Indexed OCR Text

Pages 761-780

٧٦١
(١٣) - بَابُ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَبَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢٨)
وقيل: قبلها، وكانت أم خمس صبية، فلما عَرَف أخوها عبد بن زمعة أنها
تزوّجت رسول الله ◌َ ﴿ حتى التراب على رأسه، فلما أسلم قال: إني لَسَفِيه لَمّا
حثوت التراب على رأسي، حين تزوّج رسول الله وَلّر أختي. وتوفيت بالمدينة
سنة (٥٤).
(والثالثة): حفصة بنت عمر بن الخطّاب القرشية العدوية، تزوّجها بعد
سودة، تزوجها رسول الله وَير، ثم طلقها، فأتاه جبريل، فقال: ((إن الله يأمرك أن
تراجع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة))، فراجعها، وكان عثمان قد خطبها، فقال
النبيّ وَله: ((ألا أدلك على من هو خير لها من عثمان، وأدلّ عثمان على من هو خير
له منها؟))، فتزوجها، وزوّج بنته أم كلثوم بعثمان، وتوفيت في شعبان سنة (٤٥) في
خلافة معاوية، وهي ابنة (٦٠) سنة، وقيل: ماتت في خلافة عثمان بالمدينة.
(والرابعة): أم سلمة بنت أبي أميّة، واسمها هند بنت أبي أمية
المخزومية، واسم أبي أمية سُهيل، تزوجها رسول الله وَ لقر في ليال بقين من
شوّال سنة أربع، وتوفيت سنة (٥٩) وقيل: (٦٢) والأول أصحّ، وصلى عليها
سعيد بن زيد، وقيل: أبو هريرة، وقُبرت بالبقيع، وهي ابنة (٨٤) سنة.
(والخامسة): أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، بعث رسول الله صل عمرو بن
أمية الضمريّ إلى النجاشيّ؛ ليخطب عليه أم حبيبة، فزوّجه إياها، وذلك سنة
سبع من الهجرة، وأصدق النجاشيّ عن رسول الله ◌َ و أربعمائة دينار، وبعث
بها مع شُرَحبيل بن حَسَنة، وتوفيت سنة (٤٤).
وقال الدارقطنيّ: كانت أم حبيبة تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض
الحبشة على النصرانيّة، فزوّجها النجاشيّ النبيّ بَير، وأمهرها أربعة آلاف،
وبعث بها مع شُرحبيل بن حسنة. انتهى(١).
وقيل: إنه نزل في تزويجها: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ يَبْتَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُم
تَوَدَّةٌ﴾ الآية [الممتحنة: ٧]، ولما تنازع أزواج رسول الله رَّ في حضانة ابنه
إبراهيم، قال: ((ادفعوه إلى أم حبيبة، فإنها أقربهن منه رحماً))، ذكره الماورديّ
في ((الحاوي)).
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٤/ ١٦٥.

٧٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
(والسادسة): زينب بنت جحش بن رئاب الأسديّة، وكان اسمها برّة،
فسماها رسول الله 8* زينب، نزل عنها زيد بن حارثة، فتزوجها، وفيها نزل
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْتَكَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، وكانت
بنت عمة رسول الله وال﴾، وأمها أُميمة بنت عبد المطّلب، تزوجها النبيّ وَل
بالمدينة سنة خمس من الهجرة، وتوفّيت سنة عشرين، وهي بنت (٥٣).
(والسابعة): ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، تزوجها رسول الله وَّ ه بسرف
على عشرة أميال من مكة، وذلك سنة سبع من الهجرة في عمرة القضيّة، وهي
آخر امرأة تزوّجها ◌َّل، وقضى الله تعالى أن ماتت بعد ذلك بسرف المكان
الذي بنى بها بَّه فيه، سنة (٦١) وقيل: سنة (٦٣) وقيل: سنة (٦٨).
(والثامنة): جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصْطَلِقية، من
بني الْمُصْطَلِقِ من خُزاعة، سباها رسول الله وَّ في غزوة المريسيع التي هَدَم
فيها مناة، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فقضى
رسول الله ﴿ كتابتها، وتزوّجها في شعبان سنة ستّ، وكان اسمها برّة،
فسماها رسول الله الفر جويرية، وتوفيت في ربيع الأول سنة (٥٦) وقيل: سنة
(٥٠) وهي بنت (٦٥) سنة.
وقال الشعبيّ: وجعل عتقها صداقها، فلما فعل ذلك رسول الله وَلهم ما
أبقى أحدٌ من المسلمين عبداً من قومها إلا أعتقه لمكانتها، فقيل: إنها كانت
أبرك امرأة على قومها .
(والتاسعة): صفيّة بنت حُييّ بن أخطب، الهارونيّة، اصطفاها
رسول الله صل من سبي النضير، ثم أعتقها، وتزوّجها، وجعل عتقها صداقها،
وهي التي أهدت إليها زينب بنت الحارث اليهوديّة شاةً مسمومة، فأكل منها
رسول الله وٍَّ، وفي ((الصحيح)): إنها وقعت في سهم دحية الكلبيّ، فاشتراها
منه وَ قو بسبعة أرؤس، وماتت في سنة (٥٠) وقيل: (٥٢) ودفنت بالبقيع.
فهؤلاء تسع مات عنهنّ، وكان يَقسم لثمان منهنّ، غير سودة - رضي الله
تعالى عنهنّ ۔۔
(وأما القسم الثالث) : - وهنّ اللاتي فارقهنّ في حياته - فهنّ إحدى
عشرة :

