Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(١٠) - بَابُ ثُبُوتٍ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَابِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٤٨)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤٨] ( ... ) - (حَدَّثْنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا
يَحْبَى، وَهُوَ الْقَطَّنُ (ح) وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَلَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ
(ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو ◌َكَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - جَمِيعاً
عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ
أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا
ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي قُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّحَُّ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، عَنِ النَِّيِّ وَِّ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِك، عَنْ نَافِعٍ).
رجال هذا الإسناد: اثنان وعشرون:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزِيّ الزَّمِنُ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (يَحْيَى) بن سعيد الْقَطَّانُ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ ناقد حجة إمامٌ، من كبار
[٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم بن مقسم، وهو ابن عُليّة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٨] (١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٥ - (أَبُو الرَّبِيع) سليمان بن داود الْعَتكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٦ - (أَبُو كَامِلٍ) فضيل بن حسين الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠]
(ت٢٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٥٧/٦.
٧ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه عابدٌ [٥] (١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥.

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٨ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٣/١٧.
٩ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
١٠ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ
مولاهم، أبو إسماعيل البصريّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) (ع) تقدم
في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥.
والباقون كلّهم ذُكروا في الباب، والبابين قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) يعني كلّ من يحيى القطّان، ومحمد بن
بشر، وعبد الله بن نمیر.
وقوله: (جَمِيعاً عَنْ أَيُّوبَ) يعني إسماعيل ابن عُليّة، وحماد بن زيد.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع) يعني يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والضحّاك بن
عثمان.
[تنبيه]: أما رواية يحيى القطّان، عن عبيد الله بن عمر، فقد ساقها
النسائيّ في ((المجتبى)) (٢٤٨/٧) فقال:
(٤٤٦٦) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا يحيى، عن عبيد الله،
قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله صل﴿ قال: ((الْبَيِّعان بالخيار ما
لم يفترقا، أو يكون خياراً)). انتهى.
وأما رواية إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب، فقد ساقها النسائيّ في
«الكبرى» (٨/٤) فقال:
(٦٠٦٢) - أخبرنا زياد بن أيوب، قال: حدّثنا ابن عُليّة، قال: أنبأنا
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلهو: ((الْبَيِّعان بالخيار حتى
يتفرقا، أو يكون بيع خيار))، وربما قال نافع: أو يقول أحدهما للآخر:
(اختر)). انتهى.
وأما رواية حماد بن زيد، عن أيوب، فقد ساقها البخاريّ تَكَّلُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٢٠٠٣) - حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، حدّثنا أيوب، عن

٦٣
(١٠) - بَابُ ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٤٩)
نافع، عن ابن عمر ها قال: قال النبيّ وَله: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو
يقول أحدهما لصاحبه: اختر))، وربما قال: ((أو يكون بيع خيار)). انتهى.
وأما رواية عبد الوهاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، فقد
ساقها النسائيّ كَّثُ في ((الكبرى)) (٨/٤) فقال:
(٦٠٦٥) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا عبد الوهاب، قال:
سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت نافعاً يحدّث عن ابن عمر، عن
رسول الله صل*؛ أن المتبايعين بالخيار في بيعهما، ما لم يفترقا، إلا أن يكون
البيع خياراً، قال نافع: وكان عبد الله بن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه، فارق
صاحبه. انتھی.
وأما رواية محمد بن بشر، وعبد الله بن نمير، كلاهما عن عبيد الله
العمريّ، فلم أر من ساقهما، وكذلك رواية الضحّاك بن عثمان، عن نافع،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
رُمْحِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا
تَبَائِّعُ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرْ
أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا(١) عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ،
وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُْكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ)).
رجال هذا الإسناد: حمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام حجة مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
(١) وفي نسخة: ((فتفرّقا)).

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبت
[١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ◌َظّتُهُ، وهو
(٢٥٠) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)؛ أي:
فينقطع الخيار.
وقوله: (وَكَانَا جَمِيعاً) تأكيد لقوله: ((ما لم يتفرّقا)).
وقوله: (أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ)؛ أي: فينقطع الخيار، وقال
النوويّ كَثُ: معنى قوله: ((أو يُخيِّر أحدهما الآخر)) أن يقول له: اختر إمضاءً
البيع، فإذا اختار وجب البيع؛ أي: لزم، وانبرم، فإن خيَّر أحدهما الآخر،
فسكت لم ينقطع خيار الساكت، وفي انقطاع خيار القائل وجهان لأصحابنا:
أصحهما الانقطاع؛ لظاهر لفظ الحديث. انتهى(١).
[تنبيه]: قوله: ((يُخَيِّر)) مجزوم عطفاً على ((يتفرّقا))، ويَحتمل أن يكون
منصوباً بـ((أن)) مضمرةً وجوباً بعد ((أو)) التي بمعنى ((إلا))، كما قال في
((الخلاصة» :
كَذَاكَ بَعْدَ ((أَوْ)) إِذَا يَضْلُحُ فِي
مَوْضِعِهَا ((حَتَّى)) أَوِ (إلَّا)) ((أَنْ)) خَفِي
يعني أن الفعل يُنصب بـ((أن)) مضمرة وجوباً بعد ((أو)) التي بمعنى ((حتى))،
أو ((إلا))، فالأول إذا كان الفعل الذي قبلها ينقضي شيئاً، فشيئاً، والثاني إن لم
يكن كذلك، فالأول كقول الشاعر [من الطويل]:
فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرٍ
لِأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ الْمُنَى
والثاني كقوله [من الطويل]:
كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمًا
وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْم
[تنبيه آخر]: وقع في النسخ قوله: ((أو يُخيّر)) مرفوعاً بضبط القلم، ولا وجه
له، بل إما مجزوم، أو منصوب، كما أسلفت تحقيقه، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٤/١٠ - ١٧٥.

