Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣)
إليه في ((مراقي السعود)) في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:
أَوْ جُهِلَ الْحُكْمُ أَوِ النُّطْقُ انْجَلَبْ لِلسُّؤْلِ أَوْ جَرَى عَلَى الَّذِي غَلَبْ
ومحل الشاهد منه قوله: ((أو النطقُ انجلب للسؤل)).
وقد قدمنا أن رواية أبي داود المذكورة، عن أيوب السختيانيّ، عن غير
واحد، عن طاوس، وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ومن
لم يُعرَف من هو؟ لا يصح الحكم بروايته، ولذا قال النوويّ في ((شرح مسلم))،
ما نصّه: وأما هذه الرواية التي لأبي داود فضعيفة، رواها أيوب عن قوم
مجهولين، عن طاوس، عن ابن عباس، فلا يحتج بها، والله أعلم. انتهى منه
بلفظه .
وقال المنذريّ في ((مختصر سنن أبي داود)) بعد أن ساق الحديث
المذكور، ما نصه: الرواة عن طاوس مجاهيل. انتهى منه بلفظه.
وضُعفُ رواية أبي داود هذه ظاهر كما ترى؛ للجهل بمن روى عن
طاوس فيها .
وقال ابن القيّم في ((زاد المعاد)» بعد أن ساق لفظ هذه الرواية، ما نصه:
وهذا لفظ الحديث، وهو بأصح إسناد(١). انتهى محل الغرض منه بلفظه.
فانظره مع ما تقدم. هذا ملخص كلام العلماء في هذه المسألة، مع ما
فيها من النصوص الشرعية.
قال الشيخ الشنقيطيّ ◌َّهُ: الذي يظهر لنا صوابه في هذه المسألة هو ما
ذهب إليه الإمام الشافعيّ تَخَّلهُ، وهو أن الحق فيها دائر بين أمرين:
أحدهما: أن يكون المراد بحديث طاوس المذكور كون الثلاث المذكورة
ليست بلفظ واحد.
الثاني: أنه إن كان معناه أنها بلفظ واحد، فإن ذلك منسوخ، ولم يشتهر
العلم بنسخه بين الصحابة، إلا في زمان عمر، كما وقع نظيره في نكاح المتعة.
أما الشافعيّ فقد نقل عنه البيهقيّ في ((السنن الكبرى))، ما نصه: فإن كان
(١) قال الجامع: التقييد بما قبل الدخول لا يصحّ، فإنه أخرجه أبو داود، وقال في
إسناده: عن أيوب، عن غير واحد، فشيوخ أيوب مجهولون، فتنبّه.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
معنى قول ابن عباس: إن الثلاث كانت تُحسَب على عهد النبيّ وَّهِ واحدةً،
يعني أنه بأمر رسول الله والتر، فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس قد
عَلِمَ أن كان شيء فُنُسِخِ.
فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس
يروي عن رسول الله وَير شيئاً، ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبيّ وَّل فيه
خلاف .
قال الشيخ(١): رواية عكرمة، عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيه
تأكيد لصحة هذا التأويل، قال الشافعيّ: فإن قيل: فلعل هذا شيء رُوي عن
عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر ﴿ه، قيل: قد علمنا أن ابن عباس
في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات
يخالف عمر
الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يُرْوَى عن النبيّ وَّ فيه خلاف ما قال؟
انتهى محل الغرض منه بلفظه.
ومعناه واضح في أن الحقّ دائر بين الأمرين المذكورين؛ لأن قوله: فإن
كان معنى قول ابن عباس ... الخ يدلّ على أن غير ذلك مُحْتَمِلٌ، وعلى أن
المعنى أنها ثلاث بفم واحد، وقد أقر النبيّ ◌َّ على جعلها واحدةً، فالذي
يشبه عنده أن يكون منسوخاً، ونحن نقول: إن الظاهر لنا دوران الحقّ بين
الأمرين، كما قال الشافعيّ تَّفُ: إما أن يكون معنى حديث طاوس المذكور أن
الثلاث ليست بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة بنسق واحد، كأنت طالق، أنت
طالق، أنت طالق، وهذه الصورة تدخل لغةً في معنى طلاق الثلاث دخولاً لا
يمكن نفيه، ولا سيما على الرواية التي أخرجها أبو داود والتي جَزم ابن القيم
بأن إسنادها أصح إسناد، فإن لفظها: ((أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أما
علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً
على عهد رسول الله وَلي، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر، قال ابن عباس:
بلى، كان الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على
عهد رسول الله وَ﴿، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد
(١) المراد بالشيخ هو البيهقيّ كَذْتُهُ.

٨٣
(٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣)
تتابعوا فيها، قال: أجيزوهنّ عليهم))، فإن هذه الرواية بلفظ طلقها ثلاثاً، وهو
أظهر في كونها متفرقة بثلاثة ألفاظ، كما جزم به ابن القيم في ردّه الاستدلال
بحديث عائشة ﴿يا الثابت في ((الصحيح))، فقد قال في ((زاد المعاد)) ما نصّه:
وأما استدلالكم بحديث عائشة أن رجلاً طلق ثلاثاً، فتزوجت، فسئل النبيّ وَّ
هل تحل للأول؟ قال: ((لا، حتى تذوق العسيلة))، فهذا مما لا ننازعكم فيه،
نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني، ولكن أين في الحديث أنه
طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثاً،
وقال ثلاثاً إلا من فعل، وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم
عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثاً، وشتمه ثلاثاً، وسلّم عليه ثلاثاً. انتهى
منه بلفظه.
