Indexed OCR Text
Pages 801-820
٨٠١ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٦) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَخذلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيّ، وهو جابر، ومكيّ، وهو عطاء، وكوفيين، وهم الباقون. ٤ - (ومنها): أن فيه جابراً له من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَطَاءِ) بن أبي رباح، أنه قال: (أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) (قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) امرأة اسمها - كما قال ابن سعد - سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصاريّة الأوسيّة (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ لَيهِ، فَلَقِيتُ) بكسر القاف، من باب فَرِحِ يَفْرَحُ (النَّبِيَّ ◌َِ﴿ِ، فَقَالَ: ((يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ؟)) بتقدير همزة الاستفهام، أي: أتزوّجت؟ وفي رواية للنسائيّ: ((يا جابر هل أصبت امرأةً بعدي ... ))، وفي رواية الشعبيّ، عن جابر الآتية: قال: كنا مع رسول الله ﴿ في غزاة، فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قَطُوف، فلحقني راكب خلفي، فنَخَسَ بعيري بعَنَزَة معه، فانطلق بعيري، كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفتّ، فإذا أنا برسول الله وص له، فقال: ((ما يُعْجِلك يا جابر؟))، قلت: يا رسول الله كنت حديث عَهْدٍ بِعُرْس، فقال: ((أبكراً تزوجتها أم ثيباً؟))، قال: قلت: بل ثيباً، قال: ((فهلا جارية تلاعبها، وتلاعبك؟))، قال: فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: ((أَمْهِلوا حتى تدخلوا ليلاً)) - أي عشاء ــ ((كي تمتشط الشَّعِثَة، وتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبة - قال: وقال -: إذا قَدِمتَ، فالكيس الكيس)). (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((بِكْرٌ، أَمْ ثَيِّبٌ؟) وفي بعض النسخ: ((أبكرٌ، أم ثيّبٌ؟))، وهو خبر لمحذوف، أي أهي بكرٌ ... إلخ. و((البكر)): خلاف الثيّب، رجلاً كان أو أمرأةً، وهو الذي لم يتزوّج، وجمعه أبكار، مثلُ حِمْلٍ وأحمال. ٨٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع و((الثّيّب)): المتزوّج، فَيعِلٌ، اسم فاعل من ثاب: إذا رجع، ومنه قيل للمكان الذي يَرجع إليه الناس: مَثَابةٌ، وقيل للإنسان إذا تزوّج: ثَيّبٌ، وإطلاقه على المرأة أكثر؛ لأنها ترجع إلى أهلها بوجه غير الأول، ويستوي في الثّب الذكر والأنثى، كما يقال: أَيّمٌّ، وبِكْرٌ، وجمع المذكّر ثَيّبون بالواو والنون، وجمع المؤنّث ثَيّات، والمولّدون يقولون: ثُيَّبٌ، وهو غير مسموع، وأيضاً فَفَيَعِلٌ لا يُجمع على فُعَّلٍ، أفاده الفيّوميّ(١). وقال وليّ الدين العراقيّ: البكر هي الجارية الباقية على حالتها الأولى، والثّب المرأة التي دخل بها الزوج، وكأنها ثابت إلى حال كبار النساء غالباً. (٢) انتھی(٢). [تنبيه]: سؤال النبيّ ◌َ لجابر عن تزوّجه لم يقع عقب الزواج، بل كان بعد مدّة؛ لأن زواجه كان بالمدينة بعد أن استُشْهِد أبوه بأَحُدٍ، والسؤال وقع في الرجوع من الغزوة، وقد رجّح في ((الفتح) أن تلك الغزوة هي ذات الرِّفَاع، وكانت بعد أُحُد بسنة على الصحيح، وقيل: هي تبوك. (قُلْتُ: ثَيِّبٌ) خبر لمحذوف، أي هي ثيّبٌ (قَالَ: ((فَهَلَّا) - بفتح الهاء، وتشديد اللام - أداة تحضيض، ولا يليها إلا الفعل غالباً، نحو هَلّا أكرمتَ زيداً، وقد يليها اسم معمول لفعل محذوف، كقول الشاعر [من الكامل]: هَلَا التَّقَدُّمُ وَالْقَلُوبُ صِحَاحُ أي هلّا وُجِد التقدّم، وكقوله هنا (بِكْراً تُلَاعِبُهَا؟)) أي هلّ تزوّجتَ بكراً، وفي رواية عمرو ابن دينار الآتية: ((فهلّ جاريةً))، وقوله (تُلَاعِبُهَا) وفي رواية عمرو الآتية: ((تلاعبها، وَتُلَاعِبُكَ، وتضاحكها، وتضاحكك))، وهو من الملاعبة، تعليلٌ للترغيب في البكر، سواء كانت الجملة مستأنفةً، كما هو الظاهر، أو صفة لـ (بكر))، أي ليكون بينكما كمال التألّف والتأنّس؛ فإن الثيب قد تكون متعلّقة القلب بالسابق. (١) ((المصباح المنير)) ٨٧/١. (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٧/ ١٠. ٨٠٣ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٦) وقوله: ((وتضاحكها، وتضاحكك)) مما يؤيّد أن ((تلاعبها)) من اللعب، ووقع عند الطبرانيّ من حديث كعب بن عُجرة ظُه: ((أن النبيّ وَّ قال الرجل ... )) فذكر نحو حديث جابر ظه، وقال فيه: ((وتَعَضّها، وتعضّك))، وفي رواية: ((تداعبها وتداعبك)) بالدال المهملة بدل اللام، من المداعبة، وهو المزح، ووقع في رواية لأبي عُبيدة: ((تُذاعبها، وتُذاعبك)) - بالذال المعجمة بدل اللام. ووقع في رواية محارب المتقدّمة بلفظ: ((ما لك وللعَذَارَى ولِعَابها))، وهو بكسر اللام، بمعنى الملاعبة، وسيأتي تمام البحث فيه في الحديث التالى. (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ) قال في ((الفتح)): لم يُعرَف أسماء أخوات جابر ظُه (فَخَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة، من باب رَضِي يَرْضَى (أَنْ تَدْخُلَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من الدخول، ويَحْتَمِل أن يكون بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإدخال (بَيْنِي وَبَيْنَهُنَّ) أي تثير بيني وبينهنّ العداوة والبغضاء (قَالَ) بَرِ ((فَذَاَ) مبتدأ، خبره محذوف، أي فذاك حسنٌ، أو أفضل، وقوله: (إِذَنْ) هي ((إذا)) الشرطيّة، وتنوينها تنوين عوض عن المضاف إليه، وجوابها محذوف، يدلّ عليه ما تقدّم، أي إذا كان الأمر ما ذكرته، فذاك حسنٌ، أي فما عملته حسنٌ. وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر ظه الآتية: ((قلت: إنّ لي أخوات، فأحببتُ أن أتزوّج امرأةً تجمعهنّ، وتَمشُطُهنّ، وتقوم عليهنّ))، أي وتقوم في غير ذلك من مصالحهنّ، وهو من العامّ بعد الخاصّ، وفي رواية عمرو بن دينار: ((إن عبد الله هلك، وترك تسع بنات - أو سبع - وإني كرهتُ أن آتيهنّ، أو أجيئهنّ بمثلهنّ، فأحببتُ أن أجيء بامرأة تقوم عليهنّ، وتُصلحهنّ، قال: فبارك الله لك))، أو: قال خيراً. وفي رواية للبخاريّ في ((المغازي)): ((وترك تسع بنات، كنّ لي تسع أخوات، فكرهتُ أن أجمع إليهنّ جاريةً خرقاء مثلهنّ، ولكن امرأة تقوم ٨٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع عليهنّ، وتمشُطهنّ، قال: أصبت))، وفي رواية: ((فأردتُ أن أنكح امرأةً قد جرّبت خلا منها، قال: فذاك))(١). قال الحافظ وليّ تَكْثُ: هذه الرواية التي فيها الجزم بأن أخواته كنّ تسعاً مقدّمة على رواية حماد بن زيد التي فيها التردّد بين التسع والسبع، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ. انتهى(٢). (إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ)))، هذه الْجُمَل تقدّم شرحها في حديث أبي هريرة ◌َظُه الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٣٦٣٦ و ٣٦٣٧ و ٣٦٣٨ و٣٦٣٩ و٣٦٤٠ و٣٦٤١ و٣٦٤٢] (٧١٥)(٣)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٠٩٧) و((الوكالة)) (٢٣٠٩) و((المغازي)) (٤٠٥٢) و((النكاح)) (٥٠٧٩ و٥٠٨٠ و٤٢٤٥ و٥٢٤٧) و((النفقات)) (٥٣٦٧) و((الدعوات)) (٦٣٨٧)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢٠٤٨)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١١٠٠)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٣٢٢٠ و٣٢٢١ و٣٢٢٦) وفي ((الكبرى)) (٥٣٢٧ و٥٣٢٨ و٥٣٣٦)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٨٦٠)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٣٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٨/٣ و٣١٤)، و(الدارميّ) ((في سننه)) (٢٢١٦)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (١٦٨/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٤٩/١٩)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده)) (٣٣٤/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤٨/١٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١١/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٠/٤)، و(أبو يعلى) في (١) راجع: ((الفتح)) ٣٤٤/١١ - ٣٤٥. (٣) هذا مكرر حسب ترقيم محمد فؤاد. (٢) ((طرح التثريب)) ١٢/٧. ٨٠٥ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٦) («مسنده)) (٤١٣/٣)، و(ابن الجعد) في («مسنده)) (٤١٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥١/٥)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب نكاح الأبكار؛ لكونه وَ﴿ حضّ على ذلك، وقد ورد بأصرح من ذلك عند ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عُوَيم بن ساعدة، عن أبيه، عن جدّه بلفظ: ((عليكم بالأبكار، فإنهنّ أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً(١)))، أي أكثر حركةً، والنتق ـ بنون، ومثناة ـ: الحركة، ويقال أيضاً للرمي، فلعلّه يريد أنها كثيرة الأولاد. ضُمْعَنْه نحوه، وأخرج الطبراني في ((المعجم الكبير)) من حديث ابن مسعود وزاد: ((وأرضى باليسير)). ولا يعارضه حديث: ((عليكم بالولود)» من جهة أن كونها بكراً لا يُعرف به كونها كثيرة الولادة، فإن الجواب عن ذلك أن البكر مظنّة، فيكون المراد بالولود من هي كثيرة الولادة بالتجربة، أو بالمظنّة، وأمّا مَا جُرّبت، فظهرت عقيماً، وكذا الآيسة، فالخبران متّفقان على مرجوحيتهما. ٢ - (ومنها): أن فيه فضيلةً لجابر ◌َُّه؛ لشفقته على أخواته، وإيثاره مصلحتهنّ على حظّ نفسه. ٣ - (ومنها): أنه إذا تزاحمت مصلحتان قُدّم أهمّهما؛ لأن النبيّ وَل صوّب فعل جابر رضيُه، ودعا له لأجل ذلك. ٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه الدعاء لمن فعل خيراً، وإن لم يتعلّق بالداعي. ٥ - (ومنها): أن فيه سؤالَ الإمام أصحابَهُ عن أمورهم، وتفقّدہ أحوالهم، وإرشاده إلى مصالحهم، وتنبيههم على وجه المصلحة، ولو كان في باب النكاح، وفيما يُستحيا من ذكره. (١) حديث حسنٌ. ٨٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع ٦ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة خدمة المرأة زوجها، ومن كان منه بسبيل، من ولد، وأخ، وعائلة، وأنه لا حرج على الرجل في قصده ذلك من امرأته، وإن كان ذلك لا يجب عليها، لكن يؤخذ منه أن العادة جارية بذلك، فلذلك لم ينكره النبيّ مَّ، هكذا قال في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: ((وإن كان ذلك لا يجب عليها)) نظرٌ لا يخفى، ومن أيّ دليل استنبط هذا؟، والله وَلَ يقول: ﴿وَلَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، فأوجب الله على النساء مثل ما أوجب لهنّ على الرجال مما جرى العرف به، وقد جرى العرف بأن الزوجة تخدم زوجها، وتقوم على بيته، وأولاده، فالحقّ أن خدمة الزوجة لزوجها، وقيامها بمهمات بيته مما أوجبه الشرع الشريف. وقد عقد الإمام ابن قيّم الجوزيّة تَّثُ في كتابه النافع ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) فصلاً مفيداً جدّاً، أحببت إيراده لأهميّته، ونفاسته، قال رَُّهُ: [فصل]: في حكم النبيّ وَّر في خدمة المرأة لزوجها: قال ابن حبيب في ((الواضحة)): حكم النبيّ وَ 18 بين عليّ بن أبي طالب رظُه، وبين زوجته فاطمة حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة، خدمة البيت، وحكم على عليّ بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العَجْن، والطّبْخِ، والفَرْش، وكَنْسُ البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كلّه. وفي ((الصحيحين)): أن فاطمة ﴿ها أتت النبيّ وَله، تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرَّحَى، وتسأله خادماً، فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة طوًّا، فلما جاء رسول الله وَ﴿ أخبرته، قال عليّ: فجاءنا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقومُ، فقال: ((مكانكما))، فجاء، فقعد بيننا، حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: ((ألا أدلّكما على ما هو خيرٌ لكما مما سألتما، إذا أخذتما مضاجعكما، (١) ٣٤٥/١١. ٨٠٧ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٦) فسبّحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمَدَا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من خادم))، قال عليّ: فما تركتها بعدُ، قيل: ولا ليلة صفّين؟ قال: ولا ليلة صفّين. وصحّ عن أسماء أنها قالت: كنت أخدُم الزبير خدمة البيت كلّه، وكان له فَرَسٌ، وكنت أسوسه، وكنت أحتشّ له، وأقوم عليه(١)، وصحّ عنها أنها كانت تعلف فرسه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو، وتعجِن، وتنقُل النوى على رأسها من أرض له على ثُلثي فرسخ(٢). فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت. وقال أبو ثور: عليها أن تخدُم زوجها في كلّ شيءٍ. ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها في شيء، وممن ذهب إلى ذلك مالكٌ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأهل الظاهر، قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع، لا الاستخدام، وبذل المنافع، قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدلّ على التطوّع، ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟. واحتجّ من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله رَت بكلامه، وأما ترفيهُ المرأة، وخدمة الزوج، وكنسه، وطحنه، وعَجْنه، وغسيله، وفرشه، وقيامه بخدمة البيت، فمن المنكر، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِلْعُرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿الْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ﴾ الآية [النساء: ٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوّامة عليه. وأيضاً فإن المهر في مقابلة البضع، وكلٌّ من الزوجين يقضي وطره من صاحبه، فإنما أوجب الله رَمَك نفقتها، وكسوتها، ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج. (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) ٣٥٢/٦ بإسناد صحيح. (٢) أخرجه أحمد أيضاً في «مسنده» ٣٤٧/٦ بإسناد صحيح. ٨٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع وأيضاً فإن العقود المطلقة إنما تُنزّل على العرف، والعرف خدمة المرأة، وقيامها بمصالح البيت الداخلة. وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرّعاً وإحساناً يردّه أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعليّ: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو ◌َّ﴿ لا يُحابي في الحكم أحداً؛ ولَمّا رأى أسماء، والعلَف على رأسها، والزبير معه، لم يقل له: لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقرّه على استخدامها، وأقرّ سائر أصحابه على استخدام أزواجهم، مع علمه بأنّ منهنّ الكارهةَ والراضيةَ، هذا أمر لا ريب فيه، ولا يصحّ التفريق بين شريفة، ودنيئة، وفقيرة، وغنيّة، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها، وجاءته ري تشكو إليه الخدمة، فلم يُشْكِها، وقد سمّى النبيّ وَّ في الحديث الصحيح المرأة عانيةً، فقال: ((اتقوا الله في النساء، فإنهنّ عَوَانٍ عندكم))، والعاني الأسير، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده، ولا ريب أن النكاح نوعٌ من الرقّ، كما قال بعض السلف: النكاح رقّ، فلينظر أحدكم عند من يُرقّ كريمته، ولا يخفى على المنصف الراجحُ من المذهبين، والأقوى من الدليلين. انتهى كلام ابن القيّم ◌َّهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره ابن القيّم تَظُّ تحقيق نفيسٌ جدّاً، فقد ظهر لنا به، وتبيّن، واتضح أن المذهب الأول، وهو وجوب خدمة المرأة زوجها هو الراجح؛ لقوة دليله؛ لأنه المعروف في ذلك الوقت الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، فأوجب الله عليها أن تلتزم بما هو معروف عند الناس، وقد طبّق نساء العصر الأول من الصحابيات، وغيرهنّ على أنفسهنّ ما طُلب منهنّ في الآية الكريمة، كما تقدم آنفاً في قصّة فاطمة، وأسماء ﴿هما، فتأمله بالإنصاف، واخلع عنك ربقة التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ١٨٦/٥ - ١٨٩. ٨٠٩ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٧) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال: [٣٦٣٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ : (هَلْ تَزَوَّجْتَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((أَبِكْراً، أَمْ نَيِّباً؟)) قُلْتُ: نَيِّاً، قَالَ: ((فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْعَذَارَى، وَلِعَابِهَا؟))، قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ جَابِرٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: ((فَهَلَّا جَارِيَةً، تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ؟))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاد الْعَنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (مُحَارِبُ) بن دِثَار السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [٤] (ت١١٦) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٦٩/٤٠. و((جابر» څه ذُكر قبله. وقوله: ((فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْعَذَارَى) بفتح الراء، وكسرها: جمع عَذْراء، وزانُ حمراء: أي ذات عُذْرة، كما قال في ((الخلاصة)): وَبِالْفَعَالِي وَالْفَعَالَى جُمِعَا صَحْرَاءُ وَالْعَذْرَاءُ وَالْقَيْسَ اتْبَعَا وعُذْرة الجارية بَكارتها، والجمع عُذَرٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، ويقال: عَذَرتُ الغلامَ والجاريةَ عَذْراً، من باب ضَرَبَ: ختنته، فهو معذورٌ، وأعذرته بالألف لغة. أفاده الفيّوميّ(١). وقوله: (وَلِعَابِهَا؟)) قال النوويّ تَُّ: هو بكسر اللام، ووقع لبعض رواة البخاريّ بضمها، قال القاضي عياض: وأما الرواية في كتاب مسلم فبالكسر لا غير، وهو من الملاعبة، مصدر لاعب ملاعبةً، كقاتل مقاتلة، قال: وقد حَمَل (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٩٩/٢. ٨١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع جمهور المتكلمين في شرح هذا الحديث قوله : ((تلاعبها)) على اللعب المعروف، ويؤيِّده: ((تضاحكها، وتضاحكك))، وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون من اللِّعَاب، وهو الريق. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): وأما ما وقع في رواية محارب بلفظ: ((ما لك وللعَذَارَى ولِعَابها))، فقد ضبطه الأكثر بكسر اللام، وهو مصدر من الملاعبة أيضاً، يقال: لاعب لِعاباً وملاعبةً، مثل: قاتل قتالاً ومقاتلةً، كما قال في «الخلاصة» : لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَةْ ووقع عند البخاريّ في رواية المستملي بضمّ اللام، والمراد به الريق، وفيه إشارةٌ إلى مصّ لسانها، ورَشف شفتيها، وذلك يقع عند الملاعبة والتقبيل، وليس هو ببعيد، كما قال القرطبيّ(٢). ويؤيّد أنه بمعنى آخر غير المعنى الأول قول شعبة: إنه عرَضَ ذلك على عمرو بن دينار، فقال اللفظ الموافق للجماعة. وفي رواية لمسلم التلويح بإنكار عمرو رواية مُحارب بهذا اللفظ، ولفظه: ((إنما قال جابرٌ: تلاعبها وتلاعبك))، فلو كانت الروايتان متّحدتين في المعنى لَمَا أنكر عمرو ذلك؛ لأنه كان ممن يُجيز الرواية بالمعنى، أفاده في ((الفتح))(٣). وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، فَقَالَ ... إلخ) معناه أن شعبة عرَضَ ما حدّثه محارب بن دِثَار عن جابر ◌َظُبه، فأنكر قوله: ((فأين أنت من العذارى، ولعابها؟))، وقال: أنا سمعت الحديث من جابر، فلم (١) ((شرح النوويّ)) ٥٢/١٠ - ٥٣. (٢) أي كما ادّعى القرطبيّ كونه بعيداً، وعبارته في ((المفهم)) (٢١٥/٤): وقد رواه أبو ذرّ من طريق المستملي: ((لُعابها)) بالضمّ، يعني به ريقها عند التقبيل، وفيه بُعْدٌ، والصواب الأول. انتھی. (٣) راجع: ((الفتح)) ٣٤٤/١١. ٨١١ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٨) يقل هذا، وإنما قال: ((فهلّا جاريةً تلاعبها، وتلاعبك))، والظاهر - كما سبق عن ((الفتح)) - أنه إنما سأله بلفظ ((لُعابها)) بضم اللام، وهو الريق، فأنكر ذلك؛ لأنه مخالف لما رواه معنًى؛ إذ هو من الملاعبة، وهي المداعبة، لا من اللُّعاب، بمعنى الريق، لكن يَحْتَمل تصحيحه؛ إذ ملاعبة الرجل، وتقبيله لامرأته يؤدّي إلى ذلك، ففيه إشارة إلى مصّ لسانها، ورشف شفتيها، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٣٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، أَوْ قَالَ: سَبْعَ(١)، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةَ ثَيِّباً، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟)) قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَهَلَّا جَارِيَةً، تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ؟ - أَوْ قَالَ -: تُضَاحِكُهَا، وَتُضَاحِكُكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ، وَتَرََكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، أَوْ سَبْعَ(٢)، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنَّ، أَوْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَأَحْبَيْتُ أَنْ أَجِيءَ بِامْرَأَةٍ، تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، وَتُصْلِحُهُنَّ، قَالَ: ((فَبَارَكَ اللهُ لَكَ))، أَوْ: قَالَ لِي خَيْراً، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي الرَّبِيعِ: ((تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. (١) وفي نسخة: ((سبع بنات)). (٢) وفي نسخة: ((أو سبعاً)). ٨١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن الربيع الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١. و ((جابر)) به ذُكر قبله. وقوله: ((فَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟))) بالرفع خبر لمحذوف، أي: أهي بكر، أم ثیب؟. وقوله: (أَوْ قَالَ -: تُضَاحِكُهَا، وَتُضَاحِكُكَ؟) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي. وقوله: (وَتَرََكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، أَوْ سَبْعَ) هكذا في رواية حمّاد بن زيد، عن عمرو بالشكّ، وفي رواية ابن عيينة، عن عمرو التي أحالها المصنّف بعد هذا على رواية حمّاد، وسنسوقها من رواية البخاريّ: ((تسع بنات)) بالجزم، قال وليّ الدين نَّثُ: هذه الرواية التي فيها الجزم بأن أخواته كُنّ تسعاً مقدّمة على رواية حمّاد بن زيد التي فيها التردد بين التسع والسبع، فإن من حَفِظَ حجة على من لم يحفظ. انتهى (١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((تسع بنات))، في رواية الشعبيّ: ((ست بنات))، فكأن ثلاثاً منهنّ كنّ متزوجات، أو بالعكس. انتهى (٢). وقوله: (أَوْ سَبْعَ) هكذا بغير تنوين، لتقدير المضاف إليه، أي سبع بنات، وفي نسخة: ((أو سبعاً)) بالتنوين. وقوله: (أَوْ أَجِيتَهُنَّ) ((أو)) للشك من الراوي. (١) ((طرح التثريب)) ٧/ ١٢. (٢) ((الفتح)) ١٢٨/٩. ٨١٣ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٩) وقوله: (تَقُومُ عَلَيْهِنَّ) أي تقوم بمصالحنّ، فيكون عطف قوله: ((وَتُصْلِحُهُنَّ)) عليه من عطف التفسير، والإيضاح لمعنى قيامهنّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٣٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((هَلْ نَكَحْتَ بَا جَابِرُ؟))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، قَالَ: ((أَصَبْتَ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً. ٢ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدّم أيضاً قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف تَّثُهُ، وهو (٢٣٥) من رباعيات الكتاب. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير سفيان بن عيينة. وقوله: (وَتَمْشُطُهُنَّ) أي تُسَرّح شعرهنّ، وهو بفتح التاء، وضمّ الشين المعجمة، وكسرها، من بابي نصر، وضرب، قال الفيّوميّ تَّتُهُ: مَشَطتُ الشّعَرَ مَشْطاً، من بابِي قَتَلَ، وضَرَبَ: سَرَّحته، والتثقيل مبالغةٌ. انتهى (١). وذكر ((تمشُطهنّ)) بعد ((تقوم عليهنّ)) من عطف الخاص على العامّ؛ لأن القيام أعمّ من المشط. (١) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٧٤. ٨١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ تَكْثُ، فقال: (٣٨٢٦) - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدّثنا سُفْيَانُ، أخبرنا عَمْرٌو، عن جَابِرٍ، قال: قال لي رسول اللهِ وَّيِ: ((هل نَكَحْتَ يا جَابِرُ؟)) قلت: نعم، قال: ((مَاذَا، أَبِكْراً أَمْ نَيِّياً؟)) قلت: لَا، بَلْ ثَيِّياً، قال: ((فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُكَ؟)) قلت: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أبي قُتِلَ يومٍ أُحُدٍ، وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، كُنَّ لِي تِسْعَ أَخَوَاتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ، مِثْلَهُنَّ، وَلَكِنْ امْرَأَةً تَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قال: ((أَصَبْتَ)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَُّ أوّل الكتاب قال: [٣٦٤٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهَ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا أَقْبَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلْفِي، فَتَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ، كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِي، كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الْإِبِلِ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِّهِ، فَقَالَ: ((مَا يُعْجِلُكَ يَا جَابِرُ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَقَالَ: ((أَبِكْراً تَزَوَّجْتَهَا، أَمْ تَيِّباً؟)) قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّباً، قَالَ: ((هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ؟)) قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: ((أَمْهِلُوا حَتَى نَدْخُلَ لَيْلاً - أَبْ عِشَاءً - كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِئَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ))، قَالَ: وَقَالَ: ((إِذَا قَدِمْتَ، فَالْكَيْسَ، الْكَيْسَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (سَيَّارُ) بن أبي سيّار، واسم أبيه وَرْدان، أو ورد، وقيل غيره، أبو الحكم الْعَنَزيّ الواسطيّ، ويقال: البصريّ، ثقةٌ [٦] (ت١٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان)) ٢٠٩/٢٥. ٨١٥ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٤٠) ٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، مشهورٌ [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ سَيَّارٍ) - بفتح المهملة، وتشديد التحتانية - وفي رواية البخاريّ، عن أبي النعمان، عن هشيم، قال: حدّثنا سيار، وله أيضاً: حدّثنا يعقوب الدَّوْرقيّ، حدّثنا هُشيم، أنبأنا سيّار (عَن الشَّعْبِيِّ) وفي رواية أبي عوانة من طريق شُرَيح بن النعمان، عن هُشيم، حدّثنا سيّار، حدّثنا الشعبيّ، ولأحمد من وجه آخر: سمعت الشعبي (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ّا أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ فِي غَزَاةٍ) - بفتح الغين المعجمة - بوزن حَصَاة: اسم من غَزَوتُ العدُوّ، قاله المرتضى (١). (فَلَمَّا أَقْبَلْنَا) هكذا الرواية هنا ((أقبلنا)) من الإقبال، ووقع عند القرطبيّ ((أقفلنا))، بالفاء، من الإقفال، قال القرطبيّ: كذا لابن ماهان، ووجه الكلام ((قفلنا)) ثلاثيّاً، يقال: قَفَل الجند من مبعثهم: أي رجعوا، وأقفلهم الأمير، وقَفَلهم أيضاً، وتَحْتَمِل الرواية أن تكون بفتح اللام: أي أقفلنا النبيّ ◌ََّ، وتَحْتَمِل أن تكون اللام ساكنةً، ويكون معناه: أقفل بعضنا بعضاً، ورواه ابن سفيان: ((أقبلنا)) بالباء المنقوطة بواحدة، من الإقبال. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(٢). (تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ) - بفتح القاف: أي بطيء المشي، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: قَطَفَ الدّابَةُ يَقْطُفُ، من باب قَتَل، وهو قَطُوفٌ، مثلُ رَسُولٍ، قاله في ((البارع))، والمصدر القِطَاف، مثلُ كتابٍ، وجمع الْقَطُوفُ قُطْفٌ، مثلُ رَسُولٍ ورُسُلٍ، قال الفارابيّ: الْقَطُوف من الدوابّ وغيرها: البطيء، وقال ابن (١) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٦٥/١٠. (٢) ((المفهم)) ٢١٨/٤. ٨١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع القطّاع: قَطَفَ الدّابَةُ: أعجل سيره مع تقارب الْخَطْوِ. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: الْقَطُوف: هو البعير البطيء المشي المتقارب الخطو، قاله الخليل وغيره، قال الثعالبيّ: إذا كان الفرس يمشي وَثْباً وثباً، فهو قَطُوفٌ، فإذا كان يرفع يديه، ويقوم على رجليه، فهو شَبُوبٌ، فإن كان يلتوي برأسه حتى يكاد يسقط عنه راكبه، فهو قَمُوصٌ، فإذا كان مانعاً ظهره، فهو شَمُوسٌ. انتهى(٢). (فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلْفِي، فَنَخَسَ) أي طعنه، يقال: نخستُ الدابّة نَخْساً، من باب قتل: طعنتُهُ بعود، أو غيره، فهاج، والفاعل نَخَاسٌ، مبالغةٌ، ومنه قيل لدّال الدابّة ونحوها: نَخّاسٌ(٣). (بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ) بفتحات: هي عصاً، نحو نصف الرُّمْح، في أسفلها زُجِّ، قاله النوويّ(٤)، وقال الفيّوميّ كَُّهُ: الْعَنَزَة: عصاً أقصر من الرُّمْح، ولها زُجٌّ من أسفلها، والجمع: عَنَزِ، وعَنَزَاتٌ، مثلُ قَصَبَةٍ، وقَصَبٍ، وقَصَبَاتٍ. انتهى(٥) . وقال في ((المفهم)): الْعَنَزة: عصاً مثل نصف الرمح، أو أكثر، وفيها زُجّ، قاله أبو عبيد، قال الثعالبيّ: فإن طالت شيئاً، فهي النَّيْزَك، والمِطْرَدُ، فإذا زاد طولها، وفيها سِنَانٌ عَرِيضٌ، فهي أَلّةٌ، وحَرْبةٌ. انتهى(٦). (كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِي، كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الْإِبِلِ) أي كأسرع بعير تراه من الإبل، وهذا فيه معجزة لرسول الله وَله، وأثر بركته (فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ وَ ﴾﴾ ((إذا)) هنا هي الْفُجائيّة، أي ففاجأني حضور رسول الله وَالو (فَقَالَ) وَهِ ((مَا يُعْجِلُكَ يَا جَابِرُ؟))) ((ما)) استفهاميّة، أي أيُّ شيء جعلك متعجّلاً؟ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ) بضم العين، وسكون الراء: أي بزفاف امرأتي، قال الفيّوميّ: والعُرْسُ بالضمّ: الزِّفاف، ويُذكّر، ويؤنّثُ، فيقال: هو الْعُرْس، والجمع: أعراسٌ، مثلُ قُفْلٍ وأَقْفالٍ، وهي الْعُرْسُ، والجمع: عُرْسات، ومنهم من يقتصر على إيراد التأنيث، والْعُرْسُ (١) ((المصباح المنير)) ٥٠٩/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٩٦/٢. (٥) ((المصباح)) ٢/ ٤٣٢. (٢) ((المفهم)) ٢١٨/٤ - ٢١٩. (٤) ((شرح النوويّ)) ٥٤/١٠. (٦) ((المفهم)) ٢١٩/٤. ٨١٧ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٤٠) أيضاً: طعام الزِّفاف، وهو مذكّرٌ؛ لأنه اسم للطعام. انتهى (١). (فَقَالَ) وَلـ ((أَبِكْراً تَزَوَّجْتَهَا، أَمْ ثَيِّباً؟))) ونصب ((بكراً))، و((ثيّباً)) على الحال من المفعول (قُلْتُ: بَلْ) تزوّجتها (قَيِّباً) حال من مفعول العامل المقدّر (قَالَّ) جابر . (قَالَ) ◌َِّ ((هَلََّّ جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ؟)) قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ) أي قارب قدومنا إليها (ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ) وَّرِ ((أَمْهِلُوا) أي اتّئدوا، ولا تعجلوا (حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً) ثم فسّر الراوي - ولم يتبيّن لي من هو؟ - المراد بالليل بقوله: (أَيْ عِشَاءً) أي وقت العشاء، وإنما فسّره بهذا؛ لأن الليل يُطلق على أوله، ونصّه، وآخره، فربّما توهّم متوهّم إطلاقه، فقيّده بأنه يريد أوله (كَيْ تَمْتَشِطَ) أي تُسرّح شعرها (الشَّعِئَةُ) بفتح، فكسر: أي المتغيّرة الحال والهيئة (وَتَسْتَجِدَّ) أي تستعمل الحديدة في شعر العانة، وهو إزالته بالموسى، قال النوويّ: والمراد ها هنا إزالته كيف كانت (الْمُغِيبَةُ))) بضم الميم، وكسر الغين المعجمة، وإسكان الياء، أي التي غاب عنها زوجها، يقال: أغابت المرأة، فهي مُغيبة بالهاء: إذا غاب زوجها، وأشهدت: إذا حضر زوجها، فهي مُشْهِدٌ بغير هاء. وفي هذا الحديث التنبيه على رعاية المصالح الجزئيّة في الأهل، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق، والشفقة على المسلمين، والاحتراز من تتبّع العورات، وتحسين المعاشرة، واجتلاب دوام الصحبة، وذلك أن المرأة تكون في حالة غيبة زوجها على حالةٍ بَذَاذة، وقلّة مبالاة بنفسها، وشعث، فلو قَدِم الزوج عليها، وهي في تلك الحال ربّما نَفَر منها، وزَهِدَ فيها، وهانت عليه، فنبّه وَّر على ما يزيل ذلك. ولا يعارض قوله في هذا الحديث: ((حتى ندخل ليلاً)) نهيه وَ ◌ّ في الحديث الآخر عن أن يَطرُق الرجل أهله، أي يأتيهم ليلاً؛ لأن ذلك إذا لم يتقدّم إليهم خبره؛ لئلا يستغفلهم، ويرى منهم ما يكرهه، وقد جاء مبيّناً في حديث أنس به: ((أن رسول الله ﴿ كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غُدْوةً أو عشيّةً))، متّفقٌ عليه، وقد جاء في حديث النهي عن الظُّروق التنبيه على علّة أخرى، وهي أنه لا يطرقهم يتخوّنهم، ويطلب عَثَراتهم، وهو معنى آخرُ غير (١) ((المصباح)) ٤٠٢/٢. ٨١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع الأول، وينبغي أيضاً: أن يجتنب الطروق لأجل ذلك، قاله القرطبيّ تَظُّهُ(١). (قَالَ) جابر (وَقَالَ) بَّهِ ((إِذَا قَدِمْتَ) بكسر الدال (فَالْكَيْسَ، الْكَيْسَ))) أي الجماع، والمراد الحثّ على ابتغاء الولد. وقال في ((الفتح)): ((فالكيس الكيس)) بالنصب فيهما على الإغراء، وقيل: على التحذير من ترك الجماع، قال الخطابيّ: ((الكيسَ)) هنا بمعنى الحذر، وقد يكون ((الكيس)) بمعنى الرِّفق، وحسن التأني، وقال ابن الأعرابيّ: الكيس العقل، كأنه جعل طلب الولد عقلاً، وقال غيره: أراد الحذر من العجز عن الجماع، فكأنه حَثّ على الجماع، وجزم ابن حبان في ((صحيحه)) بعد تخريج هذا الحديث بأن الكيس الجماع، قال الحافظ: ويؤيده قوله في رواية محمد بن إسحاق: ((فإذا قَدِمتَ، فاعمل عملاً كَيْساً))، وفيه: قال جابر: ((فدخلنا حين أمسينا، فقلت للمرأة: إن رسول الله وَّلهو أمرني أن أعمل عملاً كَيْساً، قالت: سمعاً وطاعةً، فدونك، قال: فبِتّ معها، حتى أصبحت))، أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه))، قال عياض: فَسَّر البخاريّ وغيره الكيس بطلب الولد والنسل، وهو صحيحٌ، قال صاحب ((الأفعال)): كاس الرجلُ في عمله حَذِقَ، وكاس وَلَدَ ولداً كيساً، وقال الكسائيّ: كاس الرجلُ وُلِد له ولدٌ كيس. انتهى. وأصل الكيس العقل كما ذكر الخطابيّ، لكنه بمجرده ليس المراد هنا، والشاهد لكون الكيس يراد به العقل قول الشاعر [من البسيط]: وَإِنَّمَا الشِّعْرُ لُبُّ الْمَرْءِ يَعْرِضُهُ عَلَى الرِّجَالِ فَإِنْ كَيْساً وَإِنْ حُمْقَا فقابله بالحُمْق، وهو ضد العقل، ومنه حديث: «الْگیِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والأحمق مَن أتبع نفسه هواها))(٢)، وأما حديث: ((كلُّ شيء بقدر، حتى العجزُ والكيس))(٣)، فالمراد به الفطنة، ذكره في ((الفتح))(٤). (١) ((المفهم)) ٢١٩/٤ - ٢٢٠. (٢) أخرجه الترمذيّ برقم (٢٤٥٩) وهو ضعيف؛ لأن في إسناده سفيان بن وكيع، وأبا بكر بن أبي مريم، وهما ضعيفان. (٣) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) برقم (٢٦٥٥). (٤) ((الفتح)) ٧٠٤/١١ ((كتاب النكاح)) رقم (٥٢٤٦). ٨١٩ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٤١) والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٤١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيَّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي، فَأَتَّى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَلَ، فَقَالَ لِي: (يَا جَابِرُ)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((مَا شَأْتُكَ؟)) قُلْتُ: أَبْطَأَ بِي جَمَلِي، وَأَعْيَا، فَتَخَلَّفْتُ، فَنَزَلَ، فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ارْكَبْ))، فَرَكِبْتُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: ((أَتَزَّوَّجْتَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: ((أَبِكْراً أَمْ نَيِّاً؟)) فَقُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ، قَالَ: ((فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ؟))، قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: ((أَمَا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ، فَالْكَيْسَ، الْكَيْسَ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَهَ وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: ((الْأَنَ حِينَ قَدِمْتَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (فَدَعْ جَمَلَكَ، وَادْخُلْ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ))، قَالَ: فَدَخَلْتُ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَمَرَ بِلَالاً أَنْ يَزِنَ لِي أُوْقِيَّةً، فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ، فَأَرْجَحَ فِي الْمِيزَانِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ، قَالَ: ((ادْعُ لِي جَابِراً))، فَدُعِيتُ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الْجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءُ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ، فَقَالَ: ((خُذْ جَمَلَكَ، وَلَكَ ثَمَنُهُ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ) القُرشيّ مولاهم، أبو نعيم المدنيّ المعلّم، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٣/ ٧٩٧. والباقون ذُكروا في الباب، و((عُبَيْدُ اللهِ)) هو: ابن عُمر الْعُمَريّ. وقوله: (فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي) أي تأخّر مسيره، قال الفرّاء: الجمل زوج الناقة، والجمع جِمَال، وأجمال، وجِمالات، وجمائل، ويُطلق عليه ٨٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع البعير؛ لأن جابراً قال في الحديث في رواية أبي داود: ((بعته)) يعني بعيره من النبيّ وَّة، واشترطت حُملانه إلى أهله، وقال في آخره: ((تراني إنما ماكستك لأذهب بجملك؟ خذ جملك وثمنه، فهما لك))، وقال أهل اللغة: البعير: الجمل البازل، وقيل: الْجَذَع، وقد يكون للأنثى، ويجمع على أبعرة، وأباعر، وأباعير، وبِعِران وبُعران، قاله في ((العمدة))(١) . وقوله: (وَأَعْيَا) أي عجز عن الذهاب إلى مقصده؛ لعِيِّه، وعجزه عن المشي، يقال: عَيِيت بأمري إذا لم تهتد لوجهه، وأعياني هو، ويقال: أعيى فهو مُعْيي، ولا يقال: عيا، وأعياه الله، كلاهما بالألف يستعمل لازماً ومتعدياً(٢). (فَتَخَلَّفْتُ، فَزَلَ) أي نزل رسول الله ◌َّ عن راحلته. (فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنِهِ) - بالحاء المهملة، والجيم، والنون، يقال: حجنت الشيء: إذا اجتذبته بالْمِحْجَن إلى نفسك، والْمِحْجن بكسر الميم: عصاً في رأسه اعوجاجٌ، يلتقط به الراكب ما سقط منه. وقوله: (فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴾ أي لئلا يتقدّم على راحلته. (ثُمَّ قَالَ: ((أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأَوْقِيَّةٍ) هي أربعون درهماً، وقد اختلفت الروايات في ثمن جمل جابر هذا، وفي اشتراطه ظهره إلى المدينة، وغير ذلك، وسيأتي البحث فيه مستوفّى في ((كتاب البيوع)) إن شاء الله تعالی. وقوله: (ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَهِ، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ) ظاهر هذه الرواية تناقض الرواية الأخرى: ((فتقدّمت الناس إلى المدينة))؛ لأن في إحداهما أنه تقدم الناس إلى المدينة، وفي الأخرى أن النبيّ ◌َ﴿ قَدِم قبله، فيَحْتَمِل في الجمع بينهما أن يقال: إنه لا يلزم من قوله: ((فتقدمت الناس)) أن يستمرّ سبقه لهم؛ لاحتمال أن يكونوا لَحِقُوه بعد أن تقدمهم، إما لنزوله لراحة، أو نوم، أو غير ذلك، ولعله امتثل أمره وَ ل ﴿ بأن لا يدخل ليلاً فبات دون المدينة، واستمرّ (١) ((عمدة القاري)) ٢١٥/١١. (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٥/١١.