Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
(١٣) - بَابُ النَّهْيٍ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا - حديث رقم (٣٨٦٥)
وأخبرناه أبو بكر الْبَرْقانيّ، قال: قرأت على أبي بكر أحمد بن إبراهيم
الإسماعيليّ: أخبركم محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو موسى محمد بن
المثنى، قال: حدّثني محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عبد الله بن دينار، قال:
سمعت ابن عمر يقول - وفي حديث الْبَرْقانيّ - عن ابن عمر قال: نَهَى
رسول الله ◌َ عن بيع الثمرة، أو النخل، وقال البرقانيّ: الثمرة والنخل، حتى
يبدو صلاحه، فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته. انتهى(١).
والمراد بالعاهة: الآفة التي تصيب الزرع، أو الثمر، ونحوه، فتفسده،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٥] (١٥٣٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ،
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى - أَوْ نَهَانَا - رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسب لجدّه،
التميميّ الْيَربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧)
وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
٢ - (زُهَيْرٌ) هو أَبُو خَيْئَمة المذكور في السند الأول، وهو: زهير بن
معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو ٣ أو
١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
و((یحی)) ذُكر قبله، والباقيان ذُكرا قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَّثُهُ، وهو
(٢٥٤) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه آخر]: قال النوويّ تَخّلُهُ: قوله في هذا الإسناد أوّلاً: ((عن جابر))
كان ينبغي له على مقتضى عادته، وقاعدته، وقاعدة غيره حذفه في الطريق
(١) ((الفصل للوصل المدرج)) ١١٧/١ - ١١٨.

١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
الأوّل، ويقتصر على أبي الزبير؛ لحصول الغرض به، لكنه أراد زيادة البيان
والإيضاح، وقد سبق بيان مثل هذا غير مرة. انتهى(١).
وقوله: (((أَوْ نَهَانَا) ((أو)) للشكّ من الراوي.
وقوله: (حَتَّى يَطِيب) أي: يصلح للأكل، فهو بمعنى قوله في رواية
عمرو بن دينار التالية: ((حتى يبدو صلاحه))، وقوله في حديث ابن عبّاس
الآتي: ((حتی یأکل منه)).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظه
(المسألة الثانية): في تخريجه:
به هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٦٥/١٣ و٣٨٦٦] (١٥٣٦)، و(البخاريّ) في
((الزكاة)) (١٤٨٧) و((البيوع)) (٢١٩٦) و((المساقاة)) (٢٣٨١)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (١٤٩/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٢/٣ و٣٢٣ و٣٩٥)، و(أبو
يعلى) في («مسنده)) (١٢٣/٤)، و(ابن الجعد) في («مسنده)) (٣٨٧/١)، و(أبو
عوانة) في («مسنده)) (٢٨٩/٣ و٣٠٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٩/٥)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم (ح)
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا رَوْحُ، قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاهُ بْنُ
إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بَّنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: نَهَى
رَسُولُ اللهِّهِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ، يلقّب أبا الْجَوْزاء،
ثقةٌ [١١] (ت٢٤٦) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٩/١٠ - ١٨٠.

(١٣) - بَابُ النَّهْيٍ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا - حديث رقم (٣٨٦٦)
١٠٣
٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مَخْلَد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٩] (ت١١٢) (ع) تقدَّم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما
وَهِمَ [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١.
٤ - (رَوْحُ) بن عُبادة القيسيّ، تقدّم قريباً.
٥ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٣٠/٧.
٦ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
و «جابر څ)) ذُكر قبله.
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) ضمير ((قالا)) يعود إلى أبي
عاصم النبيل، ورَوح بن عُبادة.
[تنبيه]: وقع في شرح النوويّ ما لفظه: ((حدّثنا رَوْح، قال: أنبأنا
زكريا بن إسحاق ... إلخ)) بإفراد ((قال))، فقال النوويّ: هكذا يوجد في النسخ
هذا وأمثاله، فينبغي أن يقرأ القارئ بعد روح: قالا: حدّثنا زكريا؛ لأن أبا
عاصم ورَوحاً يرويان عن زكريا، فلو قال القارئ: قال: أنبأنا زكريا كان خطأً؛
لأنه يكون محدِّثاً عن روح وحده، وتاركاً لطريق أبي عاصم، ومثل هذا مما
يُغْفَل عنه، فنبّهت عليه؛ لِيُتَفَطَّن لأشباهه، وينبغي أن يُكتَب هذا في الكتاب،
فيقال: قالا: حدّثنا زكريا، وإن كانوا يحذفون لفظة ((قال)) إذا كان المحدِّث عنه
واحداً؛ لأنه لا يُلْبِس، بخلاف هذا.
فإن قال قائل: يجوز أن يقال هنا: قال: حدّثنا زكريا، ويكون المراد:
قال روح، ويدلّ عليه أنه قال: واللفظ له.
قلنا: هذا مُحْتَمِلٌ، ولكن الظاهر المختار ما ذكرناه أوّلاً؛ لأنه أكثر
فائدةً؛ لئلا يكون تاركاً لرواية أبي عاصم، والله أعلم. انتهى كلام
النوويّ كَذَّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٠/١٠.

١٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كََّفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٧] (١٥٣٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ
ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ
مِنْهُ، أَوْ يُؤْكَلَ، وَحَتَّى يُوزَنَ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا يُوزَنُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْزَرَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله
الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابد، رُمي بالإرجاء [٥] (ت١١٨) (ع) تقدم في
«الإيمان)) ٤٥٢/٨٥.
٣ - (أَبُو الْبَخْتَرِيِّ) - بفتح الموحّدة، والمثنّة، بينهما خاء معجمة ساكنة -
سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، فيه تشيّع
قليلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت٨٣) (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٥٢٩/٦.
[تنبيه]: قال النوويّ كَُّ في ((شرحه)): قوله: ((عن أبي البختريّ)) هو
بفتح الباء الموحدة، وإسكان الخاء المعجمة، وفتح التاء المثناة فوقُ، واسمه
سعيد بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، ويقال: ابن فَيْرُوز الكوفيّ الطائيّ
مولاهم، قال هلال بن حَبَّان - بالمهملة، وبالموحدة -: كان من أفاضل أهل
الكوفة، وقال حبيب بن أبي ثابت: الامام الجليل، اجتَمَعْتُ أنا وسعيد بن
جبير، وأبو البختريّ، وكان أبو البختريّ أعلمَنَا، وأفقهنا، قُتِل بالجماجم سنة
ثلاث وثمانين، وقال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقةٌ، وإنما ذكرت ما
ذكرتُ فيه؛ لأن الحاكم أبا أحمد قال في كتابه ((الأسماء والكنى)): إن أبا
البختريّ هذا ليس قويّاً عندهم، ولا يُقبَل قول الحاكم؛ لأنه جرح غير مفسَّر،
والجرح إذا لم يُفَسَّر لا يُقبَل، وقد نَصَّ جماعات على أنه ثقة، وقد سبق بيان

(١٣) - بَابُ التَّهْىِ عَنْ بَيْعِ الثّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا - حديث رقم (٣٨٦٧)
١٠٥
هذه القاعدة في أول الكتاب. انتهى كلام النوويّ كَّتُهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ،
والله أعلم.
٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﴿يَا المتوفّى سنة (٦٨) (ع) تقدّم
في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي.
وقوله: (عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ) المراد بيع ثمر النحل، لا عينه؛ لأنّ بيع عين
النخل جائز، ولو لم يظهر فيه ثمر.
[تنبيه]: قال الفيّوميّ ◌َّهُ: ((النخل)): اسم جمع، الواحدة نخلةٌ، وكلُّ
جَمْع بينه وبين واحده الهاء قال ابن السِّكِّيت: فأهل الحجاز يؤنّثون أكثره،
فيقولون: هي التمر، وهي البُرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد وتميم
يُذَكِّرون، فيقولون: نخلٌ كريمٌ، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿فَخْلٍ مُنْفَعِرٍ﴾
[القمر: ٢٠]، و﴿فَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما النخيل بالياء فمؤنّثة، قال أبو
حاتم: لا اختلاف في ذلك. انتهى(٢).
وقوله: (حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ، أَوْ يُؤْكَلَ ... إلخ) (أو)) للشكّ من الراوي، هل
قال: ((يأكل)) بالبناء للفاعل، أو قال: ((يؤكل)) بالبناء للمفعول، والفاعل في
الأول ضمير يعود إلى صاحبه، والنائب في الثاني الجارّ والمجرور.
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((يأكل، أو يؤكل)) معناه: حتى يصلح لأن
يؤكل في الجملة، وليس المراد كمال أكله، بل ما ذكرناه، وذلك يكون عند
بُدُوّ الصلاح.
قال: وأما تفسيره ((يوزَنُ)) بـ «يُحْزَر))، فظاهرٌ؛ لأن الْحَزْرَ طريق إلى معرفة
قدره، وكذا الوزن.
وقوله: (وَحَتَّى يُوزَنَ) بالبناء للمفعول.
وقوله: (قَالَ: فَقُلْتُ: مَا يُوزَنُ؟) فاعل ((قال)) ضمير أبي البَخْتريّ، كما لا
يخفى على من تأمله، فلا وجه لقول الحافظ تَّقُ(٣): لم أقف على اسمه، فتنبّه.
(١) ((شرح النوويّ) ١٨٠/١٠ - ١٨١.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٦/ ١١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٩٦/٢ - ٥٩٧.

١٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه.
وقوله: (حتى يُحْزَر) هو بتقديم الزاي على الراء؛ أي: يُخْرَص، ووقع
في بعض الأصول بتقديم الراء، وهو تصحيف، وإن كان يمكن تأويله لو صحّ.
قاله النوويّ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي وقع في بعض الأصول بلفظ ((يُحرز))
بتقديم الراء، وادّعى النوويّ تبعاً لعياض تصحيفه هو الذي وقع في معظم نسخ
(صحيح البخاريّ))، قال الحافظ تَُّهُ: وقوله: ((حتى يُحْرِز)) بتقديم الراء على
الزاي؛ أي: يُحْفَظَ ويُصان، وفي رواية الكشميهنيّ بتقديم الزاي على الراء؛
أي: يوزن، أو يُخْرَص، وفائدة ذلك معرفة كمية حقوق الفقراء قبل أن يَتصَرَّف
فيه المالك، وصَوَّب عياض الأول، ولكن الثاني أليق بذكر الوزن، قال: ورأيته
في رواية النسفيّ: ((حتى يُحَرَّر)) براءين الأولى ثقيلة، ولكنه رواه بالشك.
.(١)
.
انتھی
وقال العينيّ ◌َُّ: الخرص، والأكل، والوزن كلها كنايات عن ظهور
(٢)
صلاحها . انتهى
.
[تنبيه]: قال النوويّ نثُ: وهذا التفسير - یعني تفسیر یوزن بيُحزر - عند
العلماء، أو بعضهم في معنى المضاف إلى ابن عباس ﴿ًا؛ لأنه أقر قائله
علیه، ولم ينكره، وتقريره کقوله. انتهى(٣).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
ـحيّ هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٦٧/١٣] (١٥٣٧)، و(البخاريّ) في ((السلم))
(٢٢٤٦ و٢٢٤٨ و٢٢٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٩٣/٧)، و(أحمد)
في («مسنده)) (٣٤١/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٠/٣)، و(ابن الجعد)
(١) ((الفتح)) ٦/ ١١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨١/١٠.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٢/ ٦٧.