٧٦٣
(١٣) - بَابُ الْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَبَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢٨)
(١) - أسماء بنت النعمان الكنديّة، وهي الجونيّة، قال قتادة: لما دخل
عليها، دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلّقها. وقال غيره: هي التي استعاذت
منه. وفي ((صحيح البخاريّ)): قال: ((تزوّج رسول الله وَ ل﴿ أَميمة بنت شراحيل،
فلما أُدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسيد أن
يُجهّزها، ويكسوها ثوبين)). وفي لفظ آخر: قال أبو أُسيد: أُتي رسول الله وَليه
بالْجَونيّة، فلما دخل عليها قال: ((هبي لي نفسك))، فقالت: وهل تهب الملكة
نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده ليضعها عليها لتسكن؛ فقالت: أعوذ بالله منك،
فقال: ((قد عذت بمعاذ))، ثم خرج علينا، فقال: ((يا أُسيد اكسها رازقيين(١)،
وألحقها بأهلها)).
(٢) - ليلى بنت الْخَطِيم أتت رسول اللهِ وَّه، وهو غافلٌ، فضربت ظهره،
فقال: ((من هذا؟، أكله الأسود))، فقالت: أنا ليلى، قد جئتك أَعْرِض نفسي
عليك، فقال: ((قد قبلتك))، ثم علمت كثرة ضرائرها، فاستقالته، فأقالها،
فدخلت حائطاً بالمدينة، فأكلها الذئب(٢).
(٣) - عمرة بنت يزيد الكلابية، ذكرها ابن إسحاق، فقال: وتزوج عمرة
بنت يزيد إحدى نساء بني بكر بن كلاب، ثم طلقها قبل أن يدخل بها(٣).
(٤) - العالية بنت ظبيان، دخل بها، ومكثت عنده ما شاء الله، ثم
طلّقها(٤).
(٥) - فاطمة بنت الضحّاك الكلابيّة، لما خيّر الرسول وَ ل نساءه،
اختارت فراقه، ففارقها بعد دخوله بها، فكانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول:
أنا الشقيّة، اخترت الدنيا .
بينيج]
والصحيح أن هذا غير صحيح؛ لأنه ثبت في ((الصحيح)) عن عائشة
حين اختارت النبيّ وَّه قالت: وتتابع أزواج النبيّ بَّ كلهنّ على ذلك.
(١) الرازقيّة: ثياب من كتّان بِيض طوال.
(٢) ذكرها الماورديّ في ((الحاوي))، وهذه القصّة أخرجها ابن سعد، وهي لا تصحّ؛
لأن في سندها الكلبيّ، كما ذكره في ((الإصابة)) ١١٧/١٣.
(٣) راجع: ((الإصابة)) ٥٤/١٣ - ٥٥.
(٤) راجع: ((الإصابة)) ٣٨/١٣.

٧٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
(٦) - قُتيلة بنت قيس، أخت الأشعث بن قيس، زوّجها إياه الأشعث، ثم
انصرف إلى حضرموت، فحملها إليه، فبلغه وفاة النبيّ ◌َّ، فردّها إلى بلاده،
فارتدٌ، وارتدّت معه، ثم تزوّجها عكرمة بن أبي جهل، فوجد من ذلك أبو بكر
وجداً شديداً، فقال له عمر: إنها والله ما هي من أزواجه، ما خيّرها، ولا
حجبها، ولقد برّأها الله منه بالارتداد، وكان عروة يُنكر أن يكون تزوّجها(١).
(٧) - مُليكة بنت كعب الليثية، كانت مذكورة بالجمال، فدخلت إليها
عائشة، فقالت: ألا تستحيين أن تتزوجي قاتل أبيك يوم الفتح؟ فاستعيذي منه،
فإنه يُعيذك، فدخل عليها رسول الله وَله، فقالت: أعوذ بالله منك، فأعرض
عنها، وقال: قد أعاذك الله مني، وطلّقها(٢).
(٨) - أم شريك الأزديّة، واسمها غُزَيّة بنت جابر بن حكيم، وكانت قبله
عند أبي بكر بن أبي سلمى، فطلّقها النبيّ وَ﴿، ولم يدخل بها، وهي التي
وهبت نفسها، وقيل: إن التي وهبت نفسها للنبيّ ◌َّر خولة بنت حكيم.
(٩) - عمرة بنت معاوية الكنديّة، تزوجها النبيّ وَلهو، أخرج أبو نعيم، من
طريق مجالد، عن الشعبيّ، أن النبيّ وَّه تزوج امرأة من كندة، فجيء بها بعدما
مات النبيّ ◌َله .
(١٠) - ابنة جندب بن ضمرة الجندعيّة، قال بعضهم: تزوجها
رسول الله وَيحر، وأنكر بعضهم وجود ذلك(٣).
(١١) - امرأة من غفار، تزوجها، فأمرها، فنزعت ثيابها، فرأى بكشحها
بياضاً، فقال: ضمّي إليك ثيابك، والحقي بأهلك، ويقال: إنما رأى البياض
بالكلابيّة.
(١) هكذا ذكر القرطبيّ قصّتها، والذي ذكره الماورديّ في ((الحاوي)) أن رسول الله واله
أوصى بتخييرها في مرضه، فاختارت فراقه، ففارقها قبل الدخول، انتهى، فالله
تعالى أعلم.
(٢) قال الجامع: هذه القصّة من رواية الواقديّ، فلا تصحّ، راجع: ((الإصابة)) ١٣/
١٣٦.
(٣) راجع: ((تفسير القرطبيّ)) ١٦٨/١٤.

