Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(٢٣) - بَابُ الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُعَامَلَةِ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦٠)
أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ يُدلّس ويرسل [٦] (ت١٥٠) أو
بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)» ١٢٩/٦.
٥ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ
إمام في المغازي [٥] (ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُ، وأن له فيه شيخين، قرن
بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن
المشهورين بالفتوى، والمتشدّدين في اتباع الآثار
شرح الحديث:
. (أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى)
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿َا (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ)
أي: أخرجهم، قال الفيّوميّ كَثْتُ: جَلَوْتُ عن البلد جَلاءً بالفتح والمدّ:
خرجتُ، وأَجْلَيْتُ مثله، ويُستعمَل الثلاثيّ والرباعيّ متعديين أيضاً، فيقال:
جَلَوْتُهُ، وأَجْلَيْتُهُ، والفاعل من الثلاثيّ جَالٍ، مثلُ قاضٍ، والجماعة جَالِيَةٌ، ومنه
قيل لأهل الذمة الذين أجلاهم عمر به عن جزيرة العرب: جَالِيَةٌ، ثم نُقِلت
الجَالِيَةُ إلى الجزية التي أخذَتْ منهم، ثم استُعمِلت في كلّ جزية تؤخذ، وإن لم
يكن صاحبها جَلا عن وطنه، فيقال: استُعْمِل فلان على الجَالِيَةِ، والجمع
الجَوَالِي، وأَجْلَى القومُ عن القتيل: تفرّقوا عنه، بالألف لا غير، قاله ابن
فارس، وقال الفارابيّ أيضاً: أَجْلَوا عن القتيل: انفرجوا وأَجْلَوا منزلهم: إذا
ترکوه من خوف، يتعدى بنفسه، فإن كان لغير خوف تعدى بالحرف، وقيل:
أَجْلَوا عن منزلهم، وتَجَلَّى الشيءُ: انكشف. انتهى(١).
(مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ) قال في ((الفتح)): الحجاز هي ما يَفصل بين نجد
(١) ((المصباح المنير)) ١٠٦/١ - ١٠٧.

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وتهامة، قال الواقديّ: ما بين وجرة وغمس الطائف: نجد، وما كان من وراء
وجرة إلى البحر: تهامة. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ تَخْشُهُ: يقال: سُمّي الحجاز حجزاً؛ لأنه فَصَل بين نجد
والسَّرَاة، وقيل: بين الْغَوْر والشام، وقيل: لأنه احتُجِز بالجبال. انتهى(٢).
وقال في ((العمدة)): قال الواقديّ: الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن
المدينة إلى طريق الكوفة، ومن وراء ذلك إلى مشارق(٣) أرض البصرة فهو
نجد، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطائف: نجد، وما كان من وراء
وجرة إلى البحر فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز، وإنما سُمِّي
حجازاً؛ لأنه يَحجُز بين تهامة ونجد. انتهى(٤).
(وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ فَ﴿ لَمَّا ظَهَرَ) أي: غلب، فالظهور هنا بمعنى الغلبة؛
لتعدّيه بـ((على))، والفعل مبنيّ للمعلوم (عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا)
وقوله: (وَكَانَتِ الأَرْضُ) علة لإرادته إخراجهم (حِينَ ظُهِرَ عَلَيْهَا) بضمّ الظاء،
مبنيّاً للمفعول؛ أي: حين غَلَب عليها المسلمون (لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ) هذا
صريحٌ في أن الأرض لم تبق مملوكة لليهود بعدما غلب عليها المسلمون، بل
قسمها رسول الله * بين الغانمين، فأصبحت مملوكة لهم، والمراد من كونها
مملوكة لله، ولرسوله أن بعض أسهمها صارت إلى بيت المال.
وتفصيل ذلك ما أخرجه أبو داود في ((سننه)) في (كتاب الخراج)) عن
يحيى بن زكريا، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار، عن سهل بن أبي
حثمة، قال: قسم رسول الله 185 خيبر نصفين: نصفاً لنوائبه، ونصفاً بين
المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهماً. انتهى.
قال صاحب ((التنقيح)): إسناده جيِّد، ويحيى بن زكريا هو ابن أبي زائدة،
وهو أحد الثقات. انتهى.
ثم أخرجه أبو داود عن محمد بن فُضيل، عن يحيى بن سعيد، عن
(١) ((الفتح)) ٦/ ١٤١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٢٢.
(٣) هكذا النسخة بالقاف، ولعله ((مشارف)) بالفاء، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٧٩/١٢.

٣٠٣
(٢٣) - بَابُ الْمُسَاقَةِ، وَالْمُعَامَلَةِ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦٠)
يُشير بن يسار، عن رجال من أصحاب النبيّ وَ *؛ أن رسول الله صل*ٍ لَمَّا ظهر
على خيبر، قسمها على ستة وثلاثين سهماً، جَمَعَ كلُّ سهم مائة سهم، فكان
لرسول الله ﴿ وللمسلمين النصف من ذلك، وعَزَل النصف الباقي لمن نزل به
من الوفود، والأمور، ونوائب الناس. انتھی.
ثم أخرجه عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن
يسار؛ أن رسول الله * لَمّا أفاء الله عليه خيبر قسمها ستة وثلاثين سهماً
جَمْعاً، فعَزَل للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهماً يَجْمَع كلُّ سهم مائةً،
والنبيّ وَّ معهم، له سهم كسهم أحدهم، وعَزَلَ رسول الله وَل ـ ثمانية عشر
سهماً، وهو الشطر لنوائبه، وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك الوَطِیح،
والْكتيبة، والسلالم، وتوابعها، فلما صارت الأموال بيد النبيّ وَّقول والمسلمين،
لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها، فدعا رسول الله والر اليهود، فعاملهم.
انتھی.
وزاد أبو عبيد في ((كتاب الأموال))، فعاملهم على نصف ما يخرج منها،
فلم يزل على ذلك حياة رسول الله وَله، وأبي بكر، حتى كان عمر، فكثُر
العمال في المسلمين، وقَوُوا على العمل، فأجلى عمر اليهود إلى الشام، وقسم
الأموال بين المسلمین إلى اليوم. انتهى.
وبُشَير بن يسار تابعيّ ثقة، يروي عن أنس وغيره، يروي هذا الخبر عنه
يحيى بن سعيد، وقد اختُلِف عليه فيه، فبعض أصحاب يحيى يقول فيه: عن
بُشير، عن سهل بن أبي حثمة، وبعضهم يقول: عن رجال من أصحاب
رسول الله ◌َّ﴾، ومنهم من يرسله، والله أعلم، ذكره الزيلعيّ كَُّهُ في ((نصب
الراية))(١).
[فإن قلت]: وقع في رواية للبخاريّ ما يخالف هذه الرواية، ولفظه:
((وكانت الأرض لَمّا ظُهِر عليها لليهود، وللرسول، وللمسلمين))، فإنه يدلّ على
أن اليهود لهم مشاركة في الأرض مع المسلمين، فكيف الجمع؟
[قلت]: أجاب المهلَّب: بأنه يُجمَع بين الروايتين بأن تُحْمَل رواية الباب
(١) ((نصب الراية)) ٣٩٧/٣.

