Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(٣١) - بَابُ تَحْرِيمِ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٠٠٨)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ؤها هذا من أفراد المصنّف تَخْذُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٠٨/٣١] (١٥٦٩)، و(أبو داود) في ((البيوع))
(٣٤٧٩)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (٥٧٧/٣)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٧/
٣٠٩)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢١٦١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٢٩٦/٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٤٩/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)
(٤٩٤٠)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٥٣/٤)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (٢٩٥/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٨٧/٤)، و(الحاكم) في
((المستدرك)) (٣٩/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٤٩/١)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٣٥٤/٣ و٣٥٥)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٧٣/٣)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (١٠/٦) و((الصغرى)) (٢١٢/٥) و((المعرفة)) (٣٩٨/٤)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع السنّور:
قال النوويّ تَخْثُهُ في ((شرح المهذّب)): بيع الهرّة الأهلية جائز بلا خلاف
عندنا، إلا ما حكاه البغويّ في كتابه في شرح مختصر المزنيّ عن ابن القاصّ
أنه قال: لا يجوز، وهذا شاذَّ باطلٌ مردودٌ، والمشهور جوازه، وبه قال جماهير
العلماء، نقله القاضي عياض عن الجمهور، وقال ابن المنذر: أجمعت الأمة
على أن اتخاذه جائز، ورَخَّص في بيعه ابن عباس، وابن سيرين، والحكم،
وحماد، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وسائر
أصحاب الرأي، قال: وكَرِهت طائفة بيعه، منهم أبو هريرة، ومجاهد،
وطاووس، وجابر بن زيد، قال ابن المنذر: إن ثبت عن النبيّ وَّر النهي عن
بيعه فبيعه باطل، وإلا فجائز، هذا كلام ابن المنذر.
واحتَجَّ من منعه بحديث أبي الزبير، قال: سألت جابراً عن ثمن الكلب
والسنور، فقال: زجر النبيّ وَّر عن ذلك. رواه مسلم.
قال: واحتَجّ أصحابنا - يعني الشافعيّة - بأنه طاهر، منتَفَع به، ووُجد فيه
جميع شروط البيع بالخيار، فجاز بيعه، كالحمار، والبغل.

٤٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
والجواب عن الحدیث من وجهين:
أحدهما: جواب أبي العباس بن القاصّ، وأبي سلمان الخطابيّ،
والقفال، وغيرهم؛ أن المراد الهرّة الوحشية، فلا يصح بيعها؛ لعدم الانتفاع
بها، إلا على الوجه الضعيف القائل بجواز أكلها .
والثاني: أن المراد نهي تنزيه، والمراد النهي على العادة بتسامح الناس
فيه، ويتعاورونه في العادة، فهذان الجوابان هما المعتمدان.
وأما ما ذكره الخطابيّ، وابن المنذر أن الحديث ضعيف، فغَلَطْ
منهما؛ لأن الحديث في ((صحيح مسلم)) بإسناد صحيح، وقول ابن المنذر:
إنه لم يروه عن أبي الزبير، غير حماد بن سلمة، فغَلَطً أيضاً، فقد رواه
مسلم في ((صحيحه)) من رواية مَعْقِل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، فهذان
ثقتان روياه عن أبي الزبير، وهو ثقة أيضاً، والله أعلم. انتهى كلام
النوويّ ◌َخَّقُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحديث صحيح بلا شكّ، فقد أخرجه مسلم في
((صحيحه))، ولم ينفرد به حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، بل تابعه فيه مَعْقِل بن
عبيد الله، كما هنا، ولم ينفرد به أبو الزبير، بل تابعه أبو سفيان طلحة بن
نافع، عن جابر ظه فقد أخرجه أبو داود والترمذيّ بإسناد صحيح، عن
الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر به قال: ((نَهَى رسول الله وَّ عن ثمن
الكلب، والسّنّوْر)).
فتبيّن بهذا أن الحقّ ما ذهب إليه أبو هريرة، وطاوس، ومجاهد،
وجابر بن زيد من عدم جواز بيع الهرّة؛ لصحّة النهي الصريح عن النبيّ وَلقوله
عنه، وقد تقدّم عن ابن المنذر أنه قال: إن ثبت عن النبيّ وَّ النهي عن بيعه
فبيعه باطل، فقد ثبت النهي، فالبيع باطل عند ابن المنذر أيضاً، فتبصّر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١) ((المجموع شرح المهذّب)) ٢١٧/٩ - ٢١٦.

٤٦٣
(٣٢) - بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٠٠٩)
(٣٢) - (بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، وَبَيَانِ تَحْرِیم
اقْتِنَائِهَا، إِلَّا لِصَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، وَنَحْوِ ذَلَِّكَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٠٩] (١٥٧٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قريباً.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿هَا، تقدّم أيضاً قريباً.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف ◌َخَُّ، وهو (٢٦٧) من رباعيّات
الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوري، وهو أصح الأسانيد
مطلقاً، كما نُقل عن الإمام البخاريّ تَّفُهُ، وفيه ابن عمر ظًا أحد العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌ِّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) وفي رواية
عبيد الله، عن نافع التالية: ((أَمَر بقتل الكلاب، فأرسل في أقطار المدينة أن
تُقْتَل))، وفي رواية إسماعيل بن أميّة، عن نافع: ((كان رسول الله وَله يأمر بقتل
الكلاب، فننبَعِثُ في المدينة وأطرافها، فلا نَدَعُ كلباً إلا قتلناه، حتى إنا لنقتل
كلب الْمُرَيَّة(١) من أهل البادية يتبعها))، وفي رواية عمرو بن دينار، عن ابن
عمر ﴿يًا: ((أن رسول الله وَّ﴿ أَمَرَ بقتل الكلاب، إلا كلبَ صيد، أو كلب
(١) تصغير المرأة.

٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
غنم، أو ماشية، فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال ابن
عمر: إن لأبي هريرة زرعاً)).
وفي حديث جابر به: ((أمرنا رسول الله وَّه بقتل الكلاب، حتى إن
المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها، فتقتله، ثم نَهَى رسول الله وَّهو عن قتلها، وقال:
عليكم بالأسود البهيم، ذي النقطتين، فإنه شيطان)).
وفي حديث عبد الله بن المغَفَّل ◌َه ◌ُله: ((قال: أمر رسول الله وَّه بقتل
الكلاب، ثم قال: ما بالُهُمْ وبالُ الكلاب؟ ثم رَخَّص في كلب الصيد، وكلب
الغنم))، وفي رواية له: ((في كلب الغنم، والصيد، والزرع)).
وفي حديث ابن عمر ﴿ه: ((من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية، أو ضارٍ،
نَقَصَ من عمله كلَّ يوم قيراطان))، وفي رواية: ((ينقص من أجره كل يوم
قيراط)).
وفي حديث أبي هريرة ظبه: ((من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد، ولا
ماشية، ولا أرض، فإنه يَنْقُصُ من أجره قيراطان كلَّ يوم))، وفي رواية له:
((انتقص من أجره كلَّ يوم قيراط)).
وفي حديث سفيان بن أبي زُهير: ((من اقتنى كلباً لا يُغني عنه زرعاً، ولا
ضرعاً نَقَصَ من عمله كلَّ يوم قيراط)).
[تنبيه]: سبب أمره ولو بقتل الكلاب هو ما سيأتي للمصنّف في ((كتاب
اللباس)) من حديث عائشة ما أنها قالت: واعد رسول الله وَ قو جبريل في
ساعة يأتيه فيها، فجاءت تلك الساعة، ولم يأته، وفي يده عصاً، فألقاها من
يده، وقال: ((ما يُخلف الله وعده، ولا رُسُله))، ثم التفت، فإذا جِرْوُ كلب
تحت سريره، فقال: ((يا عائشة متى دخل هذا الكلب ها هنا؟))، فقالت: والله
ما دَرَيت، فَأَمَر به، فأُخرج، فجاء جبريل، فقال رسول الله وَّ: ((واعدتني،
فجلستُ لك، فلم تأت))، فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا
ندخل بيتاً فیہ کلب، ولا صورة)).
وعن ميمونة ◌ُها: أن رسول الله وَلقر أصبح يوماً واجماً، فقالت ميمونة:
يا رسول الله لقد استنكرتُ هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله وَلهو: إن جبريل
كان وعدني أن يلقاني الليلةَ، فلم يلقني، أَمَ والله ما أخلفني، قال: فظلَّ

٤٦٥
(٣٢) - بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٠٠٩)
رسول الله ◌َ﴿ يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جِرْوُ كلب تحت فسطاط
لنا، فأَمر به، فأُخرج، ثم أخذ بيده ماءً، فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه
جبريل، فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة، قال: أجل، ولكنا لا
ندخل بيتاً فيه كلب، ولا صورةٌ، فأصبح رسول الله وَ له يومئذ، فأمر بقتل
الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير.
انتھی.
[تنبيه آخر]: قال القرطبيّ تَخَّشُهُ: حديث ابن عمر ﴿ه رُوي مطلقاً من غير
استثناء، كما قال في رواية مالك(١)، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَلآي-
أمر بقتل الكلاب، وروي مقيَّداً بالاستثناء المتَّصل، كرواية عمرو بن دينار، عن
ابن عمر؛ أن النبيّ وَ﴿ أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو
ماشية، فيجب على هذا ردّ مطلق إحدى الروايتين إلى مقيَّدهما، فإن القضية
واحدة، والرَّاوي لهما واحد، وما كان كذلك وجب فيه ذلك بالإجماع، كما
بيَّنَّاه في أصول الفقه، وهذا واضح في حديث ابن عمر.
وعليه: فكلب الصيد، والماشية، لم يتناولهما قط عموم الأمر بقتل
الكلاب؛ لاقتران استثنائهما من ذلك العموم.
وإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالك، وأصحابه، وكثير من العلماء،
فقالوا: بقتل الكلاب إلا ما استُثني منها، ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المستثنى
منسوخاً، بل محكماً، وأما حديث عبد الله بن مغفل ظه فمقتضاه غير هذا،
وذلك: أنَّه قال فيه: أمر رسول الله وَ﴿ بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما بالهم وبال
الكلاب))، ثم رَخَّص في كلب الصيد، وكلب الغنم، والزرع، ومقتضى هذا:
أنَّه أمرهم بقتل جميع الكلاب من غير استثناء شيء منها، فبادروا، وقتلوا كل
ما وجدوا منها، ثم بعد ذلك رخص فيما ذكر، فيكون هذا الترخيص من باب
النسخ؛ لأن العموم قد استقرَّ، وبردَ، وعُمِل عليه، فرفعُ الحكم عن شيء مما
تناوله نسخ لا تخصيص، وقد ذهب إلى هذا في هذا الحديث بعض العلماء،
(١) قال الجامع: هذا بالنسبة لرواية مالك عند الشيخين، وإلا فقد أخرجه النسائيّ عن
طريقه بلفظ: ((أمر بقتل الكلاب، غيرَ ما استَثْنَى منها))، فتنبّه.