(١٣) - بَابُ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَبَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢٨)
٧٦٥
فهؤلاء فارقهنّ في حياته، دخل منهنّ بثلاث(١).
[وأما القسم الرابع]: وهنّ اللاتي خطبهنّ، ولم يتزوجهنّ، فهنّ ستّ:
(١) - أم هانئ بنت أبي طالب، واسمها فاختة، خطبها النبيّ وَّل،
فقالت: إني مُصْبِيةٌ(٢)، واعتذرت إليه، فعذرها، أخرج قصتها ابن سعد بسند
صحيح، عن الشعبيّ، ذكره في ((الإصابة)).
(٢) - ضباعة بنت عامر، وقد ذكر قصّتها في ((الإصابة))، لكن في سنده
الكلبيّ، ضعيف.
(٣) - صفية بنت بَشَامة بن نضلة، خطبها وبََّ، وكان أصابها سباءً،
فخيّرها بينه وبين زوجها، فاختارت زوجها، فأرسلها، فلعنها بنو تميم، قاله
ابن عباس، لكن في سنده الكلبيّ، وهو ضعيف(٣).
(٤) - جمرة بنت الحارث بن عوف المريّ، خطبها وَله، فقال أبوها: إن
بها سوءاً، ولم يكن بها، فرجع إليها، وقد بَرصت، وهي أم شبيب بن البرصاء
الشاعر.
(٥) - سودة القرشيّة، خطبها وَل*، وكانت مُصْبِيةً، فقالت: أخاف أن
يَضْغُوَ (٤) صِبْيتي عند رأسك، فحمدها، ودعا لها .
(٦) - امرأة لم يُذكر اسمها، قال مجاهد: خطب رسول الله وَلخير امرأة،
فقالت: أستأمر أبي، فلقيت أباها، فأذن لها، فلقيت رسول الله وَلقة، فقال:
((قد التحفنا لحفاً غيرك)»، وهذا مرسل.
فهؤلاء جميع من ذُكر من أزواجه وَلماتٍ .
وكان له من السراري سُريتان: مارية القبطية، وريحانة في قول قتادة(٥)،
(١) راجع: ((الحاوي الكبير)) للماورديّ كَخْفُ ٢٦/٩ - ٢٨ في ((كتاب النكاح))، و((تفسير
القرطبيّ)) في ((سورة الأحزاب)) ١٦٤/١٤ - ١٦٩، و((الإصابة في تمييز الصحابة))
في قسم النساء.
(٢) أي ذات صبيان وأطفال.
(٤) أي يصيحوا، ويَضِجُّوا.
(٥) تقدّم الخلاف في كونها زوجة، أو سُرّيّةً.
(٣) راجع: ((الإصابة)) ١٣/١٣.

٧٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
وقال غيره: كان له أربع: مارية، وريحانة، وأخرى جميلة أصابها في السبي،
وجارية وهبتها له زينب بنت جحش(١).
وقد ذكرهنّ الحافظ العراقيّ تَخَُّ في ((ألفيّة السيرة))، فقال:
ثنْتَا أَوِ إِحْدَى عَشْرَةٍ خُلْفٌ نُقِلْ
زَوْجَاتُهُ اللاتي بهنَّ قَدْ دَخَلْ
ثُمَّ تَلي عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ
فَزَيْنَبٌ وَالدُهَا خُزَيْمَةٌ
فَابْنَةُ جَحْشٍ زَيْنَبُ المُكَرَّمَهْ
فَبَعْدَهَا رَيْحَانَةُ المَسْبِيَّةْ
لَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَذَاكَ أصْبَطُ
أمُّ حَبيْبَةَ تَلي صَفيَّةُ
حِلّاً وَكَانَتْ كَاسْمِهَا مَيْمُونَهْ
في جُمْلَةِ اللَّتِي بِهِنَّ دَخَلَا
عَرَّفَهَا بَأنَّهَا الوَاهِبَةُ
ذَكَرَهَا وَلا بِأُسْدِ الغَابَهْ
وَهْيَ ابْنَةُ الضَّحَّاكِ بَانَتْ مِنْهُ
إِلَى النَّبيِّ نَفْسَهَا أَوْ خُطِبَتْ
نَحْوُ الثَّلَاثِينَ بِخُلْفٍ أَثْبَثُوا
خَدِيجَةُ الأوْلَى تَلِيهَا سَوْدَةٌ
وَقِيلَ قَبْلَ سَوْدَةٍ فَحَفْصَةٌ
فَبَعْدَهَا هنْدٌ أَيِ أُمُّ سَلَمَهْ
تَلي ابْنَةُ الحَارِثِ أَيْ جُوَیْرِیَهْ
وَقَيْلَ بَلْ مِلْكُ يَميْن فَقَطُ
بِنْتُ أبي سُفْيَانَ وَهْيَ رَمْلَةُ
مِنْ بَعْدَهَا فَبَعْدَهَا مَيْمُونَهْ
وَابْنُ المُثَنَّى مَعْمَرٌ قَدْ أَدْخَلَا
بِنْتَ شُرَيْحِ وَاسْمُهَا فَاطِمَةٌ
وَلَمْ أجدْ مَنْ جَمَعَ الصَّحَابَهْ
وَعَلَّهَا الَّتِي اسْتَعَاذَتْ منْهُ
وَغَيْرُ مَنْ بَنَى بِهَا أَوْ وَهَبَتْ
وَلَمْ يَقَعْ تَزْوِيجُهَا فَالْعِدَّةُ
اهـ. كلام العراقيّ كَُّ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): أخرج الإمام البخاريّ كَّتُهُ في ((صحيحه)) بسنده عن
سعيد بن جُبير، قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟، قلت: لا، قال:
فتَزَّوْجْ، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء)).
قيل: معناه: خير أمة محمد عليه من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى
معه فيما عدا ذلك من الفضائل.
(١) راجع: ((تفسير القرطبيّ)) ١٦٩/١٤.
(٢) ((ألفيّة السيرة)) (ص٢٥٥ - ٢٥٦) بنسخة شرح المناويّ.

٧٦٧
(١٣) - بَابُ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَبَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢٨)
والظاهر - كما قال الحافظ - أن مراد ابن عباس رضيها بالخير: النبيّ وَّر،
وبالأمة: أخصّاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج مرجوح، إذ لو كان
راجحاً ما آثر النبيّ وَّل غيره، فقد كان ◌َي مع كونه أخشى الله تعالى، وأعلمهم
به يُكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال، ولإظهار
المعجزة البالغة في خرق العادة؛ لكونه كان لا يجد ما يَشبع به من القوت
غالباً، وإن وجد كان يُؤْثِر بأكثره، ويصوم كثيراً، ويواصل، ومع ذلك فكان
يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، ولا يُطاق ذلك إلا مع قوّة البدن، وقوّةٌ
البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقوّيات، من مأكول ومشروب، وهي
عنده ◌َ﴾ نادرة، أو معدومة.
وذكر في ((الشفا)) أن العرب تمدح بكثرة النكاح؛ لدلالته على
الرجوليّة ... إلى أن قال: ولم تشغله كثرتهنّ عن عبادة ربّه، بل زاده ذلك
عبادة لتحصينهنّ، وقيامه بحقوقهنّ، واكتسابه لهنّ، وهدايته إياهنّ، وكأنه أراد
بالتحصين قصر طرفهنّ عليه، فلا يتطلّعن إلى غيره، بخلاف العزبة، فإن العفيفة
تتطلّع بالطبع البشريّ إلى التزويج، وذلك هو الوصف اللائق بهنّ.
والذي تحصّل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره وَل98 من
النساء عشرة أوجه، تقدّمت الإشارة إلى بعضها :
(أحدها): أن يكثر من يُشاهد أحواله الباطنة، فينتفي عنه ما يظنّ به
المشركون من أنه ساحر، أو غير ذلك.
(ثانيها): لتتشرّف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم.
(ثالثها): للزيادة في تألفهم لذلك.
(رابعها): للزيادة في التكليف، حيث كلّف أن لا يَشغلَه ما حُبّب إليه
منهنّ عن المبالغة في التبليغ.
(خامسها): لتكثر عشيرته من جهة نسائه، فتزداد أعوانه على من يُحاربه.
(سادسها): نقل الأحكام الشرعيّة التي لا يطلع عليها الرجال؛ لأن أكثر
ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يُخفَى مثله.
(سابعها): الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوّج أم حبيبة،
وأبوها إذ ذاك يُعاديه، وصفيّة بعد قتل أبيها، وعمّها، وزوجها، فلو لم يكن