٣٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
على الحال التي آل إليها الأمر بعد الصلح، ورواية البخاريّ على الحال التي
كانت قبله، وذلك أن خيبر فُتح بعضها صلحاً، وبعضها عَنْوَةً، فالذي فُتح عنوةً
كان جميعه الله، ولرسوله، وللمسلمين، والذي فُتح صلحاً كان لليهود، ثم صار
للمسلمين بعقد الصلح، أفاده في ((الفتح))(١).
(فَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللهِ وَهِ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى
أَنْ يَكْفُوا) بفتح حرف المضارعة، وسكون الكاف، وتخفيف الفاء، من كفى
يكفي، كرمى يرمي، يقال: كفاه مؤنته يكفيه كفايةً: إذا تولّاها بنفسه، وأغنى
غيره عنها، وهو يتعدّى إلى مفعولين، وقد حُذف هنا أحدهما، وتقديره: على
أن يكفوا المسلمين عملها، يعني يُغنوهم عنه(٢). (عَمَلَهَا) أي: العمل في
أراضيها بالزراعة، وفي أشجارها بالسقي والاستثمار (وَلَهُمْ) أي: لليهود
(نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((نُقِرُّكُمْ) بضمّ أوله، من الإقرار؛ أي:
نثبتكم (بِهَا) أي: بخيبر (عَلَى ذَلِكَ) أي: على الشرط الذي اشترطتموه من
كفاية العمل فيها (مَا شِئْنَا))) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة مشيئتنا، وفي رواية
للبخاريّ: ((نُقرّكم ما أقرّكم الله))، والمراد بقوله: ((ما أقرّكم الله)): ما قدّر الله
أنّا نترككم فيها، فإذا شئنا، فأخرجناكم تبيّن أن الله قدّر إخراجكم، قاله في
((الفتح))(٣).
وقد استدلّ بهذا القائلون بجواز المساقاة والمزارعة إلى مدّة مجهولة،
وهو المذهب الراجح، وإليه ذهب البخاريّ، فقد قال في ((صحيحه)): ((بابٌ إذا
قال ربّ الأرض: أُقرّك ما أقرّك الله، ولم يذكر أجلاً معلوماً، فهما على
تراضيهما))، ثمّ أورد هذا الحديث مستدلاً به، وهو استدلال واضح، والله
تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): وفيه جواز الخيار في المساقاة للمالك لا إلى أمد،
وأجاب من لم يجزه باحتمال أن المدّة كانت مذكورة، ولم تُنقَل، أو لم تُذكر،
(١) ((الفتح)) ١٤١/٦.
(٢) راجع: ((فتح الملهم)) ٤٧١/١، و((القاموس المحيط)) ٣٨٣/٤.
(٣) («الفتح» ٦١٨/٦.

٣٠٥
(٢٣) - بَابُ الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُعَامَلَةِ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦٠)
لكن عُيِّنت كلَّ سنة بكذا، أو أن أهل خيبر صاروا عبيداً للمسلمين، ومعاملة
السيد لعبده لا يشترط فيها ما يشترط في الأجنبيّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعْدُ كلّ هذه الاحتمالات، فالقول
الأول هو الأرجح، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(فَقَرُّوا) بفتح القاف، وتشديد الراء، من القرار؛ أي: استقرّت اليهود،
ومكثت (بِهَا) أي: بخيبر (حَتَّى أَجْلَاهُمْ) أي: أخرجهم، والإجلاء: الإخراج
عن المال، والوطن على وجه الإزعاج والكراهة(١). (عُمَرُ) بن الخطّاب
في خلافته، وقد أخرج البخاريّ تَُّهُ سبب إخراجه لهم، فقال:
(٢٧٣٠) - حدّثنا أبو أحمد، حدّثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكنانيّ،
أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﴿ه قال: لَمَّا فَدَعَ(٢) أهل خيير عبدَ الله بن
عمر، قام عمر خطيباً، فقال: إن رسول الله وَلو كان عامل يهود خيبر على
أموالهم، وقال: ((نُقِرُّكم ما أقرّكم الله))، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله
هناك، فعُدِي عليه من الليل، ففُدِعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدوّ
غيرهم، هم عدوّنا، وتُهْمَتُنا، وقد رأيت إجلاءهم، فلما أَجْمَع عمر على ذلك،
أتاه أحد بني أبي الْحُقَيق، فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا، وقد أقرّنا
محمد ◌َّ*، وعاملنا على الأموال، وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر: أظننت أني
نَسِيتُ قول رسول الله وَّ: ((كيف بك إذا أُخرجت من خيبر، تَعْدُو بك قلوصك
ليلة بعد ليلة؟)) فقال: كانت هذه هُزَيلة من أبي القاسم، قال: كَذَبتَ یا
عدوّ الله، فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً، وإيلاً،
وُروضاً، من أقتاب، وحبال، وغير ذلك. انتهى.
وقال في (الفتح)) بعد أن ذكر السبب المذكور: وهذا لا يقتضي حصر
السبب في إجلاء عمر إياهم، وقد وقع لي فيه سببان آخران:
أحدهما: رواه الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، قال: ما زال
(١) ((الفتح)) ٦١٩/٦ (كتاب الشروط)) رقم (٢٧٣٠).
(٢) الَفَدْع: ميل في المفاصل كلها، كأن المفاصل قد زالت عن مواضعها، وأكثر ما
يكون في الأرساغ، قاله في ((عمدة القاري)) ٣٠٥/١٣.