وقد عرفت أن لفظ رواية أبي داود موافق للفظ عائشة الثابت في
((الصحيح)) الذي جزم فيه ابن القيم بأنه لا يدل على أن الثلاث بفم واحد، بل
دلالته على أنها بألفاظ متفرقة متعينة في جميع لغات الأمم.
ويؤيده أن البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) قال ما نصه: وذهب أبو يحيى
الساجيّ إلى أن معناه إذا قال للبكر: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق،
كانت واحدةً، فغلّظ عليهم عمر تَظُه، فجعلها ثلاثاً.
قال الشيخ(١): ورواية أيوب السختيانيّ تدل على صحة هذا التأويل.
انتهى منه بلفظه.
ورواية أيوب المذكورة هي التي أخرجها أبو داود، وهي المطابق لفظها
حديث عائشة الذي جزم فيه ابن القيم بأنه لا يدل إلا على أن الطلقات
المذكورة ليست بفم واحد، بل واقعة مرة بعد مرة، وهي واضحة جدّاً فيما
ذكرنا، ويؤيده أيضاً أن البيهقيّ نقل عن ابن عباس ما يدلّ على أنها إن كانت
بألفاظ متتابعة فهي واحدة، وإن كانت بلفظ واحد فهي ثلاث، وهو صريح في
محل النزاع مبيِّن أن الثلاث التي تكون واحدة هي المسرودة بألفاظ متعددة؛
لأنها تأكيد للصيغة الأولى.
(١) هو البيهقيّ كَّثُ.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
ففي ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ، ما نصه: قال الشيخ: ويُشبه أن يكون أراد
إذا طلقها ثلاثاً تترى.
روى جابر بن يزيد، عن الشعبيّ، عن ابن عباس ﴿ في رجل طلق
امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها قال: عقدة كانت بيده أرسلها جميعاً، وإذا كانت
تترى فليس بشيء، قال سفيان الثوريّ: تترى يعني أنت طالق، أنت طالق،
أنت طالق، فإنها تَبِين بالأولى، والثنتان ليستا بشيء، وروي عن عكرمة، عن
ابن عباس ما دلّ على ذلك. انتهى منه بلفظه.
فهذه أدلة واضحة على أن الثلاث في حديث طاوس ليست بلفظ واحد،
بل مسرودة بألفاظ متفرقة، كما جزم به الإمام النسائيّ كَّتُهُ، وصححه النوويّ،
والقرطبيّ، وابن سريج، وأبو يحيى الساجيّ، وذكره البيهقيّ، عن الشعبيّ، عن
ابن عباس، وعن عكرمة، عن ابن عباس، وتؤيده رواية أيوب التي صححها
ابن القيم، كما ذكره البيهقيّ، وأوضحناه آنفاً، مع أنه لا يوجد دليل يعيّن كون
الثلاث المذكورة في حديث طاوس المذكور بلفظ واحد، لا من وضع اللغة،
ولا من العرف، ولا من الشرع، ولا من العقل؛ لأن روايات حديث طاوس
ليس في شيء منها التصريح بأن الثلاث المذكورة واقعة بلفظ واحد، ومجرد
لفظ الثلاث، أو طلاق الثلاث، أو الطلاق الثلاث، لا يدل على أنها بلفظ
واحد؛ لِصِدْقٍ كل تلك العبارات على الثلاث الواقعة بألفاظ متفرقة، كما
رأيت، ونحن لا نفرق في هذا بين البرّ والفاجر، ولا بين زمن وزمن، وإنما
نفرق بين من نوى التأكيد، ومن نوى التأسيس، والفرق بينهما لا يمكن إنكاره.
ونقول: الذي يظهر أن ما فعله عمر إنما هو لمّا عَلِم من كثرة قَصْد
التأسيس في زمنه، بعد أن كان في الزمن الذي قبله قَصْدُ التأكيد هو الأغلب،
كما قدمنا، وتغيير معنى اللفظ لتغيُّر قصد اللافظين به لا إشكال فيه، فقوة هذا
الوجه، واتجاهه، وجريانه على اللغة، مع عدم إشكال فيه كما ترى، وبالجملة
بلفظ(١) رواية أيوب التي أخرجها أبو داود، وقال ابن القيم: إنها بأصح إسناد
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن صوابه: ((فلفظُ رواية أيوب ... إلخ))، فيكون ((لفظُ))
مبتدأ خبره قوله: ((مطابق ... إلخ))، فتأمله.

٨٥
(٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣)
مطابق للفظ حديث عائشة رضيقا الثابت في ((الصحيحين)) الذي فيه التصريح من
النبيّ وَّلو بأنها لا تحل للأول حتى يذوق عسيلتها الثاني كما ذاقها الأول.
وبه تَعرِف أن جعل الثلاث في حديث عائشة متفرقةً في أوقات متباينة،
وجعلها في حديث طاوس بلفظ واحد تفريق لا وجه له، مع اتحاد لفظ المتن
في رواية أبي داود، ومع أن القائلين برد الثلاث المجتمعة إلى واحدة لا
يجدون فرقاً في المعنى بين رواية أيوب وغيرها من روايات حديث طاوس.
ونحن نقول للقائلين برد الثلاث إلى واحدة: إما أن يكون معنى الثلاث
في حديث عائشة وحديث طاوس أنها مجتمعة، أو مفرقة، فإن كانت مجتمعة
فحديث عائشة متفقٌ عليه، فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث
تحرّمها، ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة فلا حجة لكم أصلاً في
حديث طاوس على محل النزاع؛ لأن النزاع في خصوص الثلاث بلفظ واحد،
أما جعلكم الثلاث في حديث عائشة مفرقةً، وفي حديث طاوس مجتمعةً، فلا
وجه له، ولا دليل عليه، ولا سيما أن بعض رواياته مطابق لفظه للفظ حديث
عائشة، وأنتم لا ترون فرقاً بين معاني ألفاظ رواياته من جهة كون الثلاث
مجتمعة، لا متفرقةً.
