Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ (٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦٤) وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ وقوله: (أَوْ طَائِرٌ، أَوْ شَيْءٌ) ((أو)) هنا للتنويع، لا للشكّ، وعطف ((شيء)) على ما قبله من عطف العامّ على الخاصّ. وقوله: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ: طَائِرٌ شَيْءٌ) يعني شيخه ابن خلف لم يذكر العاطف، وعليه يكون ((شيء)) بدلاً من ((طائرٌ))، فتنبّه. والحديث من أفراد المصنّف تَخَّثُهُ، وتقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف كَّتُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَّهِ عَلَى أُمَّ مَعْبَدٍ حَائِطاً، فَقَالَ: ((يَا أُمَّ مَعْبَدٍ مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟))، فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، قَالَ: ((فَلَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْساً، فَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا طَيِّرٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) الرباطيّ الأشقر، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ حافظٌ [١١]. رَوَى عن أبي أحمد الزبيريّ، وأبي داود الطيالسيّ، والنضر بن شُميل، ووهب بن جرير بن حازم، وروح بن عبادة، وغيرهم. ورَوَى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وابن خزيمة، والسراج، والقبانيّ، وإبراهيم بن أبي طالب، وجماعة. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقة ثقة، وقال الخطيب: ورد بغداد في أيام أحمد، وجالس بها العلماء، وذاكرهم، وكان ثقةً فَهِماً، عالِماً، فاضلاً. وقال أبو حاتم الرازيّ: أدركته، ولم أكتب عنه، وكَتَبَ إليّ بأحاديث، وكان يتولى على الرباطات، وقال الخليليّ في ((الإرشاد)): ثقةٌ عالمٌ حافظٌ متقنٌّ، وقال أبو عليّ الحافظ: كان والله من الأئمة المقتدى بهم، وقال محمد بن عبد السلام: لم أر بعد إسحاق بن إبراهيم مثله. ٣٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع مات في المحرم سنة (٢٤٦) بقُومَس. روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له فى هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٠/٧. ٣ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الجمحيّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت٢١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: انتقد الحافظ أبو مسعود الدمشقيّ تَخْلَتُ هذا الإسناد، فقال: هكذا هذا الإسناد أيضاً عند أبي الأزهر(١)، يعني عن روح بن عُبادة، عن زكريّا بن إسحاق، عن عمر، عن جابر، قال: والمشهور: عن زكريّا، عن أبي الزبير، عن جابر، لا عن عمرو بن دينار. انتهى (٢). وقوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قال في ((العمدة)): [فإن قلت]: قوله: ((إلى يوم القيامة)) هل يريد به أن أجره لا ينقطع إلى يوم القيامة، وإن فَنِي الزرع والغراس، أو يريد ما بقي ذلك الزرع والغراس منتَفعاً به، وإن بقي إلى يوم القيامة؟ [قلت]: الظاهر أن المراد الثاني، وزاد النوويّ أن ما يولد من الغراس والزرع كذلك، فقال: فيه أن أجر فاعل ذلك مستمرّ ما دام الغِراس والزرع، وما تولّد منه إلى يوم القيامة. انتهى(٣). والحديث من أفراد المصنّف تَخَّلُ، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٦٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِیَانٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا (١) أبو الأزهر هو أحمد بن الأزهر بن منيع النيسابوريّ المتوفّى سنة (٢٦٣هـ). (٣) راجع: ((عمدة القاري)) ١٥٥/١٢. (٢) راجع: ((تقييد المهمل)) ٨٦٣/٣. ٣٢٣ (٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦٥) ابْنُ فُضَيْلِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَمَّارٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَا: عَنْ أُمَّ مُبَشِّرٍ، وَفَي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: عَنِ امْرَأَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ: عَنْ أُمَّ مُبَشِّرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ، وَكُلَّهُمْ قَالُوا: عَنِ النَّبِيّ ◌َهِ، بِنَحْوِ حَدِيثِ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه قليلاً [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٤ - (عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الثوريّ، أبو اليقظان الكوفيّ، ابن أخت سفيان الثوريّ، سكن بغداد، صدوق، وكان يُخطئ، وكان عابداً [٨]. رَوَى عن خالد، والأعمش، ومنصور، وليث بن أبي سُليم، وعطاء بن السائب، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وأبو معمر القَطِيعيّ، وأبو كريب، وعمرو الناقد، ومحمد بن الصباح الجرجرائيّ، وعلي بن حجر، وغيرهم. قال الدُّوريّ عن ابن معين: لم يكن به بأس، وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: ليس به بأس، وأخوه سيف كذا، وعمار أكبرهما، وقال إبراهيم بن أبي داود عن ابن معين: ثقة، وقال أحمد بن عليّ الأبّار، عن علي بن حجر: كان ثبتاً ثقة، وعن أبي معمر القطيعيّ: ثقة، وقال البخاريّ: قال لي عمرو بن محمد: ثنا عمار بن محمد، وكان أوثق من سيف، وقال ابن أبي حاتم، عن الحسن بن عرفة: كنا لا نشك أنه من الأبدال، وقال الجوزجانيّ: عمار وسيف لیسا بالقویین في الحديث، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، يُكتب حديثه. وقال ابن سعد: تُؤُفّي في المحرم سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان ٣٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ثقةً، وقال ابن حبان: ممن فَحُش خطؤه، وكثُر وَهْمُه، فاستحقّ الترك. قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن حبّان: ((فاستحقّ الترك)) مما تشدّد فيه في غير موضعه، فيستحقّ الترك، فقد علمت كلام الأئمة قبله، فلا تلتفت إليه. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة، رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦٣ /٣٥٨. ٦ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريباً. ٧ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قريباً . وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الأَعْمَشِ) يعني أن هؤلاء الأربعة: حفص بن غياث، وأبا معاوية، وعمّار بن محمد، ومحمد بن فضيل، رووه عن الأعمش إلخ. وقوله: (زَادَ عَمْرُو فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَمَّارٍ) ((عمرو)) هو: الناقد، و((عمار)) هو: ابن محمد، يعني أن عمراً الناقد زاد في روايته عن عمّار بن محمد بعد ذكر جابر، قوله: ((عن أم مبشّر))، وكذا زاد أبو كريب في روايته عن أبي معاوية، فجعلاه من مسند أم مبشّر، لا من مسند جابر څئه. وقوله: (وَأَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً) هكذا في بعض النسخ: ((وأبو كريب))، وهو الصواب، ووقع في بعضها: ((وأبو بكر)) بدل و((أبو كريب)»، وهو غلط، وهذا هو الذي وقع في شرح النوويّ تَُّ، فقال النوويّ: قوله: ((وأبو بكر في روايته عن أبي معاوية إلخ)) هكذا وقع في نسخ مسلم، ((وأبو بكر))، ووقع في بعضها: ((وأبو كريب)) بدل ((أبي بكر)) قال القاضي: قال بعضهم: الصواب أبو كريب؛ لأن أول الإسناد لأبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، ولأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية، فالراوي عن أبي معاوية هو أبو كريب، لا أبو بكر، وهذا واضح، وبَيِّنٌّ، والله تعالى أعلم. انتهى(١). (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٥/١٠. ٣٢٥ (٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦٦) وقوله: (وَفَي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلِ إلخ) يعني أن في رواية محمد بن فُضيل، عن الأعمش قال: ((عن امرأة زيد بن حارثة)) بدل أمّ مبشّر، وهي هي، كما تقدّم. وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ إلخ) يعني أن في رواية إسحاق ابن راهويه، عن أبي معاوية قال: (قَالَ: رُبَّمَا قَالَ: عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ) يعني أنه ربما ذكر بعد جابر قوله: ((عن أم مبشّر))، فجعله من مسندها، وربما لم يذكر ذلك، بل قال: عن جابر، عن النبيّ وَّر، فجعله من مسنده. وقوله: (وَكُلُّهُمْ قَالُوا: عَنِ النَّبِيّ ◌َّ إلخ) يعني أن هؤلاء الذين اختلفوا هل الحديث من مسند أم مبشر، أو من مسند جابر؟ اتفقوا على رفعه إلى النبيّ ◌َّه. وخلاصة القول: أن هذا الحديث مما اختلف فيه الحفّاظ هل هو من مسند جابر ◌ُه، أو من مسند أم مبشّر ﴿ّا، رواه عنها جابر ظُه؟ والظاهر أن كلا الطريقين صحيحان، ولعل جابراً ظلبه سمعه من أم مبشّر، ثم سمعه من النبيّ ◌َّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية هؤلاء الذين أشار مسلم إلى اختلافهم في جعل الحديث من مسند جابر، أو من مسند أم مبشّر، لم أجد من ساقها بتمامها كما أشار إليه، بل الذي وجدته من رواياتهم على خلاف ما أشار إليه، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٦٦] (١٥٥٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَا مِنْ مُسْلِم يَغْرِسُ غَرْساً، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَأَنَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٣٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٨) (م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٥ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر، أبو حمزة الصحابيّ الخادم الشهير، مات سنة (١ أو ٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. و«قُتیبة)) ذُکر في الباب، وشرح