٣٠٦
=
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
عمر حتى وجد الثبت عن رسول الله وَل و أنه قال: ((لا يجتمع بجزيرة العرب
دينان))، فقال: من كان له من أهل الكتابين عهد، فليأت به، أُنفذه له، وإلا
فإني مُجْليكم، فأجلاهم. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.
ثانيهما: رواه عمر بن شَبَّة في ((أخبار المدينة)) من طريق عثمان بن محمد
الأخنسيّ قال: لما كَثُر العيال - أي: الْخَدَم - في أيدي المسلمين، وقَوُوا على
العمل في الأرض أجلاهم عمر.
ويَحْتَمِل أن يكون كلٌّ من هذه الأشياء جزءَ علةٍ في إخراجهم. انتهى (١).
وفي قوله: ((وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر إلخ)) دليلٌ على أن أرض
خيبر كانت مملوكة للمسلمين دون اليهود؛ لأنها لو كانت لهم لأعطاهم
عمر روايته قيمتها كما أعطاهم قيمة ثمرهم.
وأجاب العينيّ بأنه يجوز أنه ما أعطاهم زمان الإجلاء، وأعطاهم بعد
ذلك. انتھی(٢).
(٢)
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العينيّ تعسّف، لا يخفى على منصف،
فتبصّر، وبالله تعالى التوفيق.
(إِلَى تَيْمَاءَ) بفتح المثنّاة، وسكون التحتانيّة، والمدّ (وَأَرِيحَاءَ) بفتح
الهمزة، وكسر الراء، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم مهملة، وبالمدّ أيضاً: هما
موضعان مشهوران بقرب بلاد طيّء على البحر، في أول طريق الشام من
المدينة .
وذكر ياقوت في ((معجم البلدان)): أن تيماء بين الشام ووادي القرى،
على طريق حاجّ الشام ودمشق، وذكر أيضاً أنها تسمّى تيماء اليهوديّ؛ لأن
حِصن السموءل بن عاديا اليهوديّ مشرفٌ عليها(٣).
وذكر أن أريحا بالقصر، قال: وقد رواه بعضهم بالخاء المعجمة لغة
عبرانيّة، وهي مدينة الجبّارين في الغور من أرض الأردنّ بالشام، بينها وبين
بيت المقدس يوم للفارس، في جبال صعبة المسلك، سُمّيت - فيما قيل -
(١) ((الفتح)) ٦١٩/٦ ((كتاب الشروط)) رقم (٢٧٣٠).
(٢) ((عمدة القاري)) ٧٢٤/٥.
(٣) ((معجم البلدان)) ٢/ ٦٧.

(٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦١)
٣٠٧
بأريحا بن لمك (١) بن أرفخشذ بن سام بن نوح. انتهى (٢).
وقد ذكر البلاذريّ في ((الفتوح)): أن النبيّ وَّ﴿ لَمّا غَلَبَ على وادي القُرَى
بَلَغ ذلك أهل تيماء، فصالحوه على الجزية، وأقرَّهم ببلدهم، قاله في
((الفتح))(٣).
وقال النوويّ كَّلُ: تيماء وأريحاء: هما ممدودتان، وهما قريتان
معروفتان، وفي هذا دليل على أن مراد النبيّ وَّر بإخراج اليهود والنصارى من
جزيرة العرب إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصَّةً؛ لأن تيماء من جزيرة
العرب، لكنها ليست من الحجاز. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله في ثاني أحاديث الباب
[٣٩٥٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٤) - (بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦١] (١٥٥٢) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً، إِلَّا كَانَ
مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ الَّسَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ،
وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥]
(ت١٤٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
(١) وقع في النسخة: ابن مالك، وهو غلط، فتنبّه.
(٢) ((معجم البلدان)) ١٦٥/١.
(٣) ((الفتح)) ٦/ ١٤٢.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٢ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
٣ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلميّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ﴿ّ، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١١٧/٤.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله ﴿يَا أنه قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللهِ لِهِ: ((مَا مِنْ مُسْلِم)
((ما)) نافيةٌ، و((من)) زائدة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَزِيدَ فِي نَفْىٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـمَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرْ»
وقوله: ((ما من مسلم)) أخرج الكافر؛ لأنه رَتَّبَ على ذلك كون ما أُكل منه
يكون له صدقةً، والمراد بالصدقة الثواب في الآخرة، وذلك يختصّ بالمسلم، نعم
ما أُكل من زرع الكافر يثاب عليه في الدنيا، كما ثبت من حديث أنس مظ له عند
مسلم، وأما من قال: إنه يُخَفَّف عنه بذلك من عذاب الآخرة، فيحتاج إلى دليل،
ولا يبعد أن يقع ذلك لمن لم يُرزَق في الدنيا، وفَقَد العافية، قاله في ((الفتح))(١).
وقال القرطبيّ كَُّ: إنما خَصَّ المسلم بالذكر؛ لأنه ينوي عند الغرس
غالباً أن يتقوَّى بثمر ذلك الغرس المسلمون على عبادة الله تعالى، ولأن المسلم
هو الذي يحصل له ثواب، وأما الكافر فلا يحصل له بما يفعله من الخيرات
ثواب، وغايته أن يُخَفَّف العذاب عنه، وقد يُطْعَم في الدنيا، ويعطى بذلك؛
كما تقدَّم في ((كتاب الإيمان)).
ويعني بالصدقة هنا: ثواب صدقة مضاعفاً، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اَلَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُتْبُكَةٍ مَِّةُ
[البقرة: ٢٦١]. انتهى (٢) .
جَّ
وقال الطيبيّ نَّثُ: قوله: ((ما من مسلم يغرس غرساً)) قال المظهر: بأيّ
(١) ((الفتح)) ١١١/٦.
(٢) ((المفهم)) ٤٢١/٤.

