Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ (١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢) فإما أن يتساقطا، وإما أن ترجّحوا رواية أبي الزبير؛ لتصريحها بالرفع، وتُحمل رواية سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبيّ وَّ في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، بعد أن كانوا في زمن النبيّ وَل لا يحتسب عليهم به ثلاثاً، إذا كان بلفظ واحد. قال الحافظ: وغفل رحمه الله عما ثبت في ((صحيح مسلم)) من رواية أنس بن سيرين على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يُشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبيّ وَّ﴾، ولفظه: ((سألت ابن عمر عن امرأته التي طلّق، فقال: طلّقتها، وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبيّ وَّ، فقال: ((مره فليراجعها، فإذا طهرت، فليُطلّقها لطهرها، قال: فراجعتها، ثم طلّقتها لطهرها، قلت: فاعتددت بتلك التطليقة، وهي حائض؟ فقال: ما لي لا أعتدّ بها، وإن کنت عجزت، واستحمقت)). وعند مسلم أيضاً من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سالم في حديث الباب: ((وكان عبد الله بن عمر طلّقها تطليقة، فحسبت من طلاقها، فراجعها كما أمره رسول الله وَ ﴿)، وله من رواية الزُّبيديّ، عن ابن شهاب: ((قال ابن عمر: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلّقتها)). وعند الشافعيّ عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج: ((أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه، هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد النبيّ وَّر؟ فقال: نعم)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ تَّتُهُ في هذا التحرير والتقرير الذي ساقه في هذه المسألة، من الروايات المختلفة فيها، والتوفيق بينها بما ساقه من أقوال أهل العلم، فتبيّن بذلك أن الحقّ هو ما ذهب إليه الجمهور من وقوع الطلاق في حالة الحيض، مع كونه مخالفاً للسنّة. ولقد أجاد البحث الشيخ ناصر الدين الألباني ◌َّهُ في كتابه ((إرواء الغليل)) حيث استوفى معظم الروايات المختلفة لحديث ابن عمر هذا، وتكلّم عليها بكلام مفصّل نفيس جدّاً، ثم قال في آخر بحثه: فإذا نظر المتأمل في طرق هذين القسمين، وفي ألفاظهما تبيّن له بوضوح لا غُموض فيه أرجحية القسم الأول - يعني الاعتداد بتلك التطليقة - على الآخر - يعني عدم الاعتداد بها - وذلك لوجهين: ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق (الأول): كثرة الطرق، فإنها ستة: ثلاث منها مرفوعة، وثلاث أخرى موقوفة، واثنان من الثلاث الأولى صحيحةٌ، والأخرى ضعيفة، وأما القسم الآخر، فكلّ طرقه ثلاث: اثنان منها صحيحة أيضاً، والأخرى ضعيفة، فتقابلت المرفوعات في القسمين قوّةً وضعفاً، وبقي في القسم الأول الموقوفات الثلاث فضلة، يترجّح بها على القسم الآخر، لا سيّما وهي في حكم المرفوع؛ لأن معناها أن عبد الله بن عمر عمل بما في المرفوع، فلا شكّ أن ذلك مما يعطي المرفوع قوّةً على قوّة كما هو ظاهر. (والوجه الآخر): قوّة دلالة القسم الأول على المراد دلالة صريحةً لا تقبل التأويل، بخلاف القسم الآخر، فهو ممكن التأويل بمثل قول الإمام الشافعيّ: ((ولم يرها شيئاً)) أي: صواباً، وليس نصّاً في أنه لم يرها طلاقاً، بخلاف القسم الأول، فهو نصّ في أنه رآها طلاقاً، فوجب تقديمه على القسم الآخر، وقد اعترف ابن القيّم رَّتُهُ بهذا، ولكنه شكّ في صحّة المرفوع من هذا القسم، فقال: وأما قوله في حديث ابن وهب، عن ابن أبي ذئب في آخره: ((وهي واحدة)) فلعمر الله لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله وَلي ما قدّمنا عليها شيئاً، ولصرنا إليها بأول وَهْلة، ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده، أم ابن أبي ذئب، أو نافع؟ فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله وَ لإل ما لا يُتيقّن أنه من كلامه، ويشهد به عليه، ونرتّب عليه الأحكام، ويقال: هذا من عند الله بالوهم والاحتمال. قال الشيخ الألباني: وفي هذا الكلام صواب وخطأ . أما الصواب: هو اعترافه بكون هذه اللفظة نصّاً في المسألة يجب التسليم بها، والمصير إليها لو صحّت. وأما الخطأ: فهو تشككه في صحتها، وردّه لها بدعوى أنه لا يدري أقالها ابن وهب من عنده ... وهذا شيء عجيب من مثله؛ لأن من المتّفق عليه بين العلماء أن الأصل قبول رواية الثقة كما رواها، وأنه لا يجوز ردّها بالاحتمالات والتشكيك، وأن طريق المعرفة هو التصديق بخبر الثقة، ألا ترى أنه يمكن للمخالف لابن القيّم أن يردّ حديثه: «فردّها عليّ، ولم يرها شيئاً)» بمثل الشكّ الذي أورده هو على حديث ابن وهب بالطعن في أبي الزبير؟ ونحو ٢٣ (١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢) ذلك من الشكوك، وقد فعل ذلك بعض المتقدّمين كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك، وكلّ ذلك مخالفٌ للنهج العلميّ المجرّد عن الانتصار لشيء سوى الحقّ. على أن ابن وهب لم يتفرّد بإخراج الحديث، بل تابعه الطيالسيّ، كما تقدّم، فقال: حدّثنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: ((أنه طلّق امرأته، وهي حائضٌ، فأتى عمر النبيّ ◌َّ، فذكر ذلك له، فجعله واحدة)). وتابعه أيضاً يزيد بن هارون، نا ابن أبي ذئب به، أخرجه الدارقطنيّ من طريق محمد بن إشكاب، وهو ثقة من شيوخ البخاريّ، - وكذا بقية الرجال ثقات ــ نا يزيد بن هارون. وتابع ابنَ أبي ذئب ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: ((أن رسول الله وَّر قال: واحدة))، أخرجه الدارقطنيّ أيضاً، عن عياش بن محمد، وهو ثقة، نا أبو عاصم، عن ابن جريج، وهو إسناد صحيح، إن كان ابن جريج سمعه من نافع. وتابع نافعاً الشعبيّ بلفظ أنه وَلّ قال: ((ثم يحتسب بالتطليقة التي طلّق أول مرّة))، وهو صحيح السند، كما تقدم. وكلّ هذه الروايات مما لم يقف عليها ابن القيّم دَّثُ، وظني أنه لو وقف عليها لتبدّد الشكّ الذي أبداه في رواية ابن وهب، ولصار إلى القول بما دلّ عليه الحديث من الاعتداد بطلاق الحائض. انتهى كلام الشيخ الألبانيّ كَّثُ باختصار، وهو تحقيقٌ مهمّ، ونفيس جدّاً. وخلاصة القول في المسألة أن الصحيح قول الجمهور الذين قالوا: إن طلاق الحائض يقع، وإن كان حراماً؛ لوضوح أدلّته، وقوّة حجّته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في قوله ◌َلجر: ((مره فليُراجعها)): قال الشيخ ابن دقيق العيد تَخْتُهُ: تتعلّق به مسألة أصوليّة، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمرٌ بذلك الشيء، أم لا؟ فإنه وَّه قال لعمر: ((مُره))، فأمره بأن يأمره. قال في ((الفتح)): هذه المسألة ذكرها ابن الحاجب، قال: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء، لنا لو كان لكان مُر عبدك بكذا تعدّياً، ولكان يُناقض قولك للعبد: لا تفعل. قالوا: فُهم ذلك من أمر الله تعالى، ورسوله ، ومن قول الملك لوزيره: قل لفلان: افعل. قلنا: للعلم بأنه مبلّغٌ. ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق قال الحافظ: والحاصل أن النفي إنما هو حيث تجرّد الأمر، وأما إذا وُجدت قرينة تدلّ على أن الأمر الأول أمر المأمور الأول أن يبلّغ المأمور الثاني فلا، وينبغي أن ينزّل كلام الفريقين على هذا التفصيل، فيرتفع الخلاف. ومنهم من فرّق بين الأمرين، فقال: إن كان الآمر الأول بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثاني، فهو آمرٌ له، وإلا فلا، وهذا قويّ، وهو مستفاد من الدليل الذي استدلّ به ابن الحاجب على النفي؛ لأنه لا يكون متعدّياً إلا إذا أمر من لا حكم له عليه؛ لئلا يصير متصرّفاً في ملك غيره بغير إذنه، والشارع حاكمٌ على الآمر والمأمور، فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢]، فإن كلّ أحد يفهم منه أمر الله لأهل بيته بالصلاة، ومثله حديث الباب، فإن عمر نظرائه إنما استفتى النبيّ وَل عن ذلك ليمتثل ما يأمره به، ويُلزم ابنه به، فمن مثّل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالطٌ؛ فإن القرينة واضحةٌ في أن عمر في هذه الكائنة كان مأموراً بالتبليغ، ولهذا وقع في رواية أيوب، عن نافع: ((فأمره أن يراجعها))، وفي رواية أنس ابن سيرين، ويونس بن جُبير، وطاوس، عن ابن عمر، وفي رواية الزهريّ، عن سالم: ((فليُراجعها))، وفي رواية لمسلم: ((فراجعها عبد الله كما أمره رسول الله (وَل﴾))، وفي رواية أبي الزبير، عن ابن عمر: ((ليراجعها))، وفي رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر: ((فإن النبيّ وَّ ﴿ أمرني بهذا)). وقد اقتضى كلام سليم الرازيّ في ((التقريب)) أنه يجب على الثاني الفعل جزماً، وإنما الخلاف في تسميته آمراً، فرجع الخلاف عنده لفظياً . وقال الفخر الرازيّ في ((المحصول)): الحقّ أن الله تعالى إذا قال لزيد: أوجبتُ على عمرو كذا، وقال لعمرو: كلّ ما أوجب عليك زيدٌ، فهو واجبٌ عليك، كان الأمر بالأمر أمراً بالشيء. انتهى. قال الحافظ: وهذا يمكن أن يؤخذ منه التفرقة بين الأمر الصادر من رسول الله وَ*، ومن غيره، فمهما أمر الرسول وَ﴾ أحداً أن يأمر به غيره وجب؛ لأن الله تعالى أوجب طاعته، وهو أوجب طاعة أميره، كما ثبت في ((الصحيح)): ((من أطاعني، فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني))، وأما غيره ممن بعده فلا، وفيهم تظهر صورة التعدّي التي أشار إليها ابن الحاجب. ٢٥ (١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢) وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يتردّد في اقتضاء ذلك الطلب، وإنما ينبغي أن ينظر في أن لوازم صيغة الأمر هل هي لوازم صيغة الأمر بالأمر أو لا؟ بمعنى أنهما يستويان في الدلالة على الطلب من وجه واحد أو لا، قال الحافظ: وهو حسنٌّ، فإن أصل المسألة التي انبنى عليها هذا الخلاف حديث: ((مروا أولادكم بالصلاة لسبع)»، فإن الأولاد ليسوا بمكلّفين، فلا يتّجه عليهم الوجوب، وإنما الطلب متوجّه على أوليائهم أن يُعَلِّموهم ذلك، فهو مطلوب من الأولاد بهذه الطريق، وليس مساوياً للأمر الأول، وهذا إنما عرض من أمر خارج، وهو امتناع توجه الأمر على غير المكلّف، وهو بخلاف القصّة التي في حديث الباب. والحاصل أن الخطاب إذا توجّه لمكلّف أن يأمر مكلّفاً آخر بفعل شيء كان المكلّف الأول مبلّغاً محضاً، والثاني مأمور من قبل الشارع، وهذا كقوله لمالك بن الحويرث، وأصحابه: ((ومروهم بصلاة كذا في حين كذا))، وقوله الرسول ابنته وَل: ((مرها، فلتصبر، ولتحتسب))، ونظائره كثيرة، فإذا أمر الأول الثاني بذلك، فلم يمتثله كان عاصياً، وإن توجّه الخطاب من الشارع لمكلّف أن يأمر غير مكلّف، أو توجه الخطاب من غير الشارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأول عليه لم يكن الأمر بالأمر بالشيء أمراً بالشيء، فالصورة الأولى هي التي نشأ عنها الاختلاف، وهو أمر أولياء الصبيان أن يأمروا الصبيان، والصورة الثانية هي يتصوّر فيها أن يكون الأمر متعدّياً بأمر للأول أن يأمر الثاني، فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، والله المستعان، قاله في ((الفتح)) وهو تحقیق حسن. وقد نظمت هذه المسألة في ((التحفة المرضيّة))، فقلت: أَمْراً بِهِ نَحْوُ «مُرُوا)) كَمَا جَرَى وَالأَمْرُ بِالأَمْرِ بِشَيْءٍ لَا يُرَى بَلِ الْوُجُوبَ لِلْوَلِيِّ نَجْتَبِي ((أَوْلَادَكُمْ)) لَيْسَ خِطَاباً لِلصّبِي كَـ«فَلْيُرَاجِعْهَا» فَيُصْرَفُ إِلَيْهْ وَإِنْ يَكُنْ حَصَلَ مَا دَلَّ عَلَيْهْ وإن أردت تحقيق معنى الأبيات، فراجع الشرح(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((المنحة الرّضِيّة)) ١٨١/٣ - ١٨٢. ٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأمر في قوله وأخلا قه: ((فليُراجعها))، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟ ذهب إلى القول بالاستحباب الأئمة: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه، وحكاه النوويّ عن سائر الكوفيين، وفقهاء المحدّثين. وذهب مالك، وأصحابه إلى أنه للوجوب، يجبر على المراجعة ما بقي من العدّة شيء، وقال أشهب: ما لم تطهر من الثانية، فإن أبى أجبره الحاكم، فإن أبى ارتجع الحاكم عليه، وله وطؤها بذلك على الأصحّ. قال الحافظ وليّ الدين: وما تقدّم عن أبي حنيفة من الاستحباب هو المشهور في كتب الخلاف، وممن حكاه عنه النوويّ، لكن حكاه صاحب ((الهداية)) عن بعض المشايخ، ثم قال: والأصحّ أنه واجبٌ؛ عملاً بحقيقة الأمر، ورفعاً للمعصية بالقدر الممكن برفع أثره، وهو العدّة، ودفعاً لضرر تطويل العدّة. انتهى. وقال داود الظاهريّ: يُجبر على الرجعة إذا طلّقها حائضاً، ولا يُجبر إذا طلّقها نفساء. وذكر إمام الحرمين أن المراجعة، وإن كانت مستحبّةً، فلا ينتهي الأمر فيه إلى أن نقول: ترك المراجعة مكروه. قال النوويّ في ((الروضة)): وينبغي أن يقال بالكراهة؛ للحديث الصحيح الوارد فيها، ولدفع الإيذاء. وحكى ابن عبد البرّ خلافاً في سبب الأمر بالرجعة، قيل: عقوبةٌ له، وقيل: دفع للضرر عنها بتطويل العدّة عليها، فلو ادعت المرأة أنه طلّقها في الحيض، وقال الزوج: في طهر، فقال سحنون: القول قولها، ويجبر على الرجعة، والأصحّ أن القول قوله، قاله في ((طرح التثريب))(١). وقال في ((الفتح)): والحجة لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرّماً في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، فلو تمادى الذي طلّق في الحيض حتى طهرت قال مالكٌ، وأكثر أصحابه: يُجبر على الرجعة أيضاً، وقال أشهب منهم: إذا طهرت انتهى الأمر بالمراجعة، واتفقوا (١) ((طرح التثريب)) ٧/ ٨٧. ٢٧ (١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢) على أنها إذا انقضت عدّتها أن لا رجعة، وأنه لو طلّق في طهر قد مسّها فيه لا يؤمر بمراجعتها، كذا نقله ابن بطّال وغيره، لكن الخلاف فيه ثابتٌ، قد حكاه الحناطيّ من الشافعيّة وجهاً، واتفقوا على أنه لو طلّق قبل الدخول، وهي حائضٌ لم يؤمر بالمراجعة، إلا ما نقل عن زفر، فطرد الباب. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القولُ بوجوب الرجعة على من طلّق امرأته في حيضها هو الأرجح؛ لظهور حجته؛ لأن الأمر للوجوب إلا لصارف؛ وليس هنا صارف يُعتدّ به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): ذكر العلماء في الحكمة في تأخير الطلاق إلى طهر بعد الطهر الذي يلي ذلك الحيض الذي وقع فيه الطلاق أموراً : [أحدها]: ما قاله الشافعيّ: يَحْتَمِل أن يكون أراد بذلك أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلّقها فيها بطهر تامّ، ثم حيض تامّ؛ ليكون تطليقها، وهي تعلم عدّتها، إما بحمل، أو بحيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل، وهو غير جاهل بما صنع؛ إذ يرغب، فيُمسك للحمل، أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكفّ عنه. [الثاني]: أن الطهر الذي يلي الحيض الذي طلّقها كقرء واحد، فلو طلّقها فيه لكان كمن طلّق في الحيض، وهو ممتنعٌ من الطلاق في الحيض، فلزم أن يتأخّر إلى الطهر الثاني. [الثالث]: أن لا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يمسكها زماناً يحلّ له فيه طلاقها، وإنما أمسكها؛ لتظهر فائدة الرجعة. [الرابع]: أنه عقوبةٌ له، وتوبةٌ من معصيته باستدراك ما جناه، وعبّر عنه بعضهم بأنه معاملة بنقيض مقصوده، فإنه عجل ما حقّه أن يتأخر قبل وقته، فمُنع منه في وقته، وصار كمستعجل الإرث بقتل مورِّثه. [الخامس]: أنه نهي عن طلاقها في الطهر، ليطول مقامه معها، فقد يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها، قال أبو العبّاس (١) ((الفتح)) ١٠/ ١١. ٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق القرطبيّ: وهذا أشبهها، وأحسنها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): اختلفوا في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة، وفيه للشافعيّة وجهان، أصحّهما المنع، وبه قطع المتولّي، وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث، وعبارة الغزاليّ في ((الوسيط))، وتبعه مجلي: هل يجوز أن يطلّق في هذا الطهر؟ وجهان، وكلام المالكيّة يقتضي أن التأخير مستحبّ، وقال ابن تيميّة في ((المحرّر)): ولا يُطلّقها في الطهر المتعقّب له، فإنه بدعةٌ، وعنه - أي: عن أحمد - جواز ذلك، وفي كتب الحنفيّة عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع. ووجه الجواز أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر، كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطهر إن لم يتقدّم طلاق في الحيض. ومن حجج المانعين أنه لو طلّقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلّقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شُرعت لإيواء المرأة، ولهذا سماها إمساكاً، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلّق فيه حتى تحيض حيضةً أخرى، ثم تطهر؛ لتكون الرجعة للإمساك، لا للطلاق، ويؤيّد ذلك أن الشارع أكّد هذا المعنى حيث أمر بأن يمسكها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلّقها فيه؛ لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر: ((مره أن يراجعها، فإذا طهرت أمسكها، حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلّقها، وإن شاء أمسكها))، فإذا كان قد أمره بأن يمسكها في ذلك الطهر، فكيف يُبيح له أن يطلّقها فيه؟ وقد ثبت النهي عن الطلاق في طهر جامعها فيه، ذكره في ((الفتح)) (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأدلّة أن الأرجح قول من قال بمنع الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ لمخالفته الأمر بإمساكها في ذلك الطهر بنصّ قوله و 98: «فإذا طهرت أمسكها حتى إذا طهرت أخرى)) إلخ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ١٢/١٠. ٢٩ (١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السَُّّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢) (المسألة التاسعة): اختلف الفقهاء في المراد بقوله ويلات: ((طاهراً)) هل المراد به انقطاع الدم، أو التطهّر بالغسل؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد، والراجح الثاني؛ لما في رواية النسائيّ، من طريق معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع في هذه القصّة، قال: ((مُرْ عبد الله، فليراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسّها حتى يطلّقها، وإن شاء أن يمسكها، فليمسكها))، وهذا مفسّر لقوله: ((فإذا طهرت))، فليحمل عليه. قال في ((الفتح)): ويتفرّع من هذا أن العدّة هل تنقضي بانقطاع الدم، وترتفع الرجعة، أو لا بُدّ من الاغتسال؟ فيه خلاف أيضاً. والحاصل أن الأحكام المرتّبة على الحيض نوعان: الأول يزول بانقطاع الدم؛ كصحّة الغسل، والصوم، وترتّب الصلاة في الذّمّة، والثاني: لا يزول إلا بالغسل؛ كصحّة الصلاة، والطواف، وجواز اللبث في المسجد، فهل يكون الطلاق من النوع الأول، أو من الثاني؟ انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الطلاق من النوع الثاني؛ لرواية النسائيّ المذكورة في ذلك، فإنها صريحة في اشتراط الاغتسال، فلا يجوز أن يطلّقها إلا بعد اغتسالها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في قوله وَّه: ((فإنها العدّة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء»، هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١] قال الجرجانيّ: اللام بمعنى ((في))، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىَ أَخْرَجَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبٍ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْخَشِّرِّ﴾ الآية [الحشر: ٢]؛ أي: في أول الحشر، فقوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ أي: في الزمان الذي يصلح لعدّتهنّ، وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع، وفي الطهر مأذون فيه، ففيه دليل على أن القرء هو الطهر، ذكره القرطبيّ تَُّمُ(٢). وقال الحافظ وليّ الدين تَخُّْهُ: استدلّ به على أن الأقراء هي الأطهار؛ (١) ((الفتح)) ١٣/١٠ - ١٤. (٢) راجع: ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٨/ ١٥٢ - ١٥٣. ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق لأن الله تعالى لم يأمر بطلاقهنّ في الحيض، بل حرّمه، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ، وقال أبو حنيفة، وأحمد: هي الحيض، وأجاب بعضهم عن هذا الحديث بأن الإشارة في قوله: ((فتلك العدّة)) إلى الحيضة، وهو مردود؛ لأن الطلاق في الحيض غير مأمور به، بل هو محرّم، وإنما الإشارة إلى الحالة المذكورة، وهي حالة الطهر، أو إلى العدّة. وقال الذاهبون إلى أنها الحيض: من قال بالأطهار جعلها قرءين وبعض الثالث، وظاهر القرآن أنها ثلاثة، ونحن نشترط ثلاث حِيَض كوامل، فهي أقرب إلى موافقة القرآن، ولهذا صار الزهريّ مع قوله: إن الأقراء هي الأطهار إلى أنه لا تنقضي العدّة إلا بثلاثة أطهار كاملة، ولا تنقضي بطهرين وبعضٍ الثالث، وهذا مذهب انفرد به، وقال غيره: لو طلّقها، وقد بقي من الطهر لحظة يسيرةٌ، حُسبت قُرءاً، ويكفيها طهران. وأجابوا عن هذا الاعتراض بأن الشيئين وبعض الثالث يُطلق عليها اسم الجمع، قال الله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومدّته شهران وبعض الثالث، وقال تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والمراد: وبعض الثاني. انتهى كلام وليّ الدين تخذلهُ(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بأن الأقراء هي الأطهار هو الأرجح؛ لأن الأرجح في اللام في قوله: ﴿لِعِدَّتِنَّ﴾ كونها بمعنى: ((في)»، فظهر به أن وقت العدّة هو الطهر؛ لأنه الوقت الذي أمر الله تطليق النساء فیه، وسيأتي تكميل هذا البحث - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في معنى القرء المراد في قوله رَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]: قال أبو عبد الله القرطبيّ تَخُّْهُ: اختَلَف العلماء في الأقراء، فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحّاك، وعكرمة، والسّدّيّ. (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٩٣/٧. ٣١ (١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢) وقال أهل الحجاز: هي الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهريّ، وأبان بن عثمان، والشافعيّ. فمن جعل القرء اسماً للحيض سماه بذلك؛ لاجتماع الدم في الرحم، ومن جعله اسماً للطهر؛ فلاجتماعه في البدن، والذي يُحقّق لك هذا الأصل في القرء: الوقت، يقال: هبّت الريح لقرئها، وقارئها؛ أي: لوقتها، قال الشاعر [من الوافر]: إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ كَرِهْتُ الْعَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ فقيل: للحيض وقت، وللطهر وقتٌ؛ لأنهما يرجعان لوقت معلوم، وقال الأعشى في الأطهار [من الطويل]: تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكًا أَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكًا مُوَرِّثَةٍ عِزّاً وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةً وقال آخر في الحيض [من الرجز]: لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِ يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضٍ يعني أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وقال قوم: هو مأخوذ من قرء الماء في الحوض، وهو جمعه، ومنه القرآن؛ لاجتماع المعاني، ويقال: لاجتماع حروفه، ويقال: ما قرأت الناقة سَلّى قطّ؛ أي: لم تجمع في جوفها؛ وقال عمرو بن كلثوم: مِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأُ جَنِینَا ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ فكأنّ الرحم يَجْمَع الدمَ وقت الحيض، والجسم يجمعه وقت الطهر، قال أبو عمر بن عبد البرّ: قول من قال: إن القرء مأخوذ من قولهم: قريت الماء في الحوض ليس بشيء؛ لأن القرء مهموز، وهذا غير مهموز. قال القرطبيّ: هذا صحيح بنقل أهل اللغة: الجوهريّ وغيره، واسم ذلك الماء قِرَى - بكسر القاف، مقصور -. وقيل: القرء الخروج، إما من طهر إلى حيض، أو من حيض إلى طهر، وعلى هذا قال الشافعيّ في قولٍ: القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءاً، وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءاً، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءْ﴾؛ أي: ثلاثة أدوار، أو ثلاثة انتقالات، والمطلّقة ٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق متّصفة بحالتين فقط، فتارة تنتقل من طهر إلى حيض، وتارة من حيض إلى طهر، فيستقيم معنى الكلام، ودلالته على الطهر والحيض جميعاً، فيصير المعنى مشتركاً، ويقال: إذا ثبت أن القرء الانتقال، فخروجها من طهر إلى حيض غير مراد بالآية أصلاً، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقاً سُنّاً، مأموراً به، وهو الطلاق للعدّة، فإن الطلاق للعدّة ما كان في الطهر، وذلك يدلّ على كون القرء مأخوذاً من الانتقال، فإذا كان الطلاق في الطهر سنيّاً، فتقدير الكلام: فعدّتهنّ ثلاثة انتقالات، فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر، لم يُجعل قُرءاً؛ لأن اللغة لا تدلّ عليه، ولكن عَرَفْنَا، بدليل آخر، أن الله تعالى لم يُرد الانتقال من حيض إلى طهر، فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مراداً بقي الآخر، وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مراداً، فعلى هذا عدّتها ثلاثة انتقالات، أولها الطهر، وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر، ولا يكون ذلك حملاً على المجاز بوجه ما . قال إلكيا الطبريّ: وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعيّ، ويُمكن أن نذكر في ذلك سرّاً فهمه من دقائق حِكَم الشريعة، وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جُعل قرءاً لدلالته على براءة الرحم، فإن الحامل لا تحيض في الغالب، فبحيضها عُلم براءة رحمها، والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه، فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحمل، وقَوِي الولد انقطع دمها، ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر، وقد مدحت عائشة رسول الله وَ و بقول الشاعر [من الكامل]: وَهُبَرٍَّ مِنْ كُلِّ غُبَّرٍ حَيْضَةٍ وَفَسَادٍ مُرْضِعَةٍ وَدَاءِ مُغْيَلٍ يعني أن أمه لم تحمل به في بقيّة حيضها، فهذا ما للعلماء، وأهل اللسان في تأويل القرء. وقالوا: قرأت المرأة قرءاً: إذا حاضت، أو طهرت، وقرأت أيضاً: إذا حملت، واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة أوقات، صارت الآية مفسَّرَةً في العدد، محتمِلَةً في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فدليلنا قول الله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾، ٣٣ (١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ - حديث رقم (٣٦٥٣) ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر، فيجب أن يكون هو المعتبر في العدّة، فإنه قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يعني وقتاً تعتدّ به، ثم قال تعالى: ﴿وَأَحْصُواْ أَلْمِدَّةً﴾ [الطلاق: ١] يريد ما تعتدّ به المطلّقة، وهو الطهر الذي تطلّق فيه، وقال ◌َّ لعمر رظه: ((مره، فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدّة التي أمر الله أن تُطلّق لها النساء))، أخرجه مسلم وغيره، وهو نصّ في أن زمن الطهر هو الذي يسمّى عدّةً، وهو الذي تُطلّق فيه النساء، ولا خلاف أن من طلّق في حال الحيض لم تعتدّ بذلك الحيض، ومن طلّق في حال الطهر، فإنها تعتدّ عند الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى. انتهى كلام القرطبيّ تَظَّهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال في المعنى المراد من القرء في قوله تعالى: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوَّةٍ﴾ قول من قال: إنه الطهر، لا الحيضُ، وإن كان اللفظ يُطلق عليهما جميعاً، كما تقدّم بيانه عن أهل اللغة، إلا أن المراد في هذه الآية هو الطهر؛ بدليل توضيح النبيّ وَّر ذلك في حديث ابن عمر ﴿ّ المذكور في الباب، فبيانه أوضح بيان، وأتمّه، حيث إن الله ◌َّ وَكَل بيان معنى كتابه إليه، بقوله رَك: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، ولقد أجاد العلامة ابن القيّم تَُّ في بيان الأقوال المذكورة في معنى القرء، وأدلتها، وترجيح أنه الطهر بأدلة كثيرة في كتابه الممتع ((زاد المعاد)) بما لا تجده مجموعاً عند غيره، ولولا خوف التطويل لنقلته بحروفه، فإن شئت فارجع إليه (٥٩٤/٥ - ٦٥٠) تزدد علما جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٥٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْح، وَاللَّفْظُ لِيَحْبَى، قَالَ قُتَيْيَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ، تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَهـ (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١١٣/٣ - ١١٥ ((تفسير سورة البقرة)). ٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا، حَتَّى تَظْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا، حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ. وَزَادَ ابْنُ رُمْح فِي رِوَايَتِهِ: وَكَانَ عَبْدُ الهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ لِأَحَدِهِمْ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا (١) ثَلَاثاً، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَكَ، وَعَصَيْتَ اللهَ فِيمَا أَمَرَكَ مِنْ طَلَاقٍ امْرَأَتِكَ. قَالَ مُسْلِمٍ: جَوَّدَ اللَّيْثُ فِ قَوْلِهِ: تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٢ - (ابْنُ رُمْح) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر التجيبيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٢) م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، كسابقه، وهو (٢٣٧) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ) إلخ بفتح همزة ((أمّا))، وهي مركّبة من ((أن)) المصدريّة، و((ما)) الزائدة، وفيه حذف ((كان))، وإبقاء اسمها وخبرها، و((ما)) عِوَضٌ عن ((كان))، وأصل التركيب(٢): أن كنت طلّقت امرأتك فإن (١) وفي نسخة: ((وإن كنت قد طلّقتها)). (٢) هذا هو الأصل الثاني، والأصل الأول: ((لأن كنت طلّقت ... إلخ)) فقدّمت العلّة على المعلول؛ للحصر، ثم حُذفت اللام؛ لاطراد حذفها مع ((أن))، وزيدت الفاء في المعلول؛ تشبيهاً بجواب الشرط في ترتُّبه على ما قبله، ثم حُذفت ((كان))، = ٣٥ (١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السَُّّةِ - حديث رقم (٣٦٥٣) رسول الله ◌َ﴿ إلخ، فحذفت ((كان))، فانفصل الضمير المتّصل بها، وهو التاء، فصار ((أن أنت طلّقت)) ثم أُتي بـ((ما)) عِوَضاً عن ((كان))، فصار ((أن ما أنت طلّقت))، ثم أدغمت النون في الميم، فصار ((أَمَّا أنت طلّقت))، ومثله قول الشاعر [من الطويل]: أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ فَإِنَّ قَوْمِيَ لَمْ تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ فـ((أن)) مصدريّة، و((ما)) زائدة عوضاً عن ((كان))، و((أنت)) اسم ((كان)) المحذوفة، و((ذا نفر)) خبرها، ولا يجوز الجمع بين ((كان)) و((ما))؛ لكون ((ما)) عوضاً عنها، ولا يُجمع بين العوض والمعوّض، وأجازه المبرّد، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك تَّتُ في ((الخلاصة)) حيث قال: وَبَعْدَ ((أَنْ)) تَعْوِيضُ (مَا)) عَنْهَا ارْتُكِبْ كَمِثْلِ ((أَمَّا أَنْتَ بَرّاً فَاقْتَرِبْ)) هذا الذي ذكرته هو الجاري على القاعدة المذكورة في كتب النحاة، وأما ما قاله القرطبيّ في ((المفهم)) من أنّ ((إِمّا)) بكسر الهمزة ففيه نظر لا يخفى، فتأمّل. وقوله: (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ أَمَرَنِي بِهَذَا) هذا تعليل للجواب المقدّر، والأصل: أمّا أنت طلّقت امرأتك مرةً أو مرتين، فراجعها، فإن رسول الله وَجيه إلخ؛ أي: لأنه أمرني بذلك. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وقوله: ((فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمَرَنِي بِهَذَا)) إشارة إلى أمره له بالمراجعة، فكأنه قال للسائل: إن طلقت تطليقةً، أو تطليقتين، فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض، وإن طلّقت ثلاثاً لم تكن لك مراجعة؛ لأنها لا تحلّ لك إلا بعد زوج. انتهى (١). وقوله: (وَعَصَيْتَ اللهَ) إلخ قال القرطبيّ: يعني بالطلاق ثلاثاً في كلمة واحدة، وظاهره أنه محرَّمٌ، وهو قول ابن عبّاس المشهور عنه، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وإليه ذهب مالك، وقال الكوفيّون: إنه غير = فانفصل الضمير؛ لأن صلة الحرف المصدريّ قد تحذف، نحو: لا أصحبك ما أن حراءً مكانه؛ أي: ما ثبت إن حراء مكانه، راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل، على الخلاصة)) ١٦٨/١. (١) ((المفهم)) ٢٣١/٤. ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق جائز، وإنه للبدعة، وقال الشافعيّ: له أن يطلّق واحدةً، أو اثنتين، أو ثلاثاً، كلّ ذلك سنّةٌ، ومثله قال أحمد بن حنبل، إلا أنه قال: أحبّ إليّ أن يوقع واحدةً، وهو الاختيار، والأول أولى؛ لما يأتي - إن شاء الله تعالى - انتهى (١). وقوله: قَالَ مُسْلِمٍ: (جَوَّدَ اللَّيْثُ فِي قَوْلِهِ: تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً) يعني أنه حفظ، وأتقن قدر الطلاق الذي لم يُتقنه غيره، ولم يُهمله كما أهمله غيره، ولا غلط فيه، وجعله ثلاثاً، كما غَلِط فيه غيره، وقد تظاهرت روايات مسلم بأنها طلقة واحدة، قاله النوويّ تَذَتُهُ(٢) . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٥٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهَِّهِ، وَهِيَ خَائِضٌ، فَذَكَّرَّ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِوَهِ، فَقَالَ: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَدَعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، أَوْ يُمْسِكْهَا، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ))، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: قُلْتُ ◌ِنَافِعِ: مَا صَنَعَتِ التَّطْلِيقَةُ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ اعْتَدَّ بِهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) وله (٨٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. (١) ((المفهم)) ٢٣١/٤. (٢) (شرح النوويّ)) ١٠/ ٦٣. ٣٧ (١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السَُّّةِ - حديث رقم (٣٦٥٥) والباقيان ذكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٥٥] ( .. ) - (وَحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ عُبَيْدِ اللهِ لِنَافِعِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى فِي رِوَايَتِهِ: ((فَلْيَرْجِعْهَا))، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((فَلْيُرَاجِعْهَا))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبسيّ الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، مصنّف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) محمد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ الزَّمِنُ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. و((عبيد الله)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله، ساقها ابن ماجه كَّتُ في ((سننه)) (١٧٧/٦) فقال: (٢٠٠٩) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: طلّقت امرأتي، وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله وَّه، فقال: ((مُرْهُ فليراجعها، حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها قبل أن يجامعها، وإن شاء أمسكها، فإنها العدة التي أمر الله)). انتهى. وأما رواية ابن المثنّى، عن عبد الله بن إدريس التي أشار إليها المصنّف، لم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٥٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيِّ وَّةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ، يَقُولُ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَيْنٍ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا(١)، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثاً، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم ابن عليّة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من الرَّجْع ثلاثيّاً، يتعدّى بنفسه في اللغة الْفُصحى، فيقال: رجعته عن الشيء، وإليه، ورجعتُ الكلامَ وغيرَهُ؛ أي: رددته، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٨٣]، وهُذَيلٌ تُعدّيه بالألف، قاله الفيّوميّ(٢). وقوله: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَمَرَهُ) إلخ فيه التفاتٌ؛ إذ الظاهر أن يقول: ((أمرني)) كما في الرواية السابقة: ((فإن رسول الله ﴿ أمرني بهذا)). وقوله: (ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا) هذه الرواية، والروايات الآتية بعدها (١) وفي نسخة: ((أن يراجعها)). (٢) ((المصباح المنير)) ٢٢٠/١. ٣٩ (١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ - حديث رقم (٣٦٥٧) تخالف الروايات السابقة، حيث يدلّ ظاهرها أنه يطلّقها عقب الحيضة التي بعد المراجعة، وتلك تدل على أنه يراجعها بعد الحيضة الثانية، وهي الراجحة؛ لأنها زيادة ثقة حافظ مقبولة، فالأولى أن تؤول هذه الرواية بأن المراد: الحيضة الثانية التي بعد الأولى. والحاصل أنها تحيض عنده بعد المراجعة حيضتين، فالحيضة الثانية هي التي يطلّق، أو يمسك بعدها، وعلى هذا فتتفق الروايات، دون تخالف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٥٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي، وَهِيَ خَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرٌ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ، فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّفْهَا طَاهِراً مِنْ خَيْضَتِهَا، قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَذَلِكَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ، كَمَا أَمَرَ اللهُ»، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ إِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر، أبو محمد الكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٣ - (مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم المدنيّ، صدوقٌ له أوهام [٦] (ت١٥٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٢/٦٣. ٤ - (عَمُّهُ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ ٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق الإمام الحجة الحافظ الشهير، رأس [٤] (ت١٢٥) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٥ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عُمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢. و((عبد الله بن عمر ذکر قبله. وقوله: (فتغيّظُ رَسُولُ اللهِ وَ﴾﴾ هذا يدلّ على حرمة الطلاق في حال الحيض. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٥٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَاجَعْتُهَا، وَحَسَبْتُ لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِي طَلَّقْتُهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ / ١٥٦. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ) الزُّبيديّ - بالضمّ - أبو الفضل الحمصيّ المؤذِّن، الْجُرْجُسيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٤) (م د س ق) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٧٦/٤٣. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَولانيّ الْحِمصيّ الأبرش، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٠/ ١١٧٤. ٤ - (الزُّبَيْدِيُّ) محمد بن الوليد بن عامر الزُّبيديّ، أبو الْهُذيل الْحِمصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت٦ أو ٧ أو ٢٤٩) (خ م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٠/ ١١٧٤. و((الزهريّ)) ذُكر قبله.