Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (١٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمُحَاقَّلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٠٦) جملة مستأنفة بيّن بها معنى بيع السنين. هي المعاومة في الرواية الأخرى، وعلى هذا فيتّفق مع رواية هؤلاء، فتأمله. ووقع في ((مختصر القرطبيّ)) بلفظ: ((وفي رواية: بيع السنين عِوَضَ المعاومةِ))، وهذا إن لم يكن إصلاحاً من القرطبيّ، ففيه دلالة أن ((هي)) في قوله هنا: ((هي المعاومة)) مصحّفة عن لفظ ((عوض))، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (وَعَنِ الثُّنْيَا) - بضمّ الثاء المثلّثة، وإسكان النون، مقصوراً - بمعنى الاستثناء، قال الفيّوميّ تَخْذُ: ((والثُّنْيَا)) - بضمّ الثاء مع الياء، و((الثَّْوَى)) بالفتح مع الواو: اسم من الاستثناء، وفي الحديث: ((من استثنى فله ثنياه)(١)؛ أي: ما استثناه، والاسْتِثْنَاءُ: استفعال من ثَنَيت الشيءَ أَثْنِيهِ ثَنْياً، من باب رَمَى: إذا عَطَفْته، ورددته، وثَنَيْتُهُ عن مراده: إذا صرفته عنه، وعلى هذا فَالاسْتِثْنَاءُ: صرف العامل عن تناول المستثنى، ويكون حقيقةً في المتصل، وفي المنفصل أيضاً؛ لأن ((إلّا)) هي التي عَدّت الفعل إلى الاسم، حتى نصبه، فكانت بمنزلة الهمزة في التعدية، والهمزةُ تعدّي الفعل إلى الجنس، وغير الجنس حقيقةً وفاقاً، فكذلك ما هو بمنزلتها. انتهى (٢). وقال النوويّ كَّثُ: قوله: ((عن الثنيا)): هي الاستثناء، والمراد: الاستثناء في البيع، وفي رواية الترمذيّ وغيره بإسناد صحيح: ((نَهَى عن الثُّنْيا إلا أن يُعْلَم))، والثنيا المبطلة للبيع قوله: بعتك هذه الصبرةَ إلا بعضها، وهذه الأشجارَ أو الأغنام، أو الثياب، أو نحوها إلا بعضها، فلا يصح البيع؛ لأن المستثنى مجهول، فلو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو هذه الشجرة إلا ربعها، أو الصبرة إلا ثلثها، أو بعتك بألف إلا درهماً، وما أشبه ذلك من الثنيا المعلومة صح البيع باتفاق العلماء، ولو باع الصبرة إلا صاعاً منها، فالبيع باطل عند الشافعيّ، وأبي حنيفة، وصحح مالك أن يُستثنى منها ما لا يزيد على ثلثها، أما إذا باع ثمرة نخلات، فاستثنى من ثمرها عشرة آصع مثلاً للبائع، (١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (٦٨/١) بلفظ: ((من حلف، فقال: إن شاء الله، فله ثُنْياه)). (٢) ((المصباح المنير)) ٨٥/١. ٢٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع فمذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، والعلماء كافّةً بطلان البيع، وقال مالك، وجماعة من علماء المدينة: يجوز ذلك ما لم يزد على قدر ثلث الثمرة. انتھی(١). وقال القرطبيّ كَُّ: و((الثُّنْيَا)) - بالضم والقصر، على وزن الكُبرى - هي: الاسم من الاستثناء، وكذلك: الثَّنوى - بفتح الثاء - على وزن: طَرْفَى، ذكر ذلك في ((الصحاح))، قال الهرويّ: بيع الثُّنيا هو: أن يُستثنى من المبيع شيء مجهول، فيفسد البيع، وقال القتبي: هو أن يبيع شيئاً جزافاً ويستثني منه شيئاً. قال القرطبيّ: والحاصل: أن الثنيا اسم جنس لما فيه استثناء، سواء كان ذلك من البائع، أو من المبتاع، فيكون الأصل في كل ذلك المنع؛ لأجل النَّهي، غير أن في ذلك تفصيلاً یظهر بصور: الأولى: جائزة باتفاق، وهي: أن يستثني البائع نخلات معينات من حائط، قَلَّت، أو كثرت؛ لأن البيع لم يقع عليهنّ، بل على ما عداهنّ. الثانية: أن يستثني نخلات مجهولات، أو كيلاً مجهولاً من الثمرة؛ على أن يعيّن ذلك بعد البيع، فذلك ممنوع فاسد باتفاق؛ لتناول النهي له وللجهل بالمبيع والغرر. الثالثة: أن يستثني من الثَّمر كيلاً معلوماً، فذهب الجمهور إلى أن ذلك لا يجوز منه قليل ولا كثير، ورأوا أن ذلك النهي متناول له؛ لما فيه من الجهالة، وذهب مالك في جماعة أهل المدينة إلى أن ذلك جائز فيما بينه وبين ثلث الثمرة، ولا يجوز زيادة على ذلك. ورأوا: أن خرص الثمرة وحَزْرها مما يُعرف مقدارها، وأن استثناء القليل منها لا يكثر فيه الغرر، والقليل من الغرر مغتفر في مواضع كثيرة من الشرع، وما دون الثلث قليل. قال: وهذا تخصيص للعموم بالنظر. الرابعة: أن يستثني جزءاً من الثَّمرة مشاعاً، فيجوز عند مالك وعامة أصحابه، قلَّ، أو كثر، وذهب عبد الملك: إلى أنَّه لا يجوز استثناء الأكثر، (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٥/١٠. ٢٠٣ (١٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٠٧) والخلاف في ذلك مبني على جواز استثناء أكثر من الأقل، وعدم جوازه، وقد بيّنا جوازه في أصول الفقه. الخامسة: أن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذا الشيء بكذا، على أنك إن جئتني بالثمن إلى أجَلٍ كذا رددت عليك ملكك، فهذا فاسد للنهي عنه، ولأنه ذريعة للسَّلف الذي يجر نفعاً، ويفسخ ما لم يَفُتْ، فإن فات ضمن بالقيمة، ويُفيتُه ما يُفيت البيع الفاسد. السادسة: أن يعقد المشتري على أنه إن لم يأت بالثمن إلى وقت كذا فلا بيع بينهما. فاختُلِف فيه، فبعضهم أبطل الشرط، وصحح العقد، ومنهم من ألزم قائله الشرط، وجعل للآخر الخيار، والوجهان مرويان عن مالك. انتهى كلام القرطبيّ تَذْتُهُ(١). وقوله: (وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا) أي: في بيع ثمرها بخرصها من التمر، وقد تقدّم البحث فيها مستوفّى في بابها، فراجعه، تستفد. والحديث من أفراد المصنّف تَّفُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَُّ أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ: بَيْعُ السِّنِينَ هِيَ الْمُعَاوَمَةُ). رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أيوب)) هو: السَّختيانيّ. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ ... إلخ) ضمير أنه، و((يَذْكُر)) لإسماعيل ابن عُليّة . [تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب هذه ساقها النسائيّ ◌َّثُ في ((المجتبى)) (٢٩٦/٧): (١) («المفهم)) ٤/ ٤٠٣ - ٤٠٥. ٢٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع (٤٦٣٤) - أخبرنا عليّ بن حُجْر، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، وأخبرنا زياد بن أيوب، قال: حدّثنا ابن عُلَيَّة، قال: أنبأنا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نَهَى رسول الله وَّر عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، والثُّنْيا، ورَخَّصَ في العرايا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٨) - (بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدٍ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ لَّهَ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، وَعَنْ بَيْعِهَا السِّنِينَ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِیبَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرام الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الْحَنفيّ، أبو عليّ البصريّ صدوقٌ [٩] (ت٢٠٩) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٤٠/ ١٤٥١. ٣ - (رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ) بن أبي سارة المكيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٧] (بخ م د س) تقدم في ((الحج)) ١/ ٢٨٠٢. والباقيان ذُكرا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ ﴿يَا أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَلِ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) أي: أُجرتها، والمراد: الكراء الذي يؤدّي إلى النزاع؛ لجهالته، ٢٠٥ (١٨) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ - حديث رقم (٣٩٠٩) أو لاشتماله على شرط فاسد، على ما سيأتي البحث عنه مستوفّى في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. (وَ) نهى ◌َِّ أيضاً (عَنْ بَيْعِهَا) أي: بيع الأرض (السِّنِينَ) المراد منه بيع ما تحمله شجرة مخصوصة من الثمر إلى مدّة سنة، فأكثر، وبيع السنين هو المعاومة، كما سبق في الباب الماضي، وإنما نُهي عنه؛ لكونه غرراً؛ لأنه بيع ما لم يخلقه الله بعدُ(١). (وَ) نهى ◌ِّهِ أيضاً (عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ) أي: حتى يصلح للأكل، وهو بمعنى ما تقدّم: ((حتی یبدو صلاحه)). والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَخْذُ، وسيأتي تمام البحث فيه في الحديث الثالث - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْتُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٠٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاٌ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ مَطَرِ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَطَرِّ الْوَرَّاقُ) بن طَهْمان السلميّ مولاهم، أبو رجاء الْخُراسانيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ كثير الخطإ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] (ت١٢٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١. [فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف لمطر، مع أنه متكلّم فيه، ولا سيّما في عطاء؟ [قلت]: إنما أخرج له متابعةً، فلا يضرّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أبو الربيع)) هو: سليمان بن داود العتكي الزهرانيّ، و((أبو كامل)) هو: فضيل بن حسين الْجَحْدريّ. (١) راجع: ((جامع الأصول)) لابن الأثير ١/ ٤٨١. ٢٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع والحديث من أفراد المصنّف تَذَثُ، وقد مضى شرحه، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْلَتُ أوّل الكتاب قال: [٣٩١٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - لَقَبُهُ عَارِمٌ، وَهُوَ أَبُو التُّعْمَانِ السَّدُوسِيُّ - حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مَطَرُّ الْوَرَّاقُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ) لَقَبُهُ عَارِمٌ، أَبُو النُّعْمَانِ السَّدُوسِيُّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ تغيّر بآخره، من صغار [٩] (ت٣ أو ١٢٤) (ع) تقدم في ((الحج)) ٢٨/ ٣٠١٣. [تنبيه]: قوله: (لَقَبُهُ عَارٌِ) معنى العارم الشَّرِس الشُّرِّير، وهو من الأضداد، فإن محمد بن الفضل رجل صالح، بعيد من الشرّ، قال ابن الصلاح في ((معرفة علوم الحديث)): كان عارم عبداً صالحاً بعيداً من الحرام. انتهى. ٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت١٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٢٩٧/٤٧. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، وشرح الحديث يأتي بعده. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٣٩١١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مِقْلٌ - يَعْنِي ابْنَ زِبَادٍ - عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ لِرِجَالٍ(١) فُضُولُ أَرَضِينَ، مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ»). (١) وفي نسخة: ((الرجل)). ٢٠٧ (١٨) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ - حديث رقم (٣٩١١) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير الْقَنْطريّ، أبو صالح البغداديّ، ثقةٌ(١) [١٠] (ت٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦. ٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ) السَّكْسكيّ الدمشقيّ، نزيل بيروت، قيل: هِقْلٌ لقبٌ، واسمه محمد، أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقةٌ متقنٌ [٩] (ت١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٩٩/٤٤. ٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمر الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ إمام مشهور [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. والباقيان ذكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ عَطَاءٍ) وفي رواية ابن ماجه: عن الأوزاعيّ، حدّثني عطاء، سمعت جابراً (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﴿هَا أنه (قَالَ: كَانَ لِرِجَالٍ) وفي بعض النسخ: (الرجل)) بالإفراد (فُضُولُ أَرَضِينَ) ((فُضُول)) بضمّ الفاء: جمع فَضْل، كفَلْس وفُلُوس، والفضل بمعنى الزائد، يقال: خذ الفضل؛ أي: الزيادة، وقوله: ((أرضين)) - بفتحتين: جمع أرض بسكون الراء؛ أي: أراض فاضلة عن قدر ما يحتاجون إليه للزراعة، وقوله: (مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) بيان لـ((رجال))، وفي رواية للبخاريّ: ((كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف))، وللنسائيّ: ((كان لأناس فُضُول أرَضين، يُكرونها بالنصف، والثلت، والربع)) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ) شرطيّة (كَانَتْ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ) أي: أرض زائدة على حاجته (فَلْيَزْرَعْهَا) بفتح حرف المضارعة، من باب فتح، ثلاثيّاً؛ أي: ليقم بزراعتها بنفسه (أَوْ لِيَمْنَحْهَا) بفتح النون، وكسرها؛ أي: ليجعلها مَنِيحة؛ أي: عطيّةً، قال الفيّوميّ كَخْدُهُ: الْمِنْحة بالكسر في الأصل: الشاة، أو الناقة يُعطيها صاحبها رجلاً يشرب لبنها، ثمّ يردّها إذا انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومنحته مَنْحاً، من باب نفَعَ، وضَرَب: أعطيته، والاسم (١) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): صدوق، فتنبّه. ٢٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع الْمَنِيحة. انتهى(١). (أَخَاهُ) المراد به المسلم، وإن كان أجنبيّاً عنه، كما قال الله رَت: ﴿إِنََّا اٌلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، وقال ◌َّ: ((المسلم أخو المسلم ... )) الحديث (فَإِنْ أَبَى) أي: امتنع من زراعتها بنفسه؛ لعجزه، أو غير ذلك، وقيل: معناه: فإن أبى أخوه أن يقبل العارية. وفي رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء الآتية: ((فإن لم يستطع أن يزرعها، وعجز عنها، فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤاجرها إيّاه)» (فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ))) أي: فلا يمنحها، ولا يُكريها . وقد استُشكِل هذا بأن في إمساكها بغير زراعة تضييعاً لمنفعتها، فيكون من إضاعة المال، وقد ثبت النهي عنها . وأجيب بحمل النهي عن إضاعة عين المال، أو منفعة لا تُخْلَف؛ لأن الأرض إذا تُرِكت بغير زرع لم تتعطل منفعتها، فإنها قد تُنبت من الكلإ، والحطب، والحشيش ما ينفع في الرعي وغيره، وعلى تقدير أن لا يحصل ذلك، فقد يكون تأخير الزرع عن الأرض إصلاحاً لها، فتُخلف في السنة التي تليها ما لعله فات في سنة الترك، وهذا كله إن حُمِل النهي عن الكراء على عمومه، فأما لو حُمل الكراء على ما كان مألوفاً لهم من الكراء بجزء مما يخرج منها، ولا سيما إذا كان غير معلوم، فلا يستلزم ذلك تعطيل الانتفاع بها في الزراعة، بل يُكريها بالذهب، أو الفضة، كما تقرر ذلك، قاله في ((الفتح)) (٢). [تنبيه]: قد توسّع المصنّف تَخْلَثُ في هذا الباب بجمع أحاديث المزارعة، فأجاد، وأفاد، فذكر: حديث جابر ظُ: ((نَهَى رسول الله وَلهُ عن كراء الارض، وعن بيعها السنين، وعن بيع الثمر حتى يطيب))، وفي رواية: ((نهى عن كراء الأرض))، وفي رواية: ((من كانت له أرض، فليَزرَعها، فإن لم يزرعها، فليُزرِعها أخاه))، وفي رواية: ((من كانت له فضل أرض فليزرعها، أو ليَمنحها أخاه، فإن أبى فليُمسك أرضه))، وفي رواية: ((نهى رسول الله وَل في أن يؤخذ للأرض أجرٌ، أو حظّ))، وفي رواية: ((من كانت له أرض فليَزرعها، فإن (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٨٠. (٢) ((الفتح)) ٦/ ١٤٤. ٢٠٩ (١٨) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ - حديث رقم (٣٩١١) لم