٣٠٩
(٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦١)
سبب يؤكل مال الرجل يحصل له الثواب، قال الطيبيّ: نكّر ((مسلماً))، وأوقعه
في سياق النفي، وزاد ((من)) الاستغراقيّة، وخصّ الغرس والزرع، وعمّ
الحيوان؛ ليدلّ على سبيل الكناية الإيمائيّة على أن أيّ مسلم، سواء كان حرّاً،
أو عبداً، مطيعاً، أو عاصياً يعمل أيّ عَمَل من المباح ينتفع بما عمله أي
حیوان کان يرجع نفعه إليه، ويثاب عليه.
[حكاية]: رُوي أن رجلاً مرّ بأبي الدرداء كَُّهُ، وهو يغرس جَوزةً،
فقال: أتغرس هذه، وأنت شيخ كبير تموت غداً، أو بعد غد، وهي لا تُطعم
إلا في كذا وكذا عاماً؟ فقال له: وما عليّ أن يكون لي أجرها، ويأكل منها
غيري.
[حكاية أخرى]: ذكر أبو الوفاء البغداديّ في ((كتاب المقامات)) أنه مرّ
أنوشروان على شيخ يغرس شجرة الزيتون، فقال له: ليس هذا أوان غرسك
شجرة الزيتون، وهو شجر بطيء الإثمار، وأنت شيخ هَرِمٌ.
فأجاب: غَرَس من قبلنا وأكلنا، ونغرس ليأكل من بعدنا، فقال
أنوشروان: ((زه)؛ أي: أحسنت، وكان إذا قال: ((زه)) يُعطى من قيلت له أربعة
آلاف درهم، فقال: أيها الملك كيف تتعجب من غراسي، واستبطاء ثمره؟ فما
أسرع ما أثمرت، فقال: «زه))، فزيد أربعة آلاف أخرى، فقال: أيها الملك كلّ
شجرة تثمر في العام مرّةً، وقد أثمرت شجرتي في ساعة مرّتين، فقال: ((زه))،
فزيد مثلها، ومضى أنوشروان، وقال: إن وقفنا عليه لم يكفه ما في خزائننا .
ذكره الطيبيّ ◌َّفُ(١).
(يَغْرِسُ غَرْساً) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: غَرَسْتُ الشجرةَ غَرْساً، من
باب ضَرَب، فالشجر مغروسٌ، ويُطلق عليه أيضاً: غَرْسٌ، وغِرَاسٌ بالكسر،
فِعالٌ بمعنى مفعول، مثلُ کتاب، وبساط، ومهادٍ، بمعنى مكتوب، ومبسوطِ،
وممهود، وهذا زمنُ الْغِرَاس، كما يقال: زمن الْحِصَاد بالكسر، قاله
(٢)
الفيّوميّ(٢).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٤٨/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٥/٢.

٣١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال الجامع عفا الله عنه: يُستفاد مما ذكره الفيّوميّ: أن ((غَرْسَاً)) هنا
يَحْتَمِل أن يكون مفعولاً مطلقاً؛ لأنه مصدر، وأن يكون مفعولاً به؛ لأنه بمعنى
مغروس، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ) بالبناء للمفعول (مِنْهُ) أي: من ذلك الغرس (لَهُ) أي:
للمسلم (صَدَقَّةً) بالنصب على الخبريّة لـ((كان))، يعني أنه يحصل للغارس ثواب
التصدّق بالمأكول، قيل: هذا إذا لم يضمنه الآكل، لكن ظاهر النص مطلقٌ،
فليُتْأمّل (وَمَا سُرِقَ) بالبناء للمفعول أيضاً (مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ) يَحْتَمِل أن يكون بالرفع
على أنه خبر ل((ما))، ويَحْتَمِل نصبه عطفاً على ((صدقةً))، وعلى هذا ف((ما)) تكون
معطوفة على ((ما)) التي هي اسم ((كان))، فيكون من عطف المعمولين على
معمولي عامل واحد، وهو جائز بلا خلاف، كما هو معروف في محلّه من
کتب النحو، فتنبه.
والمعنى: أنه يحصل للغارس مثل ثواب التصدّق بالمسروق، وليس
المعنى أن يكون المأخوذ ملكاً للآخذ، كما تُصُدّق به عليه.
(وَمَا) موصولة مبتدأ (أَكَلَ السَّبُعُ) بضمّ الموحّدة، وتُسكّن تخفيفاً، قال
الفيّوميّ ◌َّثُ: والسَّبُعُ بضم الباء: معروف، وإسكان الباء لغةٌ، حكاها الأخفش
وغيره، وهي الفاشية عند العامّة، ولهذا قال الصغانيّ: السَّبُعُ، والسَّبْعُ لغتان،
وقرئ بالإسكان في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]، وهو مرويّ عن
الحسن البصريّ، وطلحة بن سليمان، وأبي حَيْوَة، ورواه بعضهم عن عبد الله بن
كثير أحدِ السبعة، ويُجْمَع في لغة الضمّ على سِبَاعِ، مثلُ رَجُلٍ ورِجَالٍ، لا
جمع له غير ذلك على هذه اللغة، قال الصغانيّ: وجّمعه على لغة السكون في
أدنى العدد أَسْبُعٌ، مثل فَلْسٍ وأَقْلُسٍ، وهذا كما خُفْ ضَبْعٌ، وجُمِع على
أَضْبُع، ومن أمثالهم: ((أَخَذَهُ أَخْذَ السَّبْعَةِ)) بالسكون، قال ابن السِّكِّيت: الأصل
بالضم، لكن أُسكنت تخفيفاً، والسَّبْعَةُ: اللَّبُؤَةُ(١)، وهي أشدّ جَراءة من السبع،
وتصغيرها: سُبَيْعَةٌ، وبها سميت المرأة، ويقع السَّبُعُ على كلّ ما له نابٌ يَعْدُو
به، ويَفْتَرس؛ كالذئب، والفهد، والنَّمِر، وأما الثعلب فليس بسبعٍ، وإن كان له
(١) اللبؤة بضم الباء: الأنثى من الأسد.

