والمزنيّ من
أصحاب الشافعيّ، ونقله القاضي عياض عن سعيد بن الحذّاء، والهرويّ(٢)،
فالحقّ أن القول بطهارتها هو الأشبه، كما مرّ قريباً، فتبصّر بالإنصاف، ولا
تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تخليل الخمر:
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ كَُّ: قد اختلف الفقهاء في تخليل
الخمر، فقال مالك فيما رَوَى عنه ابن القاسم، وابن وهب: لا يحلّ لمسلم أن
يخلل الخمر، ولكن يهريقها، فإن صارت خلّاً بغير علاج فهو حلالٌ، لا بأس
به، وهو قول الشافعيّ، وعبيد الله بن الحسن البصريّ، وأحمد بن حنبل.
ورَوَى أشهب عن مالك قال: إذا خَلَّل النصرانيّ خمراً، فلا بأس بأكله،
وكذلك إن خللها مسلم، واستَغفَرَ الله، وهذه الرواية ذكرها ابن عبد الحكم في
كتابه، وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول فيمن اشترى قِلالَ خَلّ، فوجد فيها
قُلّة خمر، قال: لا يجعل فيها شيئاً يُخلِّلها، قال: ولا يحل للمسلم أن يعالج
الخمر حتى يجعلها خلّاً، ولا يبيعها، ولكن يهرقها، فإن فات علاجها بعد أن
وُجدت خمراً من غير علاج، فإنها حلالٌ لا بأس بها، إن شاء الله.
قال ابن وهب: وهو قول عمر بن الخطاب، والزهريّ، وربيعة.
وكان أبو حنيفة، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليث بن سعيد: لا يرون بأساً
بتخليل الخمر، وقال أبو حنيفة: إن طرح فيها السمك، والملح، فصارت
(١) ((المفهم)) ٤٥٨/٤ - ٤٦٠.
(٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ٢٥٢/٥.
٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
مُرّيّاً(١)، وتحولت عن حال الخمر جاز، وخالفه محمد بن الحسن في المري،
وقال: لا يعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخلّ وحده.
قال أبو عمر: الصحيح عندي في هذه المسألة ما قاله مالك في رواية ابن
القاسم، وابن وهب عنه، والدليل على ذلك ما رواه الثوريّ، عن السّيّ، عن
أبي هبيرة، عن أنس، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّ، وفي حجره يتيم، وكان
عنده خمر له حين حُرِّمت، فقال: يا رسول الله نصنعها خلّاً؟ قال: ((لا))،
فصَبّها حتى سال الوادي.
وروى مُجالد، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: كان
عندي خمر لأيتام، فلما نزل تحريم الخمر أمرنا رسول الله صل8* أن نهريقها.
ثم أخرج بسنده عن أنس بن مالك ه؛ أن أبا طلحة سأل النبيّ وَّر عن
أيتام وَرِثُوا خمراً، قال: ((أهرقها))، قال: أفلا أجعلها خلّاً؟ قال: ((لا))(٢).
ثم أخرج أيضاً عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله وَّ ر عن الخمر
تُتخذ خلّاً؟ قال: ((لا)).
وأخرج عن أبي سعيد ظبه قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت الآية
التي في سورة المائدة، سألنا رسول الله وَل﴾، فقلنا: إنها ليتيم، فقال:
«أهريقوها).
ثم قال بعد أن ساق أحاديث في هذا المعنى: فهذه الآثار كلُّها تدل على
أن من وَرِثَ خمراً من المسلمين، وصارت بيده أهرقها، ولم يحبسها، ولا
يخلّلها، وذلك دليل على فساد قول من قال: يخللها، فأما إذا تخللت من ذاتها
بغير صنع آدميّ، فقد رُوي فيها عن عمر ما تَسْكُن النفس إليه، وقال به مالك،
والشافعيّ، وأكثر فقهاء الحجاز.
قال: واحتَجّ العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء، وهو حديث يُرْوَى
عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي الدرداء، من وجه ليس بالقويّ أنه يأكل
(١) ((الْمُرّيّ): الذي يُؤتدم به، كأنه نسبة إلى الْمُرّ، ويُسمّيه الناس الْكَامَخ، قاله في
(«المصباح)) ٥٦٨/٢.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) ٣٢٦/٣.
٥٣٧
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٧)
الْمُرّيّ الذي جُعِل فيه الخمر، ويقول: دبغته الخلّ والملح، وهذا ومثله لا
حجة في شيء منه، إذا كان مخالفاً لما ثبت عن رسول الله وَليه .
وذَكَر ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب قال: لا خير في خَلّ من
خمر أفسدت حتى يكون الله الذي أفسدها، قال: وحديث ابن أبي ذئب، عن
ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن
عمر بن الخطاب قال: لا تؤكل خمر أفسدت، ولا شيء منها، حتى يكون الله
تولی إفسادها .
ورَوَى الحسن بن أبي الحسن، عن عثمان بن أبي العاص أن تاجراً
اشترى خمراً، فأمره أن يصبها في دجلة، فقالوا: ألا تأمره أن يجعلها خَلّاً؟
فنهاه عن ذلك.
فهذا عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص يخالفان أبا الدرداء في
تخليل الخمر، وليس في أحد حجة مع السنة، وبالله التوفيق.