وأما على كون معنى حديث طاوس أن الثلاث التي كانت تُجعل واحدة
على عهد رسول الله وَر، وأبي بكر هي المجموعة بلفظ واحد، فإنه على هذا
يتعيّن النسخ، كما جزم به أبو داود كَّتُهُ، وجزم به ابن حجر في ((فتح
الباري))، وهو قول الشافعيّ كما قدمنا عنه، وقال به غير واحد من العلماء.
وقد رأيتَ النصوص الدالة على النسخ التي تفيد أن المراد بجعل الثلاث
واحدة أنه في الزمن الذي كان لا فرق فيه بين واحدة وثلاث، ولو متفرقة؛
لجواز الرجعة، ولو بعد مائة تطليقة متفرقةً كانت، أو لا، وأن المراد بمن كان
يفعله في زمن أبي بكر هو من لم يبلغه النسخ، وفي زمن عمر اشتهر النسخ بين
الجميع، وادعاء أن مثل هذا لا يصح يرده بإيضاح وقوع مثله في نكاح المتعة،
فإنا قد قدمنا أن مسلماً روى عن جابر أنها كانت تُفْعَل على عهد النبيّ وَّ،
وأبي بكر، وفي بعض من زمن عمر، قال: فنهانا عنها عمر، وهذه الصورة هي
التي وقعت في جعل الثلاث واحدة، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما،

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
فادعاء إمكان إحداهما واستحالة الأخرى في غاية السقوط كما ترى؛ لأن كل
واحدة منهما رَوَى فيها مسلم في ((صحيحه)) عن صحابي جليل أن مسألة تتعلق
بالفُروج كانت تفعل في زمن النبيّ وَّهِ، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر، ثم
غيَّر حكمها عمر، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، وأما غير هذين الأمرين
فلا ينبغي أن يقال؛ لأن نسبة عمر بن الخطاب څته، وعبد الله بن عباس پا،
وخَلْق من أصحاب رسول الله وَّ ه إلى أنهم تركوا ما جاء به النبيّ وَّ، وجاءوا
بما يخالفه من تلقاء أنفسهم عمداً غير لائق، ومعلوم أنه باطل بلا شك.
وقد حَكَى غير واحد من العلماء أن الصحابة أجمعوا في زمن عمر على
نفوذ الطلاق الثلاث دفعةً واحدةً.
والظاهر أن مراد المدعي لهذا الإجماع هو الإجماع السكوتيّ مع أن
بعض العلماء ذَكَرَ الخلاف في ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقد
قدّمنا كلام أبي بكر بن العربيّ القائل بأن نسبة ذلك إلى بعض الصحابة كذب
بَحْتٌ، وأنه لم يثبت عن أحد منهم جعل الثلاث بلفظ واحد واحدةً، وما ذكره
بعض أجلاء العلماء من أن عمر إنما أوقع عليهم الثلاث مجتمعة عقوبةً لهم مع
أنه يعلم أن ذلك خلاف ما كان عليه رسول الله وَ* والمسلمون في زمن أبي
بكر وه فالظاهر عدم نهوضه؛ لأن عمر لا يسوغ له أن يحرِّم فرجاً أحله
رسول الله وَ﴾، فلا يصح منه أن يَعْلَم أن رسول الله وَّه يبيح ذلك الفرج بجواز
الرجعة، ويتجرأ هو على منعه بالبينونة الكبرى، والله تعالى يقول: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر: ٧]، ويقول: ﴿َللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الَّهِ
تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، ويقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الذِّيْنِ مَا لَمْ
يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
والمرويّ عن عمر في عقوبة من فعل ما لا يجوز من الطلاق هو التعزير
الشرعيّ المعروف كالضرب، أما تحريم المباح من الفروج فليس من أنواع
التعزيرات؛ لأنه يفضي إلى حرمته على من أحله الله له، وإباحته لمن حرمه
عليه؛ لأنه إن أُكره على إبانتها، وهي غير بائن في نفس الأمر، لا تحل لغيره؛
لأن زوجها لم يُبِنْها عن طيب نفس، وحكم الحاكم وفتواه لا يحل الحرام في
نفس الأمر.

٨٧
(٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣)
ويدل له حديث أم سلمة المتفق عليه، فإن فيه: ((فمن قضيت له فلا يأخذ
من حق أخيه شيئاً، فكأنما أقطع له قطعة من نار))، ويشير له قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا
قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْتَكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ لأنه يُفهم منه أنه لو لم يتركها
اختياراً لقضائه وطره منها ما حلت لغيره.
وقد قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري))، ما نصه: وفي الجملة
فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواءً، أعني قول
جابر إنها كانت تُفعل في عهد رسول الله وَليه، وأبي بكر، وصدراً من خلافة
عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة،
وإيقاع الثلاث؛ للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك.
ولا يُحفظ أن أحداً في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل
إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر
لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على
عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق، والله أعلم. انتهى منه بلفظه .
وحاصل خلاصة هذه المسألة أن البحث فيها من ثلاث جهات:
الأولى: من جهة دلالة النصّ القوليّ، أو الفعليّ الصريح.
الثانية: من جهة صناعة علم الحديث والأصول.