١٠٧
(١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا - حديث رقم (٣٨٦٨)
في ((مسنده)) ٣٦/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠١/٥ و٢٤/٦)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٨] (١٥٣٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
فُضَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنٍ أَبِي نُعْمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(لَا تَبْتَاعُوا النِّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
ثقة عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٣ - (أَبُوهُ) فُضيل بن غزوان بن جرير الضبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ،
ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٥/٧٨.
٤ - (ابْنُ أَبِي نُعْم) هو: عبد الرحمن بن أبي نُعْم - بضم النون، وسكون
العين المهملة - البَجَليّ أبو الحكم الكوفيّ، صدوقٌ عابدٌ [٣] مات قبل المائة
(ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٥١/٤٥.
[تنبيه]: من الغريب قول النوويّ كَّلُ: قوله: ((عن ابن أبي نُعْم)) اسمه
دکین بن الفضیل، وشروح مسلم کلها ساکتة عنه. انتهى.
هذا عجيب من النوويّ، كيف قال: إن اسم أبي نُعم دُكين بن الفضيل،
مع شُهرته بأنه عبد الرحمن بن أبي نُعم، وهو من رجال الكتب السّة، ولا
يوجد في الكتب الستّة من يُسمّى دكين بن الفضيل قطعاً، وقد صدق في قوله:
وشروح مسلم كلها ساكتة عنه، فكيف لا تسكت عما ليس بصواب؟ إن هذا
لهو العجب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، وشرح الحديث تقدّم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:

١٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٦٨/١٣ و٣٨٦٩] (١٥٣٨)، و(أحمد) في
(«مسنده)) (٢٦١/٢ و٣٦٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٢/٣)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٩] (١٥٣٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالَا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ
الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَعَنْ بَيْعَّ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ؛ وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا، زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: أَنْ
◌ُبَاعَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم تقدّموا قريباً، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير.
وقوله: (وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ) الأول بالثاء المثلّثة، والثاني بالتاء
المثنّاة، ومعناه: بيع الرُّطَب بالتمر، وهو بمعنى المزابنة في الروايات
الآتية.
وقوله: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) هو بالسند السابق، وليس
معلّقاً، وسيأتي بإسناد مفرد من طريق نافع في الباب التالي - إن شاء الله
تعالى -.
وقوله: (رَخَّصَ فِي بَيْع الْعَرَايَا) بالفتح: جمع عريّة، وسيأتي تفسيرها في
الباب التالي أيضاً.
وقوله: (أَنْ تُبَاعَ) الضمير للعَرَايا، ولفظ نافع: ((رَخّص لصاحب العريّة أن
يبيعها بخَرْصها من التمر))، وفي رواية: ((رَأَخَّصَ في العريّة يأخذها أهل البيت
بخّرْصها تمراً، يأكلونها رُطَباً)).
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي - إن
شاء الله تعالى -.

١٠٩
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالثَّمْرِ إِلَّ فِي الْعَرَايَا
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٠] (١٥٣٨) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ - وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ -
قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ
الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الهِ ◌َتْ:
(لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالَّمْرِ)). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:
وَحَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ مِثْلَهُ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ عابد، من كبار [٣] مات بعد التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
٢ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه
مكثر [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
والباقون كلّهم تقدّموا قريباً .
وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ... إلخ) موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقاً،
وقد سبق موصولاً من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ في الحديث الذي قبله،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ .
(١٤) - (بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّعْرِ إِلَّ فِي الْعَرَايَا)
قال الجامع عفا الله عنه: ((العَرَايَا)): بالفتح: جمع عَريّة، قال
الفيّوميّ تَظْثُ: ((العريّة)): النخلة يُعْرِيها صاحبها غيرَهُ ليأكل ثمرتها، فَيَعْرُوها؛
أي: يأتيها، فَعِيلة بمعنى مفعولة، ودخلت الهاء عليها؛ لأنه ذُهِب بها مذهبَ
الأسماء، مثلُ النَّطِيحة، والأَكِيلة، فإذا جيء بها مع النخلة حُذفت الهاء،
وقيل: نخلة عَرِيّ، كما يقال: امرأة قَتِيلٌ، والجمع: العَرَايا. انتهى.
قال الجامع: وإلى قاعدة حذف الهاء من فَعِيل إن تبع موصوفه أشار ابن
مالك تَخْتُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
مَوْصُوفَهُ غَالِباً الثَّا تَمْتَنِعْ
وَمِنْ فَعِيلٍ كَفَتِیلٍ إِنْ تَبِعْ