قال: وقد يَحْتَمِل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الأمر عند
نزول تحريمها؛ لئلا يُستدام حبسها بقرب العهد بشربها إرادة لقطع العادة في
ذلك، وإذا كان هذا هكذا لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذ، والأمرِ
بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا تخللت، ولم يُسئل عن خمر تخللت، فَنَهَى عن
ذلك، والله تعالى الموفِّق للصواب، لا شريك له. انتهى كلام ابن
عبد البرّ كَذَتُهُ(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال العلماء، وأدلّتهم في
حكم تخليل الخمر؛ أن المذهب الصحيح هو ما ذهب إليه الجمهور من تحريم
تخليلها؛ لوضوح حجته، واستنارة محجّته، وأما إذا تخلّلت بنفسها، فإنها
حلال؛ لأنه وَّ أكل الخلّ، وقال: ((نعم الإدام الخلّ))(٢)، فتبصّر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((التمهيد)) ١٤١/٤ - ١٤٣.
(٢) حديث صحيح، أخرجه مسلم، وأحمد، وأصحاب ((السنن)).
٥٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٣٨] (.) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ
ابْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ
[٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن وَعْلة هذه لم أجد من
ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٣٩] (١٥٨٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَّلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرٍ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، خَرَجَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَاقْتَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ نَهَى عَنِ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السّلميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦]
(ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٥ - (أَبُو الضُّحَى) مُسلم بن صُبيح الْهَمدانيّ الكوفيّ العطّار، ثقةٌ فاضلٌ
[٤] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢.
٥٣٩
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٣٩)
٦ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة
فقيهٌ عابد مخضرمٌ [٢] (ت٢ أو٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين وُنا، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّيات المصنّف دَّثُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخیه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه أيضاً، فالأول نسائيّ،
ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، وعائشة ﴿ا، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﴿يا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﴿ّا؛ أنها (قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتِ) بفتح أوله، وتخفيف الزاي
مبنيّاً للفاعل (الآيَاتُ مِنْ آخِرٍ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) وفي الرواية التالية: ((لَمّا أُنزلت
الآيات من آخر سورة البقرة في الربا))، ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية
النسائيّ: (لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ الرِّبَا))، والمراد: من أول آية الربا إلى آية الدَّين.
(خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ أي: من بيته، زاد في الرواية التالية: ((إلى
المسجد)) (فَاقْتَرَأَهُنَّ) افتعال من القراءة؛ أي: قرأ تلك الآيات (عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ
نَهَى عَنِ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ) وفي الرواية التالية: ((فحَرَّم التجارة في الخمر))؛
أي: تنبيهاً على أن الربا، والخمر في الحرمة سواء، وقال السيوطيّ في ((حاشية
أبي داود)»: جاء عن عائشة في بعض الروايات: لَمّا نزلت سورة البقرة، نزل
تحريم الخمر، فنهى رسول اللهوَ ﴿ عن ذلك، فهذا يدلّ على أنه كان في
الآيات المذكورة تحريم ذلك، وكأنه نُسخت تلاوته. انتهى(١).
وقال القاضي عياض، وغيره: تحريم الخمر هو في سورة المائدة، وهي
(١) راجع: ((شرح السندي على النسائي)) ٣٠٨/٧.
٥٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
نزلت قبل آية الربا بمدّة طويلة، فإن آية الربا آخر ما نزل، أو من آخر ما نزل،
فَيَحْتَمِل أن يكون هذا النهي عن التجارة متأخّراً عن تحريمها، ويَحْتَمِل أنه أخبر
بتحريم التجارة حين حُرّمت الخمر، ثم أخبر به مرّةً أخرى بعد نزول آية الربا
توكيداً، ومبالغة في إشاعته، ولعله حضر المجلس من لم يكن بلغه تحريم
التجارة فيها قبل ذلك، نقله النوويّ في ((شرحه))(١).
وقال الحافظ بعد ذكر القاضي عياض المذكور، ما نصّه: ويَحْتَمل أن
يكون تحريم التجارة فيها تأخّر عن وقت تحريم عينها. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره الحافظ يُبعدہ ـ كما
أفاده بعض المحقّقين - (٣) ما تقدّم من قوله وَلجر: ((فمن أدركته هذه الآية، وعنده
منها شيء، فلا يشرب، ولا يبع))، فإنه صريح في وقوع تحريم الشرب والبيع
معاً، وأيضاً أمره وَّهر عند نزول الآية بإهراق خمر الأيتام دليل صريح في ذلك؛
إذ لو كان البيع جائزاً لَمَا أضاعوا أموالهم، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٣٩/٣٤ و٤٠٤٠] (١٥٨٠)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٤٥٩) و((البيوع)) (٢٠٨٤ و٢٢٢٦) و((التفسير)) (٤٥٤٠ و٤٥٤١ و٤٥٤٢
و٤٥٤٣)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٤٩٠ و٣٤٩١)، و(النسائيّ) في ((البيوع))
(٣٠٨/٧) و((الكبرى)) (٣٠٦/٦)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة)) (٣٣٨٢)،
و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٩٩/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٦/٦ و١٠٠ و١٢٧
و١٨٦ و١٩٠ و٢٧٨)، و(الدارميّ) في («سننه» (٢٤٥٦ و٢٤٥٧)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٣٦٨/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١/٦)، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٥/١١.
(٢) ((الفتح)) ٢٠٨/٢ (كتاب الصلاة)) رقم (٤٥٩).
(٣) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٥٥٥/١.