Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ (٨) - بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ - حديث رقم (٣٧٢١) للمفعول؛ أي: مات، وفي رواية النسائيّ: ((فَتُوفّي عنها زَوْجُهَا))، وفيه الإظهار في مقام الإضمار للإيضاح (فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ) بكسر الحاء: المرة من الحجّ، وهو غير قياس، والجمع حِججٌ، مثلُ سدرةَ وسِدَر، قال ثعلبٌ: قياسه الفتح، ولم يُسمع من العرب، قاله الفيّوميّ(١). و((الوداع)) بفتح الواو اسم من التوديع، يقال: ودّعته توديعاً: إذا شيّعته عند سفره، وإنما سُمي بذلك لأن النبيّ ◌َ﴿ ودّع الناس فيه. وقوله: ((فُتُوفّي عنها في حجة الوداع)) قال في ((الفتح)): نَقَل ابنُ عبد البرّ الاتفاق على ذلك، وفي ذلك نظرٌ، فقد ذَكّر محمد بن سعد أنه مات قبل الفتح، وذكر الطبريّ أنه مات سنة سبع(٢)، ووقع في ((تفسير سورة الطلاق)) من (صحيح البخاريّ)) أن زوج سبيعة قُتِل رَظُه وهي حُبلى، ومعظم الروايات على أنه مات، وهو المعتمد. وأجاب الكرمانيّ، فقال: لعل سبيعة قالت: قُتِل بناءً على ظن منها في ذلك، فتبيّن أنه لم يُقتل. وتعقّبه الحافظ، فقال: وهذا الجمع يَمُجِّه السمع، وإذا ظنت سبيعة أنه قُتل، ثم تبيّن لها أنه لم يُقتل، فكيف تجزم بعد دهر طويل بأنه قُتل؟ فالمعتمد أن الرواية التي فيها قُتِل إن كانت محفوظة، تَرَجَّحت؛ لأنها لا تنافي مات، أو تُؤُفِّي، وإن لم يكن في نفس الأمر قُتل، فهي رواية شاذّةٌ. انتهى(٣). (وَهِيَ حَامِلٌ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن سُبيعة حامل من زوجها المتوفّى هذا. قال الفيّوميّ: حَمَلَت المرأةُ ولدَهَا، ويُجعلُ حَمَلت بمعنى عَلِقَتْ، فيتعدّى بالباء، فيقال: حَمَلت به في ليلة كذا، وفي موضع كذا؛ أي: حَبِلَت، (١) ((المصباح المنير)) ١٢١/١. (٢) قال في ((الفتح)) في ((كتاب الوصايا)): وجزم الليث بن سعد في ((تاريخه)) عن يزيد بن أبي حبيب بأن سعد بن خولة مات في حجة الوداع، وهو الثابت في ((الصحيح))، خلافاً لمن قال: إنه مات في مدّة الْهُدنة مع قريش سنة سبع. انتهى. (٣) راجع: ((الفتح)) ٦٧٦/٦ (كتاب الوصايا)) رقم (٢٧٤٢). ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق فهي حاملٌ، بغير هاء؛ لأنها صفة مختصّةٌ، وربّما قيل: حاملةٌ بالهاء. قيل: أرادوا المطابقة بينها وبين حَمَلَت. وقيل: أرادوا مجاز الحمل، إما لأنها كانت كذلك، أو ستكون، فإذا أريد الوصف الحقيقيّ قيل: حاملٌ بغير هاء. انتهى(١). (فَلَمْ تَنْشَبْ) أي: لم تَلْبَث، ولم تتأخّر، قال ابن الأثير: يقال: لم يَنْشَب أن فَعَلَ كذا؛ أي: لم يلبث، وحقيقته لم يتعلّق بشيء غيره، ولا اشتغل بسواه. انتهى(٢). (أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل بدل من الضمير الفاعل في ((ينشَب))؛ أي: لم ينشب وضعُ حملها (بَعْدَ وَفَاتِهِ) أي: وفاة سعد بن خَوْلة المذكور، وقال أبو عمر: وَضَعت بعد وفاة زوجها بليال، وقيل: بخمس وعشرين ليلةً، وقيل: بأقل من ذلك، ذكره في ((العمدة)) (٣). (فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا) بتشديد اللام؛ أي: ارتفعت، أو بَرَأت (تَجَمَّلَتْ) أي: تزيّنت، وتحسّنت، يقال: جَمِل الرجل بالضمّ، والكسر جَمَالاً، فهو جميلٌ، وامرأة جميلة، قال سيبويه: الجمال رقّةُ الْحُسن، والأصل جمالةٌ بالهاء، مثلُ صَبُحَ صَبَاحَةً، لكنهم حذفوا الهاء؛ تخفيفاً؛ لكثرة الاستعمال، وتجمّل تجمُّلاً: بمعنى تزيّن، وتحسّن، إذا اجتلب البهاء، والإضاءة، ذكره الفيّوميّ(٤). (لِلْخُطَّابِ) بضم الخاء المعجمة، جمع خاطب، ككاتب وكُتّاب (فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ) بالسين المهملة، والنون، ثم موحدة: جمع سُنْبُلة، واختلف في اسمه، فقيل: عمرو، قاله ابن الْبَرْقيّ، عن ابن هشام، عمن يَثِق به، عن الزهريّ، وقيل: عامر، رُوي عن ابن إسحاق، وقيل: حبة - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة - وقيل: بنون، وقيل: لَبِيدُرَيَّه - بالإضافة - وقيل: أصرم، وقيل: عبد الله، ووقع في بعض الشروح: وقيل: بَغِيض. قال الحافظ: وهو غلط، والسبب فيه أن بعض الأئمة سُئل عن اسمه، فقال: بَغِيض يَسأل عن بغيض، فظنّ الشارح أنه اسمه، وليس كذلك؛ لأن في بقية الخبر اسمه ◌َبِيدُريه، وجزم العسكريّ بأن اسمه كنيته. انتهى(٥). (١) ((المصباح المنير)) ١٥١/١. (٣) ((عمدة القاري)) ١٠٣/١٧. (٢) ((النهاية)) ٥٢/٥. (٤) ((المصباح المنير)) ١١٠/١. (٥) ((الفتح)) ٢٠٩/١٢ (كتاب الطلاق)) رقم (٥٣١٨). ٢٨٣ (٨) - بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ - حديث رقم (٣٧٢١) (ابْنُ بَعْکَكِ) - بموحدة، ثم عین مهملة، ثم کافین، بوزن جعفر - ابن الحارث بن عَمِيلة - بفتح أوله - ابن السَّبَّاق بن عبد الدار القرشيّ الْعَبْدريّ، وكذا نسبه ابنُ إسحاق، وقيل: هو ابن بعكك بن الحجاج بن الحارث بن السباق، نَقَلَ ذلك عن ابن الكلبيّ ابنُ عبد البرّ، قال: وكان من المؤلَّفة، وسكن الكوفة، وكان شاعراً. ونَقَل الترمذيّ، عن البخاريّ أنه قال: لا يُعلم أن أبا السَّنَابل عاش بعد النبيّ وَّ، كذا قال، لكن جزم ابن سعد أنه بقي بعد النبيّ وَّ زمناً. وقال ابنُ مَنْدَهْ في ((الصحابة)): عِداده في أهل الكوفة، وكذا قال أبو نعيم: إنه سكن الكوفة، وفيه نظرٌ؛ لأن خليفة قال: أقام بمكة حتى مات، وتبعه ابن عبد البرّ. ويؤيد كونه عاش بعد النبيّ ◌َ ﴿ قول ابن الْبَرْقيّ: إن أبا السنابل تزوج سُبيعة بعد ذلك، وأولدها سنابل بن أبي السنابل، ومقتضى ذلك أن يكون أبو السنابل عاش بعد النبيّ وَّر؛ لأنه وقع في رواية عبد ربه بن سعيد، عن أبي سلمة: أنها تزوجت الشابّ، وكذا في رواية داود بن أبي عاصم: أنها تزوجت فَتَّى من قومها، وتقدم أن قصتها كانت بعد حجة الوداع، فيحتاج أن كان الشاب دخل عليها، ثم طلّقها إلى زمان عدة منه، ثم إلى زمان الحمل حتى تضع، وتَلِد سنابل، حتى صار أبوه يُكْنَى به أبا السنابل. وقد أفاد محمد بن وضاح، فيما حكاه ابن بشكوال وغيره عنه؛ أن اسم الشابّ الذي خطب سُبيعة هو وأبو السنابل، فآثرته على أبي السنابل: أبو البِشْر بن الحارث، وضبطه بكسر الموحدة، وسكون المعجمة. وقد أخرج الترمذيّ، والنسائيّ قصة سبيعة، من رواية الأسود، عن أبي السنابل، بسند على شرط الشيخين إلى الأسود، وهو من كبار التابعين، من أصحاب ابن مسعود، ولم يوصف بالتدليس، فالحديث صحيح، على شرط مسلم، لكن البخاريّ على قاعدته في اشتراط ثبوت اللقاء، ولو مرّةً، فلهذا قال ما نقله الترمذيّ. انتهى(١). (١) راجع: ((الفتح)) ٢٠٩/١٢ - ٢١٠. ٢٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق (رَجُلٌ) بالرفع بدلٌ من ((أبو السنابل)) (مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ، مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرَجَّيْنَ) من الترجية، وفي رواية: ((تريدين)) (النِّكَاحَ؟ إِنَّكِ وَاللهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِح) أي: ليس من شأنك النكاح، ولستِ من أهله، يقال: امرأة ناكحٌ، مثل حائضٍ، وطالقٍ، ولا يقال: ناكحة، إلا إذا أرادوا بناء الاسم لها، فيقال: نكحت فهي ناكحة، قاله في ((العمدة))(١). (حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرِ وَعَشْرٌ) برفع ((أربعةُ)) على الفاعليّة لـ«تَمُرُّ))، ووقع عند النسائيّ بلفظ: ((أربعةً أشهر وعشراً)) بالنصب، ويمكن أن يوجّه بأن يكون النصب على الظرفية، والعامل فاعل ((تمرّ)) مقدّراً؛ أي: تمرّ عليك العدّة أربعة أشهر وعشراً، ويَحْتَمِل أن يكون على حكاية لفظ القرآن، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ سُبَيْعَةُ) ﴿َا (فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) كناية عن استتارها بثيابها، وتحفّظها عن أن يظهر شيء من جسدها (حِينَ أَمْسَيْتُ) أي: دخلت في وقت المساء، وإنما اختارت المساء؛ لكونه أستر (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَسَأَلْتُّهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عما قال لي أبو السنابل (فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ، حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوُّجِ إِنْ بَدَا لِي) أي: ظهر لي التزوّج؛ أي: إن أرادت ذلك، ففيه أن النكاح ليس بواجب على المرأة، وتقدّم اختلاف أهل العلم في حكم النكاح مفصّلاً في الباب الأول من ((كتاب النكاح))، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَا أَرَى بَأْساً أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا) أي: وإن لم تتطهّر من نفاسها (غَيْرَ أَنْ لَا يَقْرَبُهَا) بفتح الراء، وتُضمّ، قال الفيّوميّ: وقَرِبْتُ الأمرَ أقرَبه، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قَتَلَ قِرْبَاناً بالكسر: فعلته، أو دانيته، ومن الأول: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّفَ﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن الثاني: ((لا تَقرَب الْحِمَى))؛ أي: لا تدن منه. انتهى(٢). والمعنى هنا: لا يجامعها (زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ) لأن النفاس يمنع من جماعها . (١) ((عمدة القاري)) ١٧/ ١٠٣. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٩٦/٢. ٢٨٥ (٨) - بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَّفَى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ - حديث رقم (٣٧٢١) قال القرطبيّ تَخُّ: هذا الذي قاله ابن شهاب تَخْلُ من أنها تتزوّج حين وضعت حملها، وإن لم تتطهّر من نفاسها هو مذهب الجمهور، وقد شذّ الحسن، والشعبيّ، والنخعيّ، وحمّادٌ، فقالوا: لا تنكح ما دامت في دم نفاسها، والحديث حجة عليهم، وسيأتي تمام البحث فيه قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سُبيعة بنت الحارث الأسلميّة ◌ٍّا هذا متّفقٌ علیه . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٢١/٨] (١٤٨٤)، و(البخاريّ) في ((الطلاق)) (٥٣١٩)، و(أبو داود) في ((الطلاق)) (٢٣٠٦)، و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (٦/ ١٩٤ و١٩٥ و١٦٦) و((الكبرى)) (٣٨٩/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣٢/٦)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٩٠/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٢/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٩٥/٢٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٨/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(١): ١ - (منها): بيان عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها، وذلك بوضع حملها، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالی ۔۔ ٢ - (ومنها): جواز الإفتاء بحضرة من هو أعلم منه؛ لأن الصحابة كانوا يُفتون في حياة النبيّ وَّه، ومنهم أبو السنابل بن بعكك ظُه، حيث أفتى سبيعة بأنها لا تحلّ بوضع حملها، بل بأربعة أشهر وعشر. ٣ - (ومنها): أن المفتي إذا كان له ميلٌ إلى شيء، لا ينبغي له أن يُفتي (١) المراد فوائد حديث سبيعة الأسلميّة ﴿هذا برواياته المختلفة عند المصنّف، أو فيما أشرت إليه في الشرح، لا خصوص سياق المصنف هذا فقط، فليُتنبّه. ٢٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق فيه؛ لئلا يحمله الميل إليه على ترجيح ما هو المرجوح، كما وقع لأبي السنابل، حيث أفتى سُبيعة أنها لا تحلّ بالوضع؛ لكونه خطبها، فمنعته، ورجا أنها إذا قبلت ذلك منه، وانتظرت مضيّ المدّة حضر أهلها، فرغّبوها في زواجه، دون غيره، كما بُيّن في رواية أبي سلمة أنه خطبها رجلان: أحدهما شابّ، والآخر كهلٌ، فحطّت إلى الشابّ، فقال الكهل - هو أبو السنابل -: لم تحلل، وكان أهلها غَيْباً، فرجا إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها . ٤ - (ومنها): ما كان في سُبيعة ◌ّنا من الشهامة والفطنة، حيث تردّدت فيما أفتاها به حتى حملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع، وهكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتي، أو حكم الحاكم في مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النصّ في تلك المسألة، قال الحافظ كَخَّتُهُ: ولعلّ ما وقع من أبي السنابل من ذلك هو السرّ في إطلاق النبيّ وَّارِ أنه كَذَبَ في الفتوى المذكورة، كما أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود به، على أن الخطأ قد يُطلق عليه الكذب، وهو في كلام أهل الحجاز كثير، وحمله بعض العلماء على ظاهره، فقال: إنما كذّبه؛ لأنه كان عالماً بالقصّة، وأفتى بخلافه، حكاه ابن داود عن الشافعيّ في ((شرح المختصر))، وهو بعيد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض من زلّة الأقلام، بل من الخطأ الفادح، فلا ينبغي أن نقول: إن هذا الصحابيّ مع علمه بحكم الله تعالی أفتی بخلافه؛ لأجل أن ینال شهوته، حاشا لله، ثم حاشا لله، فالواجب علينا أن نؤول مثل هذا بما لا يتعارض مع منصب الصحبة، فنقول: إن الكذب معناه هنا الخطأ؛ أي: أخطأ في هذه الفتوى، لظنه الحكم كذلك، فليُتنبّه، والله الهادي إلى سواء السبيل. ٥ - (ومنها): أن فيه الرجوعَ في الوقائع إلى الأعلم. ٦ - (ومنها): مباشرة المرأة بنفسها السؤال عما ينزل بها، ولو كان مما تَستحي النساء من مثله، لكن خروجها من منزلها ليلاً يكون أستر لها، كما فعلت سُبيعة. ٧ - (ومنها): أن الحامل تنقضي عدّتها بالوضع على أي صفة كان، من مُضْغة، أو عَلَقَة، سواء استبان خلق الآدميّ، أم لا؛ لأنه وَّ رتّب الحلّ على ٢٨٧ (٨) - بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ - حديث رقم (٣٧٢١) الوضع من غير تفصيل، وتوقّف ابن دقيق العيد فيه من جهة أن الغالب في إطلاق وضع الحامل هو الحمل التامّ المتخلّق، وأما خروج المضغة، أو العلقة، فهو نادرٌ، والحمل على الغالب أقوى، ولهذا نُقل عن الشافعيّ قولٌ بأن العدّة لا تنقضي بوضع قطعة لحم، ليس فيها صورةٌ بيّنة، ولا خفيّة. وأجيب عن الجمهور بأن المقصود في انقضاء العدّة براءة الرحم، وهو حاصلٌ بخروج المضغة، أو العلّقَة، بخلاف أم الولد، فإن المقصود منها الولادة، وما لا يصدق عليه أنه أصل آدميّ، لا يُقال فيه: ولدت، وسيأتي مزيد بسط في هذا في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٨ - (ومنها): جواز تجمّل المرأة بعد انقضاء عدّتها لمن يخطبها؛ لقول أبي السنابل: ((ما لي أراك متجمّلةً؟))، وفي رواية ابن إسحاق: ((فتهيّأت للنكاح، واختضبت))، وفي رواية معمر، عن الزهريّ، عند أحمد: ((فلقيها أبو السنابل، وقد اكتحلت))، وفي رواية الأسود: ((فتطيّبت، وتصنّعت)). ٩ - (ومنها): أنه استدلّ به على أن المرأة لا يجب عليها الزَّواج؛ لقولها في الخبر من طريق الزهريّ: ((وأمرني بالتزويج إن بدا لي)). ١٠ - (ومنها): أن الثيّب لا تُزوّج إلا برضاها من ترضاه، ولا إجبار لأحد عليها، وقد تقدّم بيانه في بابه. ١١ - (ومنها): أنه استُدلّ بقولها: ((فأفتاني بأني حللت حين وضعت حملي)) على أنه يجوز العقد عليها إذا وَضَعت، ولو لم تطهر من دم النفاس، وبه قال الجمهور، وإلى ذلك أشار ابن شهاب في آخر حديثه، حيث قال: ((ولا أرى بأساً أن تتزوّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر)». وقال الشعبيّ، والحسن، والنخعيّ، وحماد بن سلمة: لا تنكح حتى تطهر . قال القرطبيّ: وحديث سبيعة حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله في بعض طرقه: ((فلما تعلّت من نفاسها))؛ لأن ((تعلّت)) وإن كان أصله طهرت من دم نفاسها، على ما حكاه الخليل، فيحتمل أن يكون المراد به هنا: تعلّت من آلام نفاسها؛ أي: استقلّت من أوجاعها، وتغييراته. ولو سُلّم أن معناه ما قاله ٢٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق الخليل، فلا حجة فيه أيضاً؛ لأنها حكاية واقعة سُبيعة، وإنما الحجة في قوله وَله: ((إنها حلّتْ حين وضعتْ))، كما في حديث ابن شهاب هذا. وفي رواية معمر، عن الزهريّ: ((حللتِ حين وضعتِ حملك))، وكذا أخرجه أحمد من حديث أبيّ بن كعب : ((أن امرأته أم الطفيل قالت لعمر وظه: قد أمر