٤٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ونحو من حديث عبد الله بن المغفل حديث جابر بن عبد الله، قال: قد أمرنا
رسول الله وَاللّه بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها، فنقتله، ثم
نهى رسول الله وَ﴿ عن قتلها فقال: ((عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنه
شيطان))، فمقتضاه: أن الأمر كان بقتل الكلاب عاماً لجميعها، وأنه نُسخ عن
في جميعها إلا الأسود، وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء.
ولَمَّا اضطربت هذه الأحاديث المروية وجب عرضها على القواعد
الأصولية، فنقول: إن حديث ابن عمر ليس فيه أكثر من تخصيص عموم
باستثناءٍ مقترنٍ به، وهو أكثر في تصرفات الشرع من نسخ العموم بكليته،
وأيضاً: فإن هذه الكلاب المستثنيات الحاجةُ إليها شديدة، والمنفعة بها عامَّة
وَكِيدة، فكيف يأمر بقتلها؟ هذا بعيد من مقاصد الشرع، فحديث ابن عمر
أولى، والله أعلم.
قال: والحاصل من هذه الأحاديث: أن قتل الكلاب غير المستثنيات
مأمور به إذا أضرَّت بالمسلمين، فإن كثر ضررها وغلب، كان الأمر على
الوجوب، وإن قلّ وندر، فأيُّ كلب أضرَّ وجب قتله، وما عداه جائز قتله؛ لأنه
سَبُعٌ لا منفعة فيه، وأقل درجاته توقع الترويع، وأنه يُنقص من أجر مقتنيه كل
يوم قيراطين، فأمَّا المرَوِّع منهن غير المؤذي، فقتله مندوب إليه، وأما الكلب
الأسود ذو النقطتين: فلا بُدَّ من قتله للحديث المتقدِّم، وقلّما يُنتفَع بمثل تلك
الصفة؛ لأنه إن كان شيطاناً على الحقيقة فهو ضرر محض، لا نفع فيه، وإن
كان على التشبيه به، فإنما شبِّه به للمفسدة الحاصلة منه، فكيف يكون فيه
منفعة؟! ولو قَدَّرنا فيه أنه ضارٍ، أو للماشية، لقُتِل؛ لنصّ النبيّ وَِّ على قتله.
انتهى كلام القرطبيّ تَّثُ(١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة
- إن شاء الله تعالى -.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر
(١) ((المفهم)) ٤٤٨/٤ - ٤٥٠.

٤٦٧
(٣٢) - بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٠٠٩)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٠٩/٣٢ و٤٠١٠ و٤٠١١ و٤٠١٢] (١٥٧٠
و١٥٧١)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٣٢٣)، و(أبو داود) في ((الطهارة))
(١٩/١)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٤٨٨)، و(النسائيّ) في ((الصيد
والذبائح)) (١٨٤/٧ و١٨٥) وفي ((الكبرى)) (٧٨/١ و١٤٧/٣ و١٤٨)، و(ابن
ماجه) في ((الصيد)) (٣٢٠٢)، و(مالك) في ((الموطّا)) (٩٦٩/٢)، و(الشافعيّ)
في («مسنده) (١٤٢/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٦١٠)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٠٥/٥ و٤٠٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢/٢ و٢٣
و١٠١ و١١٣ و١١٦ و١١٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٩٠/٢)، و(أبو عوانة)
في («مسنده)) (٣٦٠/٣ و٣٦٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٧٩/٩)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٥٦٤٨)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٦٥/١)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٨/٦ و٩) و((المعرفة)) (٣٩٥/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٢٧٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في قتل الكلاب:
قال النوويّ تَخَُّهُ: أجمع العلماء على قتل الكَلْب الكَلِبِ، والكلْب
العَقُور، واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه، فقال إمام الحرمين من أصحابنا:
أمر النبيّ ◌َ﴿ أولاً بقتلها كلها، ثم نَسَخَ ذلك، ونَهَى عن قتلها إلا الأسود
البهيم، ثم استقرّ الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها،
ئه .
سواء الأسود وغيره، ويُستدلّ لما ذكره بحديث ابن المغفَّل
وقال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل
الكلاب، إلا ما استُثْنِي من كلب الصيد وغيره، قال: وهذا مذهب مالك،
وأصحابه، قال: واختلف القائلون بهذا، هل كلب الصيد ونحوه منسوخ من العموم
الأول في الحكم بقتل الكلاب، وأن القتل كان عامّاً في الجميع، أم كان
مخصوصاً بما سوى ذلك؟ قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها، ونسخ
الأمر بقتلها، والنهي عن اقتنائها، إلا الأسود البهيم، قال القاضي: وعندي أن
النهي أوّلاً كان نهياً عاماً عن اقتناء جميعها، وأمر بقتل جميعها، ثم نَهَى عن قتلها،
ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية.

٤٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي هو ظاهر الأحاديث، ويكون
حديث ابن المغفَّل مخصوصاً بما سوى الأسود؛ لأنه عامّ، فيخص منه الأسود
بالحديث الآخر، وأما اقتناء الكلاب فمذهبنا أنه يحرم اقتناء الكلب بغير
حاجة، ويجوز اقتناؤه للصيد، وللزرع، وللماشية، وهل يجوز لحفظ الدُّور،
والدُّرُوب، ونحوها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لظواهر الأحاديث، فإنها
مصرِّحة بالنهي، إلا لزرع، أو صيد، أو ماشية، وأصحها: يجوز قياساً على
الثلاثة؛ عملاً بالعلة المفهومة من الأحاديث، وهي الحاجة، وهل يجوز اقتناء
الْجِرو، وتربيته للصيد أو الزرع أو الماشية؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما
جوازه. انتهى كلام النوويّ كَُّ(١).
وقال ابن عبد البرّ كَّلُ في كتابه ((التمهيد)): اختَلَفت الآثار في قتل
الكلاب، واختَلَف العلماء في ذلك أيضاً:
فذهب جماعة من أهل العلم إلى الأمر بقتل الكلاب كلها، إلا ما ورد
الحديث بإباحة اتخاذه منها للصيد، والماشية، وللزرع أيضاً، وقالوا: واجب
قتل الكلاب كلها، إلا ما كان منها مخصوصاً بالحديث؛ امتثالاً لأمره وَله،
واحتجوا بحديث ابن عمر ﴿ًا المذكور في الباب، وبحديث جابر أيضاً.
قال: ورُوي عن عبد الله بن جعفر أن أبا بكر به أمر بقتل الكلاب،
قال عبد الله: وكانت أمي تحته، وكان جِرْوٌ لي تحت السرير، فقلت له: يا أبي
وكلبي أيضاً؟ فقال: لا تقتلوا كلب ابني، ثم أشار بإصبعه أن خذوه من تحت
السرير، فأخذ وأنا لا أدري، فقُتل.
ورَوَى حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع؛ أن ابن عمر دخل أرضاً له،
فرأى كلباً، فَهَمّ أن يقع بِقَيِّم أرضه، فقال: إنه والله كلبٌ عابرٌ دخل الآن،
قال: فأخذ الْمِسْحاة، وقال: حَرِّشوه عليّ، قال: فشحطه.
قوله: ((فشحطه))؛ أي: قتله في أعجل شيء.
فهذا أبو بكر الصديق، وابن عمر ﴿ قد عَمِلا بقتل الكلاب بعد
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٥/١٠ - ٢٣٦.

٤٦٩
(٣٢) - بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٠٠٩)
رسول الله وَ﴾، وجاء نحو ذلك عن عمر، وعثمان، فصار ذلك سنةً معمولاً بها
عند الخلفاء، لم يَنسخها عند مَن عَمِل بها شيء.
وإلى هذا ذهب مالك بن أنس، قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول في
قتل الكلاب: لا أرى بأساً أن يأمر الوالي بقتلها .
قال أبو عمر: ظاهر حديث ابن عمر، وحديث جابر يدلّ على قتل جميع
الكلاب، ولكن الحديث في ذلك ليس على عمومه؛ لما قد بان في حديث ابن
شهاب، عن مالك، عن سالم، عن ابن عمر قال: فكانت الكلاب تُقْتَل، إلا
كلب صيد، أو ماشية، ومثله حديث عبد الله بن مغفل: أن رسول الله وَ لّهِ أَمَر
بقتل الكلاب، ورَخَّص في كلب الزرع، والصيد.
وقال آخرون: أمْره ◌َله بقتل الكلاب منسوخ بإباحته اتخاذ ما كان منها
للماشية، والصيد، والزرع، واحتجّ قائلو هذه المقالة بحديث عبد الله بن
الْمُغَفَّل ◌َهُبه قال: أمر رسول الله وَي بقتل الكلاب، ثم قال: ما لي وللكلاب؟
ثم رَخَّص في كلب الصيد.
قالوا: ففي هذا الخبر أن كلب الصيد قد كان أَمَر بقتله، ثم أباح الانتفاع
به، فارتفع القتل عنه، قالوا: ومعلوم أن كل ما يُنتفَع به جائزٌ اتخاذُهُ، ولا
يجوز قتله إلا ما يؤكل، فَيُذَكَّى، ولا يُقتَل.
واحتجّوا أيضاً بحديث جابر رضي الله تعالى عنه: ((أمرنا رسول الله
صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب، قال: فكنّا نقتلها حتّى قال: إنها أمّة
من الأمم، ثم نهى عن قتلها، وقال: عليكم بالأسود ... )) الحديث.
قال أبو عمر: حديث جابر لا حجّة فيه لمن أمر بقتل الكلاب، بل
الحجة فيه لمن لم ير قتلها. قالوا: فهذا يدلّ على أن الإباحة في اتّخاذها وحبّه
أن لا يُفنيها، كان بعد الأمر بقتلها. قالوا: وقد رخّص في كلب الصيد، ولم
يخصّ أسود بهيماً من غيره. وقد قالوا: إن الأسود البهيم من الكلاب أكثرها
أُذّى، وأبعدها من تعليم ما ينفع، ولذلك رُوي أن الكلب الأسود شيطان؛ أي:
بعيد من المنافع، قريبٌ من المضرّة والأذى، وهذه أمورٌ لا تُدرك بنظر، ولا
يوصل إليها بقياس، وإنما يُنتهى فيها إلى ما جاء عنه صلّى الله تعالى عليه
وسلم .