١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وقال في ((الفتح)): هي عطيّة ثمر النخل، دون الرقبة، كان العرب في
الجدب يتطوّع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له، كما يتطوّع صاحب الشاة،
أو الإبل بالْمَنِيحَة، وهي عطيّة اللبن، دون الرقبة، قال حسّان بن ثابت
فيما ذكر ابن التين، وقال غيره: هي لسُوَيد بن الصَّامت الأنصاريّ [من الطويل]:
فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رُجَّبِيَّةٍ(١)
وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
ومعنى ((سنهاء)): أن تَحمِل سنة دون سنة، والرّجْبية: التي تُدَعَّم حين
تميل من الضعف. والعرية: فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة، أو فاعلة، يقال: عَرَى النخلَ
- بفتح العين، والراء - بالتعدية يَعرُوها: إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها
لآخر، على سبيل الْمِنْحَة؛ ليأكل ثمرها، وتَبقَى رقبتها لمعطيها، ويقال: عَرِيت
النخلُ - بفتح العين، وكسر الراء - تَعرَى على أنه قاصر، فكأنها عَرِيت عن
حكم أخواتها، واستُثبتت بالعطية، واختلف في المراد بها شرعاً(٢)، وسيأتي
بيان ذلك في المسألة الرابعة في شرح حديث زيد بن ثابت التالي - إن شاء الله
تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧١] (١٥٣٩) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى،
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ نَهَى عَنْ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ(٣)، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ
بِالتَّمْرِ، وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ، وَاسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالْقَمْحِ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا تَبْتَاعُوا
الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالَّمْرِ)).
وَقَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ؛ أَنَّهُ
وَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِبَّةِ بِالرُّطَبِ، أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ).
(١) قال في ((اللسان)): يروى ((رُجبيّة)) بضمّ الراء، وتخفيف الجيم المفتوحة،
وتشدیدها. انتهى.
(٢) ((الفتح)) ٦٦٢/٥.
(٣) وفي نسخة: ((نهى عن المزابنة)).

١١١
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧١)
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (حُجَيْنُ(١) بْنُ الْمُثَّى) أبو عُمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء
خُراسان، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٥) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٧/٨١.
٢ - (عُقَيْلُ) بن خالد أبو خالد الأمويّ مولاهم الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦]
(ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
٣ - (زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) بن الضحّاك بن لوذان الأنصاريّ النجّاريّ، أبو
سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ المشهور، كتب الوحي، ومات سنة (٥ أو ٤٨)
وقيل: بعد (٥٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٢/ ٧٩٣.
والباقون تقدّموا قريباً، وشرح الحديث يأتي بعده.
وقوله: (وَقَالَ سَالِمٌ ... إلخ) موصول بالإسناد المذكور، وليس معلّقاً، وقد
أفرد حديث زيد هذا بعده من طريق نافع، عن ابن عمر، عنه، وأخرجه
الترمذيّ من طريق محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن
ثابت؛ ولم يفصل حديث ابن عمر، من حديث زيد بن ثابت، وأشار الترمذيّ
إلى أنه وَهِمَ فيه، والصواب التفصيل، ولفظ الترمذيّ: عن زيد بن ثابت، أن
النبيّ وَّ نَهَى عن المحاقله، والمزابنة، إلا أنه قد أَذِن لأهل العرايا أن يبيعوها
بمثل خرصها .
قال الحافظ: ومراد الترمذيّ أن التصريح بالنهي عن المزابنة لم يَرِد في
حديث زيد بن ثابت، وإنما رواه ابن عمر بغير واسطة، ورَوَى ابن عمر استثناء
العرايا بواسطة زيد بن ثابت، فإن كانت رواية ابن إسحاق محفوظة احتَمَلَ أن
يكون ابن عمر حَمَل الحديث كله عن زيد بن ثابت، وكان عنده بعضه بغير
واسطة. انتهى.
وقوله: (رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر.
وقوله: (فِي بَيْعِ الْعَرِيَّة) قال في ((الفتح)): وهذا من أصرح ما ورد في
الردّ على مَن حَمَل من الحنفية النهي عن بيع الثمر بالتمر على عمومه، ومَنَع أن
يكون بيع العرايا مستثنى منه، وزعم أنهما حكمان مختلفان وردا في سياق
(١) بضمّ الحاء المهملة، مصغّراً، وآخره نون.

