Indexed OCR Text
Pages 781-800
٧٨١ (١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٣١) التنفير والتقبيح لما رأت من مسارعة الله تعالى في مرضاة النبيّ وَلقول، أي كنت أنفّر النساء عن ذلك، فلما رأيت الله يسارع في مرضاته وم ﴿ تركت ذلك؛ لما فيه من الإخلال بمرضاته ول . قال: وقد يقال: المذموم هو الهوى الخالي عن الهدى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتََّعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَى مِنَ الَّهِ﴾ الآية [القصص: ٥٠]. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التأويل الأخير هو الصواب؛ لأن الهوى في أصل اللغة هو محبة الشيء، يقال: هَوِيتُ الشيءَ، من باب تعب: إذا أحببته، وعَلِقتَ به، فهذا أصل معناه لغةً، وإن كان يُطلق على ميل النفس، وانحرافها المذموم، فأرادت عائشة نا هنا محبته وصله للأمر، فهذا عندي أولى مما ذكروه من التأويلات؛ مراعاة لتعظيم جانب عائشة ثنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة طوّا هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٣١/١٤ ٣٦٣٢] (١٤٦٤)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٧٨٨) و((النكاح)) (٥١١٣)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٥٤/٦) و((الكبرى)) (٢٥٩/٣ و٢٩٤/٥ و٣٠١ و٤٣٤/٦)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (٢٠٠٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٦/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/ ١٣٤ و١٥٨ و٢٦١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٣٦٧)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٤٣٦/٢)، و(الطبريّ) في ((تفسيره) (٢٦/٢٢)، و(البغويّ) في «تفسيره)) (٥٣٨/٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٣٤/٣ و١٣٥ و١٣٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٦/٤ و١٥٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٥/٧) و((المعرفة)) (٢١٤/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما أكرم الله تعالى به نبيّه وَله، وفضّله به من حلّ النساء بدون حصر بأربع، أو نحوه. ٧٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع ٢ - (ومنها): بيان بعض خصائصه وَلقر، وهو نكاح من وهبت نفسها له بلا مهر، قال الله تعالى: ﴿خَالِصَةُ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ٣ - (ومنها): بيان سبب نزول آية: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية. ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابيات من الحرص على أن يكنّ من أمهات المؤمنين، فَيَعْرِضْن أنفسهنّ عليه وَله. ٥ - (ومنها): أنه رَّهُ لا يجب عليه القَسْم بين زوجاته، وفيه خلاف بين أهل العلم، وهذا هو الراجح. ٦ - (ومنها): ما جُبلت عليه النساء من الْغَيْرة، حيث كانت عائشة تكره النساء اللاتي يَعْرِضن أنفسهنّ على النبيّ ◌َِّ. ٧ - (ومنها): استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح؛ رجاء عودة صلاحه عليها بما ينفعها في معاشها ومعادها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أنه لم يُرجئ النبيّ وَّو بعد نزول هذا التخيير له، بل كان يقسم لهنّ، وإذا أراد أن يذهب إلى غير صاحبة النوبة، استأذنها، فقد أخرج الشيخان في ((صحيحيهما))، من طريق عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة روثّا: ((أن رسول الله وَلير، كان يستأذن في يوم المرأة منا، بعد أن أُنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، فقلت لها: ما كنت تقولين؟، قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إلي، فإني لا أريد، يا رسول الله أن أُوثِرَ عليك أحداً)). قال الزهريّ: ما أعلم أنه أرجأ أحداً من نسائه، أخرجه ابن أبي حاتم، وعن قتادة: أُطلق له أن يَقسِم كيف شاء، فلم يَقسِم إلا بالسويّة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختلف السلف في هذه الآية، فقيل: هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، مبيحة له أن يتزوّج ما شاء، وقيل: بل نُسخ قوله: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِسَآءُ﴾ بالسنّة، قال زيد بن أسلم: تزوّج رسول الله ولو بعد نزول هذه الآية ميمونة، ومليكة، وصفيّة، وجويرية، ٧٨٣ (١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٣١) وقالت عائشة ثًا: ((ما مات رسول الله وَّه حتى أحلّ الله له النساء)). رواه الترمذيّ، والنسائيّ. وقيل عكس هذا، وهو أن قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ﴾ ناسخة لقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، ولقوله: ﴿تُرْجِى مَنْ تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾، وقيل غير هذا مما هو ظاهر الفساد، وإن صحّ ما نقله زيد بن أسلم فالقول قوله. قاله أبو العباس القرطبيّ ◌َّثُهُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح أن آية ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ﴾ منسوخة بآية ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ﴾؛ لحديث عائشة ◌َّا المذكور هنا . وقال أبو عبد الله القرطبيّ كَخَّتُهُ في ((تفسيره)): واختَلَف العلماء في تأويل هذه الآية، وأصح ما قيل فيها: التوسعة على النبيّ نَّ في ترك القَسْم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى، وهو الذي ثبت معناه في ((الصحيح)) عن عائشة ﴿يا، قالت: ((كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله وَ له، وأقول: أَوَ تَهَبُ المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ قالت: قلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك))، قال ابن العربيّ: هذا الذي ثبت في ((الصحيح)) هو الذي ينبغي أن يُعَوَّل عليه، والمعنى المراد: هو أن النبيّ ◌َّ كان مُخَيَّراً في أزواجه، إن شاء أن يَقْسِم قَسَم، وإن شاء أن يترك القَسْم ترك، فخُصَّ النبيّ ◌َّهِ بأن جُعِل الأمر إليه فيه، لكنه كان يَقْسِم من قِبَل نفسه، دون فرض ذلك عليه؛ تطييباً لنفوسهنّ، وصوناً لهنّ عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وقيل: كان القسم واجباً على النبيّ وَلِّ، ثم نُسِخ الوجوبُ عنه بهذه الآية، قال أبو رزين: كان رسول الله وَ﴿ قد هَمّ بطلاق بعض نسائه، فقلن له: اقْسِم لنا ما شئت، فكان ممن آوى عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، فكان قسمتهنّ من نفسه وماله سواء بينهنّ، وكان ممن أرجى سودة، وجويرية، وأم حبيبة، وميمونة، وصفية، فكان يَقْسِم لهنّ ما شاء. وقيل: المراد الواهبات، رَوَى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قوله: ﴿تُرْجِ مَنْ تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ قالت: هذا في الواهبات أنفسهنّ، قال الشعبيّ: ٧٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع هنّ الواهبات أنفسهنّ، تزوج رسول الله وَّهِ منهنّ، وترك منهنّ. وقال الزهريّ ما علمنا أن رسول الله وال﴿ أرجأ أحداً من أزواجه، بل آواهنّ كلهنّ. وقال ابن عباس وغيره: المعنى في طلاق من شاء، ممن حصل في عصمته، وإمساك من شاء، وقيل غير هذا، وعلى كل معنى، فالآية معناها التوسعة على رسول الله صل﴿، والإباحة، وما اخترناه أصحّ. انتهى كلام أبي عبد الله القرطبيّ تَخْذُهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح الأقوال هو ما دلّ عليه ظاهر الآية الكريمة، وحديث عائشة ﴿ّا المذكور في الباب أنه وَلقه خُصّ بعدم وجوب القسم، فلا يجب عليه، ولكنه كان يَقْسِم من قبل نفسه؛ لكرمه، وحسن عشرته، ورأفته بأزواجه، فظهر به مصداق قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ جَمَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٧٨)﴾، وقوله ◌َِّ: ((خيركم خير لأهله، وأنا خيركم لأهلي))(٢)، فصلى الله وسلم، وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٣٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَمَا تَسْتَحْبِي امْرَأَةً تَهَبُ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ؟ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿نُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءٌ﴾، فَقُلْتُ: إِنَّ رَبَّكَ لُيُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١. (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٤/ ٢١٤ _ ٢١٥. (٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه. ٧٨٥ (١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٣٣) والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٣٣] (١٤٦٥) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ، قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِّ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ بِسَرِّفَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوْجُ النَّبِيِّ ◌َهِ، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا، فَلَّا تُزَعْزِعُوا، وَلَا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ تِسْعٌ، فَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ، وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ، قَالَ عَطَاءٌ: الَّتِي لَا يَقْسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قبل باب. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍّ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابین. ٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ظ﴿هَا، تقدّم قريباً. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف تَخْذُ، وله فيه شيخان قرن بینهما ، ثم فصّل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني تفرّد به هو وأبو داود. ٧٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع ٣ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ؤها من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (جنازة (عَنْ عَطَاءِ بن أبي رباح)، أنه (قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) . مَيْمُونَةَ) - بكسر الجيم، وفتحها، والكسر أفصح -: والمراد سريرها الذي وُضِعت هي عليه لَمّا ماتت، من جَنَزتُ الشيءَ أجنِزه، من باب ضرب: إذا سترته، قال الأصمعيّ، وابن الأعرابيّ: بالكسر الميت نفسه، وبالفتح السرير، ورَوَى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب عكس هذا، فقال: بالكسر السرير، وبالفتح الميت نفسه، قاله الفيّوميّ(١). وفي ((القاموس)): والْجِنَازة: الميتُ، ويُفتح، أو بالكسر: الميتُ، وبالفتح: السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت. انتهى. وميمونة هي بنت الحارث الهلاليّة، قيل: اسمها برّة، فسمّاها النبيّ وَلِيل ميمونة، وتزوّجها بسرف، سنة سبع من الهجرة، وماتت بها، ودُفنت سنة (٥١) على الصحيح (زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهُ) بالجرّ بدل من («ميمونة)) (بِسَرِفَ) اتَّفَقَ العلماء على أنها تُوُفّيت بسَرِف - بفتح السين، وكسر الراء، وبالفاء - وهو مكان بقرب مكة، بينه وبينها ستة أميال، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة، وقيل: اثنا عشر، قاله النوويّ تَخْذُ(٢) . وأخرج ابن سعد بإسناد صحيح عن يزيد بن الأصمّ، قال: ((دفنّا ميمونة بسرف، في الظّة التي بنى بها فيها رسول الله (وَلّ))، ومن وجه آخر عن يزيد بن الأصمّ، قال: ((صلّى عليها ابن عبّاس، ونزل في قبرها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعبيد الله الْخَوْلانيّ، ويزيد بن الأصمّ))، أما عبد الرحمن، فهي خالة أبيه، وأما عُبيد الله الخولانيّ، فكان في حِجرها، وأما يزيد بن الأصمّ، فهي خالته، كما هي خالة لابن عباس ﴿ه، أفاده في ((الفتح))(٣). (١) ((المصباح المنير)) ١١١/١. (٣) ٣٢٩/١١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٠/١٠. ٧٨٧ (١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٣٣) · (هَذِهِ زَوْجُ النَّبِيِّ وَلَِّ) تقدّم أن الزوج بلا هاء يُطلق (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) على الرجل والمرأة، وهذه هي اللغة الفصحى، وبها جاء القرآن، كقوله: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وبعض العرب يقولون في المرأة: زوجة بالهاء (إِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا) - بعين مهملة، وشين معجمة -: هو السرير الذي يوضع عليه الميت (فَلَا تُزَعْزِعُوا) - بزايين معجمتين، وعينين مهملتين - والزعزعة تحريك الشي الذي يُرفَع، أي لا تحرّكوا جنازتها؛ احتراماً لهاً، وتوقيراً، وقوله: (وَلَا تُزَلْزِلُوا) الزلزلة الاضطراب، فيكون مؤكّداً لـ ((تُزَعزِعُوا))، وقوله: (وَارْفُقُوا) فيه إشارة إلى أن مراده بعدم الزعزعة، والتحريك هو الرفق بها؛ توقيراً، وتعظيماً لها، فيكون المطلوب هو السيرَ الوسط المعتدلَ (فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ تِسْعُ) أي تسع نِسْوَةٍ أراد به عند موته وَّهِ، وهنّ سودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وجُويرية، وصفيّة، وميمونة، هذا ترتيب تزويجه ◌َل* إياهنّ - رضي الله تعالى عنهنّ -، ومات، وهنّ في عصمته، واختُلف في ريحانة، هل كانت زوجة، أو سُرّيّةً، وهل ماتت قبله، أم لا؟. وسيأتي تمام البحث فيهنّ في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - (فَكَانَ يَقْسِمُ) بفتح أوّله، من باب ضرب (لِثَمَانٍ) أي ومن جملتهنّ ميمونة رضي الله تعالى عنها، فينبغي لكم أن تعرفوا فضلها، وتراعوا حقّها (وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ) وقوله: (قَالَ عَطَاءُ) بن أبي رباح (الَّتِي لَا يَقْسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: قول عطاء: ((التي لا يقسم لها صفية)): قال العلماء: هو وَهَمٍّ من ابن جُريج الراوي عن عطاء، وإنما الصواب سودة، كما سبق في الأحاديث. انتهى. وقال في ((الفتح)): قال عياض: قال الطحاويّ: هذا وَهَمٌ، وصوابه سودة، كما تقدّم أنها وهبت يومها لعائشة، وإنما غلط فيه ابن جريج، راويه عن عطاء. كذا قال، قال عياض: قد ذكروا في قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] أنه آوى عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان يستوفي لهنّ الْقَسْمَ، وأرجأ سودة، وجويرية، وأم حبيبة، وميمونة، وصفيّة، فكان يَقسم لهنّ ما شاء. قال: فيحتمل أن تكون رواية ابن جريج صحيحة، ويكون ذلك في آخر أمره، حيث آوى الجميع، فكان يَقسم لجميعهنّ إلا لصفّة. ٧٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع قال الحافظ: قد أخرج ابن سعد من ثلاثة طرق أن النبيّ مي كان يقسم لصفيّة، كما يَقسم لنسائه، لكن في الأسانيد الثلاثة الواقديّ، وليس بحجّة، وقد تعصّب مغلطاي للواقديّ، فنقل كلام من قوّاه، ووثّقه، وسكت عن ذكر من وهّاه، واتّهمه، وهم أكثر عدداً، وأشدّ إتقاناً، وأقوى معرفةٌ به من الأولين، ومن جملة ما قوّاه به أن الشافعيّ روى عنه، وقد أسند البيهقيّ عن الشافعيّ أنه كذّبه، ولا يقال: فكيف روى عنه؟؛ لأنا نقول: رواية العدل ليست بمجرّدها توثيقاً، فقد روى أبو حنيفة عن جابر الْجُعفيّ، وثبت عنه أنه قال: ما رأيت أكذب منه. فيترجّح أن مراد ابن عبّاس بالتي لا يَقسم لها سودة، كما قاله الطحاويّ؛ لحديث عائشة خيرًا: ((أن سودة وهبت يومها لعائشة، وكان النبيّ وَّر يقسم لعائشة يومها، ویوم سودة»، كما تقدّم. لكن يَحْتَمِل أن يقال: لا يلزم من أنه كان لا يبيت عند سودة أن لا يقسم لها، بل كان يقسم لها، لكن يبيت عند عائشة ﴿ثها ما وقع من تلك الهبة. نعم يجوز نفي القسم عنها مجازاً. قال الحافظ: والراجح عندي ما ثبت في ((الصحيح))، ولعلّ البخاريّ حذف هذه الزيادة عمداً . قال: وقد وقع عند مسلم أيضاً فيه زيادة أخرى من رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال عطاء: كانت آخرهنّ موتاً، ماتت بالمدينة. كذا قال، فأما كونها آخرهنّ موتاً، فقد وافق عليه ابن سعد وغيره، قالوا: وكانت وفاتها سنة إحدى وستين، وخالفهم آخرون، فقالوا: ماتت سنة ستّ وخمسين، ويعكر عليه أن أم سلمة عاشت إلى قتل الحسين بن عليّ، وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقيل: بل ماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين، والأول أرجح. ويَحْتمِل أن تكونا ماتتا في سنة واحدة، لكن تأخّرت ميمونة. وقد قيل أيضاً: إنها ماتت سنة ثلاث وستّين، وقيل: سنة ستّ وستّين، وعلى هذا لا ترديد في آخريّتها في ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجيح الحافظ هنا يخالف ترجيحه في ٧٨٩ (١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٣٣) ((تهذيب التهذيب))، و((التقريب))، حيث قال: وتوفيت سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وستّين. وقيل: سنة ستّ وستّين، قال: والقول الأول هو الصحيح، وأما الأخيران، فغلط بلا ريب، فقد صحّ من حديث يزيد بن الأصمّ، قال: دخلت على عائشة بعد وفاة ميمونة، فقالت: كانت من أتقانا. انتھی . قال: وأما قوله: ((وماتت بالمدينة))، فقد تكلّم عليه عياض، فقال: ظاهره أنه أراد ميمونة، وكيف يلتئم مع قوله في أول الحديث: إنها ماتت بسرف، وسرف من مكة بلا خلاف، فيكون قوله: ((بالمدينة)) وَهَماً. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يريد بالمدينة البلد، وهي مكّة، والذي في أول الحديث أنهم حضروا جنازتها بسرف، ولا يلزم من ذلك أنها ماتت بسرف، فيَحْتَمِل أن تكون ماتت داخل مكة، وأوصت أن تُدفن بالمكان الذي دخل بها رسول الله ◌َ﴿ فيه، فنفّذ ابن عباس وصيّتها، ويؤيّد ذلك أن ابن سعد لما ذكر حديث ابن جريج هذا قال بعده: وقال غير ابن جريج في هذا الحديث: توفّيت بمكة، فحملها ابن عبّاس حتى دفنها بسرف. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس. هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٣٣/١٤ و٣٦٣٤] (١٤٦٥)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٠٦٧)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) ٥٣/٦) و ((الکبری)) (٢٥٨/٣ و٥/ ٢٩٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٤٢/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣١/١ و٣٤٨ و٣٤٩)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٢٢٥/٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٣٣/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٧/٤)، و(الطبرانيّ) في (الكبير)) (١٨٠/١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢/٤)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٣٢٩/١١ - ٣٣١. ٧٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما خصّ الله تعالى نبيّه وَ ﴿ فيما يتعلّق بالنكاح، حيث أباح له أكثر من أربع زوجات. ٢ - (ومنها): أن مِن أغرب ما اتَّفَق من الأحداث، ما اثَّفَق الميمونة