٤٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال أبو عمر: قد اضطربت ألفاظ الأحاديث في هذا المعنى، فمنها ما
يدلّ على النسخ، ومنها ما يدلّ على الأمر بالقتل فيما عدا المستثنى.
قال: وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز قتل شيء من الكلاب، إلا
الكلب العقور، وقالوا: الأمر بقتل الكلاب منسوخ بنهيه صلّى الله تعالى
عليه وسلم أن يُتّخذ شيء فيه الروح غَرَضاً، وبقوله صلّى الله تعالى عليه
وسلم: خمس من الدوابّ يُقتلن في الحلّ والحرم، فذكر منهن الكلب
العقور، فخصّ العقور، دون غيره؛ لأن كلّ ما يَعقر المؤمن، ويؤذيه،
ويُقدر عليه، فواجب قتله، وقد قيل: العقور ههنا الأسد، وما أشبهه من
عقّارة سباع الوحش. واحتجّوا أيضاً بما أخرجه الشيخان من قصّة الرجل
الذي سقى كلباً يلهث من العطش، فشكر الله له ذلك، فغفر له، وبما
أخرجاه أيضاً من قصّة المرأة البغيّة، نزعت موقها، فسقت كلباً في يوم
حارّ، يُطيف بركيّة، قد أدلع لسانه من العطش، فغُفر لها. قال أبو عمر:
والذي أختاره أن لا يُقتل شيء من الكلاب، إذا لم تضرّ بأحد، ولم تعقر
أحداً لنهيه صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يُتّخذ شيء فيه الروح غرضاً،
ولِمَا ذكرنا له من حجة من اخترنا قوله.
قال: ومن الحجة أيضاً لِمَا ذهبنا إليه في أن الأمر بقتل الكلاب منسوخٌ،
ترك قتلها في كلّ الأمصار، على اختلاف الأعصار بعد مالك تَخْتُهُ، وفيهم
العلماء، والفضلاء إلى آخر كلامه. انتهى المقصود من كلام ابن
عبد البرّ تَخْذَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي هو ما رجّحه الْقَاضِي
عياض تَخْذُ، من أَنَّ الَّهْي أَوَّلاً كَانَ نَهْياً عَامّاً، عَن اقْتِنَاءِ جَمِيعهَا، وَأَمَرَ بِقَتْلٍ
جَمِيعهَا، ثُمَّ نَهَى عَن قَتْلهَا مَا سِوَى الْأَسْوَدَ، وَمَنَعَ الاقْتِنَاءِ فِي جَمِيعهَا، إِلَّا
كَلْب صَيْد، أَوْ زَرْعِ، أَوْ مَاشِيَة، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِیث، وَيَكُون حَدِيث ابْن
(١) ((التمهيد)) ٢٢٤/١٤ - ٢٣٥.

٤٧١
(٣٢) - بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٠١٠)
الْمُغَفَّل ◌َهُ مَخْصُوصاً بِمَا سِوَى الْأَسْوَد؛ لِأَنَّهُ عَامّ، فَيَخُصّ مِنْهُ الْأَسْوَد
بِالْحَدِيثِ الْآخَر.
والحاصل أن الأمر بقتل الكلاب منسوخٌ، وأن اقتناءها لا يجوز، إلا ما
استثناه الشارع الحكيم، وهو ما تدعو إليه الحاجة، من الصيد، والماشية،
والزرع، وهل يُلحق حفظ الدور ونحوها مما تشتدّ الحاجة إليه؟ الظاهر نعم،
كما صححه النوويّ كَّلُ في كلامه السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠١٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَأَرْسَلَ
فِي أَقْطَارِ الْمَدِينَةِ أَنْ تُقْتَلَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم قريباً(١).
والباقیان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَأَرْسَلَ فِي أَقْطَارِ الْمَدِينَةِ) بالفتحِ: جمع قُطر، بضمّ، فسكون،
كَقُفْل وأَقْفال: الجانب، والناحية(٢).
(١) [تنبيه]: وقع في برنامج الحديث للكتب التسعة غلط في هذه الترجمة، فقد ترجموا
لعبيد الله بن عمر بن الخطّاب، شقيق سالم بدل عبيد الله بن عمر العمريّ، وهو
غلط فاحش، والصواب هنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطّاب العمريّ، كما في ((تحفة الأشراف)) ٤٥٤/٥، فتنبّه، والله تعالى الهادي
إلى سواء السبيل.
(٢) راجع: ((المصباح)) ٥٠٨/٢.

٤٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف كَخَذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠١١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ
الْمُفَضَّلِ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ أُمَّيَّةَ - عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ بَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ وَأَطْرَافِهَا، فَلَ نَدَعُ كَلْباً إِلَّا
قَتَلْنَاهُ، حَتَّى إِنَّا لَنَقْتُلُ كَلْبَ الْمُرَيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَتْبَعُهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ
[١٠] (ت٢٤٤) (م ٤) تقدم في ((الجمعة)) ٦/ ١٩٧٢.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرّقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أُميّة الأمويّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَتَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ إلخ) أي: نثور، فننتشر، يقال: انبعث فلان
لشأنه: إذا ثار، ومضى ذاهباً لقضاء حاجته، قاله ابن الأثير تَقْذَهُ(١).
وقوله: (كَلْبَ الْمُرَيَّةِ) بضمّ الميم، وفتح الراء، وتشديد الياء التحتيّة:
تصغير المرأة، والأصل: الْمُرَيْأة، وسيأتي في حديث جابر ظُه بلفظ: ((حتى
إن المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها ... )) الحديث.
وقوله: (يَتْبَعُهَا) جملة حاليّة من ((المريّة)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((النهاية)) ١٣٩/١.