٣١١
(٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦١)
ناب؛ لأنه لا يعدو به، ولا يفترس، وكذلك الضبع، قاله الأزهريّ، وأرض
مَسْبَعَةٌ بفتح الأول والثالث: كثيرة السِّبَاعِ. انتهى(١).
(مِنْهُ) أي: من ذلك الغرس، وقوله: (فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ) خبر ((ما))، وكذا
إعراب ما بعده (وَمَا أَكَلَتِ) بالبناء للفاعل (الطَّيْرُ) جمع طائر، وقيل: هو
مفرد، قال الفيّوميّ تَخْذَثُ: الطَّائِرُ على صيغة اسم الفاعل من طَارَ يَطِيرُ طَيَرَاناً،
وهو له في الجوّ كمشي الحيوان في الأرض، ويُعَدَّى بالهمزة، والتضعيف،
فيقال: طَيَّرْتُهُ، وأَطرْتُهُ، وجمع الطَّائِرِ: طَيْرٌ، مثلُ صَاحِبٍ وصَحْبٍ، ورَاكِب
ورَكْبٍ، وجمع الطَّيْرِ: طُيُور، وأَظْيَارٌ، وقال أبو عبيدة، وقطرب: ويقع الطير
على الواحد والجمع، وقال ابن الأنباريّ: الطَّيْرُ جماعة، وتأنيثها أكثر من
التذكير، ولا يقال للواحد: طَيْرٌ، بل طَائِرٌ، وقلّما يقال للأنثى: طَائِرَةٌ.
(٢)
انتھی(٢).
(فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ) بفتح أوله، وثالثه، مضارع رزأ، بِراء، ثم
زاي، ثم همزة، من باب فتح، وعَلِم؛ أي: ينقصه، ويأخذ منه، قال
المجد رَّتُهُ: رَزَأَهُ مالَهُ، كَجَعَلَهُ، وعَلِمَهُ، رُزْءاً بالضم: أصابَ منه شيئاً،
كَارْتَزَأَهُ مَالَهُ، ورَزَهُ رُزْءًا، ومَرْزِئَةً: أصاب منه خَيْراً، والشَّيءَ: نَقَصَهُ،
والرَّزِيئَةُ: المُصِيبَةُ، كالرُّزْءِ، والمَرْزِئَةِ، جمعه: أرْزَاءٌ، ورَزَايَا، وما رَزِئْتُهُ
بالكسر: ما نَقَصْتُهُ، وارْتَزَأَ: انْتَقَص. انتهى(٣).
وقال الفيّوميّ كَّتُ: الرَّزِيَّةُ: المصيبة، والجمع: رَزَايَا، وأصلها الهمز،
يقال: رَزَأْتَهُ تَرْزَؤُهُ، مهموزٌ، بفتحتين، والاسم: الرُّزْءُ، مثالُ قُفْل، ورَزَأْتُهُ أنا:
إذا أصبته بمصيبة، وقد يُخَفَّف، فيقال: رَزَيْتُهُ أَرْزَاهُ. انتهى (٤).
(أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ) ھکذا في النسخ مرفوعاً بضبط القلم، فتكون
((كان)) على هذا تامّةً، كما قال الحريريّ كَثْذَلُ في ((ملحة الإعراب)):
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمُ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
وقال ابن مالك تَخْلَثُ في ((الخلاصة)):
(١) ((المصباح المنير)) ٢٦٤/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ١٦/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٨٢/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢٢٦/١.

٣١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وَذُو تَمَامِ مَا بِرَفْعِ يَكْتَفِي
والمعنى هنا: إلا حصل له ثواب صدقة، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر به هذا من أفراد المصنّف وَّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٦١/٢٤ و٣٩٦٢ و٣٩٦٣ و٣٩٦٤ و٣٩٦٥]
(١٥٥٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٥٦/١٠)، و(ابن راهويه) في ((مسنده))
(٩٣/٥)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٥٣٦/٢)، و(الدارميّ) في («سننه» (٢/
٣٤٧)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٣١/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٥/
١٠٠ و١٠١)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (١٤٩/٤)، و(عبد بن حميد) في
(مسنده)) (٣١١/١ و٤٥٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٧/٦) و((المعرفة)) (٤/
٥١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الغرس والزرع، والحضّ على عمارة الأرض،
قال النوويّ تَخْتُ: في هذه الأحاديث فضيلة الغرس، وفضيلة الزرع، وأن أجر
فاعلي ذلك مستمرّ ما دام الغِراس والزرع، وما تولّد منه إلى يوم القيامة.
انتھی(١).
٢ - (ومنها): أنه يُستَنْبَط منه اتخاذ الضَّيْعة، والقيام عليها، وفيه فساد
قول من أنكر ذلك، من المتزهِّدة، ويُحْمَل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما
إذا شَغَلَ عن أمر الدين، فمنه حديث ابن مسعود ظُه مرفوعاً: ((لا تتخذوا
الضَّيْعة فترغبوا في الدنيا))، الحديث.
قال القرطبيّ: وفيه دليل على أن الغِراس، واتخاذ الضياع مباح، وغير
قادح في الزهد، وقد فعله كثير من الصحابة، وقد ذهب قوم من المتزهدة إلى
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٣/١٠.