٧٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
أكمل الخلق في خُلُقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحبّ إليهنّ من جميع
أهلهنّ .
(ثامنها): ما تقدّم مبسوطاً من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلّل
من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال، وقد أمر من لم يقدر على
مُؤَن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة
في حقّه وَّد.
(تاسعها)، و(عاشرها): ما تقدّم نقله عن صاحب ((الشفا)) من تحصينهنّ،
والقيام بحقوقهنّ، قاله في ((الفتح)).
وقد نظمت العشرة بقولي:
قَدْ ذَكَرُوا فِي حِكْمَةِ اسْتِكْثَارِ
مِنَ النِّسَاءِ عَشْرَةً أَنْ يَكْثُرَا
عَلَيْهِ مَنْ ضَلَّ بِأَنَّهُ سَحَرْ
وَثَانِهَا لِتَشْرُفَ الْقَبَائِلُ
ثَالِثُهَا زِيَادَةُ التَّأُلِيفِ
فَهْوَ مُكَلَّفٌ بِأَنْ لَا يُشْغَلَا
خَامِسُهَا تَكْثِيرُ أَعْوَانٍ لَهُ
سَادِسُهَا نَقْلُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي
سَابِعُهَا اطّلَاعُهُنَّ مَا بَطَنْ
ثَامِنُهَا بَيَانُ خَرْقِ الْعَادَةِ
مَعَ الثَّقَلُّلِ مِنَ الظَّعَامِ
تَاسِعُهَا الْقِيَامُ بِالتَّحْصِينِ
هُوَ الْقِيَامُ بِحُقُوقِهِنَّةْ
نَبِيِّنَا الْكَرِيمِ حِبِّ الْبَارِي
شُهُودُ مَا بَطَنَ إِذْ قَدِ افْتَرَى
أَوْ نَحْوِهِ بِهِنَّ ذَا الْكِذْبُ انْدَحَرْ
بِهِ إِذَا أَضْحَتْ لَهُ تُصَاهِرُ
رَابِعُهَا زِيَادَةُ التَّكْلِيفِ
بِهِنَّ عَنْ تَبْلِيغِ مَا قَدْ أُرْسِلَا
إِذَا مِنَ الْعَدُوَّ كَيْدٌ نَالَهُ
تَخْتَصُّ بِالزَّوْجَيْنِ عِنْدَ الْخَلْوَةِ
أَيْ مِنْ أَخْلَاقِهِ الْحِسَانِ کَيْ تُسَنْ
بِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ وَالزِّيَادَةِ
وَكَثْرَةِ الْوِصَالِ بِالصِّيَامِ
لَهُنَّ وَالْعَاشِرُ فِي التَّبْچِينِ
حَمْدَاً لِمَنْ أَوْلَى بِهَذِي الْمِنَّهْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
:

٧٦٩
(١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٢٩)
(١٤) - (بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا)
((النَّوْبَةُ)) : - بفتح النون، وسكون الواو -: اسم من المناوبة، جمعه نُوَبٌ،
بضمّ، ففتح، مثلُ قَرْيةٍ وقُرَى، يقال: ناوبته مُناوبةً: بمعنى ساهمته مُساهمةً،
وتناوبوا عليه: تداولوه بينهم، يفعله هذا مرّةً، وهذا مرّةً(١).
و(«الضَّرّة)) - بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الراء -: امرأة زوج المرأة،
جمعها ضَرّات على القياس، وسُمع ضَرَائرُ، وكأنها جمع ضَرِيرة، مثلُ كريمة
وكَرَائم، ولا يكاد يوجد لها نظير، ورجلٌ مُضِرٍّ: ذو ضَرَائر، وامرأة مُضِرٍّ أيضاً:
لها ضَرَائرُ، وهو اسم فاعل من أَضَرّ: إذا تزوّج على ضَرَّةٍ، قاله الفيّوميّ(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٢٩] (١٤٦٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي
مِسْلَاخِهَا، مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، مِنْ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ
يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ لِعَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنَْكَ
لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقْسِمُ لِعَائِشَةً يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا، وَيَوْمَ سَوْدَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون تقدّموا قبل بابين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﴿ّا أنها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ
أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا) - بكسر الميم، وبالخاء المعجمة -: هو الجِلْد، ومعناه: أن
أكون أنا هي.
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٢٩/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٦٠/٢ - ٣٦١.