٤٧٣
(٣٢) - بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٠١٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠١٢] (١٥٧١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّ كَلْبَ
صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمِ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ
زَرْعٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَّ: إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعاً).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَُّهُ، وهو
(٢٦٨) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ) قال وليّ الدّينِ كَُّهُ: فيه الأمر بقتل
الكلاب، وهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: الكلب العقور، والكَلِبُ قد أجمع العلماء على قتله.
الثاني: ما يباح اقتناؤه؛ للمنافع المتقدم ذكرها، وقد أجمعوا على منع
قتله .
والثالث: ما عدا هذين القسمين، وقد اختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: قتلها مطلقاً؛ تمسكاً بهذا الحديث، وهو مذهب مالك،
وأصحابه، قال ابن عبد البرّ: قد عَمِل أبو بكر، وابن عمر بقتل الكلاب بعد
رسول الله وَّ﴾، وجاء نحو ذلك عن عمر، وعثمان، فصار ذلك سنةً معمولاً بها
عند الخلفاء، لم ينسخها عند من عَمِل بها خبر.
القول الثاني: المنع من قتلها، وأنه منسوخ، ودلّ على ذلك إباحة
اتخاذها؛ لمنافع، وفي ((صحيح مسلم)) وغيره عن عبد الله بن مُغَفَّل ◌َظُه
قال: أمر النبيّ وَ﴿ بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما بالهم، وبال الكلاب؟)) ثم

٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رَّخَّص في كلب الصيد، وكلب الغنم، وفي رواية له: ورَخَّص في كلب
الغنم، والصيد، والزرع، وهذا مذهب الشافعيّ، كما جزم به الرافعيّ في
(الأطعمة))، والنوويّ في ((البيع)) من ((شرح المهذَّب))، وزاد أنه لا خلاف
فيه بين أصحابنا، قال: وممن صرّح به القاضي حسين، وإمام الحرمين،
قال إمام الحرمين: الأمر بقتل الكلب الأسود وغيره كله منسوخ، فلا يحل
قتل شيء منها اليوم، لا الأسود، ولا غيره، إلا الكَلْب العقور، لكن قال
الرافعيّ في ((الحج)): إنَّ قتلها مكروه، وذكر النوويّ أن مراده كراهة التنزيه،
وذكر الرافعيّ في ((الغصب))، والنوويّ في ((التيمم)) أنها غير محترمة، وزعم
شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ أن مذهب الشافعيّ جواز
قتلها، فالله أعلم.
واختار ابنُ عبد البرّ المنعَ من قتلها .
القول الثالث: أنها ممنوع من قتلها، إلا الأسود البهيم، واختار النوويّ
في ((شرح مسلم)) هذا، ويدلّ له ما في ((صحيح مسلم)) عن جابر رَُّه قال:
أمرنا رسول الله وَ﴿ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها،
فنقتله، ثم نَهَى رسول الله وَّر عن قتلها، وقال: ((عليكم بالأسود البهيم، ذي
الطفيتين، فإنه شيطان))، وقيل في معنى كونه شيطاناً: إنه بعيد من المنافع،
قريب من المضرّة، والأذى.
قال: واختُلِف في الأمر بقتل الكلاب المذكور في هذا الحديث، هل
كان قبل نسخه عامّاً، أو مخصوصاً بما عدا المنتفَع به للصيد ونحوه، حكاه
القاضي عياض، وقال: عندي أن النهي أوّلاً كان عاماً عن اقتناء جميعها،
وأمر بقتل جميعها، ثم نَهَى عن قتل ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في
جميعها، إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية، قال النوويّ: وهذا الذي قاله
القاضي هو ظاهر الأحاديث، ويكون حديث ابن مُغَفَّل .
◌ُّ مخصوصاً بما عدا
الأسود؛ لأنه عامٌ، فَيُخَصّ منه الأسود بالحديث الآخر.
وقال أيضاً: استُدِلّ بالأمر بقتل الكلاب على تحريم أكلها؛ لأن مباح

٤٧٥
(٣٢) - بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٠١٢)
الأكل لا يجوز قتله عند القدرة عليه، وهذا هو المعروف من مذاهب العلماء.
انتهى كلام وليّ الدين تَظّهُ(١).
وقوله: (إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمِ، أَوْ مَاشِيَةٍ) وقال وليّ الدين ◌َُّهُ :
فيه تكرار، وهو من ذكر العامّ بعد الخاصِّ؛ لأن الماشية أعمّ من الغنم، وإن
كان الأكثر استعمالها في الغنم، وقد اقتصر الترمذيّ، والنسائيّ في روايتهما
على الماشية. انتهى(٢).
والمعنى: إلا كلباً يصطاد به الإنسان الصيد، أو كلباً يحرُس له غنمه، أو
دوابّه؛ لئلا يأكلها ذئبٌ، أو نحوه.
قال في ((المنتقى شرح الموطأ)): قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: يُرِيدُ: كُلَّ كَلْبٍ،
اُنُّخِذَ لِغَيْرِ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، قَالَ مَالِكٌ: تُقْتَلُ الْكِلَابُ، مَا يُؤْذِي مِنْهَا، وَمَا
يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا، كَالْفُسْطَاطِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ
الْإِحْسَانَ إِلَيْهَا،َ حَالَ حَيَاتِهَا، وَأَنْ يُحْسِنَ قَتْلَتَهَا، وَلَا تُنَّخَذُ غَرَضاً، وَلَا تُقْتَلُ
جُوعاً، وَلَا عَطَشاً. انتهى.
وقوله: (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعاً) وقال سالم في الرواية
الأخرى: ((وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حَرْث، وكان صاحب حرث))، قال
العلماء: ليس هذا توهيناً لرواية أبي هريرة به، ولا شكّاً فيها، بل معناه: أنه
لما كان صاحبَ زرع، وحرث اعتنى بذلك، وحفظه، وأتقنه، والعادة أن
المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويَتَعَرَّف من أحكامه ما لا يعرفه غيره،
وقد ذكر مسلم هذه الزيادة، وهي اتخاذه للزرع من رواية عبد الله بن
المغفَّل ◌َظُبه، ومن رواية سفيان بن أبي زهير ظُه، عن النبيّ وَّ، وذكرها
أيضاً مسلم من رواية ابن الحكم، واسمه عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجليّ(٣)،
عن ابن عمر ظَهَا، فَيُحْتَمل أن ابن عمر لَمّا سَمِعها من أبي هريرة، وتحققها
عن النبيّ آلّ رواها عنه بعد ذلك، وزادها في حديثه الذي كان يرويه بدونها.
(١) ((طرح التثريب)) ٣١/٦ - ٣٣.
(٣) سيأتي الكلام عليه قريباً .
(٢) ((طرح التثريب)) ٦/ ٣٣.