يستطع أن يزرعها، وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤاجرها إياه))، وفي رواية: ((من كانت له أرض فلْيَزْرَعها، أو لِيُزْرِعها أخاه، ولا يُكْرِها))، وفي رواية: (نَهَى عن المخابرة))، وفي رواية: ((من كان له فضل أرض، فلْيَزْرعها، أو ليُزرعها أخاه، ولا تبيعوها))، وفسّره الراوي بالكراء، وفي رواية: ((من كانت له أرض فلْيَزَرعها، أو فلْيُحْرِثها أخاه، وإلا فليدَعْها))، وفي رواية: ((كنا في زمان رسول الله لم نأخذ الأرض بالثلث، والربع بالماذيانات، فقام رسول الله ◌َ﴿ في ذلك، فقال: من كانت له أرض فليَزْرعها، فإن لم يَزْرَعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها))، وفي رواية: ((من كانت له أرض فليهبها، أو ليُعِرها))، وفي رواية: ((نَهَى رسول الله وَّهِ عن بيع الأرض البيضاء سنتين، أو ثلاثاً))، وفي رواية: ((نهى عن بيع السنين))، وفي رواية: ((من كانت له أرض، فليَزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليُمسك أرضه))، وفي رواية: ((سمع رسول الله وَلجه ينهَى عن المزابنة، والحقول، وفسّره جابر بكراء الأرض))، ومثله من رواية أبي سعيد الخدريّ ◌ُه، وفي رواية ابن عمر: ((كنا نَكري أرضنا، ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خَدِيج))، وفي رواية عنه: ((كنا لا نرى بالْخَبْر بأساً، حتى كان عام أول، فزعم رافع؛ أن نبيّ الله ◌َّ نَھَى عنه»، وفي رواية عن نافع؛ أن ابن عمر كان يُكري مزارعه على عهد النبيّ وَّر، وفي إمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدراً من خلافة معاوية، ثم بلغه آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يُحَدِّث فيها بنهي عن النبيّ ◌َِِّ، فدخل عليه، وأنا معه، فسأله، فقال: ((كان رسول الله وَلجه ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر)، وفي رواية، عن حنظلة بن قيس، قال: ((سألت رافع بن خَدِيج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبيّ ◌َله بما على الماذيانات، وأَقْبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيَهْلِك هذا، ويَسْلَم هذا، ويَسْلَم هذا، ويَهْلِك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زَجَر عنه، فأما شيء معلوم، مضمون، فلا بأس به». وفي رواية: ((كنا نُكْرِي الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أَخْرَجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورِق فلم ينهنا)). ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وفي رواية عن عبد الله بن مَعْقِل - بالعين المهملة، والقاف - قال: زعم ثابت - يعني ابن الضحاك - أن رسول الله رب * نَهَى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: لا بأس به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله (المسألة الثانية): في تخريجه: ها هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٠٨/١٨ و٣٩٠٩ و٣٩١٠ و٣٩١١ و٣٩١٢ و ٣٩١٣ و٣٩١٤ و٣٩١٥ و٣٩١٦ و٣٩١٧ و٣٩١٨ و٣٩١٩ و٣٩٢٠ و٣٩٢١ و٣٩٢٢ و٣٩٢٣] (١٥٣٦)، و(البخاريّ) في ((الحرث والمزارعة)) (٢٣٤٠) و((الهبة)) (٢٦٣٢)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٣٨٩)، و(النسائيّ) في ((المزارعة)) (٣٦/٧ و٣٧) و((الكبرى)) (٩٠/٣ و٩٣ و٩٥ و١٠٠ و١٠١ و١٠٢ و١٠٣ و١٠٤ و١٠٦)، و(ابن ماجه) في ((الرهون)) (٢٤٥٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٩٦٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦٩/٤) وفي ((مسنده)) (١/ ٧٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٤/١ و١١/٢ و٤٦٣/٣ و٤٦٥ و٤ /١٤٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥١٤٨ و٥١٨٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٣٠٩) و(«الأوسط)) (١٩٢/٦)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٢٠/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٠٣٥)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣٦/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦/ ١٣٠) و((الصغرى)) (٤٢٨/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(١): ١ - (منها): بيان النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع، وسيأتي اختلاف العلماء في المراد بالنهي المذكور في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): جواز حراثة الأرض، وزراعتها؛ بل ورد فيه من الفضل ما أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)) من حديث أنس بن مالك ظته، قال: قال (١) المراد فوائد أحاديث الباب كلها، كما أوردته في التنبيه الماضي، فتنبّه. ٢١١ (١٨) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ - حديث رقم (٣٩١١) رسول الله وَله: ((ما من مسلم، يَغرِس غَرْساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمةٌ، إلا كان له به صدقة)). وأما الحديث الوارد في الذمّ وهو ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من حديث أبي أمامة الباهليّ حُه، قال - ورأى سِكَّةً، وشيئاً من آلة الحرث - فقال: سمعت النبيّ وَل﴾، يقول: ((لا يدخل هذا بيتَ قوم، إلا أدخله الله الذُّلُّ)، وفي رواية أبي نعيم في ((المستخرج)): ((إلا أدخلوا على أنفسهم ذُلّاً، لا يَخرُج عنهم إلى يوم القيامة)). فمحمول على ما إذا شغله ذلك عن الجهاد في سبيل الله تعالى، والقيام بالواجبات، ولذلك قال الإمام البخاريّ كَُّ في ترجمته لهذا الحديث - بعد ذكر ((باب فضل الزرع والغرس)) - ما نصّه: ((باب ما يُحذّر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحدّ الذي أُمر به)). انتهى. ٣ - (ومنها): الحثّ على الإحسان بمنح الأرض لمن يحتاج إلى زراعتها، وقد عَمِل بهذا الصحابة ﴿ه، كما ترجم البخاريّ نَّثُ في ((صحيحه)) بقوله: ((باب ما كان من أصحاب النبيّ وَّ﴿ يُواسي بعضهم بعضاً في الزراعة والثمر))، ثم أورد حديث رافع بن خديج ◌ُه من طريق أبي النجاشيّ، عن رافع، عن عمه ظهير بن رافع ظُبه الآتي قريباً - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): حرص الشارع على الحثّ على التراحم، والتعاطف، وعدم طلب المقابل على الإحسان، والترغيب إلى ما فيه جلب المودّة والمحبّة، والترهيب عمّا يورث الشحناء، والبغضاء، والحقد، والحسد؛ فإن هذا هو سبب النهي عن المزارعة، كما بُيّن ذلك في بعض طرق حديث رافع ﴿ته، كما سيأتي للمصنّف عن حنظلة بن قيس الأنصاري، قال: سألت رافع بن خديج، عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبيّ وَّهِ، على الْمَاذْيَانَاتِ، وأَقْبَال الجداول، وأشياء من الزرع، فيَهْلِك هذا، ويَسلَم هذا، ويَسْلَم هذا، ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم، مضمون، فلا بأس به. ٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﴿ّ من كمال إيمانهم، وتقديمهم أمر الشارع على هوى أنفسهم، وثقتهم بأن كلّ الخير مضمون فيما أمر الله تَان به، ٢١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع :2 لا فيما يبدو لهم، ويظنّون الخيريّة فيه، فقد قال هذا الصحابيّ الجليل ((نهانا رسول الله وَال عن أمر كان لنا نافعاً، وطواعية الله، ورسوله ◌َّيقر أنفع لنا))، فبيّن أن النفع الظاهر للنفس لا يُعتمد عليه، بل الاعتماد على ما شرعه الله تعالى، فإن الخير كله مضمون فيه، وهذا هو واجب كلّ مسلم إذا سمع نهي الشارع أن يقول: سمعاً وطاعةً الله ﴿ ولرسوله وَّه، ويعتقد أن الخير كلّه في ذلك، وإن كان يظهر له بادىء ذي بدء أنَّ ما نَهَى عنه كان نافعاً له، ورافقاً به، فإن الله ◌َو أعلم بمصالح عباده منهم لأنفسهم، كما قال ◌َت: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمُّ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا [البقرة: ٢١٦]، والله تعالى أعلم وَهُوَ شَرِّ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المزارعة: قال النوويّ تَخْلُّ: اختَلَف العلماء في كراء الأرض، فقال طاوس، والحسن البصريّ: لا يجوز بكلّ حال، سواء أكراها بطعام، أو ذهب، أو فضة، أو بجزء من زرعها؛ لإطلاق حديث النهيّ عن كراء الأرض. وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وكثيرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وبالطعام والثياب، وسائر الأشياء، سواء كان من جنس ما يُزرَع فيها أم من غيره، ولكن لا تجوز إجارتها بجزء ما يَخرُج منها؛ كالثلث، والربع، وهي المخابرة، ولا يجوز أيضاً أن يشترط له زرع قطعة معينة. وقال ربيعة: يجوز بالذهب والفضة فقط. وقال مالك: يجوز بالذهب والفضة وغيرهما، إلا الطعام. وقال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وجماعة من المالكية، وآخرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما، وبهذا قال ابن شُريح(١)، وابن خزيمة، والخطابيّ، وغيرهم من محققي الشافعيّة، وهو الراجح المختار، وسنوضحه في باب المساقاة - إن شاء الله تعالى -. (١) هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من ابن سُريج، بالسين المهملة، والجيم، فليُحرّر. ٢١٣ (١٨) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ - حديث رقم (٣٩١١) فأما طاوس والحسن، فقد ذكرنا حجتهما، وأما الشافعيّ، وموافقوه، فاعتمدوا بصريح رواية رافع بن خَدِيج، وثابت بن الضحاك السابقين، في جواز الإجارة بالذهب والفضة، ونحوهما، وتأولوا أحاديث النهي تأويلين: [أحدهما]: حملها على إجارتها بما على الماذيانات، أو بزرع قطعة معينة، أو بالثلث والربع، ونحو ذلك، كما فسّره الرواة في هذه الأحاديث التي ذكرناها . [والثاني]: حملها على كراهة التنزيه، والإرشاد إلى إعارتها، كما نَهَى عن بيع الغرر نَهي تنزيه (١)، بل يتواهبونه، ونحو ذلك، وهذان التأويلان لا بُدّ منهما، أو من أحدهما للجمع بين الأحاديث، وقد أشار إلى هذا التأويل الثاني البخاريّ وغيره، ومعناه عن ابن عباس ﴿يا. انتهى كلام النوويّ كَُّ(٢). وقال ابن قدامة تَخْتُ: المزارعة جائزة في قول كثير من أهل العلم، قال البخاريّ: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت إلا ويزرعون على الثلث والربع، وزارع عليّ، وسعد، وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عليّ، وابن سيرين. وممن رأى ذلك سعيد بن المسيّب، وطاوسٌ، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهريّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه، وأبو يوسف، ومحمد، وروي ذلك عن معاذ، والحسن، وعبد الرحمن بن يزيد، قال البخاريّ: وعامَل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر، فلهم كذا . وكرهها عكرمة، ومجاهد، والنخعيّ، وأبو حنيفة. ورُوي عن ابن عبّاس الأمران جميعاً . وأجازها الشافعيّ في الأرض بين النخيل، إذا كان بياض الأرض أقلّ، فإن كان أكثر فعلى وجهين، ومنعها في الأرض البيضاء؛ لما رَوَى رافع بن بـ (١) قوله في بيع الغرر: ((نهي تنزيه)) فيه نظر، بل الصواب أنه نهي تحريم، كما مضى في محلّه، فتنبّه. (٢) (شرح النوويّ)) ١٩٨/١٠ - ١٩٩. ٢١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع خديج ربه، قال: كنّا نُخابر على عهد رسول الله وص لته، فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نَهَى رسول الله وَ ﴿ عن أمر كان لنا نافعاً، وطواعية الله، ورسوله ولو أنفع لنا، قلنا: ما ذاك؟ قال: قال رسول الله وَله: ((من كانت له أرضٌ، فَلَيَزِرَعها، ولا يُكريها بثلث، ولا بربع، ولا بطعام مسمّى))، وعن ابن عمر ◌ًا قال: ما كنّا نرى بالمزارعة بأساً حتى سمعت رافع بن خديج يقول: نَهَى رسول الله وَّه عنها. وقال جابر نَّهُ: نَهَى رسول الله وَّهو عن المخابرة. وهذه كلها أحاديث صحاح متّفقٌ عليها، والمخابرة: المزارعة، واشتقاقها من الْخَبَار، وهي الأرض الليّنة، والْخَبِير: الأَكّار، وقيل: المخابرة: معاملة أهل خيبر، وقد جاء حديث جابر ظبه مفسّراً، فروى البخاريّ بإسناده عن جابر به قال: كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف، فقال النبيّ وَلّ: ((من كانت له أرضٌ، فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن لم يفعل، فليُمسك أرضه)). ورُوي تفسيرها عن زيد بن ثابت ﴿ه، فقد رَوَی أبو داود بإسناده عن زيد به قال: نَهَى رسول الله وَل﴿ عن المخابرة، قلت: وما المخابرة؟ قال: أن يأخذ الأرض بنصف، أو ثلث، أو ربع. واحتجّ الأولون بما روى ابن عمر رضيها، قال: إن رسول الله وَ له عامل أهل خيبر بشطر ما يخرُج منها، من زرع، أو ثمر. متّفقٌ عليه، وقد رُوي ذلك عن ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله وقال أبو جعفر(١): عامَل رسول الله وَ ﴿ أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، وعثمان، وعليّ ﴿ه، ثم أهلوهم إلى اليوم، يُعْطُون الثلث، والربع، وهذا أمر صحيحٌ، مشهور، عَمِل به رسول الله وَّ﴿ حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعده. فَرَوَى البخاريّ عن ابن عمر أن النبيّ وَِّ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرُجُ منها، من زرعٍ، أو ثمرٍ، فكان يُعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقاً تمراً، وعشرون وسقاً شعيراً، فَقَسَم عمر ◌َُّه خيبر، فخيّر أزواج النبيّ وَطِّ أن يَقطع لهنّ من الأرض والماء، أو يُمضي لهنّ الأوسق، فمنهنّ من اختار الأرض، (١) الظاهر أنه ابن جرير الطبريّ، والله تعالى أعلم. ٢١٥ (١٨) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ - حديث رقم (٣٩١١) ومنهنّ من اختار الأوسق، فكانت عائشة ◌َّا اختارت الأرض. ومثل هذا لا يجوز أن يُنسَخ؛ لأن النسخ إنما يكون في حياة رسول الله وَ﴿، فأما شيءٌ عَمِل به إلى أن مات، ثم عَمِل به خلفاؤه بعده، وأجمعت الصحابة﴿ه، وعَمِلوا به، ولم يُخالف فيه منهم أحد، فكيف يجوز نسخه، ومتى كان نسخه؟ فإن كان نُسخ في حياة رسول الله وَّهِ، فكيف عُمل به بعد نسخه؟ وكيف خَفِي نسخه؟ فلم يبلغ خلفاءه، مع اشتهار قصّة خيبر، وعَمَلهم فيها؟ فأين كان رواي النسخ حتى لم يذكروه، ولم يخبرهم به؟ فأما ما احتجّ به المانعون، فالجواب عن حديث رافع بن خديج رائه من أربعة أوجه: [أحدها]: أنه قد فُسّر المنهيّ عنه في حديثه بما لا يُختَلَفُ في فساده، فإنه قال: كنّا أكثر الأنصار حَقْلاً، فكنّا نُكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربّما أخرجت هذه، ولم تُخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالذهب والورق، فلم ينهنا. متّفقٌ عليه. وفي لفظ: فأما بشيء معلوم، مضمون، فلا بأس. وهذا خارجٌ عن محلّ الخلاف، فلا دليل فيه عليه، ولا تعارض بين الحدیثین . [الثاني]: أن خبره ورد في الكراء بثلث، أو ربع، والنزاع في المزارعة، ولم يدلّ حديثه عليها أصلاً، وحديثه الذي في المزارعة يُحمَل على الكراء أيضاً؛ لأن القصّة واحدةٌ، رُويت بألفاظ مختلفة، فيجب تفسير أحد اللفظين بما يوافق الآخر. مضطربة جدّاً، مختلفة اختلافاً كثيراً، [الثالث]: أن أحاديث رافع يوجب ترك العمل بها لو انفردت، فكيف يُقدّم على مثل حديثنا؟ قال الإمام أحمد: حديث رافع ألوان. وقال أيضاً: حديث رافع ضُرُوبٌ. وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدلّ على أن النهي كان لذلك، منها : الذي ذكرناه، ومنها: خَمْسٌ أخرى، وقد أنكره فقيهان من فقهاء الصحابة: زيد بن ثابت، وابن عبّاس ﴿ه، قال زيد بن ثابت: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبيُّ ◌َّ﴿ رجلين قد اقتتلا، فقال: ((إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع)). رواه أبو داود، والأثرم. ٢١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وروى البخاريّ، عن عمرو بن دينار، قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبيّ وَّ نهى عنها، قال: إن أعلمهم - يعني ابن عبّاس - أخبرني أن النبيّ وَّ لم يَنْهَ عنها، ولكن قال: ((أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خَراجاً معلوماً)). ثم إن أحاديث رافع ◌ُه منها ما يُخالف الإجماع، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق، ومنها ما لا يُختَلَف في فساده، كما بيّنّاه، وتارةً يُحدّث عن بعض عمومته، وتارة عن سماعه، وتارة عن ظُهير بن رافع ظُه، وإذا كانت أخبار رافع هكذا، وجب اطّراحها، واستعمال الأخبار الواردة في شأن خيبر الجارية مجرى التواتر التي لا اختلاف فيها، وبها عمل الخلفاء الراشدون، وغيرهم، فلا معنى لتركها بمثل هذه الأحاديث الواهية. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((الأحاديث الواهية)) فيه نظر لا يخفى، فكيف تكون واهية، وقد أخرجها الشيخان في ((صحيحيهما))، واعتمدا عليها؟ بل الصواب أنها صحيحة، ويجب تأويلها بما لا يتنافى مع حديث شأن خيبر، وذلك هو التأويل الأول في كلام ابن قُدامة، وغير ذلك مما سنبيّنه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم. قال: [الجواب الرابع]: أنه لو قُدّر صحّة خبر رافع(١)، وامتنع تأويله، وتعذّر الجمع، لوجب حمله على أنه منسوخ؛ لأنه لا بدّ من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل القول بنسخ حديث خيبر؛ لكونه معمولاً به من جهة النبيّ وَّه إلى حين موته، ثم من بعده إلى عصر التابعين، فمتى كان نسخه؟ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى النسخ هنا غير صحيحة؛ لأن النسخ لا يُصار إليه إلا عند تعذّر العمل بالنصّين، وهنا لا يتعذّر، بل يُحْمَل على أحد المحامل التي ذكرها هو أو غيره، كما فعل هو هنا في حديث جابر، حيث قال: وزید بن ثابت (١) هذه عبارة سخيفة، كيف يقال: لو قُدّر إلخ مع كونه هو الواقع حقيقةً، لا تقديراً؟ فقد أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما))، واعتدّاه، فيا للعجب لمثل هذا !!! إن هذا لهو العجب العجاب !!!. ٢١٧ (١٨) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ - حديث رقم (٣٩١١) وأما حديث جابر نظُّه في النهي عن المخابرة، فيجب حمله على أحد الوجوه التي حُمل عليها خبر رافع، فإنه قد روى حديث خيبر أيضاً، فيجب الجمع بين حديثيه مهما أمكن، ثم لو حُمل على المزارعة لكان منسوخاً بقصّة خيبر؛ لاستحالة نسخها، كما ذكرنا، وكذلك القول في حديث زيد بن ثابت قال: فإن قال أصحاب الشافعيّ: تُحمَل أحاديثكم على الأرض التي بين النخيل، وأحاديث النهي على الأرض البيضاء؛ جمعاً بينهما. قلنا: هذا بعيدٌ لوجوه خمسة: [أحدها]: أنه يبعُدُ أن تكون بلدةٌ كبيرةٌ يأتي منها أربعون ألف وسق، ليس فيها أرض بيضاء، ويبعد أن يكون قد عامَلهم على بعض الأرض دون بعض، فينقل الرواة كلهم القصّة على العموم من غير تفصيل، مع الحاجة إليه. [الثاني]: أن ما يذكرونه من التأويل لا دليل عليه، وما ذكرناه دلّ عليه بعض الروايات، وفسّره الراوي له بما ذكرناه، وليس معهم سوى الجمع بين الأحاديث، والجمع بينهما بحمل بعضها على ما فسّره راويه به أولى من التحگم بما لا دليل عليه. [الثالث]: أن قولهم يُفضي إلى تقييد كلّ واحد من الحديثين، وما ذكرناه حملٌ لأحدهما وحده. [الرابع]: أن فيما ذكرناه موافقةَ عمل الخلفاء الراشدين، وأهليهم، وفقهاء الصحابة، وهم أعلم بحديث رسول الله وَلقر، وسنّته، ومعانيها، وهو أولى من قول من خالفهم. [الخامس]: أن ما ذهبنا إليه مُجمَعٌ عليه، فإن أبا جعفر (١) روى ذلك عن أهل كلّ بيت بالمدينة، وعن الخلفاء الأربعة، وأهليهم، وفقهاء الصحابة، واستمرار ذلك، وهذا مما لا يجوز خفاؤه، ولم يُنكره من الصحابة منكِرٌ، فكان إجماعاً، وما رُوي في مخالفته، فقد بيّا فساده، فيكون هذا إجماعاً من الصحابة ، لا يسوغ لأحد خلافه. (١) تقدّم أن الظاهر أنه الطبري، والله أعلم. ٢١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع والقياس يقتضيه، فإن الأرض عينٌ تُنمّى بالعمل فيها، فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها؛ كالأثمان في المضاربة، والنخل في المساقاة، أو نقول: أرضٌ، فجازت المزارعة عليها؛ كالأرض بين النخيل، ولأن الحاجة داعيةٌ إلى المزارعة؛ لأن أصحاب الأرض قد لا يقدرون على زرعها، والعمل عليها، والأكَّرَةُ يحتاجون إلى الزرع، ولا أَرْضَ لهم، فاقتضت حكمة الشرع جواز المزارعة، كما قلنا في المضاربة، والمساقاة، بل الحاجة ههنا آكد؛ لأن الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره؛ لكونه مُقتاتاً، ولكون الأرض لا يُنتفع بها إلا بالعمل عليها، بخلاف المال، ويدلّ على ذلك قول راوي حديثهم: نهانا رسول الله ﴿ عن أمر كان لنا نافعاً، والشارع لا ينهى عن المنافع، وإنما ينهى عن المضارّ والمفاسد، فدلّ على غلط الراوي في النهي عنه، وحصول المنفعة فيما ظنّه منهيّاً عنه. انتهى كلام ابن قُدامة كَّفُهُ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن قدامة كَذَتُهُ تحقيقٌ نفيسٌ، غير محاولته تضعيف حديث رافع بن خديج ظُه، فإنه غير مقبول، فإن الحديث صحيح، وقد اتفق الشيخان على تخريجه، والجمع بينه وبين حديث قصّة خيبر ممكنٌ، كما سبق في كلامه هو، فكيف يضعّفه؟ والحقّ أن الحديث صحيح، وأنه لا يعارض الحديث المذكور، كما قاله الحذّاق العارفون بعلل الأحاديث، وفقهها، فمن تأمّله، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مُجمَلها على مفسّرها، ومطلقها على مقيّدها على أن الذي نَهَى عنه النبيّ وَّ في حديثه كان أمراً بيّن الفساد، وهي: المزارعة الظالمة الجائرة، فإنه ظبه قال: ((كنا نُكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربّما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه))، وفي لفظ: ((كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله وَ وبما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع»، وقال أيضاً: ((ولم يكن لهم كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، وأما بشيء معلوم، مضمون، فلا بأس))، فهذا، وما أشبهه من حديثه من أبين ما فيه، وأصحّه، وأصرح ما فسّر به ما أجمله، أو أطلقه، أو اختصره في سائر رواياته، فالواجب أن تُحْمَلَ تلك المجملاتُ على المفسّر المبيّن، المتّفق عليه لفظاً، وحكماً. ٢١٩ (١٨) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ - حديث رقم (٣٩١١) قال الإمام ابن المنذر ◌َّثُ: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدلّ على أن النهي كان لتلك العلل. وقال الإمام الليث بن سعد كَّتُهُ: الذي نَهَى عنه رسول الله وَّهِ أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام عَلِمَ أنه لا يجوز. وأيضاً فقد وقع في حديث جابر څ نحو ما وقع في حديث رافع، لكن الجواب هو الجواب المذكور، فقد وقع في بعض طرقه: ((أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القِصْرِيّ، ومن كذا، ومن كذا، فقال ◌َّ: من كان له أرض، فليَزْرَعها، أو ليمنعها أخاه))، فهذا مفسّر مبيّن ذُكر فيه سبب النهي، وأُطلق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيّد المبيّن، وأن المراد بالنهي هو هذا النوع. وقال الإمام البيهقيّ دَّثُ في ((السنن الكبرى)): ((باب من أباح المزارعة بجزء معلوم مشاع، وحمل النهي عنها على التنزيه، أو على ما لو تضمّن العقد شرطاً فاسداً))، ثم أورد الأحاديث، وأورد إنكار ابن عبّاس، وزيد بن ثابت على رافع بن خَدِيج، حيث قال ابن عبّاس ﴾: ((إن رسول الله وَّه لم يُحرّم المزارعة، ولكن أمر أن يرفُق الناس بعضهم من بعض)). وقال زيد بن ثابت ه: يغفر الله لرافع بن خَدِيج، أنا والله كنت أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان من الأنصار إلى رسول الله وَ﴿، قد اقْتَتَلا، فقال: ((إن كان هذا شأنَكم، فلا تُكروا المزارع))، فسمع قوله: ((لا تُكروا المزارع)). كأنهما أنكرا - والله قال البيهقيّ نّهُ: زید بن ثابت، وابن عبّاس أعلم - إطلاق النهي عن كراء المزارع، وعَنَى ابن عبّاس بما لم يُنه عنه من ذلك: كراءها بالذهب والفضّة، وبما لا غرر فيه، وقد قيّد بعض الرواة عن رافع الأنواع التي وقع النهي عنها، وبيّن عّة النهي، وهي ما يُخشى على الزرع من الهلاك، وذلك غرر في العوض، يوجب فساد العقد، قال: وقد روينا عن زيد بن ثابت ما يوافق رواية رافع بن خَديج وغيره، فدلّ أن ما أنكره غير ما أثبته، والله أعلم. قال: ومن العلماء من حمل أخبار النهي على ما لو وقعت بشروط ٢٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع فاسدة، نحو شرط الجداول، والماذْيَانات، وهي الأنهار، وهي ما كان يشترط على الزارع أن يزرعه على هذه الأنهار خاصّة لربّ المال، ونحو شرط القصارة، وهي ما بقي من الحبّ في السنبل بعدما يداس، ويقال: القِصْرِيّ، ونحو شرط ما يسقي الربيع، وهو النهر الصغير، فكانت هذه، وما أشبهها شروطاً شرطها ربّ المال لنفسه خاصّةً، سوى الشرط على النصف، والربع، والثلث، فيرى أن نهي النبيّ ◌َ ﴿ عن المزارعة إنما كان لهذه الشروط؛ لأنها مجهولة، فإذا كانت الحصص معلومةً، نحو النصف، والثلث، والربع، وكانت الشروط الفاسدة معدومةً، كانت المزارعة جائزة، وإلى هذه ذهب أحمد بن حنبل، وأبو عُبيد، ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وغيرهم من أهل الحديث، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من أصحاب الرأي - رحمهم الله تعالى - والأحاديث التي مضت في معاملة النبيّ وَّ ر أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر، أو زرع دليلٌ لهم في هذه المسألة. وقال أيضاً: ومن ذهب إلى هذا زعم أن الأخبار التي ورد النهي فيها عن كرائها بالنصف، أو الثلث، أو الربع إنما هو لِمَا كانوا يُلحقون به من الشروط الفاسدة، فقصّر بعض الرواة بذكرها، وقد ذكرها بعضهم، والنهي يتعلّق بها دون غيرها. انتهى المقصود من كلام البيهقيّ تَذُّهُ(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد البيهقيّ كَّثُ، وأفاد في كلامه المذكور. والحاصل أن المزارعة جائزة، إلا ما كان فيها العوض مجهولاً، أو دخلت فيه الشروط الفاسدة، على ما فُصّل آنفاً . فبهذا تتفق السنن المأثورة عن رسول الله وَ ال#ه، وتتآلف، ويزول عنها الاضطراب المتوهّم، والاختلاف الذي يظهر في بادىء الرأي، ويظهر أن لكلّ منها وجهاً صحيحاً، ومَرَدّاً مَلِيحاً، وأن ما نَهَى عنه النبيّ ◌َّ ه غير ما أباحه وفعله، وفعله أيضاً خلفاؤه الراشدون، وصحابته الأكرمون ﴿، وهذا هو (١) راجع: ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ ١٣٣/٦ - ١٣٦.