٦٥
(١٠) - بَابُ ثُبُوتٍ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٥٠)
وقوله: (فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ) وفي بعض النسخ: ((فتفرّقا على ذلك)).
وقوله: (فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ)؛ أي: وبطل الخيار.
وقوله: (وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ)؛ أي: لم
یفسخه .
وقوله: (فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ)؛ أي: بعد التفرّق، قال في ((الفتح)): وهذا
ظاهرٌ جدّاً في انفساخ البيع بفسخ أحدهما، قال الخطابيّ: هذا أوضح شيء في
ثبوت خيار المجلس، وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث، وكذلك
قوله في آخره: ((وإن تفرقا بعد أن تبايعا)) فيه البيان الواضح أن التفرّق بالبدن
هو القاطع للخيار، ولو كان معناه التفرق بالقول لخلا الحديث عن فائدة.
انتھی.
وقد أقدم الداوديّ على ردّ هذا الحديث المتَّفَق على صحته بما لا يُقْبَل
منه، فقال: قول الليث في هذا الحديث: ((وكانا جميعاً ... إلخ)) ليس
بمحفوظ؛ لأن مقام الليث في نافع ليس كمقام مالك ونظرائه. انتهى.
وهو رَدِّ لما اتَّفَق الأئمة على ثبوته بغير مستند، وأيُّ لوم على مَن روى
الحديث مُفَسِّراً لأحد مُحْتَمِلاته، حافظاً من ذلك ما لم يحفظه غيره؟ مع وقوع
تعدد المجلس، فهو محمول على أن شيخهم حدّثهم به تارةً مُفَسَّراً، وتارةً
مختصراً. انتهى ما في ((الفتح) (١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنْ
سُفْيَانَ - قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ
نَافِعٌ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَابِعَانِ
(١) ((الفتح)) ٥٧١/٥ - ٥٧٢.

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
بِالْبَيْعِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ
خِيَارٍ، فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ(١)، فَقَدْ وَجَبَ))، زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِى رِوَايَتِهِ:
قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلاً، فَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ، قَامَ فَمَشَى هُنَيَّةً، ثُمَّ رَجَعَ
إِلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وکلھم تقدموا في الباب، والبابین قبله.
وقوله: (أَمْلَى عَلَيَّ نَافِعٌ)؛ أي: ألقى عليّ، فكتبته، قال الفيّوميّ ◌َُّ:
وأمللت الكتاب على الكاتب إملالاً: ألقيته عليه، وأمليته عليه إملاءً، والأُولى
لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة تميم، وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما،
قال ◌َت: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿فَهِىَ تُعْلَى
عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. انتهى.
وقال المجد في ((القاموس)): وأملّه: قال له: فكتب عنه. انتهى.
وقوله: (أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا) بنصب (يكونَ)) بـ((أن)) مضمرةً، كما سبق في
الحديث الماضي، وليس معطوفاً على ((يتفرّقا))، وإلا لَجُزم، فتنّه.
وقوله: (عَنْ خِيَارٍ) وفي بعض النسخ: ((على خيار)) في الموضعين.
وقوله: (قَالَ نَافِعٌ) هو موصول بالإسناد المذكور.
وقوله: (فَكَانَ إِذَا بَابَعَ رَجُلاً ... إلخ) فاعل ((كان)) ضمير ابن عمر،
ولفظ البخاريّ: ((قال نافع: وكان ابن عمر ... إلخ))، وقد ذكره النسائيّ
أيضاً من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع، وهو ظاهر في أن ابن
عمر ﴿ما كان يذهب إلى أن التفرّق المذكور بالأبدان، كما سبق بيانه،
والحديث دليلٌ في ثبوت الخيار لكلّ من المتبايعين ما داما في المجلس.
أفاده في ((الفتح))(٢).
وقوله: (فَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ) بضمّ أوله، من الإقالة، أو بفتحه، من الْقيل،
(١) وفي نسخة: ((على خيار)) في الموضعين.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٥/ ٥٦٢.