الحديث تقدّم في حديث جابر وقوله: (فَيَأْكُلُ مِنْهُ) الظاهر أنه بالنصب بـ(أن)) مضمرة وجوباً بعد الفاء السببيّة، كما مرّ نظيره، لكن النسخ متّفقة على رفعه، فإن صحّ روايةً، فهو، وإلا فالأولى النصب، ووجه الرفع أن يُجعل من عطف الجملة على الجملة، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٦٦/٢٤ و٣٩٦٧] (١٥٥٣)، و(البخاريّ) في (الحرث والمزارعة)) (٢٣٢٠) و((الأدب)) (٦٠١٢)، و(الترمذيّ) في («جامعه» (٦٦٦/٣)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٦٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/ ١٤٧ و٢٢٨ و٢٤٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٣٣/٣)، و(أبو يعلى) في (مسنده)) (٢٣٨/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٧/٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ◌َّتُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٦٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ◌َهِ دَخَلَ نَخْلاً لأُمَّ مُبَشِّرٍ - امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟»، قَالُوا: مُسْلِمٌ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ). ٣٢٧ (٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦٧) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديّ الفراهيديّ مولاهم، أبو عمرو البصريّ الحافظ، ثقةٌ مأمونٌ مكثرٌ، من صغار [٩] (ت٢٢٢) وهو أكبر شيخ لأبي داود (ع). رَوَى عن عبد السلام بن شداد، وجرير بن حازم، وأبان بن يزيد العطار، وأبي الأشهب العطارديّ، والأسود بن شيبان، وحماد بن سلمة، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى أبو داود أيضاً والباقون له بواسطة نصر بن عليّ الجهضميّ، ومحمد بن يحيى القطعيّ، وعبد بن حميد، والدارميّ، وأبو داود الحرانيّ، وأحمد بن الحسين بن خِرَاش، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة مأمونٌ، وقال نصر بن عليّ: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: قعدت مرةً أذاكر شعبة، عن خالد بن قيس، فقال: كدت تَلْقَى أبا هريرة، وقال العجليّ: كان ثقةً عَمِي بآخره، وقال الفضل بن سهل الأعرج: سمعت ابن معين يقدِّم مسلم بن إبراهيم على معاذ بن هشام، ویقول: لا أجعل رجلاً لم يرو إلا عن أبيه، کرجل روى عن الناس، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقة صدوق، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كَتَب مسلم بن إبراهيم عن قريب من ألف شيخ، وقال أيضاً: ما رحل مسلم إلى أحد، وكان يحفظ حديث قرة وهشام وأبان العطار يَهُذَّهُ هَذّاً، وهو أحب إلينا من ابن كثير، كان ابن كثير لا يحفظ، وكانت فيه سلامة. قال البخاريّ: مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين، زاد غيره في صفر، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، ومات بالبصرة في صفر سنة اثنتين وعشرين، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان من المتقنين، وقال ابن قانع: بصريّ صالح. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٥٥٣)، و(٢١٨٨): ((العين حقّ ... )) الحديث. ٣ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ له أفرادٌ [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٠/١. ٣٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) الظاهر أن الضمير لشيوخه الثلاثة المذكورين في السند الماضي، وهم: يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبيد الغبري، يعني أن عبد بن حميد روى هذا الحديث بنحو رواية هؤلاء الثلاثة. [تنبيه]: رواية أبان بن يزيد، عن قتادة هذه ساقها الإمام أحمد تَّثهُ في ((مسنده)) ١٩٢/٣ فقال: (١٣٠٢٢) - حدّثنا عبد الله(١) حدّثني أبي، ثنا بهز، وحدّثنا عفان قالا: ثنا أبان، ثنا قتادة، ثنا أنس بن مالك؛ أن رسول الله وَليل دخل نخلاً لأم مبشر امرأة من الأنصار، فقال: ((من غَرَس هذا الغرس، أمسلم أم كافر؟)) قالوا: مسلم، قال: ((لا يغرس مسلم غَرْساً، فيأكلَ منه إنسانٌ، أو دابةٌ، أو طائرٌ، إلا كان له صدقةً)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (٢٥) - (بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ) (اعلم): أن ((الجوائح)) جمع جائحة، قال الفيوميّ كَّتُهُ: الجائحة: الآفة، يقال: جاحت الآفةُ المالَ تَجُوحه جَوْحاً، من باب قال: إذا أهلكته، وتَجِيحه جِيَاحَةً لغةٌ، فهي جائحة، والجمع الجوائح، والمالُ مجوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثة، فهو مجاحٌ، واجتاحت المالَ، مثلُ جاحَتْه، قال الشافعيّ: الجائحة: ما أذهب الثمر بأمر سماويّ، وفي حديثٍ: ((أمر بوضع الجوائح)): والمعنى: بوضع صدقات ذات الجوائح، يعني ما أُصيب من الثمار بآفة سماويّة، لا يؤخذ منه صدقة فيما بقي. انتهى. وقال في ((اللسان)): الْجَوْحةُ، والجائحةُ: الشدّةُ، والنازلةُ العظيمة التي تجتاح المالَ من سنة، أو فتنة، وكلّ ما استأصله، فقد جاحه، واجتاحه، وجاح الله ماله، وأجاحه بمعنىً؛ أي: أهلكه بالجائحة، وقال الأزهريّ، عن (١) هو ابن الإمام أحمد راوي ((المسند)) عنه، فتنبّه. ٣٢٩ (٢٥) - بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ - حديث رقم (٣٩٦٨) أبي عُبيد: الجائحة: المصيبة تحُلّ بالرجل في ماله، فتجتاحه كلَّه، قال: والجائحة تكون بالبَرَد يقع من السماء، إذا عظُم حَجمه، فكثر ضرره، وتكون بالْبَرْد المحرِق، أو الحرّ المفرط، حتى يَبطُل الثمر. انتهى. باختصار. [٣٩٦٨] (١٥٥٤) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ هِ قَالَ: ((إِنْ بِعْتَّ مِنْ أَخِيَكَ ثَمَراً)) (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيَكَ ثَمَراً، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيَكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟))). رجال هذا الإسنادين: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٢ - (أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياض الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت٢٠٠) وله (٩٦) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١. والباقون كلّهم تقدّموا في البابين الماضيين. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَوْ بِعْتَ) وفي رواية ابن وهب السابقة: ((إن بعت))، وقوله: (مِنْ أَخِيَكَ) مفعولٌ أولُ ل(«بعتَ))، دخلت عليه ((من)) توكيداً؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: وبعتُ زيداً الدار يتعدّى إلى مفعولين، قال: وقد تدخل ((من)) على المفعول الأول على وجه التوكيد، فيقال: بِعْتُ من زيد الدارَ، كما يقال: كتمته الحديثَ، وكتمت منه الحديثَ، وربّما دخلت اللام مكان ((من))، فيقال: بعتك الشيءَ، وبعته لك، فاللام زائدة، زيادتها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية ٣٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع [الحج: ٢٦]، والأصل بوّأنا إبراهيمَ. انتهى (١). وقوله: (ثَمَرَأ) هو المفعول الثاني ((بعتُ)) (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي: أصابت ذلك الثمرَ آفةٌ، قال القرطبيّ كَّتُ: الجائحة ما اجتاحت المالَ، وأتلفته إتلافاً ظاهراً؛ كالسيل، والمطر، والحرق، والسرق، وغلبة العدوّ، وغير ذلك، مما يكون إتلافه للمال ظاهراً. وقال أيضاً في موضع آخر: واختلف أصحابنا - يعني المالكيّة - في حدّها، فرُوي عن ابن القاسم أنها ما لا يمكن دفعه، وعلى هذا الخلاف، فلا يكون السارق جائحة، وكذا في كتاب محمد، وفي الكتاب: إنه جائحة، وقال مطرّفٌ، وابن الماجشون: الجائحة: ما أصاب الثمرة من السماء، من عَفَنٍ، أو برد، أو عطش، أو حرّ، أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدميّ، والجيش ليس بجائحة، وفي رواية ابن القاسم: إنه جائحة. انتهى (٢). وقال ابن قُدامة تَخْتُ: الجائحة كل آفة، لا صُنع للآدمي فيها، كالريح، والبرد، والجراد، والعطش؛ لما روى الساجي بإسناده، عن جابر: أن النبيّ ◌َّ﴿، قضى في الجائحة، والجائحة تكون في البرد، والجراد، وفي الحبق، والسيل، وفي الريح. وهذا تفسير من الراوي لكلام النبيّ وَِّ، فيجب الرجوع إليه. وأما ما كان بفعل آدمي، فقال القاضي: المشتري بالخيار، بين فسخ العقد، ومطالبة البائع بالثمن، وبين البقاء عليه، ومطالبة الجاني بالقيمة؛ لأنه أمكن الرجوع ببدله، بخلاف التالف بالجائحة. انتهى (٣). (فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ) أي: من أخيك (شَيْئاً) هذا صريح في تحريم أخذه، فهو دليل واضح في وجوب وضع الجائحة، كما سيأتي تحقيقه قريباً (بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيَكَ) أي: في مقابلة الثمر الذي أصابته الجائحة. وقوله: (بِغَيْرٍ حَقُّ؟») تأكيد للإنكار في أخذه، وذلك أن أخذه للثمن في مقابلة الثمر الهالك يكون أخذاً بغير حقّ؛ إذ لم يأخذ هو مقابله. (١) ((المصباح المنير)) ٦٩/١. (٣) («المغني)) ١٧٩/٦. (٢) ((المفهم)) ٤٢٦/٤. ٣٣١ (٢٥) - بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ - حديث رقم (٣٩٦٨) وظاهره حرمة الأخذ، ووجوب وضع الجائحة، وبه يقول أحمد، وأصحاب الحديث، قالوا: وضع الجائحة لازم بقدر ما هلك. وقال الخطّابيّ: هي لندب الوضع من طريق المعروف، والإحسان عند الفقهاء. وقيل: هو محمول على ما هلك قبل تسليم المبيع إلى المشتري، فإنه في ضمان البائع، بخلاف ما هلك بعد التسليم؛ لأن المبيع قد خرج عن عُهْدة البائع بالتسليم إلى المشتري، فلا يلزمه ضمان ما يَعتريه بعده، واستُدلّ على ذلك بحديث أبي سعيد ﴿ه الآتي في الباب التالي؛ لأنه لو كانت الجوائح موضوعةً، لم يصر مديوناً بسببها، وسيأتي تمام البحث في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله المصنّف دخلَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٦٨/٢٥ و٣٩٦٩] (١٥٥٤)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٣٧٤ و٣٤٧٠)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٦٤/٧ و٢٦٥) و((الكبرى)) (١٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢٢١٩)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٣٩٠٨)، و(الدارميّ) في («سننه)) (٢٥٢/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى) (٦٣٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٣٤ و٥٠٣٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٣٣/٣)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣٠/٣ و٣١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٦/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن أخذ شيء في مقابل ما أصابه الجوائح، من الثمار؛ لقوله وَه: ((فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً)). ٢ - (ومنها): بيان وجوب وضع الجائحة، وبه يقول بعض أهل العلم، وهو الراجح، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٣٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ٣ - (ومنها): جواز بيع الثمار، ولا خلاف فيه في الجملة، وإنما الخلاف فيما إذا كان قبل بدوّ الصلاح، وقد تقدّم بيان ذلك مستوفّى قريباً. ٤ - (ومنها): تحريم أخذ مال المسلم بغير حقّ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم وضع الجائحة: قال في ((الفتح)): استُدِلَّ بهذا الحديث على وضع الجوائح في الثمر يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث، وقال أحمد، وأبو عبيد: يضع الجميع، وقال الشافعي، والليث، والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء، وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة، فيما إذا بيعت الثمرة، قبل بُدُوّ صلاحها بغير شرط القطع، فيُحمَل مطلق الحديث، في رواية جابر، على ما قُيِّد به في حديث أنس، والله أعلم. واستدلّ الطحاويّ، بحديث أبي سعيد الخدريّ ظُه الآتي في الباب التالي، قال: فلما لم يبطل دينُ الغرماء بذهاب الثمار، وفيهم باعتها، ولم يؤخذ الثمن منهم، دَلَّ على أن الأمر بوضع الجوائح، ليس على عمومه، والله تعالى أعلم. انتهى. وقال ابن قدامة كَذَثُهُ: ما تهلكه الجائحة من الثمار، من ضمان البائع، وبهذا قال أكثر أهل المدينة، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث، وبه قال الشافعيّ في القديم. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ في الجديد: هو من ضمان المشتري؛ لما رُوي؛ أن امرأة أتت النبيّ *، فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان، فأذهبتها الجائحة، فسأله أن يضع عنه، فتألى أن لا يفعل، فقال النبيّ وَّ: ((تألّى فلان أن لا يفعل خيراً؟))، ولو كان واجباً لأجبره عليه، ولأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف، فتعلّق بها الضمان؛ كالنقل، والتحويل، ولأنه لا يضمنه إذا أتلفه آدمي، كذلك لا يضمنه بإتلاف غيره. ولنا ما رَوَى مسلم في (صحيحه)) عن جابر ◌َُه؛ أن النبيّ وَلّ أمر بوضع الجوائح، وعنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك، بغير حق؟))، رواه مسلم، وأبو داود، ولفظه: ((من باع ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يأخذ من ٣٣٣ (٢٥) - بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ - حديث رقم (٣٩٦٨) مال أخيه شيئاً، علام يأخذ أحدكم، من مال أخيه المسلم؟))، وهذا صريح في الحکم، فلا یعدل عنه. قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول الله صلجر أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أَعْدُهُ، ولو كنت قائلاً بوضعها، لوضعتها في القليل والكثير. قلنا: الحديث ثابت، رواه الأئمة، منهم الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وعليّ بن حرب، وغيرهم، عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر، ورواه مسلم في ((صحيحه)) وأبو داود في ((سننه))، وابن ماجه، والنسائيّ، وغيرهم، ولا حجة لهم في حديثهم، فإن فعل الواجب خير، فإذا تألى أن لا يفعل الواجب، فقد تألى ألا يفعل خيراً، فأما الإجبار فلا يفعله النبيّ وَّر، بمجرد قول المدَّعي، من غير إقرار من البائع، ولا حضور، ولأن التخلية ليست بقبض تام، بدليل ما لو تلفت بعطش، عند بعضهم، ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض، بدليل المنافع في الإجارة، يباح التصرف فيها، ولو تلفت كانت من ضمان المؤجر، كذلك الثمرة، فإنها في شجرها كالمنافع قبل استيفائها، توجد حالاً فحالاً، وقياسهم يبطل بالتخلية في الإجارة. انتهى كلام ابن قُدامة دَذَثُ(١). وقد حقّق المسألة العلامة ابن القيّم تَكْثُ في كتابه ((إعلام الموقّعين))، فقال : [المثال الرابع والأربعون]: ردّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع الجوائح بأنها خلاف الأصول، كما في ((صحيح مسلم)) عن جابر يرفعه: ((لو بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حقّ؟))، ورَوَى سفيان بن عيينة، عن حميد، عن سليمان، عن جابر نَظُه: ((أن رسول الله وَّهُ نَّهَى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح))، فقالوا: هذه خلاف الأصول، فإن المشتري قد ملك الثمرة، وملك التصرف فيها، وتمّ نقل الملك إلیه، ولو ربح فیها كان الربح له، فكيف تكون من ضمان البائع؟ (١) ((المغني)) ٦/ ١٧٧ - ١٧٩. ٣٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع قال: أصيب رجل في عهد وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي سعيد رسول الله وَ﴿ في ثمار ابتاعها، فكثُر دينه ... الحديث. وروى مالك عن أبي الرجال، عن أمه عمرة؛ أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمن رسول الله بصير ... الحديث. قال: والجواب أن وضع الجوائح لا يخالف شيئاً من الأصول الصحيحة، بل هو مقتضى أصول الشريعة، ونحن - بحمد الله - نُبَيِّن هذا بمقامين: أما الأول فحديث وضع الجوائح لا يخالف كتاباً، ولا سنةً، ولا إجماعاً، وهو أصل بنفسه، فيجب قبوله، وأما ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النصّ له بالإهدار، كيف وهو فاسد في نفسه؟ وهذا يتبين بالمقام الثاني، وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة، فهو مقتضى القياس الصحيح، فإن المشتري لم يتسلم الثمرة، ولم يقبضها القبض التامّ الذي يوجب نقل الضمان إليه، فإن قبض كل شيء بحسبه، وقبض الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئاً فشيئاً، فهو كقبض المنافع في الإجارة، وتسليم الشجرة إليه كتسليم العين المؤجرة من الأرض والعقار والحيوان، وعُلَقُ البائع لم تنقطع عن المبيع، فإن له سقي الأصل، وتعاهده، كما لم تنقطع عُلَق المؤجر عن العين المستأجرة، والمشتري لم يتسلم التسليم التامّ كما لم يتسلم المستأجر التسليم التامّ، فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من غير تفريط من المشتري، لم يحلّ للبائع إلزامه بثمن ما أتلفه الله ث منها قبل تمكنه من قبضها القبض المعتاد، وهذا معنى قول النبيّ وَل ـ: ((أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حقّ؟))، فذكر الحكم، وهو قوله: ((فلا يحل له أن يأخذ منه شيئاً))، وعلة الحكم وهو قوله: ((أرأيت إن منع الله الثمرة ... )) إلى آخره، وهذا الحكم نصّ لا يحتمل التأويل، والتعليل وصف مناسب لا يقبل الإلغاء، ولا المعارضة، وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك، ولهذا لو تمكن من القبض المعتاد في وقته، ثم أخّره لتفريط منه، أو لانتظار غلاء السعر، كان التلف من ضمانه، ولم توضع عنه الجائحة. وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أصيب في ثمار ابتاعها، فمن باب رَدّ المحكم بالمتشابه، فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة، فليس في الحديث ٣٣٥ (٢٥) - بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ - حديث رقم (٣٩٦٨) أنها كانت جائحة عامّة، بل لعله أصيب فيها بانحطاط سعرها، وإن قُدِّر أن المصيبة كانت جائحة، فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامّة، بل لعلها جائحة خاصة؛ كسرقة اللصوص التي يمكن الاحتراز منها، ومثل هذا لا يكون جائحة تُسقط الثمنَ عن المشتري، بخلاف نَهْب الجيوش، والتلف بآفة سماوية، وإن قُدِّر أن الجائحة عامة، فليس في الحديث ما يبين أن التلف لم يكن بتفريطه في التأخير، ولو قُدِّر أن التلف لم يكن بتفريطه، فليس فيه أنه طلب الفسخ، وأن توضع عنه الجائحة، بل لعله رضي بالمبيع، ولم يطلب الوضع، والحقّ في ذلك له، إن شاء طلبه، وإن شاء تركه، فأين في الحديث أنه طلب ذلك، وأن النبيّ وَل﴿ منع منه، ولا يتم الدليل إلا بثبوت المقدمتين، فكيف يعارض نصّ قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يَحتَمِل غير معنى واحد، وهو نصّ فيه بهذا الحديث المتشابه. ثم قوله فيه: ((ليس لكم فيه إلا ذلك)) دليل على أنه لم يبق لبائعي الثمار في ذمة المشتري غير ما أخذه، وعندكم المال كله في ذمته، فالحديث حجة علیکم. وأما المعارضة بخبر مالك، فمن أبطل المعارضات، وأفسدها، فأين فيه أنه أصابته جائحة بوجه ما؟ وإنما فيه أنه عالجه، وأقام عليه حتى تبيّن له النقصان، ومثل هذا لا يكون سبباً لوضع الثمن، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم ◌َظْ هُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد حقّق العلامة ابن القيّم ◌َّثُ هذا الموضوع، وبيّنه أتمّ بیان. والحاصل أن أحاديث وضع الجائحة صحيحة واضحة الدلالة، فالأرجح القول بوجوب وضع الجائحة، وأما الاحتجاج بحديث أبي سعيد ه الآتي في الرجل الذي أصيب في الثمار التي ابتاعها، فيجاب عنه بجوابين: [أحدهما]: أن أحاديث وضع الجائحة ذُكرت لبيان القاعدة، وحكمِها، وهذا الحديث واقعة عين، فتكون هي أولى منه. (١) ((إعلام الموقّعين)) ٣٨١/٢ - ٣٨٤. ٣٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع [الثاني]: أنه يَحْتَمِل أن يكون اشتراؤه تلك الثمرة بعد تناهي طيبها، ودخول أوان جذاذها، فلا تحتاج إلى تبقية، ولا إلى سقي، فيكون المشتري مفرّطاً في تركها بعد ذلك على الشجر، فتكون من ضمانه، لا من ضمان البائع، ولهذا قال ◌َ﴿ في آخر الحديث: ((ليس لكم إلا ذلك)) فلو كانت الجوائح لا توضع، لكان لهم طلب بقيّة الدَّين، وجوابهم عن هذا بأن معناه: ليس لكم الآن إلا هذا، ولا يحلّ لكم مطالبته ما دام معسراً، بل ينظر إلى ميسرة، خلاف الظاهر. والحاصل أن وجوب وضع الجوائح هو الحقّ؛ لما ذُكر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مقدار الجوائح التي توضع : قال ابن قدامة كَذَتُهُ: إنّ ظاهر المذهب؛ أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أنّ ما جرت العادة بتلف مثله؛ كالشيء اليسير، الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه، قال أحمد: إني لا أقول في عشر ثمرات، ولا عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث؟ ولكن إذا كانت جائحةً تُعرَفُ، الثلث، أو الربع، أو الخمس توضع. وفيه رواية أخرى: أن ما كان دون الثلث، فهو من ضمان المشتري، وهو مذهب مالك، والشافعيّ في القديم؛ لأنه لا بُدَّ أن يأكل الطير منها، وتَنْثُرَ الريحُ، ويسقط منها، فلم يكن بدّ من ضابط واحد، فاصل بين ذلك، وبين الجائحة، والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع، منها: الوصية، وعطايا المريض، وتساوي جراح المرأة وجراح الرجل إلى الثلث. قال الأثرم: قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألةً، ولأن الثلث في حد الكثرة، وما دونه في حد القلة، بدليل قول النبيّ ◌َ ﴿ في الوصية: ((الثلث، والثلث كثير))، متّفقٌ عليه، فيدل هذا على أنه آخِرُ حدّ الكثرة، فلهذا قدّر به. ووجه الأول عموم الأحاديث، فإن النبيّ وَلير أمر بوضع الجوائح، وما دون الثلث داخل فيه، فيجب وضعه، ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها، فكان ما تَلِف منها من مال البائع، وإن كان قليلاً؛ كالتي على وجه الأرض، وما أكله، ٣٣٧ (٢٥) - بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ - حديث رقم (٣٩٦٩) أو سقط، لا يؤثر في العادة، ولا يسمى جائحة، فلا يدخل في الخبر، ولا يمكن التحرز منه، فهو معلوم الوجود بحكم العادة، فكأنه مشروط. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بوضع الجائحة مطلقاً، سواء كان قليلاً، أو كثيراً، إلا ما جرى العرف بالتسامح في تلف مثله، هو الأرجح؛ عملاً بإطلاق النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال ابن قدامة: إذا ثبت هذا، فإنه إذا تلف شيء، له قدر خارج عن العادة، وُضِع من الثمن بقدر الذاهب، فإن تلف الجميع بطل العقد، ويرجع المشتري بجميع الثمن، وأما على الرواية الأخرى، فإنه يعتبر ثلث المبلغ، وقيل: ثلث القيمة، فإن تلف الجميع، أو أكثر من الثلث رجع بقيمة التالف كله من الثمن، وإذا اختلفا في الجائحة، أو قدر ما أُتْلِف، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل السلامة، ولأنه غارم، والقول في الأصول قول الغارم(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَُّ أوّل الكتاب قال: [٣٩٦٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). ء رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (حَسَنَّ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الخلال، أبو عليّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٤/ ٢٤. ٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحاك بن مَخْلَد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. و((ابن جريج)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جريج هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده) ٣٣٣/٣ فقال : (١) ((المغني)) ١٧٩/٦ - ١٨٠. ٣٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وحدّثنا يزيد بن سنان، قثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال النبيّ وَله: ((إن بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مالاً من مال أخيك بغير حقّ؟)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٧٠] (١٥٥٥) - (حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ نَّهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ، فَقُلْنَا (١) لأَنَسِ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَرُّ، وَتَصْفَرُّ، (أَرَأَيْتَكَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أُخِيَكَ؟))