٤٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ويَحْتَمِل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبيّ بَّرَ، فرواها، ونسيها في
وقت، فتركها .
والحاصل أن أبا هريرة
بهذه الزيادة، بل وافقه جماعة
ليس منفرداً
من الصحابة في روايتها، عن النبيّ وَير، ولو انفرد بها لكانت مقبولة، مرضيّة،
مُكَرَّمَةً، قاله النوويّ كَذُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً.
[تنبيه]: مما يُتعجّب منه أن الحافظ ﴿به ذكر في ((الفتح)) أن ابن عمر
ينكر على أبي هريرة في زيادة: (أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ))، واستند في ذلك إلى قول ابن
عمر في رواية مسلم هذه: ((إن لأبي هريرة زرعاً))، والغريب منه أنه كيف استدلّ
بهذا، مع أنه لا يدلّ على الإنكار أصلاً، بل إنما يدلّ على التثبيت، كما ذكر
الحافظ نفسه بعدُ بقوله: ((ويقال: إن ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت
رواية أبي هريرة ﴿ه))، إلى آخر كلامه.
وإنما قلت: بل يدلّ على التثبيت؛ لأن مسلماً أخرج بعد هذا من طريق
أبي الحكم، عن ابن عمر بزيادة كلب الزرع، فهذا دليل واضحٌ على أن قول
ابن عمر: ((إن لأبي هريرة زرعاً))، تثبيتٌ لحفظه، وليس إنكاراً، ولا طعناً فيه،
وقد أجاد النوويّ تَُّ في كلامه السابق حيث حقّق وبيّن هذا، وعزاه إلى
العلماء.
وممن أيّد هذا البيهقيّ كَُّ حيث قال: وكأن ابن عمر أخذه عن أبي
هريرة، عن النبيّ 18َ في الزرع، وعن النبيّ وَّر نفسه في كلب الماشية
(٢)
والصيد. انتهى .
وممن أيّده أيضاً أبو العبّاس القرطبيّ تَُّ في ((المفهم)) حيث قال: وقول
ابن عمر: «كان لأبي هريرة زرع) لا يَفْهَم منه أحد من العقلاء تُهْمَةً في حقّ
أبي هريرة ﴿ه، وإنما أراد ابن عمر أن أبا هريرة لما كان صاحب زرع، وكان
محتاجاً لِمَا يحفظ به زرعه سأل النبيّ وَلّر عن ذلك، فأجابه بالاستثناء، فحصل
له علم لم يكن عند ابن عمر، ولا عند غيره ممن لم يكن له اعتناء بذلك، ولا
تهمهم. انتهى.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٦/١٠.
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٩/٦.

٤٧٧
(٣٢) - بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٠١٢)
والحاصل أن زيادة ((أو كلب زرع)) زيادة صحيحة عن أبي هريرة،
ـيّ،
وعبد الله بن المغفّل، وسفيان بن أبي زُهير الشنئيّ، وعن ابن عمر نفسه
فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال القرطبيّ تَخُّْ: وكلبُ الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو: الذي
يَسْرَحُ معها، لا الذي يحفظها في الدَّار من السُّرَّاق.
وكلبُ الزرع هو: الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار، لا من
السُّراق، وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسُرَّاق الماشية والزرع.
والكلب الضاري هو: المعلّم للصيد؛ الذي قد ضَرِيَ به (١). انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمل كلب الماشية على إطلاقه، فيعمّ
الحافظ عن السُرّاق وغيرهم - كما قاله العلماء غير مالك - هو الحقّ؛ لإطلاق
الحديث في ذلك، فتأمل، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال صاحب ((تكملة فتح الملهم)): تمسّك بقول ابن عمر هذا في أبي
ـ ◌ّ كانوا يشكون في رواية
هريرة ﴿ه بعض ملاحدة عصرنا، وقالوا: إن الصحابة
غيرهم عن رسول الله وَّةٍ، ويتّهمونهم - والعياذ بالله - بوضع الحديث وفق ما يحبّون،
فلا حجّة في الأحاديث رأساً، وقد اغترّ بهم بعض المنتمين إلى الإسلام أيضاً،
فذكروا هذه الوقائع في كتبهم؛ طعناً منهم في الأحاديث، وتعريضاً على الصحابة.
والحقّ أن قول ابن عمر ه هذا ليس من الطعن في أبي هريرة ◌َظُه في
شيء(٣)، وقد عرفت وجه صوابه في كلام النوويّ، والقرطبيّ المذكور آنفاً، فلا
حاجة إلى تكراره، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر باتباع ذوي الاعتساف.
﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
[آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً،
وارزقنا اجتنابه، آمين.
والحديث متّفقٌ عليه دون ذكر الاستثناء، والقصّة، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) أي اعتاده، واجتراً عليه.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٤٥٠ - ٤٥١.
(٣) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٥٣٦/١ - ٥٣٧.