٧٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
وقال القرطبيّ تَُّ: قولها: ((في مِسْلاخها)) أي في جِلدها، وحقيقة ذلك
أنها تمنّت أن تكون هي؛ لأن أحداً لا يتمنّى أن يكون في جلد غيره، وهذا
اللفظ قد جرى مجرى المثَل، ومقصودها أنها أحبّت أن تكون على مثيل حالها
في الأوجه التي استحسنت منها. انتهى(١).
(مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةً) - بفتح الميم، وإسكانها - ابن قيس بن عبد شمس بن
عبد وَدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ العامريّة القرشيّة، أم
المؤمنين ﴿يا، تزوجها رسول الله وَلي، وهو بمكة بعد موت خديجة يقا،
ودخل عليها بها، وكانت قبله عند السكران بن عمرو.
رَوَت عن النبيّ وَّ، وروى عنها ابن عباس، ويحيى بن عبد الله بن
عبد الرحمن بن سعد بن زرارة.
وقال ابن أبي خيثمة: تُؤُفّيت في آخر خلافة عمر، وقال ابن سعد:
أسلمت بمكة قديماً، وهاجرت هي وزوجها إلى الحبشة الهجرة الثانية، زاد
الزبير بن بكار: ومات زوجها هناك، ورّجّح الواقديّ أنها تُوفيت سنة أربع
وخمسين، وقال ابن حبان: من زعم أنها أخت عبد الله بن زمعة، فقد وَهِمَ،
وهي أول امرأه تزوج بها رسول الله وَل بعد موت خديجة، وماتت سنة خمس
وستین .
أخرج لها البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ، ولها عند المصنّف ذكر فقط.
وسيأتي في الحديث التالي قول عائشة ﴿: وكانت أول امرأة تزوجها
بعدي، ومعناه: عَقَدَ عليها بعد أن عَقَد على عائشة ◌َّا، وأما دخوله عليها
فكان قبل دخوله على عائشة بالاتفاق، وقد نبّه على ذلك ابن الجوزيّ ◌َظُّهُ(٢).
(مِنْ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ) قال القاضي عياض ◌َُّهُ: ((من)) هنا للبيان،
واستفتاحِ الكلام، ولم تُرِدْ عائشة عَيب سَوْدة بذلك، بل وصفتها بقُوّة النفس،
وجَوْدة الْقَرِيحة، وهي الْحِدّة - بكسر الحاء ..
وقال القرطبيّ رَّتُهُ: قولها: ((من امرأة إلخ)): ((من)) هنا للبيان، والخروج
من وصف إلى ما يخالفه، ولم تُرد تنقيصها، وإنما أرادت أنها كانت شَهْمة
(١) ((المفهم)) ٢٠٨/٤.
(٢) ((كشف المشكل)) ٣٢٠/٤.

٧٧١
(١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٢٩)
النفس، حديدة القلب، حازمةً مع عقل رصين، وفضل متين، ولذلك جعلت
يومها لعائشة ﴿ها. انتهى(١).
(قَالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ) - بكسر الموحّدة - يقال: كَبِرَ الصبيّ وغيره يَكْبَرُ،
من باب تَعِبَ مَكْبِراً، مثلُ مَسْجِدٍ، وكِبَراً وزانُ عِنَبٍ، فهو كبيرٌ، وأما كبُر
الشيءُ من باب قَرُب، فهو بمعنى عَظُمَ، فلا يناسب هنا (جَعَلَتْ يَوْمَهَا) أي يوم
نوبتها، وهي يوم وليلةٌ (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ر) متعلّق بحال من ((يومها))، وقولها:
(لِعَائِشَةَ) متعلّق بـ((جَعَلَتْ))، وفي رواية البخاريّ: ((وهبت يومها لعائشة))، وفي
رواية له: ((يومها وليلتها))، وزاد في آخره: ((تبتغي بذلك رضا رسول الله (وَلات).
وأخرج أبو داود هذا الحديث في ((سننه))، وزاد فيه ما يُبيّن سبب هبتها
أوضح مما هنا، فرَوَى عن أحمد بن يونس، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد،
عن هشام بن عروة بالسند المذكور: كان رسول الله وَلهم لا يُفَضِّل بعضنا على
بعض في الْقَسْم ... الحديث، وفيه: ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أَسَنَّتْ،
وخافت أن يفارقها رسول الله وَلي: يا رسول الله يومي لعائشة، فقَبِلَ ذلك منها،
ففيها وأشباهها نزلت: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ الآية [النساء: ١٢٨]،
وتابعه ابن سعد عن الواقديّ، عن ابن أبي الزناد في وصله.
ورواه سعيد بن منصور، عن ابن أبي الزناد مرسلاً، لم يذكر فيه عن
عائشة .
وعند الترمذيّ من حديث ابن عباس ﴿يا موصولاً نحوه، وكذا قال
عبد الرزاق، عن معمر بمعنى ذلك، فتواردت هذه الروايات على أنها خَشِيَت
الطلاق، فوهبت.
وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات، من رواية القاسم بن أبي بَزَّة
مرسلاً: أن النبيّ وَّ طلقها، فقَعَدت له على طريقه، فقالت: والذي بعثك
بالحقّ ما لي في الرجال حاجة، ولكن أُحِب أن أُبعث مع نسائك يوم القيامة،
فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب، هل طلقتني لِمَوْجِدة وَجَدتها عليّ؟ قال:
((لا))، قالت: فأنشدك لَمّا راجعتني، فراجعها، قالت: فإني قد جعلت يومي
(١) ((المفهم)) ٢٠٨/٤.

٧٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
وليلتي لعائشة حِبّة رسول الله وَليه. أفاده في ((الفتح))(١).
(قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَِ
يَقْسِمُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من ضرب (لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا، وَيَوْمَ سَوْدَةَ)
قال النوويّ كَّقُ: معناه: أنه كان يكون عند عائشة ﴿يّا في يومها، ويكون
عندها أيضاً في يوم سودة ﴿يا، لا أنه يوالي لها اليومين، والأصح عند
أصحابنا أنه لا يجوز الموالاة للموهوب لها، إلا برضى الباقيات، وجوّزه
بعض أصحابنا بغير رضاهنّ، وهو ضعيف. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا وجه لتضعيف هذا القول؛ لأنه لا
دليل على منع الموالاة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٢٩/١٤ و٣٦٣٠] (١٤٦٣)، و(البخاريّ) في
((النكاح)) (٥٢١٢)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢٤٣/٢)، و(النسائيّ) في
(«الكبرى» (٢٥٩/٣ و٢٩٢/٥)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٧٢)،
و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٢٦٧/١)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٠٧/١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٣٨/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣/
٥٠١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٨/٦ و٧٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/
١٣٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٦/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٤/
٣٢ و٣٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٢١١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٨٧/٨)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٩٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧)
٢٩٦) و((المعرفة)) (٤٢٢/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٣٢٤)، والله
تعالى أعلم.
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٥٦/١١.