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (حُمَيْد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلُ، وهو (٢٦٥) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: به (أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ) أي: (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك التي على رؤوسها (حَتَّى تَزْهُوَ) - بفتح أوله، من زهى يزهو، كغزا يغزو، وفي رواية للبخاريّ: ((حتى تُزْهِيَ))، بضم أوله، من أزهى؛ أي: تحمرّ، أو تصفرّ، قال في ((الفتح)): قال الخطابيّ: هذه الرواية هي الصواب، فلا يُقال في النخل: تَزْهُو، إنما يقال: تُزهي، لا غير، وأثبت غيره ما نفاه، فقال: زها: إذا طال، واكتمل، وأزهى: إذا احمرّ، واصفرّ. انتهى (٢). (١) وفي نسخة: ((فقلت)). (٢) ((الفتح)) ٦٧٥/٥. ٣٣٩ (٢٥) - بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ - حديث رقم (٣٩٧٠) وقال المجد تَقْذَقُ: زها النخلُ: طال، كأزهى، وزَهَى البُسْر: تلوّن، كأزهى، وزَهَّی. انتهى(١). وقال الفيّوميّ كَّقُ: زها النخل يزهو زَهْواً، والاسم الزُّهُوُّ بالضمّ: ظهرت الحمرة، والصُّفرة في ثمره، وقال أبو حاتم: وإنما يُسمّى زَهْواً: إذا خَلَصَ لون الْبُسْرة في الحمرة، أو الصفرة، ومنهم من يقول: زها النخل: إذا نبت ثمره، وأزهى: إذا احمرّ، أو اصفرّ. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره المجد والفيّوميّ أن ما نفاه الخطّابيّ ثابت لغةً، وليس غلطاً، فيقال: زها النخل، وأزهى، وزهّى - بالتشديد -: إذا احمرّ، أو اصفرّ، والله تعالى أعلم. (فَقُلْنَا) وفي بعض النسخ: ((فقلتُ))، وبهذا يتبيّن أن السائل لأنس هو ◌ُهِ (مَا زَهْوُهَا؟) - بفتح الزاي، وسكون الهاء؛ أي: ما حمید، ومن معه (لأَنَسِ) . المراد بزهو النخل؟ وهذه الرواية صريحة في أن التفسير من أنس حظه، وكذلك رواه أحمد عن يحيى القطّان، عن حميد، لكن قال: ((قيل لأنس: ما تزهو؟». ووقع في رواية النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بلفظ: ((قيل: يا رسول الله وما تُزهِي؟ قال: تحمرّ))، وهكذا أخرجه الطحاويّ من طريق يحيى بن أيوب، وأبو عوانة من طريق سليمان بن بلال كلاهما عن حُميد، وهذا ظاهر في الرفع. ولا تعارض بين الروايتين؛ لأنه يجوز أن يرويه أنس كََّفُ مرفوعاً أحياناً، ويُسْأَل عنه أحياناً فيفسّره، دون أن يرفعه، والله تعالى أعلم. (قَالَ: تَحْمَرُّ، وَتَصْفَرُّ) يعني أنها لا تباع إلى أن يظهر احمرارها، واصفرارها . وفيه دليل على أن المراد ببُدُوّ الصلاح، قدر زائد على ظهور الثمرة، وسبب النهي عن ذلك خوف الغرر؛ لكثرة الجوائح فيها، وقد بَيّن ذلك في حديث أنس المذكور هنا، فإذا احمرت، وأُكل منها، أَمِنت العاهة عليها، غالباً، والله تعالى أعلم. (١) ((القاموس المحيط)) ٤/ ٣٤٠. (٢) ((المصباح)) ٢٥٨/١. ٣٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ((أَرَأَيْتَكَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ) أي: من الإدراك، وفي الرواية التالية: ((إذا منع الله الثمرة)). وقال القرطبيّ: أي إذا مَنَعَ تكاملها، وطِيبها؛ لأن الثمرة قد كانت موجودة، مُزهية حين البيع، كما قال في الرواية الأخرى: ((إن لم يُثمرها الله)) أي: لم يُكمل ثمرتها. انتهى(١). (بِمَ) أي: بأيّ وجه؛ أي: في مقابلة أيّ شيء (تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيَكَ؟))) أي: الثمن الذي يدفعه في مقابلة هذه الثمرة التالفة، يعني أنه لو تَلِفَت الثمرة، لانتَفَى في مقابلتها العوضُ، فكيف تأكله بغير عوض؟ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﴿به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٧٠/٢٥ و٣٩٧١ و٣٩٧٢] (١٥٥٥)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٨٨) و((البيوع)) (٢١٩٥ و٢١٩٧ و٢١٩٩ و٢٢٠٨)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٢٧١)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (٦٢٢٨)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٦٤/٧)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢٢١٧)، و(مالك) في ((الموطًا)) (٦١٨/٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٤٨/٢ - ١٤٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (١١٥/٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٩٩٠)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٢٤/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦٠٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٠/٥ و٣٠١) و((الصغرى)) (٨٦/٥) و((المعرفة)) (٣٢١/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٨١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه استُدِلّ به على وضع الجوائح في الثمر، يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، وقد اختلف فيه العلماء، وقد مضى بيانه مستوفَی في شرح حديث جابر ظُّه المذكور قبل هذا. (١) ((المفهم)) ٤٢٦/٤.