٤٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠١٣] (١٥٧٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ
(ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج،
أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ بِقَتَّلِ
الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا، فَتَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ◌َِ﴿ عَنْ
قَتْلِهَا، وَقَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ الْبَهِيم، ذِي النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكُوسج، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون تقدّموا قبل باب، ومن لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ
بالتحديث، والإخبار، والسماع، من أوله إلى آخره.
شرح الحديث:
عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُسِ المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿يَا (يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ)
بفتحِ الدال، من قَدِمَ قُدوماً؛ أي: تدخل البلَد (مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا) أي: معه
(فَتَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ نَّهِ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ) بَرِ: (عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ الْبَهِيم) بفتح
الموحّدة، وكسر الهاء: هو الخالص السواد (ذِي النُّقْطَتَيْنِ) هما نُقطتان
معروفتان بيضاوان، فوق عينيه، وهذا مشاهد معروف، قاله النوويّ كَُّ (فَإِنَّهُ
شَيْطَانٌ))) قال النوويّ كَُّهُ: احتَجَّ به أحمد بن حنبل، وبعض أصحابنا في أنه
لا يجوز صيد الكلب الأسود البهيم، ولا يَحِلّ إذا قتله؛ لأنه شيطان، وإنما
حَلّ صيد الكلب، وقال الشافعيّ، ومالك، وجماهير العلماء: يَحِلّ صيد الكلب
الأسود كغيره، وليس المراد بالحديث إخراجه عن جنس الكلاب، ولهذا لو
وَلَغَ في إناء وغيره وجب غسله كما يُغْسل من ولوغ الكلب الأبيض. انتهى.
[تنبيه]: مما ورد في التشديد بقتل الكلاب ما أخرجه الإمام أحمد في
(مسنده)) بإسناد صحيح عن سالم بن عبد الله، عن أبي رافع ◌ُه قال: أمرني
رسول الله ﴿ أن أقتل الكلاب، فخرجت أقتلها، لا أرى كلباً إلا قتلته، فإذا

٤٧٩
(٣٢) - بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٠١٤)
كلب يدور ببيت، فذهبت لأقتله، فناداني إنسان من جوف البيت: يا عبد الله ما
تريد أن تصنع؟ قال: قلت: أريد أن أقتل هذا الكلب، فقالت: إني امرأة
مضيعة، وإن هذا الكلب يطرُد عني السبع، ويؤذنني بالجائي، فائت النبي ◌َّآ،
فاذكر ذلك له، قال: فأتيت النبي وَله، فذكرت ذلك له، فأمرني بقتله.
وأخرج أحمد أيضاً عن أبي رافع أن النبيّ وَ لّ قال: ((يا أبا رافع اقتل كل
كلب بالمدينة))، قال: فوجدت نسوة من الأنصار بالصورين من البقيع، لهنّ
كلب، فقلن: يا أبا رافع إن رسول الله وَل* قد أغزى رجالنا، وإن هذا الكلب
يمنعنا بعد الله، والله ما يستطيع أحد أن يأتينا حتى تقوم امرأة منا، فتحول بينه
وبينه، فاذكره للنبيّ وَّر، فذكره أبو رافع للنبيّ وَّ، فقال: ((يا أبا رافع اقتله،
فإنما يمنعهنّ الله)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿ها هذا من أفراد المصنّف تَذُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠١٣/٣٢] (١٥٧٢)، و(أبو داود) في ((الصيد))
(٢٨٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٠٦/٥)، و(أحمد) في («مسنده» (٣/
٣٣٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٦١/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٦٥١) و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠/٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠١٤] (١٥٧٣) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ أَبِيِ الثَّيَّاحِ، سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ
رَسُولُ اللهِ﴾َ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟))، ثُمَّ رَخَّصَ فِي
كَلْبِ الصَّيْدِ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.

٤٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٢٨)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
٥ - (مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الشِّخِّير العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد الله
البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
٦ - (ابْنُ الْمُغَفَّلِ) هو: عبد الله بن المغفّل بن عُبيد بن نَهْم، أبو
عبد الرحمن المزنيّ، صحابيّ بايع تحت الشجرة، ثم نزل البصرة، مات سنة
(٥٧) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
[تنبيه]: هذا الحديث بهذا الإسناد قد تقدّم في ((كتاب الطهارة)) برقم
[٦٥٩/٢٧] (٢٨٠) وفيه زيادة، ولفظه: عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟))، ثُمَّ رَخَّصَ
فِي كَلْبِ الصَّيْدِ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: (إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ
سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِيَ التُّرَابِ)).
وقوله: (مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ) أي: ما حالهم وحالها؟ فـ(ما))
استفهاميّة، وهو استفهام إنكار، وهو يَحْتَمل أن يكون إنكاراً لاقتنائهم، وهو
ظاهر هذه الرواية، ويَحْتَمِل أن يكون إنكاراً لقتلهم، ويؤيّده رواية أبي نُعيم في
(مستخرجه)) ٣٣٥/١ بلفظ: ((ما بالي وبال الكلاب)).
وقال النوويّ ◌َخْثُ: قوله: ((ما بالهم وبال الكلاب؟)) أي: ما شأنهم؛
أي: ليتركوها. انتهى(١).
والحديث من أفراد المصنّف نَُّ، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله
في ((الطهارة)) بالرقم المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٧/١٠.