Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ (٣) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٨) ٢ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. ٣ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٢] (ت٦٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٣. ٤ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين بنت الصدّيق ◌َّا (ت٥٧) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. والباقيان تقدّما قبل باب. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبغداديّ، وحجاج، فمصّيصيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَطَاءٍ) بن أبي رباح (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) الليثيّ التابعيّ الكبير (يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﴿ُّ (تُخْبِرُ) وفي رواية النسائيّ: ((تَزْعُمُ))؛ أي: تقول، وأهل الحجاز يُطلقون الزعم على مطلق القول، قاله في ((الفتح)) (١). (أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ، كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) الأسديّة، أم المؤمنين، وبنت عمة رسول الله وسلم أميمة بنت عبد المطلب، تقدّمت ترجمتها في ((الزكاة)) ٢٤٨١/٤٩. (فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً، فَتَوَاطَيْتُ) بالطاء، والهمزة، من التواطئ، قال النوويّ: هكذا هو في النسخ: ((فتواطيتُ))، وأصله ((فتواطأت)) بالهمزة، فسَهّلت، فصارت ياءً، وفي رواية النسائيّ: ((فتواصيتُ)) بالصاد المهملة، من التواصي (أنا) توكيد للضمير المتّصل؛ حتى يمكن عطف الظاهر عليه، كما قال في ((الخلاصة)): (١) ((الفتح)) ١٢/ ٥٦. ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ أَوْ فَاصِلِ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ (وَحَفْصَةُ) ﴿َّا (أَنَّ أَيَّتَنَا مَا) - بفتح الهمزة، وتشديد الياء - هي أيُّ دخلت عليها تاء التأنيث، وأضيفت إلى ضمير المتكلّم، و((ما)) زائدة (دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ وَِّ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟) بتقدير أداة الاستفهام؛ أي: أأكلتَ؟ قال النوويّ تَكْثُ: هي بفتح الميم، وبغين معجمة، وفاء، وبعد الفاء ياء، هكذا هو في الموضع الأوّل في جميع النسخ، وأما الموضعان الأخيران فوقع فيهما في بعض النسخ بالياء، وفي بعضها بحذفها، قال القاضي عياض: الصواب إثباتها؛ لأنها عوض من الواو التي في المفرد، وإنما حُذفت في ضرورة الشعر. انتهى. وهو: جمع مُغْفُور - بضمّ أوله - ويقال: بثاء مثلّثة بدل الفاء، حكاه أبو حنيفة الدِّينوريّ في النبات. قال ابن قُتيبة: ليس في الكلام ((مُفْعُولٌ)) - بضمّ أوله - إلا ((مُغفُورٌ))، و((مُغزولٌ)) - بالغين المعجمة - من أسماء الكَمْأة، و(مُنْخُورٌ)) - بالخاء المعجمة - من أسماء الأنف، و((مُغْلُوقٌ)) - بِالغين المعجمة - واحد المَغَاليق، قال: و((المُعْفُور)) صمغٌ حُلْوٌ، له رائحة كريهة. وذَكَر البخاريّ أن المُغفور شبيهٌ بالصمغ يكون في الرِّمْث - بكسر الراء، وسكون الميم، بعدها مثلّثةٌ - وهو من الشجر التي ترعاها الإبل، وهو من الحَمْض، وفي الصمغ المذكور حلاوةٌ، يقال: أغفر الرِّمثُ: إذا ظهر ذلك فيه. وذكر أبو زيد الأنصاريّ أن الْمُغفورَ يكون أيضاً في الْعُشَر - بضمّ المهملة، وفتح المعجمة - وفي الثُّمَام، والسَّلَم، والطّلْح، واختُلف في ميم مغفور، فقيل: زائدة، وهو قول الفرّاء، وعند الجمهور أنها من أصل الكلمة، ويقال له أيضاً: مِغْفارٌ - بكسر أوّله - ومغفرٌ - بضمّ أوله، وبفتحه، وبكسره - عن الكسائيّ، والفاء مفتوحةٌ في الجميع. وقال عياضٌ: زعم المهلّب أن رائحة المغافير، والْعُرْفُط حسنةٌ، وهو خلاف ما يقتضيه الحديث، وخلاف ما قاله أهل اللغة. انتهى. قال الحافظ: ولعلّ المهلّب قال: ((خبيثة)) - بمعجمة، ثم موحّدة، ثم ١٠٣ (٣) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٨) تحتانيّة، ثم مثلّثة -، فتصحّفت، أو استند إلى ما نُقل عن الخليل، وقد نسبه ابن بطّال إلى ((العين)) أن الْعُرْفُط شجر العضاه، والعِضَاه كلّ شجر له شوكٌ، وإذا استيك به كانت له رائحة حسنة، تشبه رائحة طيب النبيذ. انتهى (١). وعلى هذا فيكون ريح عيدان العرفُط طيّباً، وريح الصمغ الذي يسيل منه غير طيّبة، ولا منافاة في ذلك، ولا تصحيف. وقد حكى القرطبيّ في ((المفهم)) أن رائحة ورق العرفط طيّبة، فإذا رعته الإبل، خَبُثَت رائحته، وهذا طريق آخر في الجمع حسنٌ جدّاً. انتهى. و((الْعُرْفُط)) - بضم العين المهملة، والفاء - يكون بالحجاز، وقيل: إن العرفط نبات له ورقة عريضة، تَفترش على الأرض، له شوكة حَجناء، وثمرة بيضاء؛ كالقطن، مثل زِرّ القميص، خبيث الرائحة(٢). (فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا) قال صاحب ((التنبيه)): هي سودة، كما في مسلم بعد هذا. انتهى(٣)، وأما قول الحافظ: لم أقف على تعيينها، وأظنّها حفصة، ففيه نظر، فتأمل. (فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ) زاد في رواية البخاريّ: ((لَا))، وهي نافية، ردّ لقولها؛ أي: لم آكل مغافير («بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ))) وفي رواية هشام: ((وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً))، وبهذه الزيادة تظهر مناسبة قوله (فَتَزَلَ) قوله تعالى: (﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَعَلَّ اللَّهُ لَكَّ﴾) قال عياضٌ: حُذفت هذه الزيادة من رواية حجاج بن محمد، فصار النظم مشكلاً، فزال الإشكال برواية هشام بن يوسف. واستدلّ القرطبيّ وغيره بقوله: ((حلفت)) على أن الكفّارة التي أُشير إليها في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله: ((حلفتُ))، فتكون الكفّارة لأجل اليمين، لا لمجرّد التحريم، قال الحافظ: وهو استدلالٌ قويّ لمن يقول: إن التحريم لغوٌ، لا كفّارة فيه بمجرّده، وحمل بعضهم قوله: ((حلفت)) على التحريم، ولا يخفى بُعده، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ١٢ /٥٦ - ٥٧. (٣) ((تنبيه المعلم)) ص٢٤٨. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٥/١٠. ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق (إِلَى قَوْلِهِ) (﴿إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: تلا إلى هذا الموضع، وقوله: (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) أي: هذا الخطاب لهما (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ. حَدِينًا﴾ لِقَوْلِهِ) وَلِهِ (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً) المراد به أن هذه الآية نزلت لأجل قوله وَلجه: ((بل شربتُ عسلاً))، والنكتة فيه أن هذه الآية داخلة في الآيات الماضية؛ لأنها قبل قوله: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤]. وقال القرطبيّ في ((المفهم)): قوله: ((بل شربتُ عسلاً عند زينب، ولن أعود له)) زاد في رواية البخاريّ هنا: ((وقد حلفتُ، لا تُخبري بذلك أحداً))، وذلك لئلا يبلغ الأخرى الخبر، وأنه فعله ابتغاء مرضاة أزواجه، فيتغيّر قلبها، وقيل: كان ذلك في قصّة مارية، واستكتامه وَليل حفصة أن لا تخبري بذلك عائشة، وقيل: أسرّ إلى حفصة أن الخليفة بعده أبو بكر، ثم عمر، والصحيح أنه في العسل، ويعني بقوله: ((ولن أعود له)) على جهة التحريم، وبقوله: ((حلفت)) أي: بالله تعالى، بدليل أن الله تعالى أنزل عليه معاتبته على ذلك، وحوالته على كفّارة اليمين بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَ اَللَّهُ لَكَّ﴾ يعني العسل المحرّم بقوله: ((ولن أعود له)) ﴿يَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾؛ أي: تفعل ذلك؛ طلباً لرضاهنّ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ غفورٌ لما أوجب المعاتبة، رحيم برفع المؤاخذة ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ غِلّةَ أَيْمَنِّكُمْ وَاللّهُ مَوْلَنْكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم: ١ - ٢] أي: قد قدّر، وبيّن، والفرض: التقدير، وتحلّة اليمين: ما يُستحلّ به الخروج عن اليمين، وهي التي قال الله تعالى فيها: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَلِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفََّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَلِكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، والأيمان: جمع يمين، واليمين التي حلف النبيّ وَّ بها هي قوله: ((وقد حلفتُ لا تخبري بذلك أحداً))، وهذا أصحّ ما قيل في هذه الآية، وأجوده. وقد روى النسائيّ من حديث أنس به: أن رسول الله وَلِ ﴾ كانت له أمةٌ يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرّمها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّعُ مَآ أَهَلَّ اللَّهُ لَكٌ﴾ الآيات(١)، وكأن ابن عبّاس أشار إلى هذا الحديث، (١) رواه النسائيّ في ((الكبرى)) (١١٦٠٧). (٣) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٨) ١٠٥ حيث قال: ((إن الرجل إذا حرّم عليه امرأته، فهي يمين يُكفّرها))، وقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. انتهى (١). وقال القرطبيّ ◌َُّ أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] هو قوله لحفصة: ((بل شربت عسلاً، وقد حلفت، لا تخبري أحداً)) على ما تقدّم في حديث البخاريّ، وقيل: تحريمه مارية، على ما تقدّم في حديث النسائيّ، وقيل غير ذلك، وهذان القولان أحسن ما قيل في ذلك. وقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣] أي: حديث حفصة حين أفشت ما أمرها بإسراره النبيّ وََّ، ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: أطلع الله تعالى نبيّه على ذلك الحديث ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ مشدّداً، وهي القراءة المشهورة؛ أي: عاتبها على ذلك، وأعرض عن بعضه، فلم يبالغ في المعاتبة؛ عملاً بمكارم الأخلاق، وحسن المصاحبة، وقرأه الكسائيّ بتخفيف الراء من ﴿عَرَّفَ﴾، ومعناه: جازى عليه بأن غضِب، يقال: عَرَفْتُ حقّك؛ أي: جازيتك عليه، ولأعرفنّ حقّك بمعناه، وقال الضحّاك: إن الذي أعرض عنه حديث الخلافة؛ لئلا ينتشر، وهذا بناه على أنه هو الحديث الذي أسرّه لحفصة، وهذا القول ليس بشيء؛ إذ لم يثبت بذلك نقلٌ، ولم يدلّ عليه عقلٌ، بل النقل الصحيح ما ذكرناه. وقوله: ﴿فَلَّا نَّأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَكَ هَذَا قَالَ نَبَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] يعني أن النبيّ ◌َير أعلم حفصة بالخبر الذي أفشته، فقالت مستفهمةً عمن أعلمه بذلك ﴿مَنْ أَنْبَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣] وأنها خطر ببالها أن أحداً من أزواجه، أو غيرهنّ أخبره، فأجابها بأن قال: ﴿نَنِيَ اٌلْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ أي: العليم بالسرائر الخبير بما تُجِنّه الضمائر، ثم قال تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] يخاطب عائشة وحفصة، وهذا يدلّ على أن الصحيح من الروايات رواية من روى أن هذه القصّة إنما جرت لعائشة وحفصة لأجل العسل الذي شربه عند زينب، أو لأجل مارية، وأنهما هما اللتان تظاهرتا عليه، كما جاء نصّاً من حديث ابن عبّاس عن عمر ﴿ه على ما يأتي، وهو رواية (١) ((المفهم)) ٢٤٧/٤ - ٢٤٨. ١٠٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عُبيد بن عُمير، عن عائشة ﴿ا، وأما رواية أبي أسامة التي ذكر فيها أن المتظاهرات عليه عائشة، وسودة، وصفيّة، فليست بصحيحة؛ لأنها مخالفة للتلاوة، فإنها جاءت بلفظ خطاب الاثنتين، ولو كان كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنّث، قال أبو محمد الأصيليّ: حديث الحجاج أصحُ طرقِهِ، وهو أولى بظاهر الكتاب، وقال غيره: انقلبت الأسماء في حديث أبي أسامة، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي: مالت عن الحقّ، وأراد قلب عائشة وحفصة، وعدل إلى لفظ الجمع؛ استثقالاً للجمع بين تثنيتين، وقد جمع بينهما من قال: ظهراهما مثل ظهور الترسين. وقوله: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ أي: تعاونا عليه بما تواطأتما عليه في العسل، أو في مارية ﴿فَإِنَّ اللَّ هُوَ مَوْلَئُهُ﴾ أي: وليّه، ومعينه، وكافيه، فلا يضرّه من كاده، أو من تعاون عليه، والوقف على ﴿مَوْلَئُهُ﴾ حسنٌ، ويبتدئ ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد تولي الله له ﴿ظَهِيرُ﴾ [التحريم: ٤] أي: معينون له على ما يصلحه، ويحفظه، ويوافقه، و﴿ظَهِيرٌ﴾ وإن كان واحداً، فمعناه الجمع، وقيل: كل واحد ظهير، كما قال تعالى: تُخْرِيحُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ [الحج: ٥]؛ أي: كلّ واحد منكم طفلاً، ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أحسن ما قيل فيه: أبو بكر وعمر ﴿ه، ومن جرى مجراهما، ممن سبق إسلامه، وظهر غَنَاؤه، وقيل: كان حقّ ﴿وَصَلِحُ﴾ أن يُكتب بالواو، ولكنهم حذفوها؛ ليوافق الخطّ اللفظ، ويَحْتَمل أن يقال: ﴿وَصَلِحُ﴾ مفرد، لكنه سُلك به مسلك الجنس، والله تعالى أعلم. ثم بالغ الله تعالى في تأديب أزواج النبيّ وَّةٍ، وتهديدهنّ بقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ مُسْلِمَتٍ﴾ أي: منقادات بالإسلام، والاستسلام ﴿مُؤْمِنَتُ﴾ أي: مصدّقات بما جاء به النبيّ ◌َل﴿ ملازمات أحوال المؤمنين به من التعظيم والاحترام ﴿قَئِكَتٍ﴾ أي: خاضعات لله تعالى بالعبوديّة، ولرسوله ونَ﴿ بإيثار الطواعية على الغيرة النفسيّة ﴿عَهِدَاتٍ﴾ أي: يَقُمْنَ لله بما له عليهنّ من العبادة، وبما لك عليهن من الحرمة والخدمة ﴿سَِحَتٍ﴾ قال ابن عباس: صائمات، وقال زيد بن أسلم: مهاجرات، من السياحة في الأرض، (٣) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٩) ١٠٧ ويمكن أن يقال: مسرعات إلى ما يُرضيك، ذاهبات فيه، فلا يشتغلن بسوى ذلك؛ لأن من ساح في الأرض، فقد ذهب فيها، وانقطع إلى غيرها ﴿ثَيِّبَتٍ﴾ جمع ثيّب، قيل: يعني بذلك آسية امرأة فرعون ﴿وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] جمع بكر، قيل: يعني بذلك مريم، وفيه نظرٌ، وبُعدٌ، قال: وما ذكرناه في هذه الآية إشارة إلى المختار، والأقوال فيها أكثر مما ذكرنا، فلنقتصر على هذا القدر. انتهى كلام القرطبيّ تَخَُّ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ضَوُْها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٧٨/٣ و٣٦٧٩ و٣٦٨٠] (١٤٧٤)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٩١٢) و((الطلاق)) (٥٢٦٨)، و(أبو داود) في (الأشربة)) (٣٧١٤)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) في ((عشرة النساء)) (٣٤٠٩) و((الطلاق)) (٣٤٤٩) و((الأيمان والنذور)) (٣٨٢٣) وفي ((الكبرى)) (٨٩٠٦) و((الطلاق)) (٥٦١٤) و((الأيمان والنذور)) (٤٧٣٧) و((التفسير)) (١١٦٠٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٢١/٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٠٠/٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٥٨/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥٣/٧ و٣٥٤) و((الصغرى)) (٣٤٨/٦) و((المعرفة)) (٤٨٨/٥)، وفوائد الحديث، ستأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٧٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، (١) ((المفهم)) ٢٥٠/٤ - ٢٥٣. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَل، فَسَقَتْ رَسُولَ اللهِنَّهِ مِنْهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ: أَمَا وَاللهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، وَقُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ، فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا، فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، وَسَأَقُولُ ذَلِكَ لَهُ، وَقُولِهِ أَنْتِ بَا صَفِيَّةُ، فَلَّمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ، قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ (١)، لَقَدْ ◌ِدْتُ أَنْ أُبَادِئَّهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي، وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ؛ فَرَقاً مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: (لَا))، قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: ((سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ))، قَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ، فَقَالَتْ بِمِثْلٍ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ: قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: ((لَا حَاجَةَ لِي بِهِ))، قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَاللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ، قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٤٧) وهو ابن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الْحَمّال البغداديّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٤ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيه ربما دلّس [٥] (ت٥ أو١٤٦) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠. (١) وفي نسخة: ((والله الذي لا إله إلا هو)). (٣) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٩) ١٠٩ ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن الْعَوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهورٌ [٣] (ت٩٤) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧. و«عائشة پتا)) ذُكرت قبله. شرح الحديث : (عَنْ عَائِشَةَ) رَُّهَا أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ) وقع عند البخاريّ: ((كان رسول الله وَ ﴿ يُحبّ العسل والحلوى)) بتقديم العسل، قال في (الفتح)): ولتقديم كل منهما على الآخر جهة من جهات التقديم، فتقديم العسل؛ لشرفه، ولأنه أصل من أصول الحلوى، ولأنه مفردٌ، والحلوى مركبة، وتقديم الحلوى؛ لشمولها، وتنوعها؛ لأنها تُتّخَذ من العسل، ومن غيره، وليس ذلك من عطف العام على الخاصّ، كما زعم بعضهم، وإنما العام الذي يدخل الجميع فيه. هو الْحُلو بضم أوله، وليس بعد الواو شيء، ووقعت ((الحلواء)) في أكثر الروايات عن أبي أسامة بالمدّ، وفي بعضها بالقصر، وهي رواية علي بن مسهر. وقال في (الفتح)) في موضع آخر، ما حاصله: الحلوى، والحلواء مقصوراً وممدوداً لغتان، قال ابن ولاد: هي عند الأصمعيّ بالقصر تكتب بالياء، وعند الفراء بالمد تكتب بالألف، وقال الليث: الأكثر على المدّ، وهو كل حلو يؤكل، وقال الخطابيّ: اسم الحلوى لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة، وفي ((المخصص)) لابن سِيدَهْ: هي ما عولج من الطعام بحلاوة، وقد تُطلق على الفاكهة. انتهى(١). وإنما ذكرت عائشة ﴿نا هذا القدر في أول الحديث؛ تمهيداً؛ لما ستذكره من قصة العسل(٢). وقال ابن بطال تَخّلُ: الحلوى والعسل من جملة الطيبات المذكورة في قوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِنَ اُلْطَّيِّبَتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وفيه تقويةٌ لقول من قال: المراد به المستلَذّ من المباحات، ودخل في معنى هذا الحديث كل ما يشابه الحلوى والعسل، من أنواع المآكل اللذيذة. (١) راجع: ((الفتح)) ١٢/ ٣٤٧. (٢) ((الفتح)) ٥٨/١٢. ١١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق وقال الخطابيّ، وتبعه ابن التين: لم يكن حبه وسل* لها على معنى كثرة التشهي لها، وشدة نزاع النفس إليها، وإنما كان ينال منها إذا أُحضرت إليه نَيْلاً صالِحاً، فيُعْلَم بذلك أنها تعجبه، ويؤخذ منه جواز اتخاذ الأطعمة من أنواع شتى، وكان بعض أهل الورع يَكْرَه ذلك، ولا يُرَخِّص أن يأكل من الحلاوة إلا ما كان حلوه بطبعه؛ كالتمر، والعسل، وهذا الحديث يُرُدّ عليه، وإنما تورّع عن ذلك من السلف من آثر تأخير تناول الطيبات إلى الآخرة، مع القدرة على ذلك في الدنيا؛ تواضعاً، لا شُحّاً. ووقع في كتاب ((فقه اللغة)) للثعالبي أن حلوى النبيّ وَّ التي كان يحبها هي المَجِيْع بالجيم بوزن عَظِيم، وهو تمر يُعجَن بلبن، وأخرج أبو داود؛ ((أنه (وَلّ كان يحب الزُّبد والتمر))(١). وفيه ردّ على من زعم أن المراد بالحلوى أنه ◌َ ﴿ كان يشرب كل يوم قدح عسل يُمزَج بالماء، وأما الحلوى المصنوعة فما كان يعرفها، وقيل: المراد بالحلوى الفالوذج، لا المعقودة على النار، ذكره في ((الفتح))(٢). (فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وخالفهم حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، فقال: ((الفجر))، أخرجه عبد بن حميد في ((تفسيره))، عن أبي النعمان، عن حماد، ويساعده رواية يزيد بن رُومان، عن ابن عباس ◌ًا، ففيها: ((وكان رسول الله ولو إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، وجلس الناس حوله، حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه، امرأةً امرأةً، يسلم عليهنّ، ويدعو لهنّ، فإذا كان يوم إحداهنّ كان عندها ... )) الحدیث، أخرجه ابن مردويه. ويمكن الجمع بأن الذي كان يقع في أول النهار سلاماً ودعاءً محضاً، والذي في آخره معه جلوس، واستئناس، ومحادثة، لكن المحفوظ في حديث ا ذكر العصر، ورواية حماد بن سلمة شاذّة. انتهى(٣). عائشة (١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٣٦٣/٣). (٢) ((الفتح)) ٣٤٧/١٢ - ٣٤٨ ((كتاب الأطعمة)) رقم (٥٤٣١). (٣) ((الفتح)) ٥٩/١٢ و((عمدة القاري)) ٥٤٩/٩. ١١ (٣) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٩) (دَارَ عَلَى نِسَائِهِ) من الدوران، وفي رواية البخاريّ: (دخل على نسائه))، من الدخول، وفي رواية له: ((أجاز على نسائه))؛ أي: مشى، ويجيء ((أجاز)) بمعنى قَطَع المسافة، ومنه حديث: ((فأكون أنا وأمتي أول من يُجيز)) أي: أول من يقطع مسافة الصراط. (فَيَدْنُو مِنْهُنَّ) أي: فيُقبّل، ويباشر من غير جماع، كما في الرواية الأخرى، وإنما كان يفعل ذلك تأنيساً لهنّ، وتطييباً لقلوبهنّ حتى ينفصل عنهنّ إلى التي هو في يومها، ويتركهنّ طيّبات قلوبهن. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((دار على نسائه إلخ)) يُستدلّ بهذا لأحد القولين المتقدّمين، وهو أن النبيّ لم يكن القَسْم عليه واجباً، ويُمكن أن يُصرف عن ذلك، بأن يقال: إن ذلك إنما كان يفعله؛ لأنهنّ كنّ قد أذِنّ له في ذلك، بدليل ما جاء أنه كان يستأذنهن إذا كان في يوم المرأة منهنّ. وقد يستدلّ من يرى القَسْم واجباً عليه، لكنه بالليل دون النهار. وقال الداوديّ: كأن النبيّ ◌َّ جعل ما بعد العصر مُلْغَى؛ أي: جعله وقتاً مشتركاً لجميعهنّ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الأرجح عدم وجوب القَسْم عليه وَله، ولكنه كان يعمل بالقسم من عنده، دون أن يجب عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطاب ◌ًِّا، تزوّحها النبيّ وَّ سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٤٥) وتقدّمت ترجمتها في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٧٦/١٥. (فَاحْتَبَسَ)؛ أي: أقام (عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ) ووقع في حديث ابن عباس ﴿ها بيان ذلك، ولفظه: ((فأنكرت عائشة احتباسه عند حفصة، فقالت لجويرية حبشية عندها، يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة، فادخلي عليها، فانظري ما يصنع؟)) (فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ) لم تُعرف (مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ) وفي حديث ابن عبّاس: ((أنها أهديت لحفصة عُكّة عسل من الطائف)). ء (١) ((المفهم)) ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤. ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق و((الْعُكّة)) بضمّ العين المهملة، وتشديد الكاف: إناء السمن، أصغر من الْقِربة، جمعه عُكَكٌ، بضمّ، ففتح، وعِكاك، بالكسر، أفاده المجد(١). (فَسَقَتْ رَسُولَ اللهِ وَّهِ مِنْهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ: أَمَا) أداة استفتح وتنبيه، كـ((ألا)) (وَاللهِ لَنَحْتَلَنَّ لَهُ) أي لنطلبنّ له الحيلة، وهي - كما في ((المصباح)) - الْحِذْق في تدبير الأمور، وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود، والمعنى: لنفعلنّ فعلاً، يجعله كارهاً هذا العسل. وقال الكرمانيّ كَّثُ: كيف جاز على أزواج رسول الله صل* الاحتيال؟ وأجاب بأنه من مقتضيات الغيرة الطبيعيّة للنساء، وهو صغيرة معفوّ عنها، مکنّرة. انتھی. (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ) بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامريّة القُرشيّة، أم المؤمنين ﴿يا، توفيت سنة (٥٥) وقيل غير ذلك، ولها في ((صحيح مسلم)) ذكر، بلا رواية، وتقدّمت ترجمتها في ((الرضاع)) [٣٦٢٩/١٤]. (وَقُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ، فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟) وفي رواية حماد بن سلمة: ((إذا دخل على إحداكنّ، فلتأخذ بأنفها، فإذا قال: ما شأنك؟ فقولي: ريح المغافير))، وقد تقدم شرح المغافير في الحديث الماضي. (فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا) أي: لم آكل المغافير (فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللهِهِ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ) أي: غير الطيب، وفي رواية يزيد بن رُومان، عن ابن عباس: ((وكان أشدّ شيء عليه أن يوجد منه ریحٌ سَيِّى)»، وفي رواية حماد بن سلمة: ((وكان يَكره أن يوجد منه ريح كريهةٌ؛ لأنه يأتيه المَلَك))، وفي رواية ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: ((وكان يعجبه أن يوجد منه الريح الطيب))(٢). (فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِ حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ) وفي رواية حماد بن سلمة: ((إنما هي عُسيلة، سقتنيها حفصة)) (فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ) - بفتح الجيم والراء، بعدها مهملة - من بابي نصر، وضرب: والنحل مؤنّثة، ولذا لحِقت تاءُ التأنيث الفعلَ؛ أي: رَعَتِ نحلُ هذا العسل الذي شربته الشجرَ المعروف (١) ((القاموس المحيط)) ٣١٣/٣. (٢) ((الفتح)) ٦٠/١٢. ١١٣ (٣) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٩) بالعُرْفط، وأصل الجَرْس الصوت الخفيّ (١)، ومنه في حديث صفة الجنة: (يسمع جرس الطير))، ولا يقال: جَرَس بمعنى رَعَى إلا للنحل، وقال الخليل: جَرَسَت النحل العسلَ تَجْرِسه جَرْساً: إذا لَحَسته، وفي رواية حماد بن سلمة: ((جَرَست نحلها العرفط إذاً))، والضمير للعُسيلة، على ما وقع في روايته. (الْعُرْفُطَ) - بضم العين المهملة والفاء، بينهما راء ساكنة، وآخره طاء مهملة - هو الشجر الذي صَمْغُهُ المغافير، قال ابن قتيبة: هو نبات مُرّ له ورقة عريضة تَفْرِش بالأرض، وله شوكة، وثمرة بيضاء، كالقطن، مثل زِرّ القميص، وهو خبيث الرائحة. وقد تقدم في حكاية عياض عن المهلِّب ما يتعلق برائحة العرفط، والبحث معه فيه في الحديث الماضي. (وَسَأَقُولُ ذَلِكَ لَهُ، وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ) بنت حُيي، أم المؤمنين هُنا، تُوفّيت في ولاية معاوية ◌ُْه، وتقدّمت ترجمتها في ((الحج)) ٣٢٢٣/٦٥. أي: قولي الكلام الذي عَلَّمته لسودة (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ﴾ ﴿َا (قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) وفي نسخة: ((والله الذي لا إله إلا هو)) (لَقَدْ كِدْتُ) بكسر الكاف، يقال: كاد يفعل كذا يكاد، من باب تَعِبَ: قارب الفعل، قال ابن الأنباريّ: قال اللغويّون: كِدتُ أفعل: معناه عند العرب: قاربت الفعل، ولم أفعل، وما كِدت أفعل: معناه: فعلتُ بعد إبطاء، قال الأزهريّ: وهو كذلك، وشاهده قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] معناه: ذبحوها بعد إبطاءٍ؛ لتعذّر وجدان البقرة عليهم، وقد يكون: ما كِدتُ أفعل، بمعنى ما قاربت. انتهى(٢). (أَنْ أُبَادِئَهُ) أي: أَبدأه، وأناديه (بِالَّذِي قُلْتِ لِي) أي: بالكلام الذي قلت لي (وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ) جملة حاليّة من المفعول. وفي رواية البخاريّ: ((قالت: تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أبادئه بالذي أمرتني به؛ فَرَقاً منكِ)) أي: خوفاً. (١) في ((القاموس)): الْجَرْسُ: الصوت، أو خفيّه، ويُكسر، أو إذا أفرد فُتح، فقيلٍ: ما سمعت له جَرْساً، وإذا قالوا: ما سمعت له حِسّاً، ولا جِرْساً كسروا، واللَّحْسُ باللسان، ويَجْرُس بالضمّ - ويَجْرِس - بالكسر - انتهى ٢٠٣/٢ - ٢٠٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٤٥/٢. ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق قال في ((الفتح)): ضُبِط ((أبادئه)) في أكثر الروايات بالموحدة، من المبادأة، وهي بالهمزة، وفي بعضها بالنون بغير همزة، من المناداة، وأما ((أبادره)) في رواية أبي أسامة، فمن المبادرة، ووقع فيها عند الكشميهنيّ، والأصيليّ، وأبي الوقت كالأول بالهمزة بدل الراء، وفي رواية ابن عساكر بالنون. انتھی(١). وقوله: (فَرَقاً مِنْك) بفتحتين؛ أي: خوفاً من لومك، وهو مفعول له لفعل المقاربة (فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: ((لَا))، قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: ((سَقَتْنِي حَقْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ)) قَالَتْ: جَرَسَتْ) أي: رَعَتْ (نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ، فَقَالَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ) أي: في اليوم الثاني (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَسْقِيكَ) بفتح الهمزة، وضمّها، يقال: سقاه، وأسقاه، قال تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وقال: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مَّةَ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] (مِنْهُ) أي: من ذلك العسل (قَالَ) بَِّ («لَا حَاجَةَ لِي بِهِ)) كأنه اجتنبه لِمَا وقع عنده من توارد النسوة الثلاث على أنه نشأت من شربه له ريح منكرة، فتركه؛ حسْماً للمادّة (قَالَتْ) عائشة (تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَاللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ) بتخفيف الراء؛ أي: منعناه ذلك العسل، يقال: حرمته، وأحرمته، والأول أفصح، قاله النوويّ(٢). وقال المجد رَُّ: وحَرَمَهُ الشيءَ، كضَرَبه، وعَلِمه: منعه، وأحرمه لُغيّةٌ. (٣). انتھی وأحرمته بالألف، والأول أفصح (قَالَتْ) عائشة (قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي) كأنها خَشِيت أن يفشو ذلك، فيَظْهَر ما دَبَّرته من كيدها لحفصة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٦٠/١٢. (٣) ((القاموس المحيط)) ٩٤/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ٧٧. ١١٥ (٣) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٩) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة يؤثّ هذا مطوّلاً متّفقٌ عليه، وأما تخريجه، فقد تقدّم في الحديث الماضي. (المسألة الثانية): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه دليلاً على استعمال مباحات لذائذ الأطعمة، والميل إليها؛ خلافاً لما يذهب إليه أهل التعمّق، والغلوّ في الدين، قاله القرطبيّ ◌َّهُ(١) . ٢ - (ومنها): أن فيه فضيلة الحلواء والعسل؛ لمحبّة النبيّ وَّ إياهما. ٣ - (ومنها): بيان ما جُبلت عليه النساء من الغيرة، وأن الغيراء تُعذر فيما يقع منها من الاحتيال فيما يدفع عنها ترفّع ضرّتها عليها بأيّ وجه كان، وقد ترجم عليه البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)) في ((كتاب الحيل)): ((باب ما يُكرَه من احتيال المرأة من الزوج والضرائر)). ٤ - (ومنها): أن فيه الأخذَ بالحزم في الأمور، وترك ما يشتبه الأمر فيه من المباح، خشية من الوقوع في المحذور. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّ من الصبر، وأنه كان غايةً فيه، ونهاية في الحلم، والكرم الواسع وَل آر. ٦ - (ومنها): أن فيه ما يشهد بعلوّ مرتبة عائشة رضيّا عند النبيّ وَّقُ حتى كانت ضرّتها تهابها، وتطيعها في كلّ شيء تأمرها به، حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدراً . ٧ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى ورع سودة حيثّا؛ لِمَا ظهر منها من التندّم على ما فعلت؛ لأنها وافقت أوّلاً على دفع ترفّع حفصة عليهنّ بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل، ورأت أن التوصّل إلى بلوغ المراد من ذلك بِحَسْم مادّة شرب العسل الذي هو سبب الإقامة، لكن أنكرت بعد ذلك أنه يترتّب عليه منع النبيّ وَّ من أمر كان يشتهيه، وهو شرب العسل، مع ما تقدّم من اعتراف عائشة الآمرة لها بذلك في صدر الحديث، فأخذت سودة تتعجّب مما وقع (١) ((المفهم)) ٢٤٧/٤. ١١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق منهنّ في ذلك، ولم تجسر على التصريح بالإنكار، ولا راجعت عائشة بعد ذلك لما قالت لها: ((اسكتي))، بل أطاعتها، وسكتت؛ لما تقدّم من اعتذارها في أنها كانت تهابها، وإنما كانت تهابها؛ لما تعلم من مزيد حبّ النبيّ وَلّ لها أكثر منهنّ، فخشيت إذا خالفتها أن تُغضبها، وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغير عليها خاطر النبيّ وَّر، ولا تحتمل ذلك، فهذا معنى خوفها منها. ٨ - (ومنها): أن عماد القَسْم الليلُ، وأن النهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع، لكن بشرط أن لا تقع منه المجامعة إلا مع التي هو في نوبتها . ٩ - (ومنها): أن فيه استعمال الكنايات فيما يُستحيا من ذكره، لقولها في الحديث: ((فيدنو منهنّ))، والمراد فيقبّل، ونحو ذلك، ويحقّق ذلك قول عائشة السودة: ((وإذا دخل عليك، فإنه سيدنو منك، فقولي له: إني أجد كذا))، وهذا إنما يتحقّق بقرب الفم من الأنف، ولا سيّما إذا لم تكن الرائحة طافحة، بل المقام يقتضي أن الرائحة لم تكن طافحة؛ لأنها لو كانت طافحة لكانت بحيث يدركها النبيّ وَّ﴾، ولأنكر عليها عدم وجودها منه، فلما أقرّ على ذلك دلّ على ما قرّرناه أنها لو قدّر وجودها لكانت خفيّة، وإذا كانت خفيّة لم تدرك بمجرّد المجالسة، والمحادثة من غير قرب الفم من الأنف، والله تعالى أعلم. ذَكَره في ((الفتح)) (١). ١٠ - (ومنها): جواز فعل ما حَلَفَ عليه الإنسان أن لا يفعله، وتجب عليه الكفّارة فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): اختلفت الروايات في المرأة التي شرب النبيّ عندها العسل، والذي في ((الصحيحين)) حديث عائشة خيتا، أورداه من طريقين: ((أحدهما)): طريق عُبيد بن عُمير، عنها، وفيه أن شرب العسل عند زينب بنت جحش. و((الثاني)): طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وفيه أن شرب العسل كان عند حفصة بنت عمر. (١) ((الفتح)) ١٢/ ٦١ ((كتاب الطلاق)) رقم (٥٢٦٧). ١١٧ (٣) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٩) وأخرج ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاس أن شرب العسل كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما اللتان تواطأتا على وفق ما في رواية عُبيد بن عمير، وإن اختلفا في صاحبة العسل. قال الحافظ تَخْلُهُ: وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدّد، فلا يمتنع تعدّد السبب للأمر الواحد، فإن جُنح إلى الترجيح، فرواية عبيد بن عمير أثبت؛ لموافقة ابن عبّاس لها على أن المتظاهرتين حفصة وعائشة، وجزم بذلك عمر بن الخطّاب ظه، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تُقرن في التظاهر بعائشة، لكن يمكن تعدّد القصّة في شرب العسل، وتحريمه، واختصاص النزول بالقصّة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصّة التي وقع فيها شرب العسل عند حفصة كانت سابقةً، ويؤيّد هذا الحمل أنه لم يقع في طريق هشام بن عروة التي فيها أن شرب العسل كان عند حفصة تعرّضٌ للآية، ولا لذكر سبب النزول، والراجح أيضاً أن صاحبة العسل زينب، لا سودة؛ لأن طريق عبيد بن عمير أثبت من طريق ابن أبي مليكة بكثير، ولا جائز أن تتّحد بطريق هشام بن عروة؛ لأن فيها أن سودة كانت ممن وافق عائشة على قولها: ((أجد منك ريح مغافير))، ويرجّحه أيضاً ما ثبت عن عائشة ((أن نساء النبيّ وَّ كنّ حزبين: أنا وسودة، وحفصة، وصفيّة، في حزب، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، والباقيات في حزب))، فهذا يرجّح أن زينب هي صاحبة العسل، ولهذا غارت عائشة منها؛ لكونها من غير حزبها، والله أعلم. وهذا أولى من جزم الداوديّ بأن تسمية التي شرب عندها العسل حفصة غلطٌ، وإنما هي صفية بنت حييّ، أو زينب بنت جحش. وممن جنح إلى الترجيح عياضٌ، ومنه تلقّف القرطبيّ، وكذا نقله النوويّ عن عياض، وأقرّه، فقال عياضٌ: رواية عبيد بن عمير أولى؛ لموافقتها ظاهر كتاب الله؛ لأن فيه: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤]، فهما ثنتان، لا أكثر، ولحديث ابن عباس عن عمر ﴿ه، قال: فكأن الأسماء انقلبت على راوي الرواية الأخرى. ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق وتعقّب الكرمانيّ مقالة عياض، فأجاد، فقال: متى جوّزنا هذا ارتفع الوثوق بأكثر الروايات. وقال القرطبيّ: الرواية التي فيها أن المتظاهرتين عائشة، وسودة، وصفيّة، ليست بصحيحة؛ لأنها مخالفة للتلاوة؛ لمجيئها بلفظ خطاب الاثنين، ولو كانت كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنّث، ثم نقل عن الأصيليّ وغيره أن رواية عبيد بن عمير أصحّ وأولى، وما المانع أن تكون قصّة حفصة سابقة، فلما قيل له ما قيل ترك الشرب من غير تصريح بتحريم، ولم ينزل في ذلك شيء، ثم لما شرب في بيت زينب، تظاهرت عائشة، وحفصة على ذلك القول، فحرّم حينئذ العسل، فنزلت الآية، قال: وأما ذكر سودة مع الجزم بالتثنية فيمن تظاهر منهنّ، فباعتبار أنها كانت كالتابعة لعائشة، ولهذا وهبت يومها لها، فإن كان ذلك قبل الهبة، فلا اعتراض بدخوله عليها، وإن كان بعدها فلا يمتنع هبتها يومها لعائشة أن يتردّد إلى سودة . قال الحافظ: لا حاجة إلى الاعتذار عن ذلك، فإن ذكر سودة إنما جاء في قصّة شرب العسل عند حفصة، ولا تثنية فيه، ولا نزول الآية، على ما تقدّم من الجمع الذي ذكره، وأما قصّة العسل عند زينب بنت جحش، فقد صرّح فيه بأن عائشة قالت: ((توطأت أنا وحفصة))، فهو مطابقٌ لما جزم به عمر رظُه من أن المتظاهرتين عائشة وحفصةُ، وموافقٌ لظاهر الآية، والله أعلم. قال: ووجدت لقصّة شرب العسل عند حفصة شاهداً في ((تفسير ابن مردويه)) من طريق يزيد بن رُومان، عن ابن عباس، ورواته لا بأس بهم، ووقع في ((تفسير السدّيّ)) أن شرب العسل كان عند أم سلمة، أخرجه الطبريّ، وغيره، وهو مرجوحٌ، لإرساله، وشذوذه. انتهى كلام الحافظ تَخَّهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا تحريرٌ حسنٌ جداً، وحاصله أن طريق الجمع بحمل الروايات على تعدد الواقعة، أولى، فإن سُلك مسلك الترجيح، فرواية عبيد بن عمير، وفيها أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش، وأن (١) ((الفتح)) ١٢/ ٥٤ - ٥٦ ((كتاب الطلاق)) رقم (٥٢٦٧). ١١٩ (٣) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٩) المتظاهرتين هما عائشة وحفصة، أرجح؛ لموافقة حديث ابن عباس، عن عمر رَُّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولَمّا علا أبو إسحاق تلميذ المصنّف بدرجة، وساواه، ذكر ذلك بقوله : (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا سَوَاءً). فقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ) هو: إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوريّ تلميذ مسلم، راوي الكتاب عنه، المتوفى في رجب سنة (٣٠٨هـ) وقد تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٧٣/٦. (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْقَاسِمِ) السلميّ، قاضي نيسابور، ومفتي أهل الرأي ببلده، صدوقٌ [١١]. رَوَى عن ابن عيينة، وأبي معاوية، ووكيع، وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن محمد بن سفيان، وأبو يحيى البزار، وغيرهما. مات سنة (٢٤٤)، ذكره الذهبيّ للتمييز(١). قال الحافظ: وقد وقع في الأطراف لأبي مسعود في حديث أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كان رسول الله وَلقه يعجبه الحلواء والعسل؛ أن مسلماً رواه عن أبي كريب، وهارون بن عبد الله، والحسن بن بشر، ثلاثتهم عن أبي أسامة، كذا قال، والذي في الأصول من ((الصحيح)): حدّثنا أبو كريب، وهارون بن عبد الله قالا: ثنا أبو أسامة، ليس فيه الحسن بن بشر، لكن قال فيه إبراهيم بن محمد بن سفيان الراوي عن مسلم، عقب هذا الحديث: حدّثنا الحسن بن بشر، ثنا أبو أسامة مثله، سواءً، فهذا من زيادات إبراهيم، وهي قليلة جدّاً، ووقع في ((الوصايا)) من ((صحيح مسلم)) أيضاً: حدّثنا سعيد بن منصور، وذكر جماعةً عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن سعيد، (١) أي ليتميّز ممن أخرج له أصحاب الكتب الستّة، وهذه عادة أصحاب الرجال، إذا وقع اتفاق اسم من أخرجوا له مع اسم راوٍ لم يخرجوا له ذكروه في كتبهم؛ للبیان، فتنبه. ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق عن ابن عباس، قال: ((يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ ... )) الحديث، وفي آخره: قال أبو إسحاق: ثنا الحسن بن بشر، ثنا سفيان بهذا. وفيه أيضاً في ((الإمارة)): حدّثنا بن نُمير، ثنا أبي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، حديث: ((كلَّكُم رَاع ... )) الحديث، قال ابن سفيان: حدّثناه الحسن بن بشر، ثنا عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله به. انتهى(١). قال النوويّ كَّلُ: معناه: أن إبراهيم بن سفيان، صاحب مسلم ساوى مسلماً في إسناد هذا الحديث، فرواه عن واحد، عن أبي أسامة، كما رواه مسلم عن واحد، عن أبي أسامة، فَعَلَا برجل. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذا أنه إنما أتى أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، تلميذ مسلم، وراوي هذا الكتاب عنه بهذا هنا؛ لبيان أنه وجد الحدیث عالياً بدرجة علی ما رواه عن مسلم؛ فإنه رواه عنه، عن أبي کریب، وهارون بن عبد الله كلاهما عن أبي أسامة، فوصل إلى أبي أسامة بواسطتين: مسلم، وشيخيه، وهنا وصل إليه بواسطة: الحسن بن بشر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٨٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحدثانيّ، هرويّ الأصل، أبو محمد، صدوق في نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧. ٢ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. و((هشام بن عروة)) تقدم قريباً. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر، ساقها البخاريّ تَخّْثُ في ((الطلاق)) فقال: (١) ((تهذيب التهذيب)) ٢٢٤/٢.