رسول الله وَلفيه سبيعة أن تنكح إذا وضعت)). وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فعلّق الحلّ بحين الوضع، وقصره عليه، ولم يقل: إذا طهرت، ولا إذا انقطع دمك، فصحّ ما قاله الجمهور. انتهى كلام القرطبي تَّقُ(١)، وهو تحقيق حسن جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها : ذهب جمهور العلماء من السلف، وأئمة الفتوى في الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تحلّ بوضع الحمل، وتنقضي عدّة الوفاة. وخالف في ذلك عليّ ◌ُه، فقال: تعتدّ آخر الأجلين، ومعناه أنها إن وضعت قبل مضيّ أربعة أشهر وعشر، تربّصت إلى انقضائها، ولا تحلّ بمجرّد الوضع، وإن انقضت المدّة قبل الوضع، تربّصت إلى الوضع، أخرجه سعيد بن الله بسند صحيح. وبه قال ابن عبّاس پا، منصور، وعبد بن حميد، عن عليّ كما في قصّته مع أبي هريرة به الآتية في هذا الباب، ويقال: إنه رجع عنه، ويقوّيه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدّتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك، وقد ثبت عن ابن مسعود به من عدّة طرق أنه كان يوافق الجماعة، حتى كان يقول: ((من شاء لاعنته على ذلك)) ويظهر من مجموع الروايات في قصّة سبيعة أن أبا السنابل رجع عن فتواه أوّلاً أنها لا تحلّ حتى تمضي مدّة عدّة الوفاة؛ لأنه قد روى قصّة سبيعة وردّ النبيّ وَّ﴿ ما أفتاها أبو السنابل به من أنها لا تحلّ حتى يمضي أربعة أشهر (١) ((المفهم)) ٢٨١/٤ - ٢٨٢، و((الفتح)) ٢١٣/١٢. ٢٨٩ (٨) - بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ - حديث رقم (٣٧٢١) وعشر، ولم يَرِد عن أبي السنابل تصريح في حكمها لو انقضت المدّة قبل الوضع، هل كان يقول بظاهر إطلاقه من انقضاء العدّة، أو لا؟ لكن نقل غير واحد الإجماع على أنها لا تنقضي في هذه الحالة الثانية حتى تضع. وقد وافق سحنون من المالكيّة عليّاً به، نقله المازريّ وغيره، وهو شذوذ مردود؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع. والسبب الحامل له الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما، فقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] عامّ في كلّ من مات عنها زوجها، يشمل الحامل وغيرها، وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَثُ الْأَْمَالِ أَجَّلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤] عامّ أيضاً، يشمل المطلّقة، والمتوفّى عنها، فجمع أؤلئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلّقة، بقرينة ذكر عدد المطلّقات، كالآيسة، والصغيرة قبلهما، ثم لم يمهلوا ما تناولته الآية الثانية من العموم، لكن قصروه على من مضت عليها المدّة، ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى، وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حقّ بعض من شمله العموم. قال القرطبيّ: هذا حسنٌ، فإن الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، لكن حديث سبيعة نصّ بأنها تحلّ بوضع الحمل، فكان فيه بيان المراد بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرً﴾ أنه في حقّ من لم تضع، وإلى ذلك أشار ابن مسعود ظُه بقوله: ((إن آية الطلاق نزلت بعد آية البقرة))، وفهم بعضهم منه أنه يرى نسخ الأولى بالأخيرة، وليس ذلك مراده، وإنما يعني أنها مخصّصة لها، فإنها أَخرجت منها بعض متناولاتها . وقال ابن عبد البرّ تَخْلُهُ: لولا حديث سُبيعة لكان القول ما قال عليّ، وابن عبّاس ﴿ها؛ لأنهما عدّتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل المتوفّى عنها زوجها، فلا تخرج من عدّتها إلا بيقين، واليقين آخر الأجلين. انتھی. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من العمل بحديث سُبيعة ◌ّا، فإذا وضعت الحامل حملها بعد ٢٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق وفاة زوجها، فقد انقضت عدّتها، سواء كان قريباً من وفاته، ولو لحظة، أو بعيداً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما تنقضي بوضعه العدّة، من الحمل : قال العلامة ابن قدامة تَخْذَثُ ما ملخّصه: إذا ألقت المرأة بعد فرقة زوجها، أو موته شيئاً لم يخلُ من خمسة أحوال: [أحدها]: أن تضع ما بان فيه خلق الآدميّ، من الرأس، واليد، والرجل، فهذا تنقضي به العدّة بلا خلاف بين العلماء، قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أن عدّة المرأة تنقضي بالسقط، إذا عُلم أنه ولد، وممن نحفظ عنه ذلك: الحسن، وابن سيرين، وشُريح، والشعبيّ، والنخعيّ، والزهريّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، قال: وذلك لأنه إذا بان فيه شيء من خلق الآدميّ عُلم أنه حملٌ، فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤]. [الحال الثاني]: أن تُلقي نطفة، أو دماً، لا تدري، هل هو ما يُخلق منه الآدميّ، أو لا؟ فهذا لا يتعلّق به شيء من الأحكام؛ لأنه لم يثبت أنه ولدٌ، لا بالمشاهدة، ولا بالبيّنة. [الحال الثالث]: أن تُلقي مضغة، لم تَبِن فيها الخلقة، فشهدت ثقاتٌ من القوابل أن فيه صورة خفيّةً، بان بها خلقة آدميّ، فهذا في حكم الحال الأول؛ لأنه قد تبيّن بشهادة أهل المعرفة أنه ولد. [الحال الرابع]: أن تُلقي مضغة، لا صورة فيها، فشهد ثقات من القوابل أنه مبتدأ خلق آدميّ، فاختلف عن أحمد، فنقل أبو طالب أن عدّتها لا تنقضي، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لم يبن فيه خلق آدميّ، فأشبه الدم، وقد ذُكر هذا قولاً للشافعيّ، ونقل الأثرم عنه أن عدتها لا تنقضي به، ولكن تصير أم ولد؛ لأنه مشكوك في كونه ولداً، فلا تنقضي عدتها، ويثبت كونها أم ولد؛ احتياطاً في كلّ منهما . [الحال الخامس]: أن تضع مضغة لا صورة فيها، ولم تشهد القوابل بأنها مبتدأ خلق آدميّ، فهذا لا تنقضي به عدّة، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لم يثبت ٢٩١ (٨) - بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ - حديث رقم (٣٧٢٢) كونه ولداً ببيّنة، ولا مشاهدة، فأشبه الْعَلَقَة، ولا تنقضي العدة بوضع ما قبل المضغة بحال، سواء كان نطفة، أو علقة، وسواء قيل: مبتدأ خلق آدميّ، أو لم يُقل، ولا نعلم في هذا مخالفاً إلا الحسن، فإنه قال: إذا عُلم أنه حمل انقضت به العدّة، وفيه الغُرّة، والأول الأصحّ، وعليه الجمهور. وأقلّ ما تنقضي به العدّة من الحمل أن تضعه بعد ثمانين يوماً منذ أمكنه وطؤها؛ لأن النبيّ وَّ قال: ((إن خلق أحدكم ليُجمَع في بطن أمه، فيكون نطفة أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ... )) الحديث متّفقٌ عليه، ولا تنقضي العدّة بما دون المضغة، فوجب أن تكون بعد الثمانين، فأما ما بعد الأربعة أشهر، فليس فيه إشكال؛ لأنه يُنكّس في الخلق الرابع. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف واختصار وهو تفصيل حسن جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٣٧٢٢] (١٤٨٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ اجْتَمَعَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَةَ، تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتُهَا آَخِرُ الْأَجَلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ، فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ، فَبَعَثُوا كُرَيْباً مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمّ سَلَمَةَ، يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمْ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ، نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةٍ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، وَإِنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى الزَّمِنُ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣ . ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةُ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٢٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق ٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولى ميمونة المدنيّ، ثقةٌ فاضل فقيهٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩. ٥ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين، ماتت سنة (٦٢) وقيل غير ذلك (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣. شرح الحديث: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف التابعِيّ الشهير (وَابْنَ عَبَّاسٍ) رََّ (اجْتَمَعَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َه (وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَةَ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل ((اجتمع))، وقوله: (تُنْفَسُ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((المرأة))، وهو بضمّ أوله، بصيغة المبنيّ للمفعول، ومعناه معلومٌ؛ أي: تَلِدُ، يقال: نُفِسَت المرأة، فهي نُفساء، والجمع نفاس بالكسر، ومثله عُشَرَاء وعِشَار، وبعض العرب يقول: نَفِسَتْ تَنْفَسُ، من باب تَعِبَ، فهي نافسٌ، مثلُ حائض، والولد منفوس، والنِّفَاس بالكسر أيضاً اسم من ذلك، ونَفِسَت تَنْفَس، من باب تَعِبَ: حاضت، ونُقل عن الأصمعيّ: نُفِسَت بالبناء للمفعول أيضاً، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، ولا يقال في الحيض: نُفِسَت بالبناء للمفعول، وهو من النفس، وهو الدم، ومنه قولهم: لا نفس له سائلة؛ أي: لا دَمَ له يَجْري، وسُمِّي الدم نفساً؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قِوَامها بالدم، والنفساء من هذا، قاله الفيّوميّ تَّفُهُ(١). وقوله: (بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا) ظرف متعلّق بـ«نُفِسَت))، وقوله: (بِلَيَالٍ) التنوين للتقليل؛ أي: ليالٍ قليلة، لا تبلغ مدّة أربعة أشهر وعشراً (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) (عِدَّتُهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ) أي: من عدّة الوفاة، أو من عدّة وضع الحمل، يعني أنها تتربّص أربعة أشهر وعشراً، لو وضعت قبل ذلك، وتتربّص وضعها إن مضت المدة، ولم تضع، وقال بقول ابن عبّاس هذا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ونُقل عن سحنون أيضاً، ووقع عند الإسماعيليّ: قيل لابن عبّاس في امرأة وَضَعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلةً، أيصلح أن تتزوج؟ قال: لا، إلى (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦١٧. ٢٩٣ (٨) - بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ - حديث رقم (٣٧٢٢) آخر الأجلين، قال أبو سلمة: فقلت: قال الله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حمّلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، قال: إنما ذاك في الطلاق، وقد أخرج الطبريّ وابن أبي حاتم بطرُق متعددة إلى أَبَيّ بن كعب أنه قال للنبيّ نَّهِ: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ المطلقة ثلاثاً، أو المتوفى عنها زوجها؟ قال: هي للمطلقة ثلاثاً، أو المتوفى عنها، قال الحافظ تَخَُّهُ: وهذا المرفوع، وإن كان لا يخلو شيء من أسانيده عن مقال، لكن كثرة طرقه تُشعر بأن له أصلاً، ويَعْضِده قصة سبيعة المذكورة. انتهى(١). [تنبيه]: يقال: إن ابن عبّاس ◌َّ رجع عن مذهبه هذا، وقال بقول الجمهور، قال في ((الفتح)): ويقوّيه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك. انتهى. (وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (قَدْ حَلَّتْ) أي: حلّ نكاحها؛ لانقضاء عدّتها بوضع حملها؛ عملاً بالآية المذكورة (فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ) فيه أن المفضول يسعه خلاف الفاضل في المسائل، فإن أبا سلمة من التابعين، وابن عبّاس من الصحابة (أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، يَعْنِي أَبَا (قَالَ) سليمان بن يسار (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن؛ أي: أنا أوافقه فيما قال (فَبَعَثُوا) أي: أرسلوا (كُرَيْباً مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو كريب بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشدين المدنيّ الثقة من الثالثة، توفي سنة (٩٨هـ) تقدّمت ترجمته في ((الحيض)) ٦٨٨/٢. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): هذا السياق ظاهره أن أبا سلمة تَلَقَّى ذلك عن كريب، عن أم سلمة، وهو المحفوظ، وذكر الحميديّ في ((الجمع)) أن أبا مسعود ذكره في ((الأطراف)) في ترجمة أبي سلمة، عن عائشة، قال الحميديّ: وفيه نظر؛ لأن الذي عندنا من البخاريّ: «فأرسل ابنُ عباس غلامه كُريباً، فسألها))، لم يذكر لها اسماً، قال الحافظ: كذا قال، والذي وقع لنا، ووقفت عليه من جميع الروايات في البخاريّ، في هذا الموضع: ((فأرسل ابن عباس غلامه كريباً إلى أم سلمة))، وكذا عند الإسماعيليّ من وجه آخر، عن يحيى بن (١) ((الفتح)) ٧١٥/١٠ - ٧١٦ ((كتاب التفسير)) ((تفسير سورة الطلاق)) رقم (٤٩٠٩). ٢٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق أبي كثير، وقد ساقه مسلم من وجه آخر، فأخرجه من طريق سليمان بن يسار؛ ((أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة، وهما يذكران المرأة تُنْفَس بعد وفاة زوجها بليالي، فقال ابن عباس: عدتها آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: قد حَلَّت، فجعلا يتنازعان، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فبعثوا كُريباً مولى ابن عباس إلى أم سلمة، يسألها عن ذلك))، فهذه القصة معروفة لأم سلمة. انتهى(١). (إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أمية المخزوميّة ﴿ّا، وقوله: (يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((كريباً)) (فَجَاءَهُمْ) كريب بعد أن سألها (فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أَّ سَلَمَةَ) ◌َّا (قَالَتْ: إِنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ، نُفِسَتْ) قال النوويّ تَخُّْ: هو بضمّ النون على المشهور، وفي لغة بفتحها، لغتان في الولادة. انتهى(٢). (بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ) كذا أبهم المدّة في هذه الرواية، عند مسلم، وكذا هو عند البخاريّ في رواية الْمِسور بن مَخْرمة، وفي رواية الزهريّ الماضية: ((فلم تَنْشَبْ أن وضعت))، ووقع في رواية محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة، عن سبيعة، عند أحمد: ((فلم أمكُث إلا شهرين، حتى وضعت))، وفي رواية داود بن أبي عاصم: ((فولدت لأدنى من أربعة أشهر))، وهذا أيضاً مبهم، وفي رواية يحيى بن أبي كثير عند البخاريّ في ((تفسير الطلاق)): ((فوضعت بعد موته بأربعين ليلةً))، كذا في رواية شَيبان عنه، وفي رواية حجاج الصوّاف، عند النسائيّ: ((بعشرين ليلةً))، ووقع عند ابن أبي حاتم، من رواية أيوب، عن يحيى: ((بعشرين ليلة، أو خمس عشرة))، ووقع في رواية الأسود: ((فوضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوماً، أو خمسة وعشرين يوماً))، كذا عند الترمذيّ، والنسائيّ، وعند ابن ماجه: ((ببضع وعشرين ليلةً))، وكأن الراوي ألغى الشكّ، وأتى بلفظ يَشْمُل الأمرين. ووقع في رواية عبد ربه بن سعيد: ((بنصف شهر))، وكذا في رواية شعبة بلفظ: ((خمسة عشر، نصف شهر))، وكذا في حديث ابن مسعود، عند أحمد. (١) ((الفتح)) ٧١٦/١٠ ((تفسير سورة الطلاق)) رقم (٤٩٠٩). (٢) ((شرح النوويّ)) ١١١/١٠. ٢٩٥ (٨) - بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَّفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ - حديث رقم (٣٧٢٢) قال الحافظ تَّلُهُ: والجمع بين هذه الروايات متعذُّر؛ لاتحاد القصّة، ولعل هذا هو السرّ في إبهام من أبهم المدّة، إذ محل الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشر، وهو هنا كذلك، فأقلّ ما قيل في هذه الروايات: ((نصف شهر)) . قال: وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاريّ رواية ((عشر ليال))، وفي رواية للطبرانيّ: ثمان، أو سبع، فهو في مدّة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبيّ وَّ﴾، لا في مدة بقية الحمل، وأكثرُ ما قيل فيه بالتصريح شهران، وبغيره دون أربعة أشهر. انتهى(١). كذا أبهم الراوي المدة في روايات مسلم، وبعضهم عيّنوا المدّة، واختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، فرُوي أنها وضعت بعد وفاة زوجها بشهرين، كما في رواية أحمد، وروى البخاريّ: ((بعد أربعين ليلةً))، وروى النسائيّ: ((بعد عشرین لیلةً))، ورُوي غيرها . قال الحافظ بعدما ساق هذه الروايات: والجمع بين هذه الروايات متعذّر؛ لاتحاد القصّة، ولعلّ هذا هو السرّ في إبهام من أبهم المدّة. انتهى. (وَإِنَّهَا) أي: سبيعة (ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ) استَغْنَت أم سلمة ﴿ّا بسياق قصة سُبيعة عن الجواب بـ(لا))، أو(نعم))، لكونه تضمّن الجواب بـ((نعم)) مع بيان الدليل، ففيه جواب السؤال بدليله، وهو أوفى، وأخصر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: من أغرب ما رأيت أن صاحب ((تكملة فتح الملهم)) احتجّ بقوله: ((فأمرها أن تتزوّج)) لمذهبه الحنفيّ أن النكاح يصحّ بدون وليّ، وبعبارات النساء، وهذا احتجاج عجيبٌ، كيف يصنع بقوله وَلفي: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ ... )) الحديث أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، والحاكم، وهو حديث صحيح، وقد استوفيت البحث في هذا في غير هذا الموضع، ولله الحمد، والمنّة، وله الفضل والنعمة، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٢١١/١٢ (كتاب الطلاق)) رقم (٥٣٢٠). ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٢٢/٨ و٣٧٢٣] (١٤٨٥)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٩٠٩)، و(الترمذيّ) في ((الطلاق)) (١١٩٤)، و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (١٩٢/٦ و١٩٣)، و(مالك) في ((الموطٍ)) (٥٩٠/٢)، و(الشافعيّ) في (مسنده)) (٥٢/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١١٧٢٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٤/٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٨٩/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٦٥/٢ - ١٦٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٧٦٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٢٩٥ و٤٢٩٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٠/٣ - ١٩١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٣/٤)، و(البيهقيّ) في ((الصغرى)) (٤٥٥/٦) و((المعرفة)) (٤٧/٦)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٣٧٢٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْبَى ابْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ اللَّيْثَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمَّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يُسَمِّ كُرَيْباً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أيضاً قبل باب. ٤ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةُ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٢٩٧ (٨) - بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ - حديث رقم (٣٧٢٣) ٥ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦. و((يحيى بن سعيد)) وهو الأنصاريّ، ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية الليث، عن يحيى بن سعيد، ساقها النسائيّ كَّتُهُ في ((الكبرى)) ٣٨٧/٣ فقال: (٥٧٠٦) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، عن يحيى، وهو ابن سعيد، عن سليمان بن يسار؛ أن أبا هريرة، وابن عباس، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، تذاكروا عدّة المتوفَّى عنها الحامل، تضع عند وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين، وقال أبو سلمة: بل تَحِلّ حين تضع، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة، زوج النبيّ وَّ، فقالت: ((وضعت سُبيعة الأسلمية، بعد وفاة زوجها بيسير، فاستفتت رسول الله وَ لاته، فأمرها أن تتزوج)). انتھی. ورواية يزيد بن هارون، عن يحيى ساقها أبو عوانة كَّتُهُ في ((مسنده)) ٣/ ١٩١ فقال: (٤٦٤٧) - حدّثنا عمار بن رجاء، قال: أنبا يزيد بن هارون، قال: أنبا يحيى بن سعيد؛ أن سليمان بن يسار أخبره، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وابن عباس، اجتمعا عند أبي هريرة، فتذاكروا الرجل، يُتَوَفَّى عن المرأة، أو المرأة يُتَوَقَّى عنها زوجها، فتَلِد بعده بليالي، فقال ابن عباس: أجلها آخر الأجلين، قال أبو سلمة: إذا وَضَعت، فقد أُحِلَّت، فأرسلوا كريباً إلى أم سلمة، يسألها عن ذلك، فقالت: إن سُبيعة بنت الحارث تُوُقِّي عنها زوجها، فوضعت بعد وفاته بليالي، وإن رجلاً من بني عبد الدار، يُدْعَى أبا السَّنابِل بن بَعْكَك خطبها، وأخبرها أنها قد حَلَّت، فأرادت أن تزوج غيره، فقال لها أبو السنابل: فإنك لم تحلي، فذكرت ذلك سُبيعة لرسول الله وَلّ، فأمرها أن تزوج. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . ٢٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق (٩) - (بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّام) (اعلم): أن ((الإحداد)) - بكسر الهمزة -: مصدر أحدّت المرأة رباعيّاً، ويقال: حدّت ثلاثيّاً . قال الفيّوميّ تَخْذَلُ: حدّت المرأة على زوجها تَحِدُّ - بالكسر - وتَحُدّ - بالضمّ - حِدَاداً بالكسر، فهي حادّ، بغير هاء، وأحدّت إحداداً، فهي مُحِدٌّ، ومُحِدَّةٌ: إذا تركت الزينة لموته. وأنكر الأصمعيّ الثلاثيّ، واقتصر على الرباعيّ. انتهى. وقال ابن منظور تَّثُ - بعد ذكر نحو ما تقدّم -: قال أبو عبيد: وإحداد المرأة على زوجها ترك الزينة، وقيل: هو إذا حَزِنت عليه، ولبست ثياب الحزن، وتركت الزينة والخضاب، قال أبو عبيد: ونرى أنه مأخوذ من المنع؛ لأنها قد مُنِعَت من ذلك، ومنه قيل للبوّاب: حدّاد؛ لأنه يمنع الناس من الدخول. انتهى. وقال في ((الفتح)): قوله: ((تحد)) بضمّ أوله، وكسر ثانيه، من الرباعيّ، ويجوز بفتحة، ثم ضمة، من الثلاثيّ، قال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سمّي البوّاب حدّاداً؛ لمنعه الداخل، وسمّيت العقوبة حدّاً؛ لأنها تردع عن المعصية . وقال ابن درستويه: معنى الإحداد منع المعتدّة نفسَهَا الزينةَ، وبَدَنَها الطيبَ، ومنع الْخُطَّاب خِطبتها، والطمعَ فيها، كما منع الحدّ المعصية. وقال الفرّاء: سمّي الحديد حديداً؛ للامتناع به، أو لامتناعه على محاوله، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلّبه في الجهات. ويُروى بالجيم، حكاه الخطابيّ، قال: يُروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة. وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعيّ: حَدّت، ولم يَعرِف إلا: أحدّت. ٢٩٩ (٩) - بَابُ وُجُوبِ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤) وقال الفرّاء: كان القدماء يؤثرون: أحدّت، والأخرى أكثر في كلام العرب. وقال في موضع آخر: قال ابن بطال: الإحداد - بالمهملة -: امتناع المرأة المتوفّى عنها زوجها من الزينة، كلها من لباس، وطيب، وغيرهما، وكلّ ما كان من دواعي الجماع. وأباح الشارع للمرأة أن تحدّ على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لَوْعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجباً؛ لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أولَ الكتاب قال: [٣٧٢٤] (١٤٨٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ، قَالَ: قَالَتْ زَّيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َّهِ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا، أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ، فِيهِ صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ، أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَالهِ، مَا لِي بِالطِّيبٍ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((لَا يَحِلَّ ◌ِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً»، قَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حِيْنَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ، فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَالهِ مَا لِي بِالطِّيبٍ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْج، أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً)، قَالَتْ زَيْنَبُ: سَمِعْتُ أُمِّي، أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَبْنُهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَ))، مَرَّتَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثاً، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: ((لَ))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرِ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ))، قَالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِزَبْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ ٣٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق زَيْنَبُ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشاً، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيباً، وَلَا شَيْئاً، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ، أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّ مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ، مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] (ت١٣٥) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٧ / ٩١٦. ٤ - (حُمَيْدُ بْنُ نَافِع) الأنصاريّ، أبو أفلح المدنيّ، يقال له: حُميد صُفيرا، ثقة [٣] (ع) تقدم في ((الرضاع)) ٧/ ٣٦٠٣. ٥ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد، الصحابيّة بنت ◌ُه، ربيبة النبيّ وَل﴾، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في الصحابيّ والصحابيّة ((الحيض)) ٦٨٩/٢. ٦ - (أُمّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين، ماتت ها سنة (٢ أو ٤ أو ٤٩) وقيل غير ذلك (ع) تقدمت في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٨٦/٣. ٧ - (زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ) الأسديّة، أم المؤمنين، ماتت عُنا في خلافة عمر هن (ع) تقدمت في ((الزكاة)) ٤٩/ ٤٨١ ٨ - (أُمُّ سَلَمَةَ) رُوهُنَا تقدّمت في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف دَخْذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضاً، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة .