Indexed OCR Text
Pages 721-740
٧٢١ (١١) - بَابُ الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ - حديث رقم (٣٦١٧) واختلفوا أيضاً فيما إذا ألحقته القافة بمدّعيين، هل يكون ابناً لهما؟، وهو قول سحنون، وأبي ثور، وقيل: يُترك حتى يَكْبَر، فيوالي من شاء منهما، وهو قول عمر بن الخطّاب ﴿ه، وقاله مالكٌ، والشافعيّ، وقال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة: يُلحق بأكثرهما شَبَهاً . واختَلَفَ نُفاة القول بالقافة في حكم ما أشكل، وتنوزع فيه: فقال أبو حنيفة: يُلحق الولد بهما، وكذلك بامرأتين، وقال محمد بن الحسن: يُلحق بالآباء، وإن كثروا، ولا يُلحق إلا بأم واحدة، ونحوه قال أبو يوسف، وقال إسحاق: يقرع بينهم، وقاله الشافعيّ في القديم، ويُستدلّ له بحديث عليّ رَُّهُ(١). انتهى كلام القرطبيّ ◌َّقُ باختصار (٢). وقال الإمام ابن القيّم تَخْتُ - بعد ذكر أدلة القائلين بالعمل بالقافة -: قالت الحنفيّة: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرَّجِلِ، والحكم بالقيافة تعويلٌ على مجرّد الشبه، والظنّ، والتخمين، ومعلومٌ أن الشبه قد يوجد من الأجانب، وينتفي عن الأقارب، وذكرتم قصّة أسامة وزيد، ونسيتم قصّة الذي ولدت امرأته غلاماً أسود، يخالف لونهما، فلم يمكّنه النبيّ وَّر من نفيه، ولا جعل للشبه، ولا لعدمه أثَراً، ولو كان للشبه أثرٌ لاكتفى به في ولد الملاعنة، ولم يحتج إلى اللعان، ولكان ينتظر ولادته، ثم يلحق بصاحب الشبه، ويستغني بذلك عن اللعان، بل كان لا يصحّ نفيه مع وجود الشبه بالزوج، وقد دلّت السنّة الصحيحة الصريحة على نفيه عن الملاعن، ولو كان الشبه له، فإن النبيّ وَالر قال: ((أبصروها، فإن جاءت به كذا وكذا، فهو لهلال بن أميّة))، (١) أراد بحديث عليّ ﴿له ما أخرجه النسائيّ بسند صحيح، عن زيد بن أرقم قال: أُتِي عليّ بثلاثة، وهو باليمن، وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين: أتُقرّان لهذا بالولد؟ قالا: لا، ثم سأل اثنين: أتُقِرّان لهذا بالولد؟ قالا: لا، فأقرع بينهم، فقَضَى بالولد للذي صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبيّ ◌َ﴿، فضَحِك، حتى بدت نواجذه. رواه أبو داود في ((سننه)) رقم (٢٢٦٩)، والنسائيّ في ((الكبرى)) (٤٩٦/٣)، و((المجتبى)) (١٨٢/٦). (٢) ((المفهم)) ٢٠٠/٤ - ٢٠٢. ٧٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع وهذا قاله بعد اللعان، ونفي النسب عنه، فعلم أنه لو جاء على الشبه المذكور، لم يثبت نسبه منه، وإنما كان مجيئه على شبهه دليلاً على كذبه، لا على لحوق الولد به. قالوا: وأما قصّة أسامة وزيد، فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من زيد؛ لمخالفة لونه لون أبيه، ولم يكونوا يكتفون بالفراش، وحُكم الله تعالى، ورسوله ويسير في أنه ابنه، فلما شَهِد به القائف، وافقت شهادته حكم الله تعالى، ورسوله وَله، فسُرّ به النبيّ وَّ؛ لموافقتها حكمه، ولتكذيبها قول المنافقين، لا أنه أثبت نسبه بها، فأين في هذا إثبات النسب بقول القائف؟. قالوا: وهذا معنى الأحاديث التي ذُكر فيها اعتبار الشبه، فإنها إنما اعْتَبَرَت فيه الشبه بنسب ثابت بغير القافة، ونحن لا ننكر ذلك. قالوا: وأما حكم عمر، وعليّ، فقد اختُلف على عمر، فروي عنه ما ذكرتم، وروي عنه أن القائف لما قال له: قد اشتركا فيه، قال: والِ أيّهما شئت، فلم يعتبر قول القائف. قالوا: وكيف تقولون بالشبه، ولو أقرّ أحد الورثة بأخ، وأنكره الباقون، والشبه موجود، لم تثبتوا النسب به، وقلتم: إن لم تتّفق الورثة على الإقرار به لم يثبت النسب؟. قال أهل الحديث: من العجب أن يُنكر علينا القول بالقافة، ويجعلها من باب الحدس والتخمين من يُلحِق ولد المشرقيّ بمن في أقصى الغرب، مع القطع بأنهما لم يتلاقيا طرفة عين، ويُلحق الولد باثنين مع القطع بأنه ليس ابناً لأحدهما، ونحن إنما ألحقنا الولد بالقائف المستند إلى الشبه المعتبر شرعاً وقدراً، فهو استناد إلى ظنّ غالب، ورأي راجح، وأمارة ظاهرة بقول من هو من أهل الخبرة، فهو أولى بالقبول من قول المقوّمين، وهل ينكر مجيء كثير من الأحكام مستنداً إلى الأمارات الظاهرة، والظنون الغالبة؟. وأما