٣١٣
(٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦١)
أن ذلك مكروه وقادح، ولعلّهم تمسكوا في ذلك بما قد خرَّجه الترمذيّ من
قوله : ((لا تتخذوا الضيعة، فتركنوا إلى الدنيا))، خرَّجه من حديث ابن
مسعود ۋچه، وقال فيه: حديث حسن.
والجواب: أن هذا النهي محمول على الاستكثار من الضياع،
والانصراف إليها بالقلب الذي يُفضي بصاحبه إلى الركون للدنيا، فأما إذا
اتخذها غير مستكثر، وقلَّل منها، وكانت له كفافاً وعفافاً فهي مباحة، غير
قادحة في الزهد، وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه النبيّ وَله بقوله: ((إلا من
أخذه بحقه، ووضعه في حقه)) رواه مسلم، فأمَّا لو غرس، أو اتخذ الضيعة
ناوياً بذلك معونة المسلمين، وثواب ما يؤكل ويتلف له منها، ويفعل بذلك
معروفاً، فذلك من أفضل الأعمال، وأكرم الأحوال، ولا بُعْد في أن يقال: إن
أَجْرَ ذلك يعود عليه أبداً دائماً، وإن مات وانتقلت إلى غيره، ولولا الإكثار
لذكرنا فيمن اتخذ الضياع من الفضلاء، والصحابة جملة من صحيح الأخبار.
انتهى كلام القرطبيّ كَّلُ، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن مقتضى ما في الرواية الآتية بلفظ: ((إلا كان له صدقةً
إلى يوم القيامة)) أن أجر ذلك يستمرّ ما دام الغرس، أو الزرع مأكولاً منه، ولو
مات زارعه، أو غارسه، ولو انتقل ملكه إلى غيره.
٤ - (ومنها): أن الثواب المترتِّب على أفعال البرّ في الآخرة يختص
بالمسلم دون الكافر؛ لأن القُرَب إنما تصح من المسلم، فإن تصدق الكافر، أو
بَنَى قَنْطَرة للمارة، أو شيئاً من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة، وورد في
حديث آخر أنه يُطْعَم في الدنيا بذلك، ويجازى به مِنْ دَفْع مكروه عنه، ولا
يُدَّخَر له شيء منه في الآخرة.
[فإن قلت]: قال ◌َ﴿ في بعض طرق هذا الحديث: ((ما من عبد))، وهو
يتناول المسلم والكافر.
[أجيب]: بأنه يُحمَل المطلق على المقيد، قاله في ((العمدة))(١).
٥ - (ومنها): أن المرأة تدخل في قوله: ((ما من مسلم))؛ لأن هذا اللفظ
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٥/١٢.

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
من الجنس الذي إذا كان الخطاب به يدخل فيه المرأة؛ لأنه ◌َ ﴿ لم يُرد بهذا
اللفظ أن المسلمة إذا فعلت هذا الفعل لم يكن لها هذا الثواب، بل المسلمة
في هذا الفعل في استحقاق الثواب مثل المسلم سواءً.
٦ - (ومنها): حصول الأجر للغارس والزارع، وإن لم يقصدا ذلك، حتى
لو غَرَس، وباعه، أو زرع وباعه، كان له بذلك صدقة؛ لتوسعته على الناس في
أقواتهم، كما ورد الأجر للجالب، وإن كان يفعله للتجارة والاكتساب(١).
٧ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أن الأجر يحصل لمتعاطي الزرع أو
الغرس، ولو كان مُلكه لغيره؛ لأنه أضافه إلى أم مبشر، ثم سألها عمن غرسه،
قال الطيبيّ: نَكَّر مسلماً، وأوقعه في سياق النفي، وزاد ((مِن)) الاستغراقية،
وعَمّ الحيوان؛ ليدل على سبيل الكناية على أن أيّ مسلم، كان حرّاً، أو عبداً،
مطيعاً، أو عاصياً، يعمل أيّ عمل من المباح ينتفع بما عمله أيّ حيوان كان
يرجع نفعه إليه، ويثاب عليه.
٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ نسبة الزرع إلى الآدميّ، وقد ورد في المنع
منه حديثٌ غيرُ قويّ، أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة ﴿به مرفوعاً:
((لا يقل أحدكم: زَرَعْتُ، ولكن ليقل: حَرَثت، ألم تسمع لقول الله تعالى:
﴿ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَ نَّحْنُ الَّرِعُونَ
[الواقعة: ٦٤]، ورجاله ثقات، إلا أن
٦٤)
مسلم بن أبي مسلم الجرميّ قال فيه ابن حبان: ربما أخطأ، ورَوَى عبد بن
حميد من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ مثله من قوله، غير مرفوع.
٩ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة: يدخل الغارس في عموم قوله:
((إنسان))، فإن فضل الله واسع.
قال: وفيه التنويه بقدر المؤمن، وأنه يحصل له الأجر، وإن لم يقصد إليه
عيناً .
قال: وفيه الترغيب في التصرف على لسان المعلّم، والحضّ على التزام
طريق المصلحين، والإرشاد إلى ترك المقاصد الفاسدة، والترغيب في المقاصد
الصالحة الداعية إلى تكثير الثواب، وأن تعاطي الأسباب التي اقتضتها الحكمة
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٥/١٢.

٣١٥
(٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦١)
الربانية من عمارة هذه الدار، لا ينافي العبادة، ولا طريق الزهد، ولا التوكل.
قال: وفيه التحريض على تعلم السنّة؛ ليعلم المرء ما له من الخير،
فيرغبَ فيه؛ لأن مثل هذا الفضل المذكور في الغرس لا يُدْرَك إلا من طريق
السنّة.
قال: وفيه إشارة إلى أن المرء قد يَصِل إليه من الشر ما لم يَعْمَل به، ولا
قصد إليه، فيحذر من ذلك؛ لأنه لما جاز حصول هذا الخير بهذا الطريق، جاز
حصول مقابله. انتهى كلام ابن أبي جمرة ◌َّلُ ملخصاً، نقله في ((الفتح))(١).
١٠ - (ومنها): أن المهلَّب استَنْبَط منه أن من زرع في أرض غيره كان
الزرع للزارع، وعليه لرب الأرض أجرة مثلها، قال الحافظ: وفي أخذ هذا
الحكم من هذا الحديث بُعْدِّ. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أفضل المكاسب:
قال النوويّ كَّلُ: قد اختلف العلماء في أطيب المكاسب، وأفضلها،
فقيل: التجارة، وقيل: الصَّنعة باليد، وقيل: الزراعة، وهو الصحيح. انتهى.
وقال في ((شرح المهذّب)): قال الماورديّ: أصول المكاسب الزراعة،
والتجارة، والصَّنعة، وأيها أطيب؟ فيه ثلاثة مذاهب للناس: أشبهها بمذهب
الشافعيّ أن التجارة أطيب، قال: والأشبه عندي أن الزراعة أطيب؛ لأنها
أقرب إلى التوكل، وذكر الشاشيّ، وصاحب ((البيان))، وآخرون نحو ما ذكره
الماورديّ وأخذه عنه.
قال النوويّ: في ((صحيح البخاريّ)) عن المقدام بن معدیکرب څ، عن
النبيّ وَّه قال: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن
نبيّ الله داود لعلّا كان يأكل من عمل يده))، فالصواب ما نصّ عليه
رسول الله *، وهو عمل اليد، فإن كان زرعاً، فهو أطيب المكاسب
وأفضلها؛ لأنه عمل يده، ولأن فيه توكلاً كما ذكره الماورديّ، وقال: لأن فيه
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٥٧/١٣ ((كتاب الأدب)) رقم (٦٠١٢).
(٢) ((الفتح)) ١١٢/٦.

٣١٦
=
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
نفعاً عاماً للمسلمين، والدواب، ولأنه لا بُدّ في العادة أن يؤكل منه بغير
عوض، فيحصل له أجره، وإن لم يكن ممن يعمل بيده، بل يعمل له غلمانه،
وأجراؤه فاكتسابه بالزراعة أفضل؛ لِمَا ذكرناه. ثم أورد الأحاديث التي أوردها
مسلم في هذا الباب(١).
وقال في ((الفتح)): قال الماورديّ: أصول المكاسب: الزراعة، والتجارة،
والصَّنعة، والأشبه بمذهب الشافعيّ أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي
أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل.
وتعقبه النوويّ بحديث المقدام الذي تقدّم، وأن الصواب أن أطيب
الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زرّاعاً فهو أطيب المكاسب؛ لِمَا
يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولِمَا فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العامّ
للآدميّ والدواب، ولأنه لا بدّ فيه في العادة أن يؤكل منه بغير عوض.
قال الحافظ: وفوق ذلك من عمل اليد ما يُكتسب من أموال الكفار
بالجهاد، وهو مكسب النبيّ وَل﴿ وأصحابه، وهو أشرف المكاسب؛ لما فيه من
إعلاء كلمة الله تعالى، وخِذلان كلمة أعدائه، والنفع الأخرويّ.
قال: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل؛ لما ذكرنا.
قال الحافظ: وهو مبنيّ على ما بَحث فيه من النفع المتعدي، ولم ينحصر
النفع المتعدي في الزراعة، بل كل ما يُعمل باليد فنفعه متعدّ؛ لما فيه من تهيئة
أسباب ما يحتاج الناس إليه، والحقّ أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف
باختلاف الأحوال، والأشخاص، والعلم عند الله تعالى.
قال ابن المنذر كَّهُ: إنما يَفْضُل عملُ اليد سائرَ المكاسب إذا نصح
العامل، كما جاء مصرَّحاً به في حديث أبي هريرة
قال الحافظ: ومن شرطه أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب، بل من الله
تعالى بهذه الواسطة، ومِن فَضْل العمل باليد الشغلُ بالأمر المباح عن البطالة
واللهو، وكسر النفس بذلك، والتعفف عن ذِلَّة السؤال، والحاجة إلى الغير.
(١) راجع: ((المجموع شرح المهذّب)) ٩/ ٥٤.

٣١٧
(٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦٢)
انتهى كلام الحافظ تَخَّثُ(١).
وقال في ((العمدة)»: واختلف في أفضل المكاسب، فقال النوويّ:
أفضلها الزراعة، وقيل: أفضلها الكسب باليد، وهي الصَّنعة، وقيل: أفضلها
التجارة، وأكثر الأحاديث تدلّ على أفضلية الكسب باليد، وروى الحاكم في
((المستدرك)) من حديث أبي بردة، قال: سئل رسول الله وَّ ر: أيُّ الكسب
أطيب؟ قال: ((عَمَلُ الرجل بيده، وكل بيع مبرور))، وقال: هذا حديث صحيح
الإسناد(٢).
وقد يقال: هذا أطيب من حيث الحلّ، وذاك أفضل من حيث الانتفاع
العامّ، فهو نفع متعدّ إلى غيره، وإذا كان كذلك فينبغي أن يختلف الحال في
ذلك باختلاف حاجة الناس، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر
كانت الزراعة أفضل؛ للتوسعة على الناس، وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر؛
لانقطاع الطرق كانت التجارة أفضل، وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أشدّ
كانت الصنعة أفضل، وهذا حسن. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: إن أفضل المكاسب هو الذي نصّ عليه
رسول الله وَ﴾، وهو عمل اليد، فإن كان زرعاً، فهو أطيب المكاسب
وأفضلها؛ لأنه عمل يده، وهذا ما رجحه النوويّ في كلامه السابق، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ دَخَلَ عَلَى أُمَّ مُبَشِّرٍ
الأَنْصَارِيَّةِ، فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ أَمْ
كَافِرٌ؟»، فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: ((لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْساً، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعاً،
فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ))).
(١) ((الفتح)) ٥٢٥/٥ - ٥٢٦ ((كتاب البيوع)) رقم (٢٠٧٠ - ٢٠٧٥).
(٣) ((عمدة القاري)) ١٥٥/١٢.
(٢) هو صحيح كما قال.

٣١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
والباقون ذُكروا قبله، وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَذَلُ، وهو
(٢٦٤) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (دَخَلَ عَلَى أُمَّ مُبَشِّرِ الأَنْصَارِيَّة) قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ تَظُّهُ
بعد أن ساق حديث مسلم هذا بلفظ: ((أن النبيّ وَ ل﴿ دخل على أمّ بشر
الأنصاريّة))، ما نصّه: هكذا في رواية أبي العلاء بن ماهان: ((أن النبيّ وَ فول
دخل على أم بشر))، وكذلك في حديث الليث بن سعد في ديوان ((مسنده)).
وعند أبي أحمد الجلوديّ عن جابر به قال: ((دخل النبيّ ◌َّ على أم
مبشّر))، وفي النسخة عن أبي سعيد السجزيّ، وأبي العبّاس الرازيّ: ((دخل على أم
معبد، أو أم مبشّر)) على الشكّ، وكذلك كان في نسخة شيخنا أبي العبّاس
الدلائيّ: ((أم معبد، أو أم مبشّر)) على الشكّ، والمحفوظ في حديث الليث بن
سعد: ((أمّ بشر))، حدّثنا حَكَم بن محمد، نا أبو بكر بن إسماعيل، نا محمد بن
زبان، قال: أنا محمد بن رُمح، قال: أنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن
النبيّ ◌َ ﴿ دخل على أم بشر الأنصاريّة في نخل لها، فقال لها النبيّ ◌َلّ: ((من غَرَس
هذا النخل؟ أمسلم، أم كافر؟ فقالت: مسلم، فقال: ((لا يغرس مسلم غرساً، ولا
يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان، ولا دابّة، ولا شيء، إلا كانت له صدقةً».
ذكر مسلم من حديث ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال:
أخبرتني أم مبشّر أنها سمعت النبيّ وَله يقول عند حفصة: ((لا يدخل النار من
أصحاب الشجرة أحدٌ))(١).
(١) أخرجه مسلم في ((كتاب فضائل الصحابة)) برقم (٢٤٩٦) رقم محمد فؤاد، ولفظه:
((لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها)).

٣١٩
(٢٤) - بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ - حديث رقم (٣٩٦٢)
وقال لنا أبو عمر النمريّ: أم مبشّر الأنصاريّة امرأة زيد بن حارثة، يقال:
إنها أم بشر بنت البراء بن مَعْرُور، وكانت من كبار الصحابة، روى عنها جابر بن
عبد الله أحاديث. انتهى كلام أبي عليّ الجيّانيّ ◌َخْذُ(١).
وقال في ((تهذيب التهذيب)): أم مبشر الأنصارية امرأة زيد بن حارثة،
رَوَت عن النبيّ وَّ، وعن حفصة بنت عمر، على خلاف في ذلك، وعنها
جابر بن عبد الله الأنصاريّ، ومحمد بن عبد الرحمن بن خلاد الأنصاريّ،
ومجاهد بن جبر، يقال: مرسل.
قال الحافظ: زعم الدمياطيّ أن اسمها جُهينة بنت صيفيّ بن صخر، وإنها
زوجة البراء بن معرور، أم ولديه بشر ومبشر، قال: وخَلَفَ عليها بعده زيد بن
حارثة، كذا قال.
وقد ذكر أبو جعفر الطبريّ، وأبو عليّ بن السكن: أن اسم أم بشر بن
البراء خُليدة بنت قيس بن ثابت بن مالك الأشجعية، وقال ابن عبد البرّ: أم
بشر بنت البراء بن معرور، ويقال لها: أم مبشر، اسمها خُليدة، كذا قال،
وكأنه أراد أن يكتب أم بشر بن البراء، ولعله من طغيان القلم، وقد اعترض
عليه ابن فتحون، وذكر خليفة بن خياط أن البراء بن معرور بنتاً تسمى أم قيس،
فالله تعالى أعلم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما سبق أن أبا عليّ الجيّاني تَظْلُّ ذكر
أن الصواب في رواية الليث، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن النبيّ وَلو دخل
على أم بِشْر، وليس على أم مبشّر، لكن النسخ التي بين يديّ كلها متّفقة على
أم مبشّر، وقد سبق في كلام ابن عبد البرّ وغيره أنها يقال لها: أم مبشّر، وأم
بشر، فالظاهر أنهما كنيتان لها، وكذا أم معبد في الرواية الآتية، إلا أن الذي
صوّبه الجيّانيّ أن رواية الليث: أم بشر، لا أم مبشّر، واحتجّ على ذلك بأنه
الذي ثبت في كتاب الليث بن سعد، يكون هو المعتمدَ، فتأمل، والله تعالى
أعلم بالصواب.
وقوله: (وَلَا دَابَّةٌ) إن كان مأخوذاً من دَبَّ على الأرض فهو مِنْ عطفٍ
(١) (تقييد المهمل)) ٣/ ٨٦١ - ٨٦٢.
(٢) ((تهذيب التهذيب)) ٧٠١/٤.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
العامّ على الخاصّ، وإن كان المراد به الدابة في العرف، فهو من عطف جنس
على جنس، وهو الظاهر هنا، قاله في ((الفتح))(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: ((لَا يَغْرِسُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ غَرْساً (٢)، وَلَا زَرْعاً، فَيَأْكُلَ
مِنْهُ سَبُعٌ، أَوْ طَائِرٌ، أَوْ شَيْءٍ، إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ))، وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ: طَائِرٌ
شَيْءٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ أَبِي خَلَفٍ) هو: محمد بن أحمد بن أبي خلف، تقدّم أيضاً
قريباً .
٣ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ،
له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٧٦/٩٠.
٤ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب
الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (غَرْساً) وفي نسخة: ((غِرَاساً)) بالكسر، وتقدّم أنه الشيء
المغروس.
وقوله: (وَلَا زَرْعاً) عَظْفُه على ما قبله عطفُ مغاير؛ لأن الزرع غير
الغرس.
وقوله: (فَيَأْكُلَ مِنْهُ) بالنصب بـ(أن)) مضمرة بعد الفاء السببيّة في جواب
النفي، كما قال في ((الخلاصة)):
(١) ((الفتح)) ٥٥٦/١٣ - ٥٥٧ ((كتاب الأدب)) رقم (٦٠٠ - ٦١٣).
(٢) وفي نسخة: ((غِرَاساً)).