٦٧
(١٠) - بَابُ ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٥٠)
بوزن البيع، وهي مفاسخة البيع، قال ابن الأثير كَّتُهُ: يقال: أقاله يُقيله إقالةً،
وتقايلا: إذا فسخا البيع، وعاد المبيع إلى مالكه، والثمن إلى المشتري، إذا
كان قد نَدِمَ أحدهما، أو كلاهما، وتكون الإقالة في البيعة والعهد. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ كَّتُ: أقال الله عَثْرته: إذا رفعه من سقوطه، ومنه الإقالة
في البيع؛ لأنها رفع العقد، وقاله قَيْلاً، من باب باع لغةٌ، واستقاله البيع،
(٢)
فأقاله. انتهى(٢).
وقال المجد تَّقُ: وقِلْتُهُ البيعَ بالكسر، وأقلته: فسخته، واستقاله: طلب
إليه أن يقيله، وتقايل الْبَيِّعان، وأقال الله عثرتك، وأقالكها. انتهى(٣).
من مجلسه، فمشى
وقوله: (قَامَ فَمَشَى هُنَيَّةً)؛ أي: قام ابن عمر ـ
قليلاً، حتی یفارقه، فیثبت البيع، ولا يفسخ عليه.
وقوله: (هُنَيَّةً)؛ أي: قليلاً، وهي بضم أوله تصغير هَنَةٍ، قال
القرطبيّ كَّلُهُ: هي كلمة يُعبّر بها عن كلّ شيء قليل. انتهى(٤).
وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: (فمشى هنية) هكذا هو في بعض الأصول
(هُنَيَّةً)) بتشديد الياء غير مهموز، وفي بعضها ((هُنيهةً)) بتخفيف الياء، وزيادة هاء؛
أي: شيئاً يسيراً. انتهى.
وقال الفيّوميّ كَّفُهُ: ((الْهَنُ)): خفيف النون كناية عن كلّ اسم جنس،
والأنثى هَنَةٌ، ولامها محذوفةٌ، ففي لغة هي هاءٌ، فيصغّر على هُنَيْهة، ومنه
يقال: مَكَثَ هُنَيهةً؛ أي: ساعةً لطيفةً، وفي لغة هي واوٌ، فيُصغّر في المؤنّث
على هُنَيهة، والهمزة خطأ؛ إذ لا وجه له، وجمعها هَنَوات، وربّما جُمعت
هَنَاتٍ على لفظها، مثلُ عِدَاتٍ. انتهى(٥) .
وقوله: (ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ)؛ أي: عاد ابن عمر إلى الشخص الذي بايعه.
وقال النوويّ: قوله: ((فأراد أن لا يُقيله))؛ أي: لا يفسخ البيع، وفي هذا
دليل على أن التفرق بالأبدان، كما فسره ابن عمر الراوي، وفيه رَدٌّ على تأويل
(١) ((النهاية)) ١٣٤/٤.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٤/ ٤٣.
(٥) ((المصباح المنير)) ٦٤١/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٢١.
(٤) ((المفهم)) ٣٨٤/٤.

٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
من تأول التفرق على أنه التفرق بالقول، وهو لفظ البيع. انتهى (١).
وفي رواية النسائيّ: (قال نافع: فكان عبد الله إذا اشترى شيئاً يُعجبه،
فارق صاحبه))؛ أي: خوفاً من أن يردّ البيع عليه بما لَهُ من الخيار، قال
السنديّ كَّثُ: فانظر إلى ما فَهِم عبد الله من الحديث، وهو راويه، هل هو
الذي يقول المثبت للخيار في المجلس، أم هو الذي يقول النافي له؟ انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد السنديّ كَُّ بهذا الكلام الإشارة
إلى تأييد قول من يقول: إن المراد بالحديث إثبات خيار المجلس، حيث إن
راوي الحديث رعَُّهُ فَهِم منه هذا المعنى، وعَمِل به، حيث كان يفارق صاحبه
الذي باع له؛ لئلا يفسخ البيع بناء على أن له خيار المجلس، فلما فارقه تمّ
البيع، ولا يستطيع أن يفسخ، وهذا إنصاف من السنديّ ◌َُّ مخالفاً لمذهبه
الحنفيّ القائل: إن التفرّق هو التفرّق بالأقوال، لا بالأبدان؛ لوضوح دليله،
وهكذا ينبغي للعالم أن يكون مع الدليل، لا مع آراء الرجال، كما فعل من
قدّمنا قوله، ممن ردّ ما دلّ عليه ظاهر هذا الحديث بتأويلات سخيفة، قاتل الله
التعصّب، والله المستعان على من خالف ظواهر الأدلّة بتأويلات مُبْتَذَلَة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى، ويَحْبَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ
حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ بَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((كُلُّ بَيِّعَيْنِ
لَا بَيْعَ بَيْتَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعُ الْخِيَارِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠]
(ت٢٣٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/١٠.

٦٩
(١٠) - بَابُ تُبُوتٍ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٥١)
والباقون ذكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف، وهو (٢٥١)
من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (كُلُّ بَيِّعَيْنِ) تقدّم أن الْبَيِّع بتشديد التحتانيّة: هو البائع.
وقوله: (لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقًا)؛ أي: ليس بينهما بيع لازم(١).
وقوله: (إِلَّا بَيْعُ الْخِيَارِ)؛ أي: فيلزم باشتراطه، كما تقدّم البحث فيه،
وظاهره حصر لزوم البيع في التفرّق، أو في خيار الشرط، والمعنى: أن البيع
عقد جائزٌ، فإذا وُجد أحد هذين الأمرين كان لازماً، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((إلا بيع الخيار)) معناه على مذهب الشافعي:
أن خيار المجلس لا أثر له مع وجود خيار الشرط، فلو تفرَّقا مع اشتراط خيار
الثلاث لم يجب البيع بنفس التفرُّق، بل بمضي مدة الخيار المشترط، ويكون
هذا الاستثناء من قوله: ((لا بيع بينهما))، وهو استثناء موجب من منفيّ، فكأنه
قال: كلُّ بِيِّعَين فلا حُكم لبيعهما ما داما في مجلسهما إلا بيع الخيار المشترط،
فحكمه باق إلى مدته، وإن افترقا بالأبدان.
قال: ويمكن تنزيله على مذهب مالك على هذا النحو، غير أن التفرُّق
يُحْمَل على التفرُّق بالأقوال، ويكون البيّعان بمعنى المتساومين، غير أن
الاستثناء يكون منقطعاً؛ لأن المتبايعين بالخيار الشرطيّ ليسا متساومين، بل
متعاقدين، فيكون تقديره: لكن بيع الخيار يلزم حكمه بانقضاء مدته. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن ما ذهب إليه الشافعيّ تَظُّهُ هو
الصحيح الموافق لظواهر الحديث، فتبصّر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١) (شرح النوويّ)) ١٧٥/١٠ - ١٧٦.
(٣) ((المفهم)) ٣٨٣/٤ - ٣٨٤.
(٢) ((الفتح)) ٥٧٣/٥.

٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(١١) - (بَابُ الصِّدْقِ فِي الْبَيْعِ، وَالْبَيَانِ)
أي صِدْقِ البائع في إخبار المشتري مثلاً، وبيان العيب إن كان في
السلعة، وصِدْقِ المشتري في قدر الثمن مثلاً، وبيان العيب إن كان في الثمن،
ويَحْتَمِل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد، وذِكْرُ أحدهما تأكيد للآخر(١)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥٢] (١٥٣٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ،
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامِ، عَنِ النَّبِّ ◌َهَ قَالَ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ
صَدَقَا، وَبَيَّنَا بُورَِكَ لَهُّمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا، وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بن بَخْر بن كَنِيز، أبو حفص الفلّاس الصيرفيّ
الباهليّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٨/٦.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ ناقد [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام الواسطيّ،
ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌّ، عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت١٦٠)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس
[٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٥ - (أَبُو الْخَلِيلِ) صالح بن أبي مريم الضُّبَعيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٦]
(ع) تقدم في ((الرضاع)) ٣٥٩١/٥.
(١) راجع: (الفتح)) ٥٦٦/٥.

٧١
(١١) - بَابُ الصِّدْقِ فِي الْبَيْعِ، وَالْبَانِ - حديث رقم (٣٨٥٢)
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ) بن نوفل القرشيّ الهاشميّ، أبو محمد
المدنيّ، أمير البصرة، له رؤية، ولأبيه وجدّه صحبة، أجمعوا على توثيقه [٢]
(٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥١٦/٩٦.
٧ - (حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ) بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى الأسديّ، أبو
خالد المكيّ، أخو خديجةَ، أم المؤمنين ﴿ًا أسلم يوم الفتح، وصَحِب، وله
(٧٤) سنةً، ثم عاش إلى سنة (٥٤) أو بعدها، وكان عالماً بالنسب (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٣٣٠/٥٨.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف تَخْذَثُ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما
بالتحویل.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير عبد الله بن الحارث، فمدنيّ،
وحکیم، فمكيّ.
٤ - (ومنها): أن رواية قتادة، عن أبي الخليل من رواية الأكابر عن
الأصاغر؛ لأن قتادة من الطبقة الرابعة، وهو من السادسة، وأما ما قاله في
((الفتح)) من أن قتادة وشيخه تابعيّان، ففيه نظر لا يخفى، فتنبّه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ممن وُلد في جوف الكعبة، كما بيّنه مسلم في
آخر الحديث، ولا يُعرف هذا لغيره جاهليّةً، ولا إسلاماً، وهو من الصحابة
الذين عاشوا (١٢٠) سنة، ستين في الجاهليّة، وستّين في الإسلام، وإلى هذا
أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث))، حيث قال:
عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُوا
وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا
حُوَيْطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ
سِتُّون فِي الإِسْلَامِ حَسَّانٌ يَلِي
وَأَخَرُونَ مُظْلَقَ سَعِيدُ
ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعِيدُ
لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيٌّ نَافِعُ
عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ
نَابِغَةٌ ثُمَّةَ حَسَّانُ انْفَرَدْ
أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌّ وَجَدُّهُ وَجَدٌ

٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِد
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ) وفي رواية للبخاريّ: ((عن قتادة، قال: سمعت أبا
الخليل (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ) قال في ((الفتح)): هو ابن نوفل بن الحارث بن
عبد المطلب، ولم يُنسَب في شيء من طرُق حديثه في ((الصحيحين))، لكن وقع
لأحمد من طريق سعيد، عن قتادة: عبد الله بن الحارث الهاشميّ، ورواه ابن
خزيمة، والإسماعيليّ عنه من وجه آخر، عن شعبة، فقال: عن قتادة: سمعت
أبا الخليل، يحدّث عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وعبد الله هذا مذكور في
الصحابة؛ لأنه وُلِد في عهد النبيّ ◌َليز، فأُتي به، فحَنَّكه، وهو معدود من حيث
الرواية في كبار التابعين، وقتادة، وشيخه تابعيّان أيضاً (١)، وليس له في
البخاريّ سوى هذا الحديث، وحديث آخر عن العباس في قصة أبي طالب.
انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: وليس لعبد الله بن الحارث هذا عند مسلم إلا
نحو ستة أحاديث، كما أسلفته في ترجمته في ((الإيمان)) ٥١٦/٩٦.
(عَنِ النَّبِيِّ ◌َ) أنه (قَالَ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا
(عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامِ)
لَمْ يَتَفَرَّقًا) وفي رواية للبخاريّ: ((ما لم يفترقا)»، وفي رواية سليمان بن موسى،
عن نافع، عن ابن عمر، وعن عطاء، عن ابن عباس، مرفوعاً: ((ما لم يفارقه
صاحبه، فإن فارقه فلا خيار له))، وقد اختَلَف القائلون بأن المراد أن يتفرقا
بالأبدان، هل للتفرق المذكور حدٍّ ينتهي إليه؟ والمشهور الراجح من مذهب
العلماء في ذلك أنه موكول إلى العُرْف، فكل ما عُدَّ في العرف تفرقاً حُكِم به،
وما لا فلا، قاله في ((الفتح)) (٢)، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى قريباً.
(فَإِنْ صَدَقَا، وَبَيَّنَا)؛ أي: صدق البائع في إخبار المشتري مثلاً، وبيّن
(١) هذا فيه نظر؛ لأن أبا الخليل لم يلق صحابيّاً، ولذا جعله في ((التقريب)) من الطبقة
السادسة، فتأمل.
(٢) ((الفتح)) ٥٦٦/٥.

٧٣
(١١) - بَابُ الصِّدْقِ فِي الْبَيْعِ، وَالْبَانِ - حديث رقم (٣٨٥٢)
العيب، إن كان في السلعة، وصدق المشتري في قدر الثمن مثلاً، وبيّن العيب،
إن كان في الثمن.
ويَحْتَمِل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحدٍ، وذِكرُ أحدهما تأكيد
للآخر، قاله في ((الفتح)»(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فإن صدقا، وبيّنا))؛ أي: إن صدقا في
الإخبار عن الثمن والمثمون فيما يباع مرابحةً، وبيّنا ما فيها من العيوب.
انتھی(٢).
(بُورِكَ فِي بَيْعِهِمَا) فعل مبنيّ للمفعول، ونائب فاعله الجارّ والمجرور؛
أي: بورك في الثمن بالنماء، وفي المثمون بدوام الانتفاع به(٣).
(وَإِنْ كَذَبَا، وَكَتَمَا مُحِقَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: أُذهبت بركته، وهي
زيادته، ونماؤه، وهو من المحق، يقال: مَحَقَه مَحْقاً، من باب نفع: نقصه،
وأذهب منه البركة، وقيل: هو ذَهَاب الشيء كلّه، حتّى لا يُرَى له أثرٌ، ومنه
قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرَّوا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، وانمحق الهلال لثلاث ليال
في آخر الشهر، لا يكاد يُرى لخفائه، والاسم الْمِحَاق بالضمّ، والكسرُ لغةٌ،
قاله الفيّوميّ ◌َُّهُ.
وقوله (بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا))) بالرفع على أنه نائب فاعل ((مُحِقت))، قال في
((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، وأن شؤم التدليس، والكذب وقع في
ذلك العقد، فمَحَقَ بركته، وإن كان الصادق مأجوراً، والكاذب مأزوراً،
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مختصّاً بمن وقع منه التدليس، والعيب، دون الآخر،
ورجّحه ابن أبي جمرة. انتهى(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حكيم بن حزام به هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٥٦٦/٥.
(٣) ((المفهم)) ٣٨٥/٤.
(٢) ((المفهم)) ٣٨٤/٤ - ٣٨٥.
(٤) ((الفتح)) ٥٦٦/٥.

٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٥٢/١١ و٣٨٥٣] (١٥٣٢)، و(البخاريّ) في
((البيوع)) (١٩٤٠ و٢٠٧٩ و٢٠٨٢ و٢١٠٨ و٢١١٠)، و(أبو داود) في ((البيوع))
(٣٠٠)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١١٦٧)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٤٤/٧
و٢٤٧) و((الكبرى)) (٥/٤)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٥٤/٢ - ١٥٥)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٣١٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٢٤/٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠٢/٣ و٤٠٣ و٤٣٤)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٤٣٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣١١٥ و٣١١٦ و٣١١٧ و٣١١٨ و٣١١٩)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٩٠٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٦٩/٣)،
و(البيهقيّ) في (الكبرى)) (٢٦٩/٥) و((المعرفة)) (٢٧٥/٤)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٢٠٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الصدق في البيع والشراء، وذلك لا يكون إلا
بصدق كلّ واحد منهما فيما يُخبر به من المبيع، أو الثمن، وبيان ما فيهما من
عيوب، فلا يجوز لمسلم أن يبيع سلعة مَعِيبة، إلا إذا بيّن ما فيها من العيب،
ومثله المشتري.
٢ - (ومنها): حصول البركة للمتبايعين إذا حصل منهما الشرط، وهو
الصدق، والتبيين، ومحقها إن وُجد ضدّهما، وهو الكذب، والكتم، وهل
تحصل البركة لأحدهما، إذا وُجد المشروط، دون الآخر؟ ظاهر الحديث
يقتضيه، ويَحْتَمِل أن يعود شؤم أحدهما على الآخر، بأن تُنزع البركة من
المبيع، إذا وُجد الكذب، أو الكتم من كلّ واحد منهما، وإن كان الأجر ثابتاً
للصادق المبيّن، والوزر حاصلٌ للكاذب الكاتم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الظاهر؛ لظاهر
الحديث، وقد تقدّم قريباً أن ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى رجّحه، والله تعالى
أعلم.
٣ - (ومنها): أن الدنيا لا يتمّ حصولها إلا بالعمل الصالح، وأن شؤم
المعاصي يَذهب بخير الدنيا والآخرة.

٧٥
(١١) - بَابُ الصِّدْقِ فِي الْبَيْعِ، وَالْبَانِ - حديث رقم (٣٨٥٣)
٤ - (ومنها): بيان فضل الصدق، والحثّ عليه، وأنه سبب لبركة كسب العبد.
٥ - (ومنها): ذمّ الكذب، والحثّ على تركه، وأنه سبب لذهاب البركة
من كسب العبد.
٦ - (ومنها): بيان أن عمل الآخرة يُحَصّل خيري الدنيا والآخرة، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي التََّّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنْ
حَكِيمٍ بْنِ حِزَامِ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ). قالَ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ: وُلِدَ حَكِيمُ بنُ
حِزَامٍ فِي جَوْفِ الكَعْبَةِ، وعاشَ مائِةً وعِشْرِينَ سنةً.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينارِ الْعَوذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٢ - (أَبُو التََّّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٢٨)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية أبي التيّاح، عن أبي الخليل هذه لم أجد من ساقها
بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ) صاحب الكتاب: (وُلِدَ) بالبناء للمفعول
(حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ) ◌َُّهُ (فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ) أي: داخل الكعبة، وذلك أن أمه
دخلت الكعبة فيّ نسوة من قريش، وهي حاملٌ، فأخذها الطلق، فولدته فيها،
وذلك قبل عام الفيل بثلاث عشرة سنةً، وليس له في ذلك مشارك، لا في
جاهليّة، ولا في إسلام، وما في ((المستدرك)) من أن عليّاً به وُلد في الكعبة
ضعيف(١)، وإلى ذلك أشار السيوطيّ تَظّثُ في ((ألفية الحديث)) حيث قال:
(١) راجع: ((إسعاف الوطر)) شرحي على (ألفيّة الأثر)) للسيوطيّ ٢/ ٤٥٣.

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ
وقوله: (وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَّةً)؛ أي: إن حكيماً ظُه عاش من العمر
مائة وعشرين سنةً، وتقدّم أنه ممن عاش ستين في الجاهليّة، وستّين في
الإسلام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيْبُ﴾ .
(١٢) - (بَابُ مَنْ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((يُخْدع)) بالبناء للمفعول،
و(الْخَدِيعَةُ)) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة: اسم من الْخَدْع - بفتح،
فسكون -، قال المجد في ((القاموس)): خَدَعه، كمنعه خَدْعاً، ويُكسرَ: خَتَلَهُ،
وأراد به المكروه من حيث لا يَعلَم، كاختدعه، فانخدع، والاسم الخديعة،
و((الحرب خِدعة))، مثلّثة، وكهُمَزَة، ورُوي بهنّ جميعاً؛ أي: تنقضي بخدعة.
انتھی.
وترجم الإمام البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)) بقوله: ((باب ما يكره من
الْخِدَاعِ في البيع))، فقال في ((الفتح)): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن
الخداع في البيع مكروه ولكنه لا يفسخ البيع، إلا إن شَرَط المشتري الخيار
على ما تُشعِر به القصة المذكورة في الحديث. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥٤] (١٥٣٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ،
وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ وَاهـ
أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ))، فَكَانَ إِذَا
بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةً).
(١) ((الفتح)) ٥٧٨/٥.