٧٧٣
(١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٢٩)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز هبة المرأة نوبتها لضَرّتها، قال النوويّ تَخّْتُهُ: فيه
جواز هبتها نوبتها لضرّتها؛ لأنه حقها، لكن يشترط رضا الزوج بذلك؛ لأن له
حقّاً في الواهبة، فلا يفوته إلا برضاه، ولا يجوز أن تأخذ على هذه الهبة
عوضاً، ويجوز أن تَهَب للزوج، فيجعل الزوج نوبتها لمن شاء، وقيل: يلزمه
توزيعها على الباقيات، ويجعل الواهبة كالمعدومة، والأول أصحّ، وللواهبة
الرجوع متى شاءت، فترجع في المستقبل دون الماضي؛ لأن الهبات يُرجَع فيما
لم يُقْبَض منها دون المقبوض. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قال العلماء: إذا وهبت يومها لضرتها قَسَم الزوج لها
يوم ضرتها، فإن كان تالياً ليومها فذاك، وإلا لم يُقَدِّمه عن رتبته في الْقَسْم إلا
برضا من بقي، وقالوا: إذا وهبت المرأة يومها لضرتها، فإن قَبِل الزوج لم يكن
للموهوبة أن تمتنع، وإن لم يَقْبَل لم يُكْرَه على ذلك، وإذا وهبت يومها
لزوجها، ولم تتعرض للضرّة، فهل له أن يخص واحدة إن كان عنده أكثر من
اثنتين، أو يوزعه بين من بقي؟ وللواهبة في جميع الأحوال الرجوع عن ذلك
متى أحبّت، لكن فيما يُستقبَل، لا فيما مضى، وأطلق ابن بطال أنه لم يكن
السودة الرجوع في يومها الذي وهبته لعائشة ﴿يا. انتهى(٢).
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلُ: فيه دليلٌ على أن الْقَسْم حقّ للزوجة
ذات الضرائر، وأنه يجوز لها بذله لغيرها بعوض، وغير عوض إذا رَضِي
الزوج (٣)، ويشهد لهذا كلّه قوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ
إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَأْ وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾ الآية [النساء: ١٢٨]،
وفي هذه القصّة نزلت هذه الآية على ما قيل، لكن عند مالك لها الرجوع في
مثل هذا إذا شاءت؛ لأنها حقوقٌ متجدّدة آناً فآناً، فلكل متجدّد حكمه، بخلاف
(١) (شرح النوويّ)) ٤٨/١٠.
(٢) ((الفتح)) ١١ /٦٥٥.
(٣) الظاهر أن هذا مذهب المالكيّة، وتقدّم عن النوويّ أنه لا يجوز لها أن تأخذ
عوضاً، والذي يظهر لي أن الأول هو الأرجح؛ لأنه دليل على منع العوض،
فتأمل، والله تعالى أعلم.

٧٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
الحقوق الثابتة، تلك التي لا يَرجِع في شيء منها من أسقطها، مثل ما يترتّب
في الذمم، أو في الأبدان، وهذا أحد قَوْلَي مالك، وقيل: يلزم ذلك دائماً.
انتھی(١).
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َّهور، من حسن الخلق، وكمال
العشرة، حيث نزل عند رغبة سودة ﴿ّا لَمّا ناشدته أن يراجعها بعدما طلّقها،
فلم يخيّب رجاءها في ذلك - كما سبق في رواية أبي داود -.
٤ - (ومنها): بيان فضيلة سودة
حيث أثنت عليها عائشة مؤمنًا بهذا
،
الثناء الجميل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ (ح)
وَحَدَّثْنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ
مُوسَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ:
أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا كَبِرَتْ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ جَرِيرٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ شَرِيك: قَالَتْ:
وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدِي).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بن عُقبة السَّكُونيّ، أبو مسعود الكوفيّ المجدَّر،
صدوقٌ، صاحب حديث [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين
وقصرها)) ١٥٩٣/٣.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم قبل بابين.
٤ - (الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الملقّب بشاذان، تقدّم قريباً .
٥ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى) بن فَرُّوخ الْخُوَارزميّ، وهو الْخُتَّليّ - بضمّ الخاء
المعجمة، وتشديد التاء المفتوحة - أبو عليّ نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠].
(١) ((المفهم)) ٢٠٨/٤.

٧٧٥
(١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٣٠)
رَوَى عن هُشيم، ومروان بن معاوية، وابن عيينة، وعبد الله بن إدريس،
وابن علية، وابن مهديّ، والوليد بن مسلم، ويونس بن محمد، وغيرهم.
وروى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والذُّهْلِيّ،
وإبراهيم الحربيّ، وإبراهيم بن الجنيد، وموسى بن هارون، وابن أبي الدنيا،
وغيرهم.
قال ابن مُحْرِز عن ابن معين: ثقةٌ لا بأس به، وقال أبو حاتم: محله
الصدق، وقال صالح بن محمد: صدوقٌ، وقال موسى بن محمد: صدوقٌ،
وقال النسائيّ: بغداديّ ثقةٌ، وأصله خُراسانيّ، وقال موسى بن هارون: كان
مولده فيما أرى سنة ثمان وخمسين - أي ومائة - وقال البغويّ: مات في ربيع
الأول سنة أربع وأربعين - أي ومائتين - وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال:
مات يوم الجمعة لتسع بقين من رمضان سنة أربع وأربعين ومائتين، وكان عسر
الحفظ، وهو الذي يقال له: مجاهد بن موسى الْخُتَّليّ، كان أصله من خُتَّل
خُراسان، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقةً.
روى عنه المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا برقم
(١٤٦٣)، وحديث (٢٣٣٤): ((إذا صلى الغداة جاء أهل المدينة بآنيتهم ... )).
٧ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن مسلم المؤدّب، أبو محمد البغداديّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٨ - (شَرِيك) بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ القاضي، أبو عبد الله، صدوقٌ
يُخطئ كثيراً، وتغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابداً شديداً
على أهل البِدَع [٨] (ت٧ أو ١٧٨) (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٣٠/٣٦.
و(هشام)) ذُكر قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَام) أي كلُّ هؤلاء الثلاثة: عقبة بن خالد، وزهير بن
معاوية، وشريك النخعيّ روواً هذا الحديث عن هشام بن عروة.
وقولها: (وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدِي) قال النوويّ كَُّهُ: كذا ذكره
مسلم من رواية يونس، عن شريك، أنه وس* تزوج عائشة قبل سودة، وكذا ذكره
يونس أيضاً عن الزهريّ، وعن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، ورَوَى عُقَيل بن
خالد، عن الزهريّ: أنه تزوج سودة قبل عائشة، قال ابن عبد البرّ: وهذا قول

٧٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
قتادة، وأبي عبيدة، قلت: وقاله أيضاً محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد
كاتب الواقديّ، وابن قتيبة، وآخرون. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية عقبة بن خالد، عن هشام بن عروة ساقها البيهقيّ كَُّ في
((الكبرى)) ٢٩٦/٧ فقال:
(١٤٥١١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد، نا الحسن بن
سفيان، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عقبة بن خالد، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة ﴿ا، قالت: ((لما أن كَبِرت سودة بنت زمعة وهبت يومها
لعائشة ﴿ها، فكان رسول الله وَيرٍ يَقْسِمُ لها بيوم سودة)). انتهى.
ورواية زُهير بن معاوية، عن هشام، ساقها(٢) أبو عوانة تَّثُ في ((مسنده))
١٣٥/٣ فقال:
(٤٤٧٧) - رَوَى محمد بن يحيى، عن أحمد بن يونس، عن زهير، وأبو
الوليد، عن شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن سودة لَمّا
كَبِرت وهبت يومها لي، فكان النبيّ وَِّ يَقْسِم لي به. انتهى.
ورواية شريك بن عبد الله النخعيّ، عن هشام ساقها أبو يعلى تَّلُهُ في
«مسنده)) ٨/ ٨٧ فقال:
(٤٦٢١) - حدّثنا بشر بن الوليد، حدثنا شريك، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة، أن سودة لَمّا كَبِرت وهبت يومها لعائشة، قالت: وكان
رسول الله وَ﴿ يَقْسِم لي يومي ويومها، وكانت أول امرأة تزوجت إليّ. انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣١] (١٤٦٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو
أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللََِّّي وَهَبْنَ
أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا،؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ: ﴿تُرْجِى مَنْ
(١) (شرح مسلم)) ٤٩/١٠.
(٢) وأضاف إليها رواية شريك، عن هشام.

٧٧٧
(١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٣١)
تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ أَبْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قَالَ: قُلْتُ:
وَاللهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّ يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَالَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو أُسَامَّةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا
واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن شيخه، وأبا أسامة كوفيّان، والباقون مدنيّون.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة.
٧ - (ومنها): أن فيه عائشة ثا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)
أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا، أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ) - بفتح الهمزة، والغين
المعجمة، من باب تَعِب ـ قال الطيبيّ: أي أَعيب عليهنّ؛ لأن من غار عاب،
ويدلّ عليه قولها: ((أوَ تهب المرأة نفسها للرجل؟))، وهو هنا تقبيح وتنفير لئلا
تهب النساء أنفسهنّ له چل﴾ .
و((الغَيْرَة)) - بفتح، فسكون: وهي الْحَمِيّة، والأَنَفَة، يقال: رجلٌ غَيُورٌ،
وامرأةٌ غَيُور بلا هاء؛ لأن فعولاً يستوي فيه الذكر والأنثى، كما قال في
«الخلاصة)) :
وَلَا تَلِي فَارقَةً فَعُولَا أَصْلَا وَلَا الْمِفْعَالَ والْمِفْعِيلَا

٧٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
كَذَاكَ مِفْعَلٌ وَمَا تَلِيهِ تَا الْفَرْقِ مِنْهُ فَشُذُوذٌ فِيهِ
ووقع عند الإسماعيليّ من طريق محمد بن بشر، عن هشام بن عروة،
بلفظ: ((كانت تُغيّر اللاتي وهبن أنفسهنّ)) بعين مهملة، وتشديد.
(عَلَى اللَّتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ) هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة،
ففي حديث سهل بن سعد عند الشيخين: ((إذ قالت امرأة: إني وهبت نفسي
لك)».
وقد روى أحمد في ((مسنده)) بإسناد حسن، من طريق الحضرميّ بن
لاحق، عن أنس بن مالك ه، أن امرأة أتت النبيّ وَل*، فقالت: يا
رسول الله، ابنة لي كذا وكذا، ذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك بها، فقال:
((قد قَبِلْتها))، فلم تزل تمدحها، حتى ذكرت أنها لم تُصدَع، ولم تَشتَكِ شيئاً
قط، قال: ((لا حاجة لي في ابنتك))، وهذه امرأة أخرى بلا شكّ.
صَلىالله
وَسَلام
وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة رؤثنا: ((التي وهبت نفسها للنبيّ
هي خولة بنت حكيم)).
ومن طريق الشعبيّ قال: من الواهبات: أمّ شَريك، وأخرجه النسائيّ من
طريق عروة.
وعند أبي عبيدة معمر بن المثنّى: أن من الواهبات فاطمة بنت شُريح.
وقيل: إن ليلى بنت الخَطِيم ممن وهبت نفسها له.
ومنهنّ زينب بنت خُزيمة، جاء عن الشعبيّ، وليس بثابت.
وخولة بنت حكيم، وهو في ((صحيح البخاريّ)).
ومن طريق قتادة، عن ابن عباس، قال: التي وهبت نفسها للنبيّ وَّ هي
ميمونة بنت الحارث، وهذا منقطع، وأورده من وجه آخر مرسل، وإسناده
ضعيف.
ويعارضه حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((لم يكن عند
رسول الله ﴿ امرأة وهبت نفسها له))، أخرجه الطبريّ، وإسناده حسن، والمراد
أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحاً له؛ لأنه راجع إلى
إرادته؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدَ النَِّىُّ أَنْ يَسْتَنْكِجَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠].
(لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ) متعلّق بـ((وهبن)) (وَأَقُولُ: وَتَهَبَ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا؟) بتقدير

٧٧٩
(١٤) - بَابُ جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا - حديث رقم (٣٦٣١)
همزة الاستفهام، وهو استفهام إنكاريّ، وفي الرواية التالية: ((أما تستحيي امرأة
تهب نفسها لرجل؟)) (فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ: ﴿تُرْجِى)) ترجي قرئ مهموزاً، وغير
مهموز، وهما لغتان، يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته إذا أخّرته، أي تؤخرهن
بغير قَسْم، وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطبري عن ابن عباس، ومجاهد،
والحسن، وقتادة، وأبي رزين، وغيرهم، وأخرج الطبري أيضا عن الشعبي في
قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَنْ تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ قال: كنّ نساء وهبن أنفسهنّ للنبيّ ◌َّ،
فدخل ببعضهنّ، وأرجأ بعضهنّ، لم ينكحهنّ. وهذا شاذٌ، والمحفوظ أنه لم
يدخل بأحد من الواهبات، كما تقدّم.
وقيل: المراد بقوله: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ أنه كان همّ
بطلاق بعضهنّ، فقلن له: لا تطلّقنا، واقسم لنا ما شئت، فكان يَقسم لبعضهنّ
قَسْماً مستوياً، وهنّ اللواتي آواهنّ، ويَقسم للبواقي ما شاء، وهنّ اللواتي
أرجأهنّ.
فحاصل ما نُقل في تأويل ﴿تُرْجِى﴾ أقوال:
[أحدها]: تطلّق، وتُمسك.
[ثانيها]: تعتزل من شئت منهنّ بغير طلاق، وتَقسم لغيرها .
[ثالثها]: تَقبَل من شئت من الواهبات، وترُدّ من شئت. وحديث الباب
يؤيّد هذا، والذي قبله، واللفظ محتملٌ للأقوال الثلاثة(١).
(﴿ مَنْ تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىٌّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءٌ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾﴾ أي طلبت، والابتغاء
في اللغة هو الطلب، ولا يكون إلا بعد الإرادة، قال الله تعالى مخبراً عن
موسى لعلَّلها: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغْ﴾ [الكهف: ٦٤] وجواب ((من)) قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْكَ﴾، وقوله: (﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾) أي أزلت، والعَزْل: الإزالة، قال
العربيّ تَخْتُ: والمعنى: ومن أردت أن تضمّه، وتؤويه بعد أن أزلته، فقد نِلْت
ذلك عندنا، ووجدته تحقيقاً؛ لقول عائشة رضيها: ((لا أرى ربك إلا وهو يسارع
في هواك))، فإن شاء النبيّ وَ﴿ أن يؤخر أَخَّر، وإن شاء أن يقدِّم استقدم، وإن
شاء أن يَقْلِب المؤخر مقدماً، والمقدم مؤخراً فَعَلَ، لا جناح عليه في شيء من
(١) ((الفتح)) ٥٠٦/١٠.

٧٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
ذلك، ولا حرج فيه. انتهى(١).
وهذا صريح في أن هذه الآية نزلت بهذا السبب، قال القرطبيّ تَظّتُهُ:
حَمَلت عائشةَ ﴿ على هذا التقبيح الغَيْرَةُ التي طُبعت عليها النساء، وإلا فقد
عَلِمت أن الله تعالى أباح لنبيّهِ وَ ﴿ ذلك، وأن جميع النساء لو مَلَّكْنَ له رقّهنّ،
ورقابهنّ للنبيّ ◌َّ لكنّ معذورات في ذلك، ومشكورات عليه لعظيم بركته،
ولشرف منزلة القرب منه، وعلى الجملة فإذا حُقّق النظر في أحوال أزواجه عُلم
أنه لم يحصل أحدٌ في العالم على مثل ما حصلن عليه، ويكفيك من ذلك
مخالطة اللحوم، والدماء، ومشابكة الأعضاء والأجزاء، وناهيك بها مراتب
فاخرة، لا جَرَمَ هنّ أزواجه المخصوصات به في الدنيا والآخرة. انتهى كلام
القرطبيّ ببعض تصرّف(٢).
(قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللهِ مَا أَرَى رَبَّكَ، إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاَكَ) وفي الرواية
التالية: ((فقلت: إن ربّك لَيُسارع لك في هواك))، أي ما أرى الله إلا موجداً لما
تريد بلا تأخير، منزلاً لما تحبّ، وتختار، قاله في ((الفتح))(٣).
وقال النوويّ كَّفُهُ: قولها: ((ما أرى ربك إلا يسارع في هواك)): هو بفتح
الهمزة من ((أَرَى))، ومعناه: يُخفّف عنك، ويوسّع عليك في الأمور، ولهذا
خيّرك.
وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: هذا قولٌ أبرزته الغيرة والدّلال، وهو من نوع
قولها: ((ما أهجُرُ إلا اسمك))، متفق عليه، و((لا أحمد إلا الله))، متفق عليه،
وإلا فإضافة الهوى إلى النبيّ ◌َ﴿ مباعدٌ لتعظيمه، وتوقيره الذي أمرنا الله تعالى
به، فإن النبيّ وَّ﴿ منزّهٌ عن الهوى بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَّ
[النجم: ٣]، وهو ممن نَهَى النفس عن الهوى، ولو جَعَلت مكان ((هواك))
((مرضاتك)) لكان أشبه، وأولى، لكن أبعد هذا في حقّها عن نوع الذنوب أن ما
يَفعل المحبوب محبوب. انتهى (٤).
وقال السنديّ نَّثُهُ: قولها: ((والله ما أرى ربك ... إلخ)) كناية عن ترك
(١) ((أحكام القرآن)) لابن العربي ٦٠٦/٣.
(٢) ((المفهم)) ٢١١/٤ - ٢١٢.
(٣) ((الفتح)) ١٠/ ٥٠٦.
(٤) ((المفهم)) ٢١١/٤.