الثالثة: من جهة أقوال أهل العلم فيها، أما أقوال أهل العلم فيها فلا
يخفى أن الأئمة الأربعة وأتباعهم، وجلّ الصحابة، وأكثر العلماء على نفوذ
الثلاث دفعة بلفظ واحد، وادَّعى غير واحد على ذلك إجماع الصحابة وغيرهم.
وأما من جهة نصّ صريح من قول النبيّ وَّر أو فعله فلم يثبت من لفظ
النبيّ وََّ، ولا من فعله ما يدل على جعل الثلاث واحدةً، وقد مر لك أن أثبت
ما رُوي في قصة طلاق رُكانة أنه بلفظ البتة، وأن النبيّ وَّهُ حلّفه ما أراد إلا
واحدةً، ولو كان لا يلزم أكثر من واحدة بلفظ واحد لما كان لتحليفه معنى،
وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطنيّ أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو
طلقتها ثلاثاً أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: ((لا، كانت تَبِين منك، وتكون
معصية)).
وقد قدّمنا أن في إسناده عطاء الخراسانيّ، وشعيب بن زريق الشاميّ،

٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وقد قدّمنا أن عطاء المذكور من رجال مسلم، وأن شعيباً المذكور قال فيه ابن
حجر في ((التقريب)): صدوق يخطئ، وأن حديث ابن عمر هذا يعتضد بما ثبت
عن ابن عمر في ((الصحيح)) من أنه قال: وإن كنت طلقتها ثلاثاً، فقد حرمت
عليك حتى تنكح زوجاً غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك.
ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع، ويعتضد بالحديث المذكور قبله؛
لتحليفه رُكانة، وبحديث الحسن بن علي المتقدم عند البيهقيّ والطبرانيّ،
وبحديث سهل بن سعد الساعديّ الثابت في ((الصحيح)) في لعان عويمر
وزوجه، ولا سيما رواية: ((فأنفذها رسول الله وَل38)) يعني الثلاث المجتمعة،
وببقية الأحاديث المتقدمة.
وقد قدمنا أن كثرة طرقها، واختلاف مَنازعها، يدل على أن لها أصلاً،
وأن بعضها يشدّ بعضاً، فيصلح المجموع للاحتجاج، ولا سيما أن بعضها
صححه بعض العلماء، وحسّنه بعضهم، كحديث رُكانة المتقدم، وقد عرفت أن
حديث داود بن الحصين لا دليل فيه على تقدير ثبوته، فإذا حققت أن المرويّ
باللفظ الصريح عن النبيّ وَّ ه ليس يدل إلا على وقوع الثلاث مجتمعة، فاعلم
أن كتاب الله ليس فيه شيء يدل على عدم وقوع الثلاث دفعة واحدةً؛ لأنه ليس
فيه آية ذكر الثلاث المجتمعة، وبالأحرى آية تصرح بعدم لزومها .
وقد قدّمنا عن النوويّ وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة
بقوله تعالى: ﴿وَتَلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ
اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] قالوا: معناه: أن المطلِّق قد يحدث له
ندم، فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه
إلا رجعيّاً فلا يندم.
وقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعةً، وأن ذلك داخل
في معنى الآية، وهو واضح جدّاً، فاتضح أنه ليس في كتاب الله، ولا في
صريح قول النبيّ وَّر، أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث.
أما من جهة صناعة علم الحديث والأصول، فما أخرجه مسلم من حديث
ابن عباس المتقدم له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابيّ: كان يفعل كذا على
عهد النبيّ ◌َّر له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين.

٨٩
(٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ - حديث رقم (٣٦٧٤)
وقد علمت أوجه الجواب عنه بإيضاح، ورأيت الروايات المصرحة بنسخ
المراجعة بعد الثلاث، وقد قدمنا أن جميع روايات حديث طاوس عن ابن
عباس المذكور عند مسلم ليس في شيء منها التصريح بأن الطلقات الثلاث
بلفظ واحد، وقد قدمنا أيضاً أن بعض رواياته موافقة للفظ حديث عائشة
الثابت في ((الصحيح))، وأنه لا وجه للفرق بينهما، فإن حُمل على أن الثلاث
مجموعة، فحديث عائشة أصح، وفيه التصريح بأن تلك المطلقة لا تحل إلا
بعد زوج، وإن حُمل على أنها بألفاظ متفرقة، فلا دليل إذن في حديث طاوس،
عن ابن عباس على محل النزاع.
[فإن قيل]: أنتم تارة تقولون: إن حديث ابن عباس منسوخ، وتارة
تقولون: ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة.
[فالجواب]: أن معنى كلامنا أن الطلقات في حديث طاوس لا يتعين
كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ، هذا
هو ما ظهر لنا في هذه المسألة، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.
انتهى كلام العلامة الشنقيطيّ كَّتُ في ((أضوائه))(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أحسن الشيخ الشنقيطيّ تَظُّهُ في تحقيق هذه
المسألة، واستوعب البحث فيها من جميع الجوانب، فأجاد وأفاد.
وخلاصته ترجيح مذهب الجمهور في أن من قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً
تبين منه امرأته، ولا تحلّ له إلا بعد زوج آخر، وقد كنت رجّحت فيما كتبته
في ((شرح النسائيّ)) قول من قال: إنها تقع واحدة، ثم ترجّح لديّ الآن أن
مذهب الجمهور هو الصحيح؛ لقوّة حججهم، كما عرفته مما سبق، فللّه ◌َالة
الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
(١) راجع: ((أضواء البيان)) ١/ ١٧٥ - ٢٠٦.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ، قَالَ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ:
أَتَعْلَمُ أَنَّمَاً كَانَت الثَّلاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً، عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَثَلَاثاً
مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان الْقَيسيّ، أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠ / ٤٧٦.
والباقون ذُكرون في الإسنادين الماضيين.
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ،
عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ؛
أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتٍ مِنْ هَنَاتِكَ، أَلَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَّى
عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ
عُمَرَ، تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، قاضي مكة، ثقةٌ إمام
حافظٌ [٩] (ت٢٢٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٨/٦.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتُ حافظٌ [٥]
(ت١٣٢) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ٢/ ١٥٨٢.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، والباب الماضي.
وقوله: (هَاتٍ مِنْ هَنَاتِكَ) بكسر التاء من ((هاتِ))، والمراد بـ((هَنَاتك)):
أخبارك، وأمورك المستغربة، قاله النوويّ (١).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ٧٢.

٩١
(٣) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٦)
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: قوله: ((من هناتك)) هي جمع هَنَة، وأصلها أنها
كناية عن نكرة، غير أن مقصوده هنا: هات فُتيا من فتاويك المستغربة، أو خبراً
من أخبارك المستكرهة، وهو إشعار باستشناع تلك المقالة عندهم. انتهى(١).
وقوله: (تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ) قال النوويّ كَّتُهُ: هو بياء مثناة من
تحتُ بين الألف والعين، هذه رواية الجمهور، وضبطه بعضهم بالموحدة،
وهما بمعنى، ومعناه: أكثروا منه، وأسرعوا إليه، لكن بالمثناة إنما يُستعمل في
الشرّ، وبالموحدة يُستعمل في الخير والشرّ، فالمثناة هنا أجود. انتهى(٢).
وقوله: (فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ) هو بمعنى قوله في الرواية الماضية: ((فأمضاه
عليهم))؛ أي: ألزمهم به، وقضى عليهم بوقوعه.
والحديث تقدّم البحث فيه مستوفَّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ (٣))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧٦] (١٤٧٣) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ، يَعْنِي الدَّسْتَوَائِيَّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ،
يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِّ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُوَّلُ
فِي الْحَرَامِ: يَمِينٌ يُكَفِّرُهَاً، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ
حَسَنَّةٌ﴾).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ) ابن أبي عبد الله سَنْبَر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
(١) «المفهم)) ٢٤٥/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ٧٢.
(٣) زاد في ترجمة النووي: ((ولم ينو طلاقها))، والأولى حذفه من الترجمة؛ ليكون
موافقاً لقول ابن عبّاس ◌ًُّا، فتنبّه.

٩٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢ / ١٥٦.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم
اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤٢٤.
٣ - (يَعْلَى بْنُ حَكِيم) الثقفيّ مولاه المكيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ [٦] (خ م
د س ق) تقدم في ((النكاح) ٣٤٤٩/٥.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو
عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و((إسماعيل بن إبراهيم)) هو: ابن عليّة.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف وَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، ويعلى، فما أخرج
لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ،
وابن جبير، فكوفيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه العمل بالكتابة، وهذا هو المذهب الصحيح؛ لأن
النبيّ وَّ كان يكتب إلى الملوك، والآفاق، فكانوا يعملون به، وهو مشهور في
(الصحیحین))، وغيرهما .
قال النوويّ تَخْلُ في ((التقريب)): الكتابة: هي أن يكتب مسموعه لغائب،
أو حاضر، بخطه، أو بأمره، وهي ضربان: مجردة عن الإجازة، ومقرونة
بأجزتك ما كتب لك أو إليك، ونحوه من عبارة الإجازة، وهي في الصحة
والقوّة كالمناولة المقرونة، وأما المجردة فمَنَعَ الرواية بها قوم، منهم القاضي
الماورديّ الشافعيّ، وأجازها كثيرون من المتقدمين والمتأخرين، منهم أيوب
السختيانيّ، ومنصور، والليث، وغير واحد من الشافعيين، وأصحاب الأصول،
وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث، ويوجد في مصنفاتهم: كتب إليّ

٩٣
(٣) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٦)
فلان قال: حدثنا فلان، والمراد به هذا وهو المعمول به عندهم معدود في
الموصول لإشعاره بمعنى الإجازة، وزاد السمعانيّ، فقال: هي أقوى من
الإجازة.
ثم يكفي معرفته خط الكاتب، ومنهم من شرط البينة وهو ضعيف؛ ثم
الصحيح أنه يقول في الرواية بها: كتب إليّ فلان قال: حدثنا فلان أو أخبرني
فلان مكاتبة أو كتابة ونحوه، ولا يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا، وجوّزه الليث،
ومنصور، وغير واحد من علماء المحدثين وكبارهم. انتهى(١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ تَظُّْ في ((ألفيّة الحديث)):
يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
خَامِسُهَا كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ
فَهْيَ كَمْنَ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا
يُكْتَبَ عَنْهُ فَمَتَى أَجَازَا
صِحَّتُهَا بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ
أَوْ لَا فَقِيلَ لَا تَصِحُ وَالأَصَحْ
كَاتِبِهِ وَشَاهِداً بَعْضُ شَرَطْ
وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطْ
كِتَابَةً)) وَالْمُظْلِقِينَ وَهِّنٍ
ثُمَّ لْيَقُلْ «حَدَّثَنِي أَخْبَرَنِي
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ظنّ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، والمشهورين بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َّا (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَام) فيما إذا حرّم الرجل
امرأته، ففي الرواية التالية: ((إذا حرّم الرجل عليه امرأته، فهي يمين يُكفّرها»،
وقوله: (يَمِينٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هو يمين، والجملة مقول القول، وقوله:
(يُكَفِّرُهَا) جملة في محلّ رفع صفة لـ((يمينٌ))، وإنما أنّث الضمير؛ لأن اليمين
مؤنّة، قال الفيّوميّ كَثْتُهُ: ويمينُ الْحَلِفِ أُنثى، وتُجمع على أَيْمُنِ، وأيمانٍ،
قاله ابن الأنباريّ، قيل: سُمّي الْحَلِف يميناً؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضَرَب
كلُّ واحد منهم يمينه على يمين صاحبه، فسُمّي الحلف يميناً مجازاً. انتهى (٢).