ضيها، حيث تزوّجها رسول الله وَله سنة سبع من الهجرة، بسَرِف، وبنى بها فيها، ثم تُوفّيت بعد ذلك سنة (٥١)، وقيل: بعد ذلك بسَرِف، ودُفنت في الظّة التي بنى بها فيها وَّ، وبين تزويجها، ووفاتها أزيد من ثلاث وأربعين سنة، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن فيه بيان ما لأمهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهنّ - من وجوب الاحترام، والتعظيم أكثر من غيرهنّ. ٤ - (ومنها): أن حرمة المؤمن بعد موته باقية، كما كانت في حياته، وفيه حديثُ: (كسر عظم الميّت ككسره حيّاً))، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٣٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْج، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: قَالَ عَطَاءٌ: كَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوْناً، مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍاً الكسّيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب. و((ابن جُریج)) ذُكر قبله. وقوله: (وَزَادَ: قَالَ عَطَاءٌ) فاعل ((زاد)) ضمير عبد الرزّاق عَنْه. se وقوله: (كَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوْتاً، مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ) قال القاضي عياض ◌َخُّْهُ: ظاهر كلام عطاء أنه أراد بآخرهنّ موتاً ميمونة، وقد ذُكِر في الحديث أنها ماتت بسَرِف، وهي بقرب مكة، فقوله: ((بالمدينة)) وَهَمٌ. ٧٩١ (١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٣٤) وقوله: ((آخرهن موتاً))، قيل: ماتت ميمونة سنة ثلاث وستين، وقيل: ست وستين، وقيل: إحدى وخمسين(١) قبل عائشة؛ لأن عائشة تُؤُفّيت سنة سبع، وقيل: ثمان وخمسين، وأما صفية، فتُؤُفّيت سنة خمسين بالمدينة. انتهى كلام القاضي نَّتُهُ. قال النوويّ كَُّ: ويَحْتَمِل أن قوله: ((ماتت بالمدينة)) عائد على صفية، ولفظه فيه صحيح يَحْتَمِله، أو ظاهرٌ فيه. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره النوويّ فيه نظرٌ؛ لأن صفيّة ليست هي آخرهنّ موتاً، فقد قيل: إنها ماتت سنة ستّ وثلاثين، وقيل: سنة خمسين، وهو الأصحّ، وعائشة، وأم سلمة ﴿ها بعده بيقين، فإن عائشة ماتت على الأصح سنة سبع وخمسين، وأم سلمة ماتت على الأصحّ سنة اثنتين وستين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخْذُ: قول عطاء: ((كانت آخرهنّ موتاً، ماتت بالمدينة)) قولٌ مشكلٌ، يلزم عليه وهمٌّ، وذلك أنه إن أراد ميمونة فقد وَهِمَ في قوله: ((إنها ماتت بالمدينة))، وقد بيّنًا أنها ماتت بسَرِف، إلا أن يريد بالمدينة هنا مكة، وفيه بُعْدٌ، وإن أراد بها صفيّة فقد وَهِمَ أيضاً؛ لأنها لم تكن آخرهنّ موتاً على ما قدّمنا، وقد وَهِمَ أيضاً في قوله: إن التي لا يَقسِم له هي صفيّة، فإن المشهور أن التي لا يَقسِم لها هي سودة، وهبت يومها لعائشة، كما تقدّم. انتهى (٣). [تنبيه]: رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج هذه ساقها الإمام أحمد رَّتُهُ (٣٤٩/١) فقال: (٣٢٦١) - حدثنا عبد الله (٤)، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج (١) هذا هو الأصحّ، وأما القولان الأولان فغلط بلا ريب، فقد صحّ من حدیث یزید بن الأصمّ، قال: دخلت على عائشة بعد وفاة ميمونة، فقالت: كانت من أتقانا. قاله في ((تهذيب الهذيب)) ٦٨٩/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥١/١٠. (٤) هو ابن الإمام أحمد الراوي عنه ((المسند)). (٣) ((المفهم)) ٤/ ٢١٢. ٧٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع قال: أخبرني عطاء أن ميمونة زوج النبيّ وَ﴿ خالة ابن عباس، تُؤُفِّيت، قال: فذهبت معه إلى سَرِف، قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أم المؤمنين، لا تُزْعْزعوا بها، ولا تزلزلوا، ارفُقُوا، فإنه كان عند نبي الله ◌َّ تسع نسوة، فكان يَقْسِم لثمان، ولا يَقْسِم التاسعة، يريد صفية بنت حُبَيّ. قال عطاء: كانت آخرهنّ موتاً، ماتت بالمدينة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُّ وَمَا تَّوْفِيفِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١٥) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ (١)) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٣٥] (١٤٦٦) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ ابْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهْ قَالَ: ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعِ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ(٢)، تَرِبَتْ يَدَاكَ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزمِنُ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٢. (١) هكذا ترجمت تبعاً للقرطبيّ كَّلُ حيت ترجم في ((المفهم)) بنحو هذه الترجمة، وأما الشراح الآخرون كالنوويّ، وغيره، فقد جعلوا ترجمتين: ترجمة لنكاح ذات الدين، وترجمة لنكاح الأبكار، وما سلكته أولى؛ اختصاراً، فتنبّه. (٢) وفي نسخة: ((فاطلب ذات الدين)). ٧٩٣ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٥) ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السَّرَخْسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. ٤ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٨٥. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] مات سنة بضع و(٢٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في «الإیمان)» ٣٦/ ٢٥٠. ٧ - (أَبُوهُ) كَيْسان المقبريّ، مولى أم شَرِيك، أبو سَعِيد المدني، ثقة ثبت [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٢/٧٤. ٨ - (أبو هريرة) ظُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء منه، ومنهم، كما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: زهير، وعُبيد الله، كما أسلفته آنفاً، وأما شيخه ابن المثنّى، فإنه ممن اتّفق الجماعة بالرواية عنه بلا واسطة، فتنبّه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني بصريّ، والثالث سرخسيّ، ويحيى، بصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: عبيد الله العمريّ، وسعيد المقبريّ، وأبوه، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ـ مصرعنه أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. ٧٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ) وفي ((النسائيّ)): ((النساء))، وهو فعلٌ ونائب فاعله. قال النوويّ تَخْثُ: الصحيح في معنى الحديث أنه * أخبر بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدِّين، لا أنه أمر بذلك. انتهى(١). وقال أبو العباس القرطبيّ كَّتُهُ: معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع، هي المرغّبة في نكاح المرأة، وهي التي يَقْصِدها الرجال من النساء، فهو خبرٌ عما في الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك، وظاهره إباحة النكاح لقصد مجموع هذه الخصال، أو لواحدة منها، لكن قصد الدِّين أولى وأهمّ، ولذلك قال: ((فاظفر بذات الدين، تربت یمینك)). قال: ولا يُظنّ من هذا الحديث أن مجموع هذه الأربع، والمساواة فيها هي الكفاءة، فإن ذلك لم يقل به أحدٌ من العلماء فيما علمتُ، وإن كانوا قد اختلفوا في الكفاءة ما هي؟. انتهى (٢). ([ِ) أجل (أَرْبَع) وفي رواية: (الأربعة))، ولكلٍّ وجهٌ، وذلك أن تقدير الأول: لأربع خصالَّ، وتقدير الثاني: لأربعة أمور، وقوله: (لِمَالِهَا) إلخ بدل من (الأربع)) (وَلِحَسَبِهَا) بفتح المهملتين، ثم موحّدة: أي شَرَفها، والحسب في الأصل الشرف بالآباء، وبالأقارب، مأخوذ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدّوا مناقبهم، ومآثر آبائهم وقومهم، وحسبوها، فیحکم لمن زاد عدده على غيره، وقيل: المراد بالحسب هنا الفَعَال الحسنة، وقيل: المال، وهو مردود لذكر المال قبله، وذكره معطوفاً عليه، وقد وقع في مُرْسَل يحيى بن جَعْدةَ، عند سعيد بن منصور: ((على دينها، ومالها، وعلى حسبها، ونسبها))، وذِكْرُ النسب على هذا تأكيدٌ، ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يُستحبّ له أن (١) ((شرح النوويّ)) ٥١/١٠ - ٥٢. (٢) ((المفهم)) ٢١٥/٤. ٧٩٥ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٥) يتزوّج نسيبةً، إلا إذا تعارض نسيبةٌ غيرُ ديّنة، وغيرُ نسيبة ديّنة، فتُقدّم ذات الدين، وهكذا في كلّ الصفات. قال الحافظ: وأما قول بعض الشافعيّة: يُستحبّ أن لا تكون المرأة ذات قرابة قريبة، فإن كان مستنداً إلى الخبر فلا أصل له، أو إلى التجربة، وهو أن الغالب أن الولد بین القریبین یکون أحمق، فهو متّجه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التجربة غير صحيحة، فقد وُلد الحسن، والحسين ﴿ّ من فاطمة بنت رسول الله وَّر، وهي بنت عم عليّ ـيًّا، فأين الْحُمْقُ؟ وَقِسْ غيرهما عليهما، والغريب نقل الحافظ له، وتقريره عليه، والله المستعان. قال: وأما ما أخرجه أحمد، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث بريدةَ رَّ ◌ُبه رفعه: ((أن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال))، فَيَحْتَمِل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، ومنه حديث سمرة ظه رفعه: ((الحسب المال، والكرم التقوى))، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه هو، والحاكم. وبهذا الحديث تمسك من اعتبر الكفاءة بالمال(١)، قال: أو أن من شأن أهل الدنيا رفع من كان كثير المال، ولو كان وضيعاً، ووضع من كان مُقِلّاً ولو كان رفيع النسب، كما هو موجود مشاهد، فعلى الاحتمال الأول يمكن أن يؤخذ من الحديث اعتبار الكفاءة بالمال(٢)، لا على الثاني؛ لكونه سيق في الإنكار على مَن يفعل ذلك. وقد أخرج مسلم الحديث(٣) من طريق عطاء، عن جابر نظُه، وليس فيه ذكر الحسب، اقتَصَر على الدين، والمال، والجمال. انتهى (٤). (١) قال الجامع: قد تقدّم أن الحقّ أنه لا اعتبار في الكفاءة إلا بالدين، وما عدا ذلك من النسب، والمال، والحرفة، وغير ذلك، وإن قال به جلّ الفقهاء، فلا دليل يؤيّده، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (٢) قد عرفت ما فيه، فتنبّه. (٣) يعني الحديث التالي. (٤) ((الفتح)) ١١/ ٣٦٤. ٧٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع (وَلِجَمَالِهَا) قال في ((الفتح)): يؤخذ منه استحباب تزويج الجميلة، إلا إن تعارض الجميلة غير الديّنة، وغير الجميلة الديّنة، نعم لو تساوتا في الدين، فالجميلة أولى، ويلتحق بالحسنة الذات الحسنة الصفات، ومن ذلك أن تكون خفيفة الصداق. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أخذ استحباب تزويج الجميلة من هذا الحديث محلّ نظر؛ إذ الصحيح أن الحديث خبر عن واقع الناس الجاري بينهم فيما يتعلّق بشأن النكاح، لا أنه أمر بذلك، حتى يُستفاد منه ما ذُكر، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ) وفي بعض النسخ: ((فاطلب ذات الدين))، أي اطلبها حتى تفوز بها، وتكون محصّلاً بها غاية المطلوب، وفي حديث جابر ربه: ((فعليك بذات الدين)). قال في ((الفتح)): والمعنى: أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كلّ شيء، لا سيّما فيما تطول صحبته، فأمره النبيّ وَكليات بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية. وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو ﴿يا عند ابن ماجه، رفعه: ((لا تَزَوَّجوا النساء لحسنهنّ، فعسى حسنهنّ أن يُرديهنّ - أي يهلكهنّ - ولا تَزَوّجوهنّ لأموالهنّ، فعسى أموالهنّ أن تُطغيهنّ، ولكن تزوّجوهنّ على الدين، ولأمة خَرماء سوداء ذات دين أفضل))(٢). انتهى(٣). (تَرِبَتْ يَدَاكَ))) من باب تَعِبَ: أي افتقرتا، كأنهما لصقتا بالتراب، وقال في ((الفتح)): أي لصقتا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يراد به حقيقته، وبهذا جزم صاحب ((العمدة))، زاد (١) ((الفتح)) ٣٦٤/١١ - ٣٦٥. (٢) لكن الحديث في إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقيّ، وقد ضعّفه الأكثرون، ووثقه أحمد بن صالح المصريّ وغيره، ويشهد لحديثه هذا حديث الباب، فالظاهر أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن، فتأمل، والله تعالى أعلم. (٣) «الفتح» ٣٦٥/١١. ٧٩٧ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبْكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٥) غيره أنّ صدور ذلك من النبيّ وَّ في حقّ مسلم لا يُستجاب؛ لشرطه ذلك على ربّه. وحكى ابن العربيّ أن معناه: استغنت، ورُدّ بأن المعروف أترب إذا استغنى، وتَرِب إذا افتقر، ووجّه بأن الغنى الناشئ عن المال تراب؛ لأن جميع ما في الدنيا تُراب، ولا يخفى بُعْده. وقيل: معناه ضَعُف عقلك، وقيل: افتقرت من العلم، وقيل: فيه تقدير شرط: أي وقع لك ذلك إن لم تفعل، ورجّحه ابن العربيّ، وقيل: معنى افتقرت خابت. وصحّفه بعضهم، فقال: بالثاء المثلّثة، ووجّهه بأن معنى ثَرَبَتْ: تفرّقت، وهو مثل حديث: ((نُهي عن الصلاة إذا صارت الشمس كالأثارب)). وهو جمع ثُرُوب، وأَثْرُب، مثل فُلُوس، وأفلُس، وهي جمع ثَرْب - بفتح أوّله، وسكون الراء - وهو الشحم الرقيق المتفرّق الذي يَغشَى الكرش. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٣٥/١٥] (١٤٦٦)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٠٩)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢٠٤٧)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٦/ ٦٨)، وفي ((الكبرى)) (٥٣٣٧)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٨٥٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٠٤/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٨/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٣٣/٢ - ١٣٤)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (١/ ١٦٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠٣٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/ ١١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٧/٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣/ (١) ((الفتح)) ٣٦٥/١١. ٧٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع ٣٠٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٩/٧ - ٨٠) و((الصغرى)) (٨١/٦)، و(الغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب نكاح ذوات الدين. ٢ - (ومنها): الحثّ على مصاحبة أهل الدين في كلّ شيء؛ لأن مصاحبهم يستفيد من أخلاقهم، وبركات أنفاسهم، وحسن طرائقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم، قال الله تعالى حكاية عن موسى لعلّه: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ [الكهف: ٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ أَتَِّعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌّ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ الآية [الكهف: ٢٨]. وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي موسى الأشعريّ ظُه: أن النبيّ ◌َّ قال: ((إنما مثل الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يَحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيّبة، ونافخ الكير إما أن يَحرِق ثوبك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة)) . ٣ - (ومنها): أن النسائيّ تَخْتُهُ استنبط منه كراهية تزويج الزُّناة، ووجه الاستدلال به أن فيه الأمر بنكاح ذات الدين، والأمر بالشيء نَهْيٌ عن ضدّه، والزانية من أشرّ الأضداد لذات الدين، فيكون نكاحها منهيّاً عنه، فتأمّل، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أنه لا ينبغي للإنسان أن يستدلّ بالكثرة على كون الشيء صواباً، فيتأسّى بأكثر الناس، ففي هذا الحديث أشار النبيّ ◌َل18 إلى أن ثلاثة أصناف من الناس مخطئون في اختيارهم لصفات الزوجيّة، وأن صنفاً واحداً هو المصيب. وقد نبّه الله رَك على ذلك بقوله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦]. ٧٩٩ (١٥) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ، وَالأَبَّكَارِ - حديث رقم (٣٦٣٥) ٥ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن ينظر في عواقب الأمور، ومستقبلها، لا في عاجلها، فإن الزوجة الصالحة في دينها هي التي تكون بها السعادة في المستقبل، فإنها تحفظه في نفسها، وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وتقوم بتربية أولاده، وهي القرين الصالح النافع في الدنيا والآخرة، بخلاف ذات الجمال، والمال، والحسب، فإن السعادة بها قاصرة، غير مستمرّة، بل كثيراً ما يكون ذلك لها غروراً، يرديها، ويُردي من تعلّق بها . ٦ - (ومنها): أنه لا يَحْرُم على الشخص أن يرغب في نكاح ذات الحسب، والجمال، والمال، وإنما يعاب عليه إهمال أهمّ الصفات، وهو الدین. ٧ - (ومنها): أن الإتيان بالكلمات التي ظاهرها الدعاء، أو مدلولها الذمّ، والتقبيح مما جاء على ألسنة العرب، أو على ألسنة الناس، لا يوقع في الإثم، إذا لم يقصد حقيقتها، وإنما استعملها على ما جرت به العادة، مثل: (تربت يداك))، و((ثكلتك أمك))، و((ويل أمه))، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أنّ المهلّب قال: في هذا الحديث دليل على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة، فإن طابت نفسها بذلك حلّ له، وإلا فله من ذلك ما بذل لها من الصداق. وتُعُقّب بأن هذا التفصيل ليس في الحديث، ولم ينحصر مقصود نكاح المرأة لأجل ما لها في استمتاع الزوج، بل قد يُقصد تزويج ذات الغنى لما عساه يحصل له منها ولدٌ، فيعود إليه ذلك المال بطريق الإرث، إن وقع، أو لكونها تستغني بمالها عن كثرة مطالبته بما يحتاج إليه النساء، ونحو ذلك. قال الحافظ: وأعجب منه استدلال بعض المالكيّة به على أن للرجل أن يحجُر على امرأته في مالها، قال: لأنه إنما تزوّج لأجل المال، فليس لها ٨٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع تفويته عليه، ولا يخفى وجه الرّدّ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٣٦] (٧١٥)(٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَلَهِ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ وَّهِ، فَقَالَ: ((يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((بِكْرٌ (٣)، أَمْ نَيِّبٌ؟)) قُلْتُ: فَيِّبٌ، قَالَ: ((فَهَلَّا بِكْراً تُلَاعِبُهَا؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ◌ِي أَخَوَاتٍ، فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِي وَبَيْتَهُنَّ، قَالَ: ((فَذَاَكَ إِذَنْ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت١٤٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح، تقدّم قبل حديث. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ًّا، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)» ١١٧/٤. (١) ((الفتح)) ٣٦٥/١١ - ٣٦٦. (٢) هذا مكرّر تقدّم بالرقم المذكور، فتنبّه. (٣) وفي نسخة: ((أبكر، أم ثيّب؟)).