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
واحد، وكذلك مَن زعم منهم ــ كما حكاه ابن المنذر عنهم - أنّ بيع العرايا
منسوخ بالنهي عن بيع الثمر بالتمر؛ لأن المنسوخ لا يكون بعد الناسخ.
(١)
انتهى (١).
وقوله: (بِالرُّطَبِ، أَوْ بِالتَّمْرِ) قال في ((الفتح)): كذا عند البخاريّ ومسلم
من رواية عُقَيل، عن الزهريّ بلفظ ((أو))، وهي مُحْتَملة أن تكون للتخيير، وأن
تكون للشك، وأخرجه النسائيّ، والطبرانيّ، من طريق صالح بن كيسان،
والبيهقيّ من طريق الأوزاعيّ، كلاهما عن الزهريّ، بلفظ: ((بالرطب وبالتمر،
ولم يرخص في غير ذلك))، هكذا ذكره بالواو، وهذا يؤيد كون ((أو)) بمعنى
التخيير، لا الشكّ، بخلاف ما جزم به النوويّ، وكذلك أخرجه أبو داود، من
طريق الزهريّ أيضاً، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، وإسناده صحيح،
وليس هو اختلافاً على الزهريّ، فإن ابن وهب رواه عن يونس، عن الزهريّ
بالإسنادين، أخرجهما النسائيّ، وفرّقهما.
وإذا ثبتت هذه الرواية كانت فيها حجة للوجه الصائر إلى جواز بيع
الرطب المخروص على رؤوس النخل بالرطب المخروص أيضاً على الأرض،
وهو رأي ابن خيران من الشافعية، وقيل: لا يجوز، وهو رأي الإصطخريّ،
وصححه جماعة، وقيل: إن كانا نوعاً واحداً لم يجز؛ إذ لا حاجة إليه، وإن
كانا نوعين جاز، وهو رأي أبي إسحاق، وصححه ابن أبي عصرون، وهذا كله
فيما إذا كان أحدهما على النخل، والآخر على الأرض، وقيل: ومثله ما إذا
كانا معاً على النخل، وقيل: إن محله فيما إذا كانا نوعين، وفي ذلك فروع
أخر يطول ذكرها، وصَرَّح الماورديّ بإلحاق البسر في ذلك بالرطب. انتهى(٢).
وقوله: (وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرٍ ذَلِكَ) فيه أن الترخيص خاصّ في العرايا
بالرطب، وبالتمر، وقد اختلف السلف هل يُلحق العنب، أو غيره بالرطب في
العرايا؟ فقيل: لا، وهو قول أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعيّة، منهم
المحبّ الطبريّ. وقيل: يُلحق العنب خاصّة، وهو مشهور مذهب الشافعيّ،
وقيل: يُلحق كلّ ما يُدّخر، وهو قول المالكيّة، وقيل: يُلحق كلّ ثمرة، وهو
(١) ((الفتح)) ٦٥٤/٥.
(٢) ((الفتح)) ٦٥٤/٥ - ٦٥٥.

١١٣
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَبْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إِلَّ فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧١)
منقول عن الشافعيّ أيضاً، قاله في ((الفتح)(١).
وقال ابن قُدامة تَخُّْ: ولا يجوز بيع العرية في غير النخل، وهو اختيار
ابن حامد، وقول الليث بن سعد، إلا أن يكون مما ثمرته لا يجري فيها الربا،
فيجوز بيع رطبها بيابسها؛ لعدم جريان الربا فيها، ويَحْتَمِل أن يجوز في العنب
والرطب دون غيرهما، وهو قول الشافعيّ؛ لأن العنب كالرطب، في وجوب
الزكاة فيهما، وجواز خرصهما، وتوسيقهما، وكثرة تيبيسهما، واقتياتهما في
بعض البلدان، والحاجة إلى أكل رطبهما، والتنصيص على الشيء يوجب ثبوت
الحكم في مثله، ولا يجوز في غيرهما؛ لاختلافهما في أكثر هذه المعاني، فإنه
لا يمكن خرصها؛ لتفرّقها في الأغصان، واستتارها بالأوراق، ولا يُقتات
يابسها، فلا يحتاج إلى الشراء به.
وقال القاضي: يجوز في سائر الثمار، وهو قول مالك، والأوزاعيّ؛
قياساً على ثمرة النخيل. ولنا ما روى الترمذي؛ أن النبيّ وَّ، نهى عن
المزابنة: الثمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب
بالزبيب، وكل ثمرة بِخِرْصها. وهذا حديث حسن، وهذا يدل على تخصيص
العربية بالتمر، وعن زيد بن ثابت ربه، عن رسول الله وَر؛ أنه رخّص بعد
ذلك في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك، وعن ابن
عمر، قال: نَهَى رسول الله وَّهِ، عن المزابنة، والمزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر
كيلاً، وبيع العنب بالزبيب كيلاً، وعن كل ثمرة بخرصه، ولأن الأصل يقتضي
تحريم بيع العرية، وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة، ولا يصح قياس غيرها
علیھا؛ لوجھین:
[أحدهما]: أن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات بها، وسهولة
خرصها، وكون الرخصة في الأصل لأهل المدينة، وإنما كانت حاجتهم إلى
الرطب دون غيره.
[الثاني]: أن القياس لا يُعْمَل به، إذا خالف نَصّاً، وقياسهم يخالف
نصوصاً غير مخصوصة، وإنما يجوز التخصيص بالقياس على المحل
(١) ٥/ ٦٥٥.

١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
المخصوص، ونَهْيُ النبيّ ◌َ ﴿ عن بيع العنب بالزبيب، لم يدخله تخصيص،
فيقاسَ عليه، وكذلك سائر الثمار، والله أعلم. انتهى كلام ابن قُدامة تَظْذَهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم إلحاق غير التمر بالتمر هو
الأرجح عندي؛ لظهور أدلّته، عملاً بالنصّ؛ لأن الترخيص في ذلك على
خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدم جواز بيع الرطب بالتمر؛ لعدم تساويهما
كيلاً، وهو المسمّى بالمزابنة الذي ورد النهي عنه، فما ثبت على خلاف
الأصل يُقتصر عليه، فلا يكون محلّاً للقياس، فتأمّل بإنصاف، والله تعالى أعلم
بالصواب.
[تنبيه]: تكلّم الحافظ الرشيد العطّار ◌َّلُ في ((غُرَر الفوائد)) (٢٧٨/١)
على هذا السند، فقال: هذا من الأحاديث المرسلة، وهو حديث يَشتمل على
ثلاثة أحاديث، اثنان مرسلان، والثالث متصل، أخرجه في ((كتاب البيوع))،
فقال فيه: وحدّثني محمد بن رافع، ثنا حُجَين، ثم ساقه إلى آخره، ثمّ قال:
هكذا أورده مسلم تخلّثهُ في كتابه.
[فإن قيل]: كيف اختار إخراج المراسيل في ((صحيحه))، وليست من
شرطه، ولا داخلة في رَسْمه؟.
[فالجواب]: أن مسلماً كَثُ من عادته أن يورد الحديث كما سمعه،
وكان هذا الحديث عنده عن محمد بن رافع على هذه الصفة، فأورده كما سمعه
منه، ولم يَحتَجّ بالمرسل الذي فيه، وإنما احتَجَّ بما في آخره من المسند، وهو
حديث سالم، عن عبد الله، عن زيد بن ثابت أن رسول الله وَل﴿ رَخَّصَ بعد
ذلك في بيع الْعَرِيّة ... الحديث، فهذا القدر الذي احتَجَّ به مسلم منه.
[فإن قيل]: فقد كان يمكنه أن يقتصر على هذا المسند خاصّةً، ويَحذف
ما فيه من المرسيل، ولا يطوِّل كتابه بما ليس من شرطه.
[قيل]: هذه مسألة اختَلَف العلماء فيها، فمنهم من أجاز تقطيع الحديث
الواحد، وتفريقه في الأبواب، إذا كان مشتملاً على عِدّة أحكام، كل حكم
منها مستقلّ بنفسه، غير مرتبط بغيره؛ كحديث جابر الطويل في الحجّ، ونحوه.
(١) ((المغني)) ١٢٨/٦ - ١٢٩.

١١٥
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧١)
ومنهم من منع ذلك، واختار إيراد الحديث كاملاً كما سمعه، والظاهر
من مذهب مسلم: إيراد الحديث بكامله، من غير تقطيع له، ولا اختصار، إذا
لم يقل فيه: مثل حديث فلان، أو نحوه، والله ربك أعلم.
[فإن قيل]: فهل يُسْنَد هذان المرسلان من وجه يصحّ؟
[قيل]: نعم، كلاهما مسند متصل في ((الصحيح))، أما حديث سعيد بن
المسيِّب، فقد أخرجه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي
هريرة، عن النبيّ وَّ، ومن حديث سعيد بن مِيناء، وأبي الزبير، كلاهما عن
جابر، عن النبيّ ◌َّته .
وأخرجه أيضاً هو، والبخاريّ من حديث عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن
عبد الله، عن النبيّ وَّر، فثبت اتصاله.
وأما حديث سالم فقد أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة، عن الزهريّ،
عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَّر بنحوه(١).
وأخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) متصلاً من الوجه الذي أورده مسلم
مرسلاً، وهو ما أخبرنا الشيخ أبو عليّ ناصر بن عبد الله الفقيه بالحرم الشريف
تُجاه الكعبة المعظمة، أنا أبو الحسن علي بن حميد بن عمار المقرئ بمكة
شرّفها الله، أنا أبو مكتوم عيسى بن أبي ذرّ الهرويّ، أنا أبي، أنا عبد الله بن
أحمد السرخسيّ، وإبراهيم بن أحمد المستملي، ومحمد بن مكيّ الكشميهنيّ،
قالوا: أنا محمد بن يوسف الفربريّ، أنا محمد بن إسماعيل البخاريّ (ح)
وأخبرنا عالياً أبو القاسم الخزرجيّ، واللفظ له، أنا محمد بن بركات السعيديّ،
أخبرتنا كريمة، أنا أبو الهيثم الكشميهنيّ، أنا الفربريّ، أنا البخاريّ، ثنا يحيى بن
بكير، ثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله، عن
عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله وَلي قال: ((لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا
تبيعوا الثمر بالتمر))، قال سالم: وأخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت؛ أن
رسول الله وَّهِ رَخَّصَ بعد ذلك في بيع العربة بالرُّطَب، أو بالتمر، ولم يرخص في
غيره. انتهى كلام الرشيد العطار رَّتُهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(١) تقدّم قبل حديث.

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِبَّةِ
أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وقد تقدّم نفسه في الباب الماضي، وهو من رباعيّات المصنّف ◌َاللهُ،
وهو (٢٥٥) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
◌َُّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَخَّصَ)
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿يَا (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ)
- بتشديد الخاء المعجمة - مبنيّاً للفاعل، من الترخيص، وفي لفظ للبخاريّ:
((أرخص))، من الإرخاص، وهما بمعنى التسهيل في الأمر، والتيسير فيه،
يقال: رخّص الشرع لنا في كذا ترخيصاً، وأرخص إرخاصاً: إذا يسّره،
وسهّله، قاله الفيّوميّ تَخْذُ(١). (لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ) فَعِيلة بمعنى مفعولة، كما
تقدّم. (أَنْ يَبِيعَهَا) أي: يبيع ثمرتها (بِخَرْصِهَا) بفتح الخاء المعجمة، وأشار ابن
التين إلى جواز كسرها، وجزم ابن العربيّ بالكسر، وأنكر الفتح، وجوّزهما
النوويّ، وقال: الفتح أشهر، قال: ومعناه: تقدير ما فيها إذا صار تمراً، فمن
فتح قال: هو مصدرٌ؛ أي: اسم للفعل، ومن كسر قال: هو اسم للشيء
المخروص. انتهى. والخرص: هو التخمين، والْحَدْسُ، وسيأتي تمام البحث
في تفسير العرايا في المسألة الآتية - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (مِنَ التَّمْرِ) بيان لـ((خرصها)).
واستدلّ بأحاديث الباب علی تحریم بيع الرطب بالیابس منه، ولو تساويا
في الكيل والوزن؛ لأن الاعتبار بالتساوي إنما يصح حالة الكمال، والرطبُ قد
ينقص إذا جَفّ عن اليابس نقصاً لا يتقدر، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة
الاكتفاء بالمساواة حالة الرطوبة، وخالفه صاحباه في ذلك؛ لصحة الأحاديث
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٣/١ - ٢٢٤.

١١٧
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالثَّعْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٢)
الواردة في النهي عن ذلك، وأصرح من ذلك حديث سعد بن أبي وقاص
أن النبيّ وَّل سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر، فقال: ((أينقص الرُّطَب إذا جَفّ؟))
قالوا: نعم، قال: ((فلا إذاً))، أخرجه مالك، وأصحاب ((السنن))، وصححه
الترمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت ه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٧١/١٤ و٣٨٧٢ و٣٨٧٣ و٣٨٧٤ و ٣٨٧٥
و٣٨٧٦ و٣٨٧٧ و٣٨٧٨ و٣٨٧٩] (١٥٣٩)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢١٨٨)
و((المساقاة)) (٢٣٨٠)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٣٠٢)، و(النسائيّ) في
((البيوع)) (٢٦٧/٧) و((الكبرى)) (٢١/٤)، و(ابن ماجه) في ((التجارات))
(٢٢٦٩)، و(مالك) في ((الموطًا)) (٦١٩/٢ و٦٢٠)، و(الشافعيّ) في ((مسنده))
(٢/ ١٥٠) وفي ((الرسالة)) فقرة (٩٠٨)، و(عبد الرزّاق) في (مصنّفه)) (١٤٤٨٦)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٢/٥ و١٨٨ و١٩٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٠٠١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٧٦٤ و٤٧٦٥ و٤٧٦٦ و٤٧٦٩ و٤٧٧٠
و٤٧٧١ و٤٧٧٢ و٤٧٧٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٩/٤)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٣/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٩/٥ و٣١٠)
و((المعرفة)) (٣٤١/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه الترخيصَ في العرايا، واستثناءها من المزابنة المنهيّ
عنها .
٢ - (ومنها): أنه قال ابن الملقّن تَخْذُ: يؤخذ من الحديث الرخصة في
الرُّطَب، وإلحاق العنب به قياساً، وقال المحامليّ، وابن الصبّاغ: نصّاً، وألحق
(١) ((الفتح)) ٦٥٤/٥.

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
الماورديّ البسر أيضاً، وهل يتعدّى إلى غيرهما من الثمار؟ فيه قولان للشافعيّ،
أصحّهما: المنع، والثاني: نعم؛ للحاجة، كما جوّز في العنب القياس.
(١)
انتھی(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الأرجح عدم إلحاق غير التمر
بالتمر؛ لقوّة حججه، فراجعه، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضاً أن الرخصة عامّة لجميع الأغنياء
والفقراء حيث أطلق الرخصة من غير تقييد بأحد، وهو أصحّ قولي الشافعيّ،
والثاني: أنه تختصّ بالفقراء؛ لأنهم سبب الرخصة، كما ذكره الشافعيّ في
((الأمّ))، لكن بغير إسناد، وحكاه ابن دقيق العيد وجهاً، وتبع الفورانيّ في
ذلك، ومثار الخلاف أن اللفظ العامّ إذا ورد على سبب خاصّ، هل يخصّصه،
أو هو على عمومه؟ وفيه خلاف في كتب الأصول(٢)، والأرجح أنه لا يخصص
إلا بالقرينة، ومن أدلّته أنه لما نزلت آية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:
١١٤] قال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟ قال وَطي: ((بل لأمتي كلها))(٣)، وهو
حديث صحيح.
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه نظر الإمام لرعيّته، وفكره في مصالحهم، وما
يحتاجون إليه من أمور دنياهم على وجه الشرع.
٥ - (ومنها): ما قال وليّ الدين تَخُّْ: الرخصة وردت في بيع الرطب
على رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض، والبسر في معنى الرطب، كما
صرَّح به الماوردي من الشافعيّة، ووردت رواية في بيعه برطب أيضاً، وهي في
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٤٠/٧.
(٢) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) من هامشه ١٤٠/٧ - ١٤١.
(٣) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في ((سننه))، ولفظه: أن رجلاً أصاب من امرأة
- يعني ما دون الفاحشة - فلا أدري ما بلغ، غير أنه دون الزنى، فأتى النبيّ وَّر،
فذكر ذلك له، فأنزل الله مَعْرَ: ﴿وَأَقِرِ اٌلْضَلَوَةَ طَرَفَي النَّارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ
يُدْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ ﴾ [هود: ١١٤]، فقال: يا رسول الله ألي
هذه؟ قال: ((لمن أخذ بها))، وفي لفظ: ((هي لمن عَمِل بها من أمتي)).

١١٩
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالثَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٢)
((الصحيحين))، وفي سنن أبي داود، والنسائيّ من حديث خارجة بن زيد بن
ثابت، عن أبيه؛ أن النبيّ وَّهِ رَخَّص في العرايا بالتمر والرطب، فتمسك بذلك
بعضهم على جواز بيع الرطب على النخل برطب على الأرض، أو على
النخل، وسيأتي تمام البحث فيه (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تفسير العَرَايا:
قال الإمام البخاريّ كَّلُهُ: [باب تفسير العَرَايا]: وقال مالك: العَرِية أن
يُعرِي الرجلُ الرجلَ النخلةَ، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرخّص له أن يشتريها منه
بتمر، وقال ابن إدريس: العرية، لا تكون إلا بالكيل من التمر، يداً بيد، لا
يكون بالْجِزاف، ومما يقويه: قول سهل بن أبي حَثْمة: ((بالأوسق الموسقة))،
وقال ابن إسحاق في حديثه، عن نافع، عن ابن عمر ﴿ا: كانت العرايا، أن
يُعري الرجل في ماله النخلة والنخلتين، وقال يزيد، عن سفيان بن حسين:
العرايا نخل، كانت توهب للمساكين، فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، فرُخِّص
لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التمر.
ثم أخرج بسنده عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن
ثابت ﴿؛ أن رسول الله وَ﴿ل، رَخَّص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً، قال
موسى بن عقبة: والعرايا نخلات معلومات، تأتيها فتشتريها. انتهى.
قال في ((الفتح): قوله: وقال مالك: العرية أن يُعريَ الرجل الرجل النخلة؛
أي: يهبها له، أو يهب له ثمرها، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرُخّص له؛ أي: للواهب
أن يشتريها؛ أي: يشتري رُطَبَها منه؛ أي: من الموهوبة له بتمر؛ أي: يابس.
وهذا التعليق وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب، عن مالك. وروى
الطحاويّ من طريق ابن نافع، عن مالك؛ أن العربية: النخلة للرجل في حائط
غيره، وكانت العادة أنهم يَخرُجون بأهليهم في وقت الثمار إلى البساتين، فيَكرَه
صاحب النخل الكثير، دخول الآخر عليه، فيقول له: أنا أعطيك بخرص
نخلتك تمراً، فرُخِّص له في ذلك.
(١) ((طرح التثريب)) ١٣٩/٦.

١٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ومن شرط العرية عند مالك: أنها لا تكون بهذه المعاملة، إلا مع
الْمُعرِي خاصة؛ لِمَا يدخل على المالك من الضرر، بدخول حائطه، أو ليدفع
الضرر عن الآخر بقيام صاحب النخل بالسقي، والكُلَف، ومن شرطها أن يكون
البيع بعد بُدُوّ الصلاح، وأن يكون بتمر مؤجل، وخالفه الشافعي في الشرط
الأخير، فقال: يشترط التقابض.
وقوله: ((وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر، يداً بيد،
ولا تكون بالجزاف))، ابن إدريس هذا رجح ابن التين أنه عبد الله الأوديّ
الكوفيّ، وتردد ابن بطال، ثم السبكيّ، في ((شرح المهذب))، وجزم المزيّ في
(التهذيب)) بأنه الشافعيّ، والذي في ((الأم)) للشافعيّ، وذكره عنه البيهقيّ، في
((المعرفة)) من طريق الربيع عنه، قال: العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة،
فأكثر بخرصه من التمر، بأن يُخرَص الرُّطَب، ثم يُقَدّر كم ينقص إذا يبس؟ ثم
يشتري بخرصه تمراً، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا، فسد البيع. انتهى.
وهذا وإن غاير ما علقه البخاريّ لفظاً، فهو يوافقه في المعنى؛ لأن
محصلهما أن لا يكون جزافاً، ولا نسيئة.
قال الحافظ: وقد جاء عن الشافعيّ، بلفظ آخر، قرأته بخط أبي علي
الصدفي بهامش نسخته، قال: لفظ الشافعيّ: ولا تباع العريّة بالتمر، إلا أن
تُخرَص العريّة، كما يُخرص المعشّر، فيقال: فيها الآن كذا وكذا، من الرُّطَب،
فإذا ييس كان كذا وكذا، فيَدفَع من التمر بكيله خرصاً، ويقبض النخلة بثمرها،
قبل أن يتفرقا، فإن تفرقا قبل قبضها فسد.
قوله: ((ومما يقويه))؛ أي: قول الشافعيّ بأن لا يكون جزافاً، قول
سهل بن أبي حثمة: ((بالأوسق الموسقة))، وقول سهل هذا أخرجه الطبريّ، من
طريق الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن سهل موقوفاً، ولفظه: ((لا
يباع الثمر في رءوس النخل، بالأوساق الْمُوَسَّقَة، إلا أوسقاً: ثلاثة، أو أربعة،
يأكلها الناس)).
أو خمسة
وما ذكره البخاريّ عن الشافعيّ، هو شرط العربية عند أصحابه، وضابط
العرية عندهم: أنها بيع رُطَب، في نخل، يكون خرصه إذا صار تمراً، أقل من
خمسة أوسق، بنظيره في الكيل من التمر، مع التقابض في المجلس.