(١) (التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير)) ١١/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٨٢/٢.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وفي رواية البخاريّ: ((إذا حرّم الرجل امرأته، ليس بشيء))، وقوله: (ليس
بشيء)) يَحْتَمِلُ أن يريد بالنفي التطليقَ، ويَحْتَمِل أن يريد به ما هو أعمّ من
ذلك، والأول أقرب، ويؤيده قوله بدلها في هذه الرواية: ((فهي يمين يكفّرها))،
ولفظ الإسماعيليّ: ((إذا حرّم الرجل امرأته، فإنما هي يمين يكفِّرها))، فعُرف أن
المراد بقوله: ((ليس بشيء)) أي: ليس بطلاق، وأخرج النسائيّ، وابن مردويه،
من طريق سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن رجلاً جاءه،
فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حراماً، قال: كذبت، ما هي عليك بحرام، ثم
تلا: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكٌ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال له: عليك رقبة.
انتهى. وكأنه أشار عليه بالرقبة؛ لأنه عَرَف أنه موسر، فأراد أن يكفر بالأغلظ
من كفارة اليمين، لا أنه تعيّن عليه عتق الرقبة، ويدل عليه ما وقع من التصريح
بكفارة اليمين، أفاده في ((الفتح))(١).
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌َّا مستدلًا على ما ذهب إليه بقوله تعالى: (﴿لَقَدْ كَانَ
لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) يشير بذلك إلى قصّة التحريم
الآتي في حديث عائشة ژا بعد حديث.
وقد اختُلف هل المراد تحريم العسل الآتي في حديث عائشة فينا، أو
تحريم مارية؟ فقد أخرج النسائيّ بسند صحيح، عن أنس ظُه أن النبيّ وَّل
كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة، حتى حرّمها، فأنزل الله تعالى
هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَ اَللَّهُ لَكٌ﴾ الآية، قال في ((الفتح)): وهذا
أصحّ طرق هذا السبب، وله شاهد مرسل، أخرجه الطبريّ بسند صحيح، عن
زيد بن أسلم التابعيّ الشهير، قال: أصاب رسول الله وَ﴿ أم إبراهيم ولدِهِ في
بيت بعض نسائه، فقالت: يا رسول الله في بيتي، وعلى فراشي، فجعلها عليه
حراماً، فقالت: يا رسول الله كيف تُحَرِّم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا
يصيبها، فنزلت: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَعَلَّ اَللَّهُ لَكٌ﴾ [التحريم: ١]، قال زيد بن
أسلم: فقول الرجل لامرأته: أنت عليّ حرام لغوٌ، وإنما تلزمه كفارة يمين إن
حلف. انتهى.
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٣/١٢ - ٥٤ ((كتاب الطلاق)) رقم (٥٢٦٦).

٩٥
(٣) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٦)
وقال في ((الفتح)) أيضاً في ((كتاب التفسير)): والغرض من حديث ابن
عباس ضًَّا قوله فيه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فإن
فيه إشارةً إلى سبب نزول أول هذه السورة، وإلى قوله فيها: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ فَجِلَّةَ
أَيْمَنْكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وقد وقع في بعض حديث ابن عباس، عن عمر في القصة
المطوّلة الآتية في الباب التالي: ((فعاتبه الله في ذلك، وجعل له كفارة اليمين))،
واختُلِف في المراد بتحريمه، ففي حديث عائشة هيّا أن ذلك بسبب شربه وله
العسلَ عند زينب بنت جحش، فإن في آخره: ((ولن أعود له، وقد حلفتُ)).
ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق قال: حلف
رسول الله وَ﴿ لحفصة لا يقرب أَمَته، وقال: ((هي عليّ حرام))، فنزلت الكفارة
ليمينه، وأُمر أن لا يُحَرِّم ما أحل الله.
وأخرج الضياء في ((المختارة)) من مسند الهيثم بن كُليب، ثم من طريق
جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال
رسول الله صل لحفصة: ((لا تخبري أحداً أن أم إبراهيم عليّ حرام))، قال: فلم
يَقْرَبها حتى أخبرت عائشةَ، فأنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ .
وأخرج الطبرانيّ في ((عشرة النساء))، وابن مردويه من طريق أبي بكر بن
عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله ويله بمارية
بيت حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا
معي، دون نسائك؟ فذكر نحوه.
وللطبراني من طريق الضحاك، عن ابن عباس قال: دخلت حفصة بيتها،
فوجدته يطأ مارية، فعاتبته، فذكر نحوه، وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً،
فَيَحْتَمِل أن تكون الآية نزلت في السببين معاً.
وقد روى النسائيّ من طريق حماد، عن ثابت، عن أنس هذه القصة
مختصرةً أن النبيّ ◌َ﴿ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة، حتى
حرّمها، فانزل الله تعالى: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكٌ﴾ الآية. انتهى(١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) راجع: ((الفتح)) ٦/١١ - ٧ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٩١١).

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٧٦/٣ و٣٦٧٧] (١٤٧٣)، و(البخاريّ) في
((التفسير)) (٤٩١١) و((الطلاق)) (٥٢٦٦)، و(ابن ماجه) في ((الطلاق)) (٢٠٧٣)،
و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٣٤٣/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٥/١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٥٨/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٤/٤)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٢٧/٩)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٤٠/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥٠/٧) و((الصغرى)) (٣٤٥/٦) و((المعرفة)) (٤٨٦/٥
و٤٨٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن قال لامرأته: أنت عليّ
حرام:
قال أبو عبد الله القرطبيّ ◌َخُّْ في ((تفسيره)): اختَلَف العلماء في الرجل
يقول لزوجته: ((أنت عليّ حرام)) على ثمانية عشر قولاً:
(أحدها): لا شيء عليه، وبه قال الشعبيّ، ومسروق، وربيعة، وأبو
سلمة، وأصبغ، وهو عندهم كتحريم الماء والطعام، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧]، والزوجة من
الطيّبات، ومما أحلّ اللهُ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ
هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية [النحل: ١١٦]، وما لم يُحرّمه الله فليس لأحد أن
يُحرّمه، ولا يصير بتحريمه حراماً، ولم يثبت عن رسول الله وَ ل﴿ أنه قال لِمَا
أحلّ الله: هو عليّ حرام، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه، وهو قوله:
((والله لا أقربها بعد اليوم))، فقيل له: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَّ اللَّهُ لَكَّ﴾؛ أي: لم تمتنع
منه بسبب اليمين؟ يعني أقدِمْ عليه، وكفّر.
(وثانيها): أنها يمين يُكفّرها، قاله أبو بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطّاب،
وعبد الله بن مسعود، وابن عبّاس، وعائشة ﴿ه، والأوزاعيّ، وهو مقتضى
الآية، قال سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: إذا حرّم الرجل عليه امرأته، فإنما
هي يمين يُكفّرها، وقال ابن عبّاس: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾

٩٧
(٣) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٦)
[الأحزاب: ٢١]، يعني أنّ النبيّ وَّ كان حرّم جاريته، فقال الله تعالى: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ
مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكِّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ الآية [التحريم:
١، ٢]، فكفّر عن يمينه، وصيّر الحرام يميناً، أخرجه الدارقطنيّ.
(وثالثها): أنها تجب فيها كفّارة، وليست بيمين، قاله ابن مسعود، وابن
عبّاس أيضاً في إحدى روايتيه، والشافعيّ في أحد قوليه، وفي هذا القول نظر،
والآية تردّه على ما يأتي.
(ورابعها): هي ظهار، ففيها كفّارة الظهار، قاله عثمان، وأحمد بن
حنبل، وإسحاق.
(وخامسها): أنه إن نوى الظهار، وهو ينوي أنها محرّمة كتحريم ظهر
أمه، كان ظهاراً، وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق، تحريماً مطلقاً،
وجبت كفّارة يمين، وإن لم ينو شيئاً، فعليه كفّارة يمين، قاله الشافعيّ.
(وسادسها): أنها طلقةٌ رجعيّةٌ، قاله عمر بن الخطّاب، والزهريّ،
وعبد العزيز بن أبي سلمة، وابن الماجشون.
(وسابعها): أنها طلقة بائنةٌ، قاله حمّاد بن أبي سليمان، وزيد بن ثابت،
ورواه خُوَيز مَنْدَاد عن مالك.
(وثامنها): أنها ثلاث تطليقات، قاله عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت
أيضاً، وأبو هريرة
(وتاسعها): هي في المدخول بها ثلاث، ويُنَوَّى في غير المدخول بها،
قاله الحسن، وعليّ بن زيد، والحكم، وهو مشهور مذهب مالك.
(وعاشرها): هي ثلاث، ولا يُنوَّى بحال، ولا في محلّ، وإن لم يدخل
بها، قاله عبد الملك في المبسوط، وبه قال ابن أبي ليلى.
(وحادي عشرها): هي في التي لم يدخل بها واحدةٌ، وفي التي دخل بها
ثلاثٌ، قاله أبو مصعب، ومحمد بن عبد الحكم.
(وثاني عشرها): أنه إن نوى الطلاق، أو الظهار كان ما نوى، فإن نوى
الطلاق، فواحدةٌ بائنةٌ، إلا أن ينوي ثلاثاً، فإن نوى ثنتين فواحدة، فإن لم ينو
شيئاً كانت يميناً، وكان الرجل مُولِياً من امرأته، قاله أبو حنيفة وأصحابه،
وبمثله قال زُفر، إلا أنه قال: إذا نوى اثنتين ألزمناه.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
(وثالث عشرها): أنه لا تنفعه نيّة الظهار، وإنما يكون طلاقاً، قاله ابن
قاسم.
(ورابع عشرها): قال يحيى بن عمر: يكون طلاقاً، فإن ارتجعها لم يجز
له وطؤها حتى يكفّر كفّارة الظهار.
(وخامس عشرها): إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده، وإن نوى
واحدةً، فهي رجعيّةٌ. وهو قول الشافعيّ تَظُّ، وروي مثله عن أبي بكر،
وعمر، وغيرهم من الصحابة، والتابعين.
(وسادس عشرها): إن نوى ثلاثاً فثلاثاً، وإن نوى واحدةً فواحدةً، وإن
نوى يميناً فهي يمين، وإن لم ينو شيئاً فلا شيء عليه، وهو قول سفيان، وبمثله
قال الأوزاعيّ، وأبو ثور، إلا أنهما قالا: إن لم ينو شيئاً فهي واحدةٌ.
(وسابع عشرها): له نيّته، ولا يكون أقلّ من واحدة، قاله ابن شهاب،
وإن لم ينو شيئاً لم يكن شيء، قاله ابن العربيّ، ورأيت لسعيد بن جبير، وهو:
(ثامن عشرها): أن عليه عتق رقبة، وإن لم يجعلها ظهاراً، ولست أعلم
لها وجهاً، ولا يبعد في المقالات عندي.
قال القرطبيّ: قال علماؤنا: سبب الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في
كتاب اللهُ ولا في سنّة رسول الله وَّ نصّ، ولا ظاهرٌ يُعتمد عليه في هذه
المسألة، فتجاذبها العلماء لذلك.
فمن تمسّك بالبراءة الأصليّة، قال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء، وأما
من قال: إنها يمين، فقال: سمّاها الله يميناً، وأما من قال: تجب فيها كفّارة،
وليست بيمين، فبناه على أحد أمرين: أحدهما: أنه ظنّ أن الله تعالى أوجب
الكفّارة فيها، وإن لم تكن يميناً، والثاني: أن معنى اليمين عنده التحريم،
فوقعت الكفّارة على المعنى، وأما من قال: إنها طلقة رجعيّةٌ، فإنه حمل اللفظ
على أقلّ وجوهه، والرجعيّة محرّمة الوطء كذلك، فيُحمل اللفظ عليه. وهذا
يلزم مالكاً؛ لقوله: إن الرجعيّة محرّمة الوطء، وكذلك وجه من قال: إنها
ثلاث، فحمله على أكبر معناه، وهو الطلاق الثلاث، وأما من قال: إنه ظهار؛
فلأنه أقلّ درجات التحريم، فإنه تحريم، لا يرفع النكاح، وأما من قال: إنه
طلقةٌ بائنةٌ، فعوّل على أن الطلاق الرجعيّ لا يُحرّم المطلّقةَ، وأن الطلاق البائن

٩٩
(٣) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ - حديث رقم (٣٦٧٦)
يحرّمها، وأما قول يحيى بن عمر، فإنه احتاط بأن جعله طلاقاً، فلما ارتجعها
احتاط بأن ألزمه الكفّارةَ.
قال ابن العربيّ: وهذا لا يصحّ؛ لأنه جمع بين المتضادّين، فإنه لا
يجتمع ظهار وطلاقٌ في معنى لفظ واحد، فلا وجه للاحتياط فيما لا يصحّ
اجتماعه في الدليل.
وأما من قال: إنه يُنَوَّى في التي لم يدخل بها؛ فلأن الواحدة تُبينها،
وتحرّمها شرعاً إجماعاً، وكذلك قال من لم يَحْكُمْ باعتبار نيّته: إن الواحدة
تكفي قبل الدخول في التحريم بالإجماع، فيكفي أخذاً بالأقلّ المتَّفَق عليه،
وأما من قال: إنه ثلاث فيهما، فلأنه أخذ بالحكم الأعظم، فإنه لو صرّح
بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها، ومن الواجب
أن يكون المعنى مثله، وهو التحريم.
وهذا كلّه في الزوجة، وأما في الأمة فلا يلزم فيها شيء من ذلك، إلا أن
ينوي به العتق عند مالك، وذهب عامّة العلماء إلى أن عليه كفّارة يمين، قال
ابن العربيّ: والصحيح أنها طلقة واحدة؛ لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقلّه، وهو
الواحدة إلا أن يعدّده، كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقلّه إلا أن يقيّده بالأكثر،
مثل أن يقول: أنت عليّ حرام إلا بعد زوج، فهذا نصّ على المراد. انتهى
كلام القرطبيّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب الأقوال القول الثاني، وهو
أنه يمين يكفّرها؛ لأنه مقتضى الآية، كما أشار إليه ترجمان القرآن عبد الله بن
عبّاس ◌َّهًا، كما بيّنه حديث الباب، وفي رواية النسائيّ من طريق سالم
الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجلٌ، فقال: إني
جعلت امرأتي عليّ حراماً، قال: كذبت، ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه
الآية: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَمَّ اَللَّهُ لَكٌ﴾ [التحريم: ١]: عليك أغلظ الكفارة،
عتق رقبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٨٠/١٨ - ١٨٤ ((تفسير سورة التحريم)).

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧٧] (.) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرِ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ
سَلَّام، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ؛ أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرِ
ء
أَخْبَرَّهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَهِيَ بَمِينٌ
يُكَفِّرُهَا، وَقَالَ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ بِشْرِ الْحَرِيرِيُّ) - بفتح الحاء المهملة - الكوفيّ، ثقةٌ، من کبار
[١٠] (ت٢٢٧) تفرّد به المصنّف، تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧٢٥/١٩.
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّام) - بتشديد اللام - ابن أبي سلّام، أبو سلّام
الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصُ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في
«الإيمان)) ٣٠٩/٤٩.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧٨] (١٤٧٤) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يُخْبِرُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
عَائِشَةَ تُخْبِرُ؛ أَنَّ النَّبِيِّ وَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا
عَسَلاً، قَالَتْ: فَتَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ، أَنَّ أَيَتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ◌َِّ، فَلْتَقُلْ:
إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِبِحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ،
فَقَالَ: ((بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَهُودَ لَهُ))، فَتَزَلَ: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ
مَا أَعَلَّ اَللَّهُ لَكٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِن نَنُوبَآ﴾، لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرِّ النَِّىُّ إِلَى
بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِينًا﴾ لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ السمين، صدوقٌ ربما وَهِمَ،
وكان فاضلاً [١٠] (ت٥ أو٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١.