٧٧
(١٢) - بَابُ مَنْ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ - حديث رقم (٣٨٥٤)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وهو الإسناد المذكور قبل حديثين، ومن لطائفه أنه من رباعيّات
المصنّف دخلتُ، وهو (٢٥٢) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويّ المدنيّ، مولى ابن عمر (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ
(يَقُولُ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ وَ لِ﴿) وفي رواية أحمد،
عُمَرَ) بن الخطّابِ ﴾
من طريق محمد بن إسحاق: حدّثني نافع، عن ابن عمر، كان رجل من
الأنصار، زاد ابن الجارود في ((المنتقى)) من طريق سفيان، عن نافع؛ أنه
حَبَّان بن مُنقِذ، وهو - بفتح المهملة، والموحدة الثقيلة - ورواه الدار قطنيّ، من
طريق عبد الأعلى، والبيهقيّ من طريق يونس بن بكير، كلاهما عن ابن إسحاق
به، وزاد فيه: قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن يحيى بن حَبّان، قال: هو
جدّي مُنقذ بن عمرو، وكذلك رواه ابن منده، من وجه آخر، عن ابن إسحاق،
قاله في ((الفتح))(١).
وقال النوويّ في ((شرحه)): هو حبّان - بفتح الحاء، وبالباء الموحّدة - ابن
منقذ بن عمرو الأنصاريّ، والد يحيى، وواسع ابني حَبّان، شَهِدَ أُحداً، وقيل:
بل هو والده منقذ بن عمرو، وكان قد بلغ مائة وثلاثين سنة، وكان قد شُجّ في
بعض مغازيه مع النبيّ وَّ﴿ في بعض الحصون بحجر، فأصابته في رأسه
مأمومة، فتغيّر بها لسانه، وعقله، لكن لم يخرج عن التمييز، وذكر الدارقطنيّ
أنه كان ضريراً. انتهى (٢).
(أَنَّهُ) الرجل المذكور (يُخْدَعُ) بالبناء للمفعول، وفي رواية ابن إسحاق:
((فشكا إلى النبيّ وَّ ما يلقى من الغبن)) (فِي الْبُيُوعِ) أي: في حال مبايعته
للناس، وقد بَيَّن ابن إسحاق في روايته المذكورة سبب شكواه، وهو ما يَلقَى
من الغبن، وقد أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم من
حديث أنس ﴿ه، ولفظه: ((أن رجلاً كان في عُقدته ضعف، كان يبايع، وأن
(١) ((الفتح)) ٥٧٨/٥.
(٢) (شرح النوويّ)) ١٠/ ١٧٧.

٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
أهله أتوا النبيّ ◌َّهر، فقالوا: يا نبيّ الله احْجُرْ عليه، فدعاه نبي الله وَّر، فنهاه،
فقال: يا نبيّ الله لا أصبر عن البيع، قال: إذا بايعتَ، فقل: لا خلابة)).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (مَنْ بَايَعْتَ) ((من)) موصولة، أو شرطيّة، والعائد
محذوف؛ أي: الشخص الذي عقدت معه البيع (فَقُلْ) له وقت العقد (لَا
خِلَابَةَ))) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف اللام -؛ أي: لا خَدِيعة، و((لا))
لنفي الجنس؛ أي: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين النصيحة.
زاد ابن إسحاق، في رواية يونس بن بكير، وعبد الأعلى عنه: («ثم أنت
بالخيار في كل سلعة ابتعتها، ثلاث ليال، فإن رضيتَ فأمسك، وإن سخطكَ،
فاردد))، فبقي حتى أدرك زمان عثمان، وهو ابن مائة وثلاثين سنة، فكثر الناس
في زمن عثمان، وكان إذا اشترى شيئاً، فقيل له: إنك غُبِنتَ فيه، رجع به،
فَيَشْهَد له الرجلُ، من الصحابة بأن النبيّ وَّر، قد جعله بالخيار ثلاثاً، فيردّ له
دراهمه .
قال العلماء: لقّنه النبيّ ◌َ﴿ هذا القول؛ ليتلفظ به عند البيع، فيَطّلع به
صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر، في معرفة السِّلَع، ومقادير القيمة، فَيَرَى
له كما يرى لنفسه؛ لِمَا تقرر من حَضّ المتبايعين على أداء النصيحة، كما تقدم
في قوله {وَّر، في حديث حكيم بن حزام: ((فإن صدقا وبيّنا، بورك لهما في
بیعهما)) الحدیث.
(فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ) أي: لا خديعة، ومنه قولهم: إذا لم
تَغْلِبْ فاخلُب(١).
قال النوويّ كَّلُهُ: هو بياء مثناة تحتُ، بدل اللام، هكذا هو في جميع
النسخ، قال القاضي: ورواه بعضهم: ((لا خيانة)) بالنون، قال: وهو تصحيف،
قال: ووقع في بعض الروايات في غير مسلم: ((خذابة)) بالذال المعجمة،
والصواب الأول، وكان الرجل ألثغ، فكان يقولها هكذا، ولا يمكنه أن يقول:
((لا خلابة))، ومعنى ((لا خلابة)): لا خديعة؛ أي: لا تحلّ لك خديعتي، ولا
يلزمني خديعتك. انتهى (٢).
(١) ((المفهم)) ٣٨٥/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ١٧٧.

٧٩
(١٢) - بَابُ مَنْ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ - حديث رقم (٣٨٥٤)
ونقل في ((الفتح)) في ((كتاب الحيل)) عن المهلّب، أنه قال: معنى قوله:
((لا خلابة)): لا تخلُبوني؛ أي: لا تَخدَعوني، فإن ذلك لا يحل، قال الحافظ:
والذي يظهر أنه وارد مورد الشرط: أي إن ظهر في العقد خداع، فهو غير
صحيح، كأنه قال: بشرط أن لا يكون فيه خديعة، أو قال: لا تلزمني
خديعتك، قال المهلب: ولا يدخل في الخداع المحرم الثناءُ على السلعة،
والإطناب في مدحها، فإنه متجاوز عنه، ولا يَنتقض به البيع. انتهى(١).
وقال الشوكانيّ كَُّ في ((النيل)): اختَلَف العلماء في هذا الشرط، هل
كان خاصّاً بهذا الرجل، أم يدخل فيه جميع من شرط هذا الشرط؟ فعند
أحمد، ومالك في رواية عنه أنه يثبت الردّ لكل من شرط هذا الشرط، ويُثبتون
الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع. وأجيب بأن النبيّ وَل ﴿ إنما جعل لهذا
الرجل الخيار للضَّعف الذي كان في عقله، كما في حديث أنس ◌َُّبه، فلا
يُلحق به إلا من كان مثله في ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا رُوي أنه
كان إذا غُبن يشهد له رجل من الصحابة أن النبيّ ◌َ ﴿ قد جعله بالخيار ثلاثاً،
فيرجع في ذلك، وبهذا يتبيّن أنه لا يصحّ الاستدلال بمثل هذه القصّة على
ثبوت الخيار لكلّ مغبون، وإن كان صحيح العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن
كان ضعيف العقل إذا غُبن، ولم يقل هذه المقالة، وهذا مذهب الجمهور، وهو
الحقّ. انتهى ملخّصاً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الإمام أحمد دَّثُ
من إثبات خيار الغَبْنِ هو الأرجح، كما سيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٥٤/١٢ و٣٨٥٥] (١٥٣٣)، و(البخاريّ) في
(١) ((الفتح)) ١٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤.

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
((البيوع)) (٢١١٧) و(الاستقراض)) (٢٤٠٧) و(الخصومات)) (٢٤١٤) و((الحيل))
(٦٩٦٤)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٢٥٠٠)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٧)
٢٥٢) و((الكبرى)) (١٠/٤)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٧٨٩/٢)، و(مالك)
في ((الموطًا)) (٦٨٥/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥٣٣٧)، و(الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (٢٥٦/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٠٦/٧)، و((مسنده)
(٩٥/٢)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٢٩٢/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٤/٢
و٦١ و٧٢ و٨٠ و٨٤ و١٠٧ و١١٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٥١
و٥٠٥٢)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٣٣٤/١٢)، و(الدارقطنيّ) في
(سننه)) (٥٤/٣ - ٥٥)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٧٠/٣ و٢٧١)، و(الحاكم)
في ((المستدرك)) (٢٦/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٤٦/١)، و(ابن
الجعد) في ((مسنده)) (٢٤٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الصغرى)) (٢٥/٥) و((المعرفة))
(٤/ ٣٦٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٥٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم الخديعة في البيع، وهو أنها لا تجوز.
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لأحمد، وأحد قولي مالك؛ أنه يُرَدّ بالغبن
الفاحش، لمن لم يَعرف قيمة السلعة.
وتعقب بأنه وَ﴿، إنما جعل له الخيار لضعف عقله، ولو كان الغبن يُملك
به الفسخ، لما احتاج إلى شرط الخيار.
وقال ابن العربيّ: يَحْتَمِل أن الخديعة في قصة هذا الرجل كانت في
العيب، أو في الكذب، أو في الثمن، أو في الغبن، فلا يُحتج بها في مسألة
الغبن بخصوصها، وليست قصة عامة، وإنما هي خاصة في واقعة عين، فيُحْتَجّ
بها في حق من كان بصفة الرجل، قال: وأما ما رُوي عن عمر، أنه كُلِّم في
البيع، فقال: ما أجد لكم شيئاً أوسع، مما جعل رسول الله 98 لحبان بن
منقذ، ثلاثة أيام، فمداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف. انتهى.
قال الحافظ: وهو كما قال، أخرجه الطبرانيّ، والدارقطنيّ، وغيرهما من
طريقه، لكن الاحتمالات التي ذكرها، قد تعيّنت بالرواية التي صُرّح بها، بأنه
كان يُغبن في البيوع.