Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ (٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣) و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٤٦/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٧/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطلاق الثلاث: قال النوويّ تَّلُ ما حاصله: اختَلَف العلماء فيمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، فقال الشافعيّ، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وجماهير العلماء من السلف والخلف: يقع الثلاث، وقال طاوس، وبعض أهل الظاهر: لا يقع بذلك إلا واحدة، وهو رواية عن الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق، والمشهور عن الحجاج بن أرطاة أنه لا يقع به شيءٌ، وهو قول ابن مقاتل، ورواية عن محمد بن إسحاق. واحتجّ هؤلاء بحديث ابن عباس هذا، وبأنه وقع في بعض روايات حديث ابن عمر أنه طلق امرأته ثلاثاً في الحيض، ولم يَحتسب به، وبأنه وقع في حديث رُكانة أنه طلَّق امرأته ثلاثاً، وأمره رسول الله وَله برجعتها. واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْرًا﴾ [الطلاق: ١]، قالوا: معناه أن المطلِّق قد يَحْدُث له ندم، فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيّاً فلا يندم. واحتجوا أيضاً بحديث رُكانة أنه طلق امرأته البتة، فقال له النبيّ وَلّ: ((ما أردت إلا واحدةً؟))، قال: والله ما أردت إلا واحدةً، فهذا دليل على أنه لو أراد الثلاث لوقعن، وإلا فلم يكن لتحليفه معنى. وأما الرواية التي رواها المخالفون أن ركانه طلق ثلاثاً، فجعلها واحدةً، فرواية ضعيفة عن قوم مجهولين، وإنما الصحيح منها ما قدمناه أنه طلقها البتة، ولفظ البتة مُحْتَمِلٌ للواحدة وللثلاث، ولعل صاحب هذه الرواية الضعيفة اعتقد أن لفظ البتة يقتضي الثلاث، فرواه بالمعنى الذي فهمه، وغَلِط في ذلك. وأما حديث ابن عمر ◌ًا، فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدةً. وأما حديث ابن عباس ﴿ها، فاختَلَف العلماء في جوابه، وتأويله، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق أنت طالق، ولم ينو تأكيداً، ولا استئنافاً يُحكم بوقوع طلقة؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحُمِل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد، فلما كان في زمن عمر ظه، وكثُر استعمال الناس بهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها، حُمِلت عند الإطلاق على الثلاث؛ عملاً بالغالب السابق إلى الفهم منها في ذلك العصر. وقيل: المراد أن المعتاد في الزمن الأول كان طلقةً واحدةً، وصار الناس في زمن عمر يوقعون الثلاث دفعةً، فنفذّه عمر، فعلى هذا يكون إخباراً عن اختلاف عادة الناس، لا عن تغير حكم في مسألة واحدة. وقد حقّق هذه المسألة الشيخ العلامة الشنقيطي كَّتُهُ في ((أضوائه))(١)، وطوّل نَفَسه فيها، فأجاد، وأفاد، وقد أحببت إيراده بطوله؛ لفوائده الغزيرة، وعوائده الكثيرة. قال ◌َخْلُ: وقال النوويّ في ((شرح مسلمٍ)) ما نصّه: واحتَجَّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمْ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، قالوا: معناه أن المطلِّق قد يَحدُث له ندم، فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيّاً، فلا يندم. انتهى محل الغرض منه بلفظه. قال الشيخ تَخّلُ: ومما يؤيد هذا الاستدلال القرءاني ما أخرجه أبو داود بسند صحيحٍ، من طريق مجاهد، قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلَّق امرأته ثلاثاً، فسكت، حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: ينطلق أحدكم، فيركب الأُحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَكًا﴾ [الطلاق: ٢]، وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجاً، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وأخرج له أبو داود متابعاتٍ عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها من يتق الله، ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة، يجعل له مخرجاً بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في (١) راجع: ((أضواء البيان)) ١٧٥/١ - ٢٠٦. ٦٣ (٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣) لفظ واحد، لم يجعل له مخرجاً؛ لوقوع البينونة بها مجتمعةً، هذا هو معنى كلامه الذي لا يَحْتَمِل غيره، وهو قويّ جدّاً في محل النزاع؛ لأنه مفسِّر به قرءاناً، وهو ترجمان القرءان، وقد قال ◌َّار: ((اللهم علِّمه التأويل))، وعلى هذا القول جلُّ الصحابة، وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة، وحَكَى غير واحد عليه الإجماع. واحتَجّ المخالفون بأربعة أحاديث: [الأول]: حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد، وأبي يعلى، وصححه بعضهم، قال: طلَّق رُكانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحَزِن عليها حُزْناً شديداً، فسأله النبيّ وَّ كيف طلقتها؟ قال: ثلاثاً في مجلس واحد، فقال النبيّ وَّ: ((إنما تلك واحدةٌ، فارتَجِعْهَا، إن شئت))، فارتَجَعَهَا . قال الشيخ تَخْذَلُهُ: الاستدلال بهذا الحديث مردود من ثلاثة أوجه: الأول: أنه لا دليل فيه البتة على محلّ النزاع على فرض صحته، لا بدلالة المطابقة، ولا بدلالة التضمن، ولا بدلالة الالتزام؛ لأن لفظ المتن أن الطلقات الثلاث واقعةٌ في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه كونها بلفظ واحد، فادّعاء أنها لما كانت في مجلس واحد لا بدّ أن تكون بلفظ واحد في غاية البطلان، كما ترى؛ إذ لم يدلّ كونها في مجلس واحد على كونها بلفظ واحد بنقل، ولا عقل، ولا لغة، كما لا يخفى على أحد، بل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد؛ إذ لو كانت بلفظ واحد لقال: بلفظ واحد، وترك ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لترك الأخص، والتعبير بالأعم بلا موچبٍ، کما تری. وبالجملة فهذا الدليل يُقْدَح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول بـ((القول بالموجَب))، فيقال: سلّمنا أنها في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد؟ فافهم، وسترى تمام هذا المبحث - إن شاء الله - في الكلام علی حدیث طاوس عند مسلم. الثاني: أن داود بن الحصين الذي هو راوي هذا الحديث عن عكرمة، ليس بثقة في عكرمة، قال ابن حجر في ((التقريب)): داود بن الحصين الأمويّ ٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق مولاهم، أبو سليمان المدنيّ ثقة إلا في عكرمة، ورُمي برأي الخوارج. انتهى. وإذا كان غير ثقة في عكرمة كان الحديث المذكور من رواية غير ثقة، مع أنه قدمنا أنه لو كان صحيحاً لما كانت فيه حجة. الثالث: ما ذكره ابن حجر في ((فتح الباري))، فإنه قال فيه ما نصه: الثالث أن أبا داود رجّح أن رُكانة إنما طلق امرأته البتة، كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قويّ؛ لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلّقها ثلاثاً، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس. انتهى منه بلفظه. يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين المذكور عن عكرمة عن ابن عباس، مع أنا قدّمنا أن الحديث لا دليل فيه أصلاً على محل النزاع، وبما ذكرنا يظهر سقوط الاستدلال بحديث ابن إسحاق المذكور. [الحديث الثاني]: من الأحاديث الأربعة التي استَدَلّ بها من جعل الثلاث واحدةً، هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر ◌ًا من أنه طلّق امرأته في الحيض ثلاثاً، فاحتُسِب بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال؛ لأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدةً، كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره. وقال النوويّ في ((شرح مسلم))، ما نصه: وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة. وقال القرطبيّ في ((تفسيره))، ما نصه: والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبد الله: وكان تطليقه إياها في الحيض واحدةً، غير أنه خالف السنّة، وكذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذا قال الزهريّ عن سالم، عن أبيه، ويونس بن جبير، والشعبيّ، والحسن. انتهى منه بلفظه، فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور. ٦٥ (٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣) [الحديث الثالث]: من أدلتهم هو ما رواه أبو داود في ((سننه)): حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، مولى النبيّ وَّر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يا قال: طلّق عبد يزيد، أبو ركانة وإخوتِهِ أم ركانة، ونَكَحَ امرأة من مُزينة، فجاءت إلى النبيّ ◌َّز، فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها، ففَرِّق بيني وبينه، فأخذت النبيَّ وَ ﴿ حَمِيّةٌ، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: ((أترون فلاناً يشبه منه كذا وكذا - من عبد يزيد - وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟)) قالوا: نعم، فقال النبيّ ◌َّ: ((طَلِّقها))، ففعل، فقال: ((راجع امرأتك أم ركانة))، فقال: إني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله، قال: ((قد علمتُ راجعها))، وتلا: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَتِنَّ وَأَحْصُواْ أَلْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]. قال الشيخ كثّلهُ: والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط؛ لأن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، وهي رواية عن مجهول، لا يدرى من هو؟ فسقوطها كما ترى، ولا شك أن حديث أبي داود المتقدم أولى بالقبول من هذا الذي لا خلاف في ضعفه. وقد تقدم أن ذلك فيه أنه طلقها البتة وأن النبيّ ◌َّ أحلفه ما أراد إلا واحدة، وهو دليل واضح على نفوذ الطلقات المجتمعة، كما تقدم. [الحديث الرابع]: هو ما أخرجه مسلم في ((صحيحه))، ثم أورد حديث الباب: ((كان الطلاق على عهد رسول الله وَله، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاث واحدةً». وفي رواية: ((أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تُجعل واحدةً على عهد النبيّ وَّه، وأبي بكر، وثلاثاً من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم)). وفي رواية: ((أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هَنَاتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وَ *، وأبي بكر واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم))، هذا لفظ مسلم في ((صحیحه)). ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود، ولكن لم يسم إبراهيم بن ميسرة، وقال بدله: عن غير واحد، ولفظ المتن: ((أما عَلِمتَ أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله وَيهِ، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر، قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله وَّر، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر، فلما رأى الناس، يعني عمر قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوهنّ عليهم)). قال: وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة: (الأول): أن الثلاث المذكورة فيه التي كانت تُجعل واحدةً ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغةً ولا عقلاً ولا شرعاً أن تكون بلفظ واحد، فمن قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مرات في وقت واحد، فطلاقه هذا طلاق الثلاث؛ لأنه صَرّح بالطلاق فيه ثلاث مرات، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة: من أين أخذت كونها بكلمة واحدة، فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة؟ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق بكلمات متعددة؟ فإن قال: لا يقال له: طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة فلا شكّ في أن دعواه هذه غير صحيحة، وإن اعترف بالحقّ، وقال: يجوز إطلاقه على ما أُوقع بكلمة واحدة، وعلى ما أوقع بكلمات متعددة، وهو أشدّ بظاهر اللفظ، قيل له: وإذن فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع. ومما يدلّ على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة، أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائيّ مع جلالته، وعلمه، وشدة فهمه ما فهم من هذا الحديث إلا أن المراد بطلاق الثلاث فيه: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بتفريق الطلقات؛ لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات، ولذا ترجم في ((سننه)) لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث، فقال: ((باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة))، ثم قال: ٦٧ (٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣) أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه؛ أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس رضيًا، فقال: يا ابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله وَعليه، وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر تردّ إلى الواحدة؟ قال: نعم، فترى هذا الإمام الجليل صرّح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة، ويدل على الَّله من الحديث ما ذكره ابن القيّم في ((زاد المعاد)» في صحة ما فهمه النسائيّ الردّ على من استدل لوقوع الثلاث دفعة بحديث عائشة عيا: ((أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجت ... )) الحديث، فإنه قال فيه، ما نصه: ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثاً، وقال ثلاثاً إلا من فعل، وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثاً، وشتمه ثلاثاً، وسلّم عليه ثلاثاً. انتهى منه بلفظه. وهو دليل واضح لصحة ما فهمه أبو عبد الرحمن النسائيّ تَظُّ من الحديث؛ لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة، كما أوضحه ابن القيّم في حديث عائشة ◌َوّا المذكور آنفاً. وممن قال بأن المراد بالثلاث في حديث طاوس المذكور: الثلاث المفرقة بألفاظ، نحو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ابنُ سريج، فإنه قال: يُشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وكانوا أوّلاً على سلامة صدورهم يُقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه، مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حَمَل عمرُ اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم، قاله ابن حجر في ((الفتح))، وقال: إن هذا الجواب ارتضاه القرطبيّ، وقوّاه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ. وقال النوويّ في ((شرح مسلم))، ما نصه: وأما حديث ابن عباس فاختَلَف الناس في جوابه وتأويله، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ولم ينو تأكيداً ولا استئنافاً يُحكم بوقوع طلقة؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحُمِل على الغالب الذي هو إرادة ٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق التأكيد، فلما كان في زمن عمر نظرائه، وكثر استعمال الناس لهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها، حُمِلت عند الإطلاق على الثلاث؛ عملاً بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر. قال الشيخ تَخّْثُ: وهذا الوجه لا إشكال فيه؛ لجواز تغير الحال عند تغير القصد؛ لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا . وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خالٍ من دليل، كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النبيّ ◌َّ مع أنه ليس في شيء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد، ولم يتعيّن ذلك من اللغة، ولا من الشرع، ولا من العقل كما ترى. قال: ويدل لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدّم في حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد، وأبي يعلى، من قوله: ((طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد))، وقوله وَله: ((كيف طلقتها؟» قال: ثلاثاً في مجلس واحد؛ لأن التعبير بلفظ المجلس يُفهم منه أنها ليست بلفظ واحد؛ إذ لو كان اللفظ واحداً لقال: بلفظ واحد، ولم يحتج إلى ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم، وترك الأخص بلا موجِبٍ، كما هو ظاهر. (الجواب الثاني): عن حديث ابن عباس هو أن معنى الحديث: أن الطلاق الواقع في زمن عمر ثلاثاً كان يقع قبل ذلك واحدةً؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلاً، أو يستعملونها نادراً، وأما في عهد عمر فكثر استعمالهم لها . ومعنى قوله: ((فأمضاه عليهم)) على هذا القول: أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجّح هذا التأويل ابن العربيّ، ونسبه إلى أبي زرعة الرازيّ، وكذا أورده البيهقيّ بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة، أنه قال: معنى هذا الحديث عندي: إنما تطلقون أنتم ثلاثاً كانوا يطلقون واحدةً. قال النوويّ: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصةً لا عن تغيير الحكم في المسألة الواحدة، وهذا الجواب نقله القرطبيّ في تفسير ٦٩ (٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣) قوله تعالى: ﴿اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عن المحقق القاضي أبي الوليد الباجيّ، والقاضي عبد الوهاب، وإلكيا الطبريّ. قال الشيخ تَظْثُ: ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسّف، وإن قال به بعض أجلاء العلماء. (الجواب الثالث): عن حديث ابن عباس ﴿يا هو القول بأنه منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطلع على النسخ إلا في عهد عمر، فقد نَقَل البيهقيّ في (السنن الكبرى)) في ((باب من جعل الثلاث واحدةً)) عن الإمام الشافعيّ ◌َُّ ما نصه: قال الشافعيّ: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تُحسب على عهد رسول الله وَّ﴿ واحدةً، يعني أنه بأمر النبيّ وَّر، فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس عَلِمَ أن كان شيئاً فُنُسخ. فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله وَير شيئاً ثم يخالفه بشيء لم يعلمه، كان من النبيّ وَّ فيه خلاف، قال الشيخ(١): ورواية عكرمة، عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل، قال الشافعيّ: فإن قيل: فلعل هذا شيء رُوي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر ظه، قيل: قد علمنا أن ابن عباس ◌ّ يخالف عمر ته في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد، وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروي عن النبيّ وَّر فيه خلافه؟ انتهى محل الحاجة من البيهقي بلفظه. وقال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ما نصه: الجواب الثالث دعوى النسخ، فنقل البيهقيّ عن الشافعيّ أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس عَلِم شيئاً نَسَخ ذلك، قال البيهقيّ: ويقويه ما أخرجه أبو داود، من طريق يزيد النحويّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا طلق امرأته، فهو أحقّ برجعتها، وإن طلقها ثلاثاً، فنُسخ ذلك، والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله: ((باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث)). وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿اُلْطَّلَقُ مَّتَانٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] (١) الشيخ هنا هو البيهقيّ، فتنبّه. ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق بعد أن ساق حديث أبي داود المذكور آنفاً، ما نصه: ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين به. وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا هارون بن إسحاق، حدّثنا عبدة، يعني ابن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلاً قال لامرأته: لا أطلقك أبداً، ولا آويك أبداً، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله وَل﴾، وذكرت له ذلك، فأنزل الله وَت: ﴿اَلْطَّلَقُ مَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، قال: فاستقبل الناس الطلاق، مَن كان طلّق، ومن لم یکن طلَّق. وقد رواه أبو بكر بن مردويه، من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذيّ عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب به، ثم رواه عن أبي كُريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلاً، وقال: هذا أصحّ. ورواه الحاكم في ((مستدركه)) من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن يعلى بن شبيب به، وقال: صحيح الإسناد. ثم قال ابن مردويه: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا إسماعيل بن عبد الله، حدّثنا محمد بن حميد، حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت يطلِّق الرجل امرأته، ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك، لا أَيِّماً، ولا ذات زوج، فجعل يطلقها، حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مراراً، فأنزل الله رَتْ: ﴿اَلْطَّلَقُ مَّتَانِ فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فوقّت الطلاق ثلاثاً لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجاً غيره، وهكذا رُوي عن قتادة مرسلاً، ذكره السُّدّيّ، وابن زيد، وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية. انتهى من ابن كثير بلفظه. وفي هذه الروايات دلالة واضحة لنسخ المراجعة بعد الثلاث، وإنكار المازريّ ك ادعاء النسخ مردود بما رده به الحافظ ابن حجر في («فتح الباري))، فإنه لما نقل عن المازريّ إنكاره للنسخ من أوجه متعددة، قال بعده، ٧١ (٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣) ما نصّه: قلت: نقل النوويّ هذا الفصل في ((شرح مسلم))، وأقرّه، وهو متعقَّبٌ في مواضع: أحدها: أن الذي ادَّعَى نسخ الحكم لم يقل: إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذُكر، وإنما قال ما تقدم: يُشبه أن يكون عَلِم شيئاً من ذلك نَسَخَ؛ أي: اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعاً، ولذلك أفتى بخلافه، وقد سَلَّم المازريّ في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادَّعى النسخ. الثاني: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيبٌ، فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل، يرتكب خلاف الظاهر حتماً . الثالث: أن تغليطه من قال: المراد ظهور النسخ عجيبٌ أيضاً؛ لأن المراد بظهوره: انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يُفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذُكر من إجماعهم على الخطإ. انتهى محل الحاجة من ((فتح الباري)) بلفظه. ولا إشكال فيه لأن كثيراً من الصحابة الطَّلَع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه، وقد وقع ذلك في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فأبو بكر لم يكن عالِماً بقضاء رسول الله وَ﴿ في ميراث الجدة، حتى أخبره المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول الله صليقيم في دية الجنين، حتى أخبره المذكوران قبلُ، ولم يكن عنده علم من أخذ رسول الله وَله الجزية من مجوس هجر، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف، ولا من الاستئذان ثلاثاً، حتى أخبره أبو موسى الأشعريّ، وأبو سعيد الخدريّ، وعثمان لم يكن عنده علم بأن رسول الله ◌َ﴿ أوجب السكنى للمتوفى عنها زمن العدة، حتى أخبرته فُريعة بنت مالك، والعباس بن عبد المطلب، وفاطمة الزهراء ◌ّ لم يكن عندهما علم بأن النبيّ وَ م قال: ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث ... )) الحديث، حتى طلبا ميراثهما من رسول الله وَ له، وأمثال هذا كثيرة جدّاً. وأوضح دليل يزيل الإشكال عن القول بالنسخ المذكور وقوع مثله، واعتراف المخالف به في نكاح المتعة، فإن مسلماً روى عن جابر بنظله أن متعة النساء كانت تُفعل في عهد النبيّ بَّز، وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث طبقاً ((ما أشبه الليلة بالبارحة»: فَإِنْ لَا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا فمن الغريب أن يُسَلِّم منصف إمكان النسخ في إحداهما، ويَدَّعِي استحالته في الأخرى، مع أن كلّاً منهما رَوَى مسلم فيها عن صحابيّ جليل؛ أن ذلك الأمر كان يُفعل في زمن النبيّ وَّ، وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، في مسألة تتعلق بالفروج، ثم غَيَّره عمر، ومن أجاز نسخ نكاح المتعة، وأحال نسخ جعل الثلاث واحدةً، يقال له: ما لبائك تَجُرّ، وبائي لا تَجُرّ. فإن قيل: نكاح المتعة صح النصّ بنسخه، قلنا: قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث. وممن جزم بنسخ جعل الثلاث واحدة الإمام أبو داود تَُّ، ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ثلاث تطليقات وأكثر، قال في ((سننه)): ((باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث))، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَةٍ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَزْحَامِهِنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثاً، فنُسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]. وأخرج نحوه النسائيّ، وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، قال فيه ابن حجر في ((التقريب)): صدوقٌ يَهِمُ، وروى مالك في ((الموطا)) عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته، ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعَمَد رجل إلى امرأته، فطلقها، حتى إذا أشرفت على انقضاء عدتها راجعها، ثم قال: لا آويك، ولا أطلقك، فأنزل الله: ﴿الطّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمِسَاكٌ بِعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌِّ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذ، من كان طلّق منهم، أو لم يطلق . ويؤيد هذا أن عمر ظُه لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول الله وَليقول إيقاع الثلاث دفعةً مع كثرتهم، وعلمهم، وورعهم، ويؤيده أن كثيراً جدّاً من ٧٣ (٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣) الصحابة الأجلاء العلماء صح عنهم القول بذلك؛ كابن عباس، وعمر، وابن عمر، وخلق لا يحصى. والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث: قال بعض العلماء: إنه قوله تعالى: ﴿اَلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾، كما جاء مبيّناً في الروايات المتقدمة. ولا مانع عقلاً، ولا عادةً من أن يَجهل مثلَ هذا الناسخ كثيرٌ من الناس إلى خلافة عمر رظُه، كما جهل كثير من الناس نكاح المتعة إلى خلافة عمر مع أنه وَّهُ صرَّح بنسخها، وتحريمها إلى يوم القيامة في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع أيضاً، كما جاء في رواية عند مسلم. ومع أن القرءان دلّ على تحريم غير الزوجة، والسُّرّيّة بقوله: ﴿وَلَِّيْنَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴾َ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦،٥]، ومعلوم أن المرأة المتمتّع بها ليست بزوجة، ولا سُرِّيّة. والذين قالوا بالنسخ قالوا في معنى قول عمر: ((إن الناس استعجلوا في أمر، كانت لهم فيه أَنَاةٌ)): إن المراد بالأناة أنهم كانوا يتأنّون في الطلاق، فلا يوقعون الثلاث في وقت واحد، ومعنى استعجالهم: أنهم صاروا يوقعونها بلفظ واحد على القول بأن ذلك هو معنى الحديث، وقد قدّمنا أنه لا يتعيّن كونه هو معناه، وإمضاؤه له عليهم إِذَنْ هو اللازم، ولا ينافيه قوله: فلو أمضيناه عليهم، يعني ألزمناهم بمقتضى ما قالوا. ونظيره قول جابر عند مسلم في نكاح المتعة: ((فنهانا عنها عمر))، فظاهر كلّ منهما أنه اجتهاد من عمر، والنسخ ثابت فيهما معاً، كما رأيت، وليست الأناة في المنسوخ، وإنما هي في عدم الاستعجال بإيقاع الثلاث دفعةً. وعلى القول الأول: إن المراد بالثلاث التي كانت تُجعل واحدة: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فالظاهر في إمضائه لها عليهم أنه من حيث تغيُّر قصدهم، من التأكيد إلى التأسيس، كما تقدم، ولا إشكال في ذلك. أما كون عمر كان يَعْلَم أن رسول الله وَّ كان يجعل الثلاث بلفظ واحد واحدةً، فتعمّد مخالفة رسول الله وَ له، وجعلها ثلاثاً، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فلا يخفى بُعْده، والعلم عند الله تعالى. (الجواب الرابع): عن حديث ابن عباس ﴿يا أن رواية طاوس، عن ابن عباس مخالفةٌ لما رواه عنه الحفاظ من أصحابه، فقد روى عنه لزوم الثلاث ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق دفعةً: سعيدُ بن جبير، وعطاءُ بن أبي رباح، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحرث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاريّ، كما نقله البيهقيّ في ((السنن الكبرى))، والقرطبيّ وغيرهما. وقال البيهقيّ في ((السنن الكبرى)): إن البخاريّ لم يُخرج هذا الحديث؛ لمخالفة هؤلاء لرواية طاوس، عن ابن عباس. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: ((كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وَّل، وأبي بكر، وعمر ظ﴿هَا طلاق الثلاث واحدةً))، بأيّ شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، وكذلك نقل عنه ابن منصور، قاله ابن القيّم. قال الشيخ كثّثهُ: فهذا إمام المحدثين، وسيد المسلمين في عصره الذي تدارك الله به الإسلام بعدما كاد تتزلزل قواعده، وتغيَّر عقائده، أبو عبد الله أحمد بن حنبل تَُّ قال للأثرم، وابن منصور: إنه رَفَضَ حديث ابن عباس قصداً؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد؛ لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك. وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاريّ، وهو هو ذكر عنه الحافظ البيهقيّ أنه ترك هذا الحديث عمداً لذلك الموجِب الذي تركه من أجله الإمام أحمد، ولا شك أنهما ما تركاه إلا لموجِبٍ يقتضي ذلك. فإن قيل: رواية طاوس في حكم المرفوع، ورواية الجماعة المذكورين موقوفة على ابن عباس، والمرفوع لا يعارض بالموقوف. فالجواب: أن الصحابيّ إذا خالف ما رَوَى، ففيه للعلماء قولان، وهما روايتان عن أحمد دَّتُهُ . الأولى: أنه لا يُحتج بالحديث؛ لأن أعلم الناس به راويه، وقد ترك العمل به، وهو عدل عارفٌ، وعلى هذه الرواية فلا إشكال. وعلى الرواية الأخرى التي هي المشهورة عند العلماء: أن العبرة بروايته، لا بقوله، فإنه لا تقدم روايته، إلا إذا كانت صريحة المعنى، أو ظاهرةً فيه ظهوراً يضعف معه احتمال مقابله، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالاً قويّاً، فإن مخالفة الراوي لما رَوَى تدلّ على أن ذلك المحتمل الذي ٧٥ (٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣) تُرك ليس هو معنى ما رَوَى، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور مُحْتَمِلٌ احتمالاً قويّاً لأن تكون الطلقات مفرّقةً، كما جزم به النسائيّ، وصححه النوويّ، والقرطبيّ، وابن سُريج. فالحاصل أن ترك ابن عباس لجعل الثلاث بفم واحد واحدةً يدلّ على أن معنى الحديث الذي رَوَى ليس كونها بلفظ واحد، كما سترى بيانه في كلام القرطبيّ في ((المفهم)) في الجواب الذي بعد هذا. واعلم أن ابن عباس ◌ًّا لم يثبت عنه أنه أفتى في الثلاث بفم واحد أنها واحدةٌ، وما رَوَى عنه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة أن ابن عباس قال: إذا قال: أنت طالق ثلاثاً بفم واحد، فهي واحدةٌ، فهو معارَضٌ بما رواه أبو داود نفسه من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة؛ أن ذلك من قول عكرمة، لا من قول ابن عباس، وترجح رواية اسماعيل بن إبراهيم على رواية حماد بموافقة الحفاظ لإسماعيل في أن ابن عباس يجعلها ثلاثاً لا واحدةً. (الجواب الخامس): هو ادّعاء ضعفه، وممن حاول تضعيفه ابن العربي المالكيّ، وابن عبد البرّ، والقرطبيّ. قال ابن العربي المالكيّ: زَلَّ قوم في آخر الزمان، فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم، وجعلوه واحدةً، ونسبوه إلى السلف الأول، فحَكَوه عن عليّ، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة المغموز المرتبة، ورووا في ذلك حديثاً ليس له أصل، وغَوَى قوم من أهل المسائل، فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه، وقالوا: إن قوله: أنت طالق ثلاثاً كَذِبٌ؛ لأنه لم يطلق ثلاثاً، كما لو قال: طلقت ثلاثاً، ولم يطلق إلا واحدةً، وكما لو قال: أحلف ثلاثاً كانت يميناً واحدةً. ولقد طوَّفتُ في الآفاق، ولقيت من علماء الإسلام، وأرباب المذاهب كل صادق، فما سمعت لهذه المسألة بخبر، ولا أحسست لها بأثر، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزاً، ولا يرون الطلاق واقعاً، ولذلك قال فيهم ابن سکرة الهاشميّ: ٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق حِلّاً وَإِنْ كَانَتْ بِلَا مَهْرٍ يَا مَنْ يَرَى الْمُتْعَةَ فِي دِينِهِ تَبِينُ مِنْهُ رَبَّةُ الْخِدْرِ وَلَا يَرَى تِسْعِينَ تَظْلِيقَةً فَاغْتَنِمُوهَا يَا بَنِي الْفِطْرِ مِنْ هَا هُنَا طَابَتْ مَوَالِیدُكُمْ وقد اتَّفَق علماء الإسلام، وأرباب الحلّ والعقد في الأحكام، على أن الطلاق الثلاث في كلمة، وإن كان حراماً في قول بعضهم، وبدعةً في قول الآخرين لازم، وأين هؤلاء البؤساء من عالِم الدين، وعلَم الإسلام، محمد بن إسماعيل البخاريّ، وقد قال في ((صحيحه)): ((باب جواز الطلاق الثلاث))؛ لقوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وذكر حديث اللعان، فطلّقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله وَلقر، ولم يغير عليه النبيّ وَّ، ولا يقرّ على الباطل، ولأنه جَمَع ما فسح له في تفريقه، فألزمته الشريعة حكمه، وما نسبوه إلى الصحابة كَذِبٌ بَحْتُ، لا أصل له في کتاب، ولا رواية له عن أحد. وقد أدخل مالك في ((موطئه) عن عليّ: أن الحرام ثلاثٌ لازمة في كلمة، فهذا في معناها، فكيف إذا صَرَّح بها؟ وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملة، ولا عند أحد من الأئمة. فإن قيل: ففي ((صحيح مسلم)) عن ابن عباس، وذكر حديث أبي الصهباء المذكور. قلنا : هذا لا متعلَّق فيه من خمسة أوجه: الأول: أنه حديث مختلف في صحته، فكيف يُقَدَّم على إجماع الأمة، ولم يُعرف لها في هذه المسألة خلاف، إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين، وقد سبق العصران الكريمان، والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم، فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم، نَقْلَ العدل عن العدل، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبداً. الثاني: أن هذا الحديث لم يُرْوَ إلا عن ابن عباس، ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟ وكيف خفي على جميع الصحابة، وسكتوا عنه إلا ٧٧ (٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣) ابن عباس؟ وكيف خَفِي على أصحاب ابن عباس إلا طاوس. انتهى محل الغرض من كلام ابن العربيّ. وقال ابن عبد البرّ: ورواية طاوس وَهَمٌ، وغَلَطٌ، لم يعرِّج عليها أحدٌ من فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، والمشرق، والمغرب، وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يُعرف في موالي ابن عباس. قال الشيخ الشنقيطيّ كَّثُ: إن مثل هذا لا يُثبت به تضعيف هذا الحدیث؛ لأن الأئمة کمعمر، وابن جريج، وغيرهما رووه عن ابن طاوس، وهو إمام، عن طاوس، عن ابن عباس ، ورواه عن طاوس أيضاً إبرهيم بن ميسرة، وهو ثقةٌ حافظٌ، وانفراد الصحابيّ لا يضرّ، ولو لم يرو عنه أصلاً إلا واحدٌ، كما أشار إليه العراقي في ((ألفيته)) بقوله: فَفِي الصَّحِيحِ أَخْرَجَا الْمُسَيِّبَا وَأَخْرَجَ الْجُعْفِيّ لابْنِ تَغْلِبَا يعني أن الشيخين أخرجا حديث المسيِّب بن حَزْن، ولم يرو عنه أحد غير ابنه سعيد، وأخرج البخاريّ حديث عمرو بن تَغْلِب النمريّ، ويقال: العبديّ، ولم يرو عنه غير الحسن البصريّ، هذا مراده. وقد ذكر ابن أبي حاتم أن عمرو بن تَغْلِب روى عنه أيضاً الحكم بن الأعرج، قاله ابن حجر، وابن عبد البرّ، وغيرهما . والحاصل أن حديث طاوس ثابتٌ في ((صحيح مسلم)) بسند صحيح، وما كان كذلك، لا يمكن تضعيفه إلا بأمر واضح. نعم لقائل أن يقول: إن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي متوفرةً إلى نقله، ولم ينقله إلا واحد ونحوه، أن ذلك يدل على عدم صحته. ووجهه أن توفّر الدواعي يلزم منه النقلُ تواتراً، والاشتهارُ، فإن لم يشتهر دلّ على أنه لم يقع؛ لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، وهذه قاعدة مقرّرة في الأصول، أشار إليها في ((مراقي السعود)) بقوله، عاطفاً على ما يُحْكَم فيه بعدم صحة الخبر: وَخَبَرُ الْآحَادِ فِي السَّنِيِّ حَيْثُ دَوَاعِي نَقْلِهِ تَوَاتُرَا نَرَى لَهَا لَوْ قَالَهُ تَقَرَّرَا وجزم بها غير واحد من الأصوليين، وقال صاحب ((جمع الجوامع)) ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق عاطفاً على ما يُجزم فيه بعدم صحة الخبر: والمنقول آحاداً فيما تتوفّر الدواعي إلى نقله، خلافاً للرافضة. انتهى منه بلفظه. ومراده أن مما يُجزم بعدم صحته الخبرُ المنقولُ آحاداً مع توفّر الدواعي إلى نقله. وقال ابن الحاجب في ((مختصره)) الأصولي: [مسألة]: إذا انفرد واحد فيما يتوفر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه خلق كثير، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة، فهو كاذب قطعاً خلافاً للشيعة. انتهى محل الغرض منه بلفظه. وفي المسألة مناقشات، وأجوبة عنها معروفة في الأصول. قال الشيخ تَظُّ: ولا شك أنه على القول بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد كانت تجعل واحدةً على عهد النبيّ وَّ، وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، ثم إن عمر غَيَّر ما كان عليه رسول الله وَ لتر، والمسلمون في زمن أبي بكر، وعامة الصحابة، أو جلّهم يعلمون ذلك، فالدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله صل*، والمسلمون من بعده متوفّرة توَقُّراً لا يمكن إنكاره لأن يُرَدّ بذلك التغيير الذي أحدثه عمر، فسكوت جميع الصحابة عنه، وكون ذلك لم يُنقل منه حرف عن غير ابن عباس يدلّ دلالةً واضحةً على أحد أمرين: أحدهما: أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد، كما قدمنا، وكما جزم به النسائيّ، وصححه النوويّ، والقرطبيّ، وابن سُريج، وعليه فلا إشكال؛ لأن تغيير عمر للحكم مبنيّ على تغيير قصدهم، والنبيّ وَّ قال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))، فمن قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ونوى التأكيد فواحدةٌ، وإن نوى الاستئناف بكل واحدة فثلاث، واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات اللافظين به لا إشكال فيه؛ لقوله وسلم: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)). والثاني: أن يكون الحديث غير محكوم بصحته؛ لنقله آحاداً مع توفّر الدواعي إلى نقله، والأول أولى، وأخفّ من الثاني. ٧٩ (٢) - بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ - حديث رقم (٣٦٧٣) وقال القرطبيّ في ((المفهم)) في الكلام على حديث طاوس المذكور: وظاهر سياقه يقتضي عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم، وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه. انتهى منه بواسطة نقل ابن حجر في ((فتح الباري)) عنه، وهو قويّ جدّاً بحسب المقرّر في الأصول كما ترى. (الجواب السادس): عن حديث ابن عباس ما هو حمل لفظ الثلاث في الحديث على أن المراد بها البتة، كما قدمنا في حديث رُكانة، وهو من رواية ابن عباس أيضاً، قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) بعد أن ذكر هذا الجواب، ما نصه: وهو قويّ، ويؤيده إدخال البخاريّ في هذا الباب الآثار التي فيها البتة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أُطلقت حُمِل على الثلاث، إلا إن أراد المطلِّق واحدةً، فيُقبل، فكأن بعض رواته حَمَل لفظ البتة على الثلاث؛ لاشتهار التسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظة البتة، وكانوا في العصر الأول يَقبلون ممن قال: أردت بالبتة واحدةً، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم. انتهى من ((فتح الباري)) بلفظه. وله وجه من النظر، كما لا يخفى، وما يذكره كلٌّ ممن قال بلزوم الثلاث دفعةً، ومن قال بعدم لزومها من الأمور النظرية؛ ليصحح به كلٌّ مذهبه لم نُطِل به الكلام؛ لأن الظاهر سقوط ذلك كله، وأن هذه المسألة إن لم يمكن تحقيقها من جهة النقل، فإنه لا يمكن من جهة العقل، وقياس ((أنت طالق ثلاثاً)) على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تُجْزِ، قياس مع وجود الفارق؛ لأن من اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء على أن ذلك كما لو لم يأت بشيء منها أصلاً، بخلاف الطلقات الثلاث، فمن اقتصر على واحدة منها اعتُبرت إجماعاً، وحصلت بها البينونة بانقضاء العدة إجماعاً. (الجواب السابع): هو ما ذكره بعضهم من أن حديث طاوس المذكور ليس فيه أن النبيّ وَ﴿ عَلِم بذلك، فأقرّه، والدليل إنما هو فيما عَلِم به وأقرّه، لا فيما لم يَعْلَم فیه. ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق قال الشيخ تَكْثُ: ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ لأن جماهير المحدثين والأصوليين على أن ما أسنده الصحابيّ إلى عهد النبيّ وَّ له حكم المرفوع، وإن لم يصرح بأنه بلغه وَ الغير، وأقره. (الجواب الثامن): أن حديث ابن عباس المذكور في غير المدخول بها خاصّةً؛ لأنه إن قال لها: أنت طالق بانت بمجرد اللفظ، فلو قال: ثلاثاً لم يصادف لفظ الثلاث محلّاً؛ لوقوع البينونة قبلها . وحجة هذا القول أن بعض الروايات، كرواية أبي داود، جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتَّحد الحكم والسبب، كما هنا. قال في ((مراقي السعود)): وَحَمْلُ مُظْلَقٍ عَلَى ذَاكَ وَجَبْ إِنْ فِيهِمَا اتَّحَدَ حُكْمٌ وَالسَّبَبْ وما ذكره الأُبِّيّ تَخْلُ من أن الإطلاق والتقييد إنما هو في حديثين، أما في حديث واحد من طريقين، فمن زيادة العدل، فمردود بأنه لا دليل عليه، وأنه مخالف لظاهر كلام عامة العلماء، ولا وجه للفرق بينهما . وما ذكره الشوكانيّ تَّثُ في ((نيل الأوطار)) من أن رواية أبي داود التي فيها التقييد بعدم الدخول فرد من أفراد الروايات العامة، وذِكْرُ بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، لا يظهر؛ لأن هذه المسألة من مسائل المطلق والمقيد، لا من مسائل ذكر بعض أفراد العام، فالروايات التي أخرجها مسلم مطلقة عن قيد عدم الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم الدخول، كما ترى، والمقرر في الأصول حَمْل المطلق على المقيد، ولا سيما إن اتَّحد الحكم والسبب، كما هنا. نعم لقائل أن يقول: إن كلام ابن عباس في رواية أبي داود المذكورة وارد على سؤال أبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه إنما خص غير المدخول بها لمطابقة الجواب للسؤال. وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة كون الكلام وارداً جواباً لسؤال؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة السؤال، فلا يتعين كونه لإخراج حكم المفهوم عن المنطوق، وأشار