وجود الشبه بين الأجانب، وانتفاؤه بين الأقارب، وإن كان واقعاً، فهو من أندر شيء وأقلّه، والأحكام إنما هي للغالب الكثير، والنادر في حكم المعدوم. وأما قصّة من ولدت امرأته غلاماً أسود، فهو حجة عليكم؛ لأنها دليلٌ ٧٢٣ (١١) - بَابُ الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ - حديث رقم (٣٦١٨) على أن العادة التي فطر الله عليها الناس اعتبار الشبه، وأن خلافه يوجب ريبة، وأن في طباع الخلق إنكار ذلك، ولكن لما عارض ذلك دليلٌ أقوى منه، وهو الفراش، كان الحكم للدليل القويّ، وكذلك نقول نحن وسائر الناس: إن الفراش الصحيح إذا كان قائماً، فلا يعارض بقافة، ولا شبه، فمخالفة ظاهر الشبه لدليل أقوى منه - وهو الفراش - غير مستنكر، وإنما المستنكر مخالفة هذا الدليل الظاهر بغير شيء. وأما تقديم اللعان على الشبه، وإلغاء الشبه مع وجوده، فكذلك أيضاً هو من تقديم أقوى الدليلين على أضعفهما، وذلك لا يمنع العمل بالشبه مع عدم ما يعارضه، كالبيّنة تُقدّم على اليد، والبراءة الأصليّة، ويُعمل بهما عند عدمها. وأما ثبوت نسب أسامة من زيد بدون القيافة، فنحن لم نُثبت نسبه بالقيافة، والقيافةُ دليل آخر موافقٌ لدليل الفراش، فسرور النبيّ وَّ، وفرحه بها، واستبشاره لتعاضد أدلّة النسب، وتضافرها، لا لإثبات النسب بقول القائف وحدَه، بل هو من باب الفرح بظهور أعلام الحقّ، وأدلّته، وتكاثرها، ولو لم تصلح القيافة دليلاً لم يَفرَح بها، ولم يُسَرّ، وقد كان النبيّ ◌َّ يفرح ويُسرّ، إذا تعاضدت عنده أدلّة الحقّ، ويُخبر بها الصحابة، ويُحبّ أن يسمعوها من المخبِر بها؛ لأن النفوس تزداد تصديقاً بالحقّ، إذا تعاضدت أدلّته، وتُسرّ به، وتفرح، وعلى هذا فطر الله تعالى عباده، فهذا حكم اتفقت عليه الفطرة والشِّرْعَة، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم ◌َّتُهُ باختصار، وإن أردت الزيادة من احتجاجاته الكثيرة المفيدة، فارجع إلى كتابه ((زاد المعاد))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلّة أن المذهب الصحيح في مسألة العمل بالقائف، هو مذهب الجمهور المثبتين له؛ لوضوح حجته، وقوّتها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦١٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ (١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ٤١٨/٥ - ٤٢٣. ٧٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَإِ ذَاتَ يَوْمِ مَسْرُوراً، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزاً الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَرَأَى أُسَامَّةَ وَزَيْداً، وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والذي قبله. وقوله: (ذَاتَ يَوْم) أي يوماً من الأيام، فاذاتَ)) مقحمة. وقوله: (وَعَلَيْهِمَاً قَطِيفَةٌ) بفتح، فكسر: دِثارٌ له خَمْلٌ، والجمع قطائفُ، وقُطُفٌ - بضمّتين - قاله الفيّوميّ(١)، وقال القرطبيّ: ((القطيفة)): كساء غليظُ(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦١٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ قَائِقٌ(٣)، وَرَسُولُ اللهِ وَ شَاهِدٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانٍ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ◌َهِ، وَأَعْجَبَهُ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم) بشير التُّرْكيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٥) وهو ابن (٨٠) سنةً (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٥/٣٨. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. والباقون ذُكروا قبله. (١) ((المصباح المنير)) ٥٠٩/٢. (٣) وفي نسخة: ((دخل عليّ قائف)). (٢) ((المفهم)) ٤/ ٢٠٠. ٧٢٥ (١١) - بَابُ الْعَمَلِ بِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ - حديث رقم (٣٦٢٠) والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٢٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْج، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ يُونُسَّ: وَكَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفاً). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضاً قريباً . والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ) يعني الثلاثة: يونس، ومعمراً، وابنَ جُريج، فإنهم رووا هذا الحديث عن الزهريّ. [تنبيه]: رواية يونس، عن الزهريّ ساقها البيهقيّ كَّلُهُ في ((الكبرى) ١٠/ ٢٦٢ فقال : (٢١٠٤٦) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمر، وهو ابن حمدان، أنبأ الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، أنبأ ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﴿ثنا قالت: دخل عليّ رسول الله وَلّ مسروراً فَرِحاً مما قال مُجَزِّز الْمُدْلِجِيّ، ونظر إلى أسامة بن زيد مضطجعاً مع أبيه، فقال: هذه أقدامٌ بعضها من بعض، وكان مُجَزِّز قائفاً. انتهى. ورواية معمر، عن الزهريّ ساقها الإمام أحمد كَّتُ في ((مسنده)) ٢٢٦/٦ فقال : ٧٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع (٢٥٩٣٧) - حدّثنا عبد الله(١)، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، قال: دخل النبيّ وَّر على عائشة مسروراً، فقال: ((ألم تسمعي ما قال المدلجيّ؟، - ورأى أسامة وزيداً نائمين في ثوب، أو في قَطِيفة، وقد خرجت أقدامهما - فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض)). انتھی. ورواية ابن جُريج، عن الزهريّ ساقها عبد الرزّاق ◌َُّ في ((مصنّفه)) ٧/ ٤٤٧ فقال : (١٣٨٣٣) - أخبرنا(٢) عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُريج، قال: أخبرني ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن النبيّ وَلفر دخل عليها مسروراً، تَبْرُق أسارير وجهه، فقال: ((ألم تسمعي ما قال مُجَزِّز المدلجيّ لزيد وأسامة؟ - ورأى أقدامهما - فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنْبُ﴾ . (١٢) - (بَابُ قَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْبِكْرُ وَالنَّيِّبُ مِنْ إِقَامَةِ الزَّوْجِ عِنْدَهَا عَقِبَ الزِّفَافِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٢١] (١٤٦٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ لَمَّا تَزَوَّجَ أَمَّ سَلَمَةَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثُّلَاثاً، وَقَالَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي)»). (١) هو ابن الإمام أحمد، رواي ((المسند)) عنه. (٢) قائل ((أخبرنا)) هو الراوي عنه. ٧٢٧ (١٢) - بَابُ قَدْرِ مَا تَسْتَحِثُّهُ الْبِكْرُ وَالنَّيِّبُ مِنْ إِقَامَةِ الزَّوْجِ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢١) رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السَّمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (٥ أو ٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير بن أفلح الْعَبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، تقدّم قريباً. ٥ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ الْحَزْميّ، أبو عبد الملك المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وخالة أبيه عمرة بنت عبد الرحمن، وعباد بن تميم الأنصاريّ. وروى عنه عبد الملك بن زيد بن سعيد بن زيد بن عمرو، وأبو بكر بن نافع مولى زيد بن الخطاب، وعبد العزيز بن عبد الملك، ووهيب، وأبو أويس، والسفيانان، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال الواقديّ: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهو ابن (٧٢) سنةً، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٧ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) المخزوميّ المدنيّ، ثقةٌ [٥] مات في أول خلافة هشام (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٠/٢٦. ٨ - (أَبُوهُ) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٠/٢٦. ٧٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع ٩ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة المخزوميّة أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت قريباً . لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف تَخْذَثُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء منه ومنهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، ومحمد بن حاتم، فانفرد به هو وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن أبي بكر، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة. ٥ - (ومنها): أن أبا بكر بن الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنٍ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة حذيفة، أو سُهيل بن المغيرة المخزوميّة أم المؤمنين ﴿َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ) أي بعد أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ تزوّجها سنة أربع، وقيل: ثلاث من الهجرة، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، وماتت سنة (٦٢) وقيل: سنة إحدى، وقيل: قبل ذلك، والأول هو أصحّ. [تنبيه]: في زواجه وَ يهو أم سلمة قصّة ساقها ابن حبّان تَّثُ في ((صحيحه)) ٩/ ٣٧٢ فقال: (٤٠٦٥) - أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنى، حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا رَوْح بن عُبادة، حدّثنا ابن جريج، أخبرني حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمر، والقاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن هشام أخبراه، أنهما سمعا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يخبر، ٧٢٩ (١٢) - بَابُ قَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْبِكْرُ وَالنَّيِّبُ مِنْ إِقَامَةِ الزَّوْجِ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢١) أن أم سلمة زوج النبيّ وَ﴿ أخبرته أنها لَمّا قَدِمت المدينة أخبرتهم، أنها بنت أبي أمية بن المغيرة، فكذّبوها، وجعلوا يقولون: ما أكذب الغرائب، ثم أنشأ ناس منهم الحجّ، فقالوا: تكتبين إلى أهلك، فكتبت معهم، فرجعوا إلى المدينة، فصدّقوها، فازدادت عليهم كرامةً، فقالت: لَمّا وضعت زينب، جاءني النبيّ وَّه يخطبني، فقلت: مثلي لا يُنْكَح، أما أنا فلا وَلَدَ فيّ، وأنا غَيُور، ذات عيال، قال ◌َله: «أنا أكبر منكِ، وأما الغيرة فيُذهبها الله، وأما العيال فإلى الله وإلى رسوله))، فتزوجها رسول الله وَّقه، وقال: ((إني آتيكم الليلةَ))، قالت: فأخرجت حبات من شعير كانت في جَرّتي، وأخرجت شَحْماً، فعَصَدت له، قال(١): فبات، ثم أصبح، فقال حين أصبح: ((إن بك على أهلك كرامةً، إن شئت سبّعت لك، وإن أُسبِّع لك أسبّع لنسائي)). انتهى(٢). (أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثاً) أي ثلاث ليالٍ (وَقَالَ) وَ لَمّا طلبت منه أن لا يخرج، ففي رواية عبد الرحمن بن حميد، عن عبد الملك الآتية: ((أن رسول الله الاول حين تزوّج أم سلمة، فدخل عليها، فأراد أن يخرج أخذت بثوبه)) ((إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن، وضمير الشأن هو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، قال ابن مالك دَّثُ في ((الكافية الشافية)): بِجُمْلَةٍ كَـ(إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى)» وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا إِذَا أَتَى مُرْتَفِعاً أَوِ انْتَصَبْ للابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ حَتْماً وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَثَرْ كَ((إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ)) فِي بَابٍ ((إِنَّ) اسْماً كَثِيرَاً يُحْذَفُ أُنِّثَ أَوْ شَبِيهَ أُنْثَى فَاعْلَمَا وَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُؤَّ مَا تَأْنِيثُهُ كَإِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا))(٣) وَقَبْلَ مَا أُنَّثَ عُمْدَةً فَشَا (لَيْسَ بِك) أي لا يتعلّق بك، ويقع بك (عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ) - بفتح الهاء والواو -: أي احتقار، قيل: المراد بالأهل قبيلتها، والباء للسببية، أي لا يلحق (١) كذا النسخة، ولعله ((قالت))، فليُحرّر. (٢) إسناده حسنٌ، كما قال محقق ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٣٧٣/٩. (٣) (الكافية الشافية)) ٢٣٣/١ - ٢٣٤ بنسخة الشرح. ٧٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع أهلَك بسببك هوان، وقيل: أراد بالأهل نفسه وَّهِ، وكلٌّ من الزوجين أهل، والباء متعلقة بـ((هَوَان))، أي ليس اقتصاري على الثلاثة؛ لهوانك عليّ، ولا لعدم رغبتي فيك، ولكن لأنه الحكم الشرعيّ. قال القاضي عياض تَّتُ: معناه: لا يلحقك هوان، ولا يتعلّق بك، بل تستوفي حقّك من الْمُقام عندك، والتأنس به وَّ، وذلك لَمّا أخذت بثوبه حين أراد الخروج، ففهم منها استقلال مُقامه عندها، والاستكثار منه، فبيّن لها ما لها، وما عليها من ذلك، وأنه إن زادها على حقّها وجب أن يزيد لنسائه، فيطول عليها مغيبه، فآثرت القُنوع بحقّها من الثلاث، ثم يُعطي نساءه من بعدها أيامهنّ المعلومة، ثم يرجع إليها، فيقرب رجوعه إليها، ونوبتها منه. قال: والمراد بأهلِك هنا نفسه وَ له، أي: لا أفعل فعلاً به هوانك عليَّ. (١) . ( انتھی وقال القرطبيّ تَخّثُ: وإنما قال لها النبيّ وَّ ر ذلك حين أخذت بثيابه تستزيده من الْمُقام عندها، فاستلطفها بهذا القول الحسن، ثم بعد ذلك بَيَّن لها وجه الحكم بقوله: ((للبكر سبع، وللثيّب ثلاثٌ))، وهذا تقعيد للقاعدة، وبيان لحكمها، وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: لا يختصّ بذلك واحدة منهنّ، بل يقضي لسائر نسائه بمثل ذلك؛ تمسّكاً منه بمطلق الأمر بالعدل بينهنّ(٢)، وسيأتي تمام البحث في ذلك - إن شاء الله تعالى -. وقال النوويّ تَخَّتُهُ: معنى قوله وَله: ((ليس بك على أهلك هوان)»: لا يلحقك هَوَانٌ، ولا يَضِيع من حقك شيءٌ، بل تأخذينه كاملاً، ثم بَيَّن ◌ِّ حقَّها، وأنها مُخَيَّرة بين ثلاث بلا قضاء، وبين سبع، ويقضي لباقي نسائه؛ لأن في الثلاث مزيّةً بعدم القضاء، وفي السبع مزيةٌ لها بتواليها، وكمال الأنس فيها، فاختارت الثلاث؛ لكونها لا تُقْضَى، وليَقْرُب عَوْده إليها، فإنه يطوف عليهنّ ليلةً ليلةً، ثم يأتيها، ولو أخذت سبعاً طاف بعد ذلك عليهنّ سبعاً سبعاً، فطالت غيبته عنها. انتهى (٣). (١) ((إكمال المعلم)) ٦٥٩/٤. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ٤٣ - ٤٤. (٢) ((المفهم)) ٢٠٢/٤ - ٢٠٣. ٧٣١ (١٢) - بَابُ قَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْبِكْرُ وَالنَّيِّبُ مِنْ إِقَامَةِ الزَّوْجِ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢١) (إِنْ شِئْتِ) الزيادة على الثلاث (سَبَّعْتُ لَكِ) أي أقمت عندك سبع ليال، قال في ((النهاية)): اشتقُّوا فَعَّلَ من الواحد إلى العشرة، فمعنى سَبَّع: أقام عندها سبعاً، وثلَّث: أقام عندها ثلاثاً، وسبّع الإناء: إذا غسله سبع مرّات، وكذلك من الواحد إلى العشرة في كلّ قول أو فعل. انتهى(١). (وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي))) وفي رواية عبد الرحمن بن حميد الآتية: ((إن شئت زدتك، وحاسبتك به، للبكر سبعٌ، وللثّب ثلاث))، وفي رواية عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك التالية: ((إن شئت سبّعتُ عندك، وإن شئت ثَلَّتُ، ثُمّ دُرْتُ، قالت: ثَلِّث))، وفي رواية الدارقطنيّ: ((إن شئتِ أقمت عندك ثلاثاً خالصةً لك، وإن شئت سبّعتُ لك، وإن سبّعت لك سبّعتُ النسائي))، قالت: تقيم معي ثلاثاً خالصةً. وفي الحديث دليل على أن الزوج إذا تعدَّى السبع للبكر، والثلاث للثيب بطل الإيثار، ووجب قضاء سائر الزوجات مثل تلك المدة بالنصّ في الثيب، والقياس في البكر، ولكن إذا وقع من الزوج تعدي تلك المدّة بإذن الزوجة فلا قضاء . قال في ((الفتح)): وحَكَى الشيخ أبو إسحاق في ((المهذَّب)) وجهين في أنه يقضي السبع، أو الأربع المزيدة، والذي قطع به الأكثر أنها إن اختارت السبع قضاها كلها، وإن أقامها بغير اختيارها قضى الأربع المزيدة. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سلمة مؤثّ هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ. [تنبيه]: أخرج المصنّف تَخْذُ حديث الباب موصولاً، ومرسلاً، فأخرجه من رواية سفيان الثوريّ، عن محمد بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة ثنا، متّصلاً، ثم أخرجه من رواية مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، (١) ((النهاية)) ٣٣٦/٢. (٢) ((الفتح)) ٦٦٠/١١. ٧٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن النبيّ وَّ حين تزوج أم سلمة مرسلاً، وكذا رواه من رواية سليمان بن بلال، مرسلاً، ورواه بعد هذا من رواية حفص بن غياث، متّصلاً، كرواية سفيان. قال الدارقطنيّ: قد أرسله عبد الله بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن حميد، كما ذكره مسلم، قال النوويّ: وهذا الذي ذكره الدارقطنيّ من استدراكه هذا على مسلم فاسدٌ؛ لأن مسلماً تَخْتُ قد بَيَّن اختلاف الرواة في وصله وإرساله، ومذهبه، ومذهب الفقهاء والأصوليين، ومحققي المحدثين أن الحديث إذا رُوِي متصلاً ومرسلاً، حُكِم بالاتصال، ووجب العمل به؛ لأنها زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير، فلا يصح استدراك الدار قطنيّ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق غير مرّة تعقّب قول النوويّ: إن مذهب المحققين ترجيح الوصل على الإرسال، بأن هذا ليس مذهب المحقّقين من أهل الحديث، بل مذهبهم العمل بما تقتضيه القرينة، فإن اقتضت ترجيح الوصل، رجّحوه، أو ترجيح الإرسال رجّحوه، وهذا هو الصواب في المسألة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحاصل أن الحديث متّصل صحيح، كما هو رأي المصنّف، وذلك لاتفاق سفيان الثوريّ، وحفص بن غياث عليه، فرُجِّح الوصل به، فتبصّر. قال أبو مسعود الدمشقيّ تَخَّتُهُ في ((الأجوبة)) بعد نقل كلام الدارقطنيّ المذكور: هذا حديث أخرجه مسلم من حديث يحيى القطّان، عن الثوريّ، عن محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة. وأخرجه أيضاً من حديث حفص بن غياث مسنداً، لا مرسلاً، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبي بكر، عن أم سلمة مُجوّداً، وقد جوّده عبد الله بن داود، عن عبد الرحمن بن أيمن. وأما الحديث المرسل، فلم يخرجه من حديث حفص، وإنما أخرجه من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن: أن النبيّ وََّ، مرسلٌ. وعن القعنبيّ، عن سليمان بن بلال، وعن يحيى بن يحيى، عن أبي (١) ((شرح مسلم)) ٤٣/١٠. ٧٣٣ (١٢) - بَابُ قَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْبِكْرُ وَالنَِّبُ مِنْ إِقَامَةِ الزَّوْجِ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢١) ضمرة أنس بن عياض كليهما عن عبد الرحمن بن حُميد، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبي بكر: أن النبيّ وَّه، مرسلٌ أيضاً. قال: وإذا جوّده ثقات، وقصّر فيه ثقات أيضاً، وبيّنه، فلا يلزمه عيب في ذلك. انتهى. وقال الرشيد العطّار تَخْذَلُهُ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وإنما أراد مسلم ◌َُّهُ بذلك - يعني إيراده متّصلاً ومرسلاً - والله أعلم؛ ليبيِّن الاختلاف الواقع بين رواته في إسناده، ويخرج من عُهدته. انتهى. وقال القاضي عياض تَّثُ: هذا مما تتبعه الدارقطنيّ على مسلم، ولا تتبّع فيه؛ إذ قد بيّن علّته، وهذا يدلّ على ما ذكرناه أوّل الكتاب أن ما وعد به من ذكر علل الحديث قد وفى به، وذكره في الأبواب، خلاف من ذهب إلى أنه مات قبل تمام الكتاب، على ما ذهب إليه أبو عبد الله الحاكم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من كلام الأئمة أن الحديث صحيح متّصلٌ، ولا يضرّه إرسال من أرسله؛ لكون الواصلين ثقتين حافظين معتمدين، وهما سفيان الثوريّ، وحفص بن غياث. فيكون إخراج المصنّف الحديث متّصلاً ومرسلاً؛ للوفاء بما وعد به في ((مقدّمة كتابه)) أنه سيبيّن علل الحديث في ((كتابه)) في المواضع التي يليق بها البيان، فلله درّه محدّثاً حافظاً وناقداً بصيراً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٢١/١٢ و٣٦٢٢ و٣٦٢٣ و٣٦٢٤ و٣٦٢٥] (١٤٦٠)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢١٢٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥/ ٢٩٣)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩١٧)، و(مالك) في ((الموظإٍ)) (٥٢٩/٢)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٢٦/٢ - ٢٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٠٦٤٥ و١٠٦٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٥٤٢/٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٩٢/٦ و٣٠٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٤٤/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١) ((إكمال المعلم)» ٦٦٣/٤. ٧٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع (٥٨٦/٢٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠٦٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٩/٣)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٨٤/٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٨٧/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٣/٤ - ١٣٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٢٩/١٢ و٤٣٨)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٩١/٨)، و(البيهقيّ) في ((معرفة السنن والآثار)) (٤٢٨/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٣٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان قدر ما تستحقّه البكر، والثّب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، وهو أن للبكر سبع ليال، وللثّب ثلاث ليال. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَلقوله من حسن العشرة والملاطفة مع أهله، حيث قال لها: ((ليس بك على أهلك هوان)). ٣ - (ومنها): بيان استحباب ملاطفة الأهل والعيال، وغيرهم، وتقريب الحقّ من فهم المخاطب؛ ليرجع إليه. ٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي اللطف والرفق بمن يُخْشَى منه كراهية الحقّ، حتی یتبیّن له وجه ترجيحه، فيرجع إليه(١). ٥ - (ومنها): بيان العدل بين الزوجات. ٦ - (ومنها): بيان أن حقّ الزِّفَاف ثابت للمزفوفة، وتُقَدَّم به على غيرها، فإن كانت بكراً كان لها سبع ليال بأيامها بلا قضاء، وإن كانت ثَيِّباً كان لها الخيار، إن شاءت سبعاً، ويَقضي السبعَ لباقي النساء، وإن شاءت ثلاثاً، ولا يقضي، وهذا مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ لأنه الذي ثبتت فيه هذه الأحاديث الصحيحة، وسيأتي بيان الاختلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): وتجب الموالاة في السبع، وفي الثلاث، فلو فَرّق لم يُحْسَب على الراجح؛ لأن الْحِشْمة(٢) لا تزول به، ثم لا فرق في ذلك (١) «إكمال المعلم)) ٦٥٩/٤. (٢) ((الحِشِمة)) بكسر، فسكون: الحياء والخَجَل. ٧٣٥ (١٢) - بَابُ قَدْرِ مَا تَسْتَحِقُهُ الْبِكْرُ وَالثَِّّبُ مِنْ إِقَامَةِ الزَّوْجِ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢١) بين الحرة والأمة، وقيل: هي على النصف من الحرة، ويجبر الكسر. (١) ٠ انتھی ٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ كَّثُ: هذا الحديث: ((إن سبّعت لك، سبّعت لنسائي))، فإنه لا يقول به مالك، ولا أصحابه، وهذا مما تركوه من رواية أهل المدينة؛ لحديث بصريّ (٢). وقال أيضاً: من قال بحديث هذا الباب يقول: إن أقام عند البكر، أو الثيب سبعاً، أقام عند سائر نسائه سبعاً سبعاً، وإن أقام عندها ثلاثاً، أقام عند كل واحدة ثلاثاً ثلاثاً، فتأولوا في قوله وَّهَ: ((وإن شئت ثلَّثتُ، ودُرْت))، أي درت ثلاثاً ثلاثاً، وهو قول الكوفيين، وفي هذا الباب عجب؛ لأنه صار فيه أهل الكوفة إلى ما رواه أهل المدينة، وصار أهل المدينة إلى ما رواه أهل البصرة. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيما تستحقّه كلّ من البكر والثيّب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف: قال العلامة ابن قُدامة تَُّهُ: متى تزوج صاحب النسوة امرأة جديدةً قَطَع الدَّوْر وأقام عندها سبعاً، إن كانت بكراً، ولا يقضيها للباقيات، وإن كانت ثيباً أقام عندها ثلاثاً، ولا يقضيها، إلا أن تشاء هي أن يقيم عندها سبعاً، فإنه يقيمها عندها، ويقضي الجميع للباقيات. رُوي ذلك عن أنس، وبه قال الشعبيّ، والنخعيّ، ومالك والشافعيّ، وإسحاق، وأبو عبيد، وابن المنذر. (١) ((الفتح)) ٦٦٠/١١ - ٦٦١. (٢) بيّن معنى ذلك، حيث قال: قال أبو عمر: أما قوله في هذا الحديث: ((إن سبعت لك سبعت لنسائي))، فإنه لا يقول به مالك، ولا أصحابه، وهذا مما تركوه من رواية أهل المدينة لحديث بصريّ، رواه مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: للبكر سبعٌ، وللثيب ثلاث))، قال مالك: وذلك الأمر عندنا، ولا يحسب على التي تزوج ما أقام عندها. انتهى. ((التمهيد)) ٢٤٥/١٧. (٣) ((الاستذكار)) ٤٣٨/٥ - ٤٤١. ٧٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع ورُوِي عن سعيد بن المسيِّب، والحسن، وخِلاس بن عمرو، ونافع مولى ابن عمر: للبكر ثلاث، وللثيب ليلتان، ونحوه قال الأوزاعيّ. وقال الحكم، وحماد، وأصحاب الرأي: لا فضل للجديدة في القَسْم، فإن أقام عندها شيئاً قضاه للباقيات؛ لأنه فضّلها بمدة، فوجب قضاؤها، كما لو أقام عند الثيب سبعاً. انتهى(١). وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ كَّتُهُ: وأما اختلاف الفقهاء، وذِكر أقوالهم في هذا الباب، فقال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما، والطبريّ: يقيم عند البكر سبعاً، وعند الثيب ثلاثاً، فإن كانت له امرأة أخرى غير الذي تزوج، فإنه يَقْسِم بينهما بعد أن تمضي أيام التي تزوج، ولا يقيم عندها ثلاثاً. وقال ابن القاسم، عن مالك: مقامه عند البكر سبعاً، وعند الثيب ثلاثاً، إذا كان له امرأة أخرى واجبٌ، وقال ابن عبد الحكم، عن مالك: ذلك مستحبُّ، وليس بواجب. وقال الأوزاعيّ: مضت السنة أن يجلس في بيت البكر سبعاً، وعند الثيب ثلاثاً، وإن تزوج بكراً، وله امرأة أخرى فإن للبكر ثلاثاً، ثم يُقْسِم، وإن تزوج الثيب، وله امرأة كان لها ليلتان. وقال سفيان الثوريّ: إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها ليلتين، ثم قسم بينهما، قال: وقد سمعنا حديثاً آخر، قال: يقيم مع البكر سبعاً، ومع الثيب ثلاثاً . وقال أبو حنيفة، وأصحابه: الْقَسْم بينهما، سواء البكر والثيب، ولا يقيم عند الواحدة إلا كما يقيم عند الأخرى. وقال محمد بن الحسن: إن الحرمة لهما سواء، ولم يكن رسول الله وَل قول يؤثر واحدة عن الأخرى، واحتجَّ بحديث هذا الباب: ((إن سبّعت لك سبّعت لنسائي، وإن شئتِ ثَلَّئت، ودُرْت))، يعني بمثل ذلك. واحتجوا أيضاً بقوله وَله: ((من كانت له زوجتان، ومال إلى إحداهما جاء يوم القيامة، وشقه مائل)). (١) ((المغني)) ٧/ ٢٤٠. ٧٣٧ (١٢) - بَابُ قَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ مِنْ إِقَامَةِ الزَّوْجِ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢١) قال أبو عمر: عن التابعين في هذا الباب من الاختلاف كالذي بين أئمة الفتوى فقهاء الأمصار، وما ذهب إليه مالك، والشافعيّ، فهو الذي وردت به الآثار المرفوعة، وهو الصواب - إن شاء الله -. قال أبو عمر: لما قال رسول الله وَالفقير: (للبكر سبع، وللثيب ثلاث)) دَلّ على أن ذلك حقّ من حقوقها، فمحال أن يحاسبا بذلك، وعند أكثر العلماء ذلك واجب لهما، كان عند الرجل زوجة أم لا؛ لقوله ويقول: ((إذا تزوج البكر أقام عندها سبعاً، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً)، ولم يخصّ من له زوجة ممن لا زوجة له. وقد اختلفوا في المقام المذكور، هل هو من حقوق الزوجة على الزوج، أو من حقوق الزوج على سائر نسائه؟ فقالت طائفة: هو حقّ للمرأة، إن شاءت طالبت به، وإن شاءت تركته. وقال آخرون: هو من حقّ الزوج، إن شاء أقام عندها، وإن شاء لم يُقِم، فإن أقام عندها، ففيه من الاختلاف ما ذكرنا، وإن لم يقم عندها إلا ليلةً دار، وكذلك إن أقام ثلاثاً دار على ما ذكرنا من اختلاف الفقهاء. فالقول عندي أولى باختيار رسول الله وسلم أن ذلك حقّ؛ لقوله: ((للبكر سبع، وللثيب ثلاثٌ))، وقوله: ((من تزوج بكراً أقام عندها سبعاً، وعند الثيب ثلاثاً، وبالله تعالى التوفيق. انتهى (١) قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره الإمام ابن عبد البرّ تَخُّْ من العمل بما دلّت عليه أحاديث الباب، وهو أن من تزوّج بكراً، أقام عندها سبعاً، ومن تزوّج ثيّاً أقام عندها ثلاثاً، إلا أن تشاء التسبيع، فيسبّع لها، ثم يحاسبها بالتسبيع لزوجاته، هو الصواب الذي لا شكّ فيه؛ لأنه نصّ الرسول وَل9، ولا كلام ونقاش معه وَل، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك مسلك التقليد والانحراف، وراجع ما كتبه أبو محمد بن حزم كَظُّهُ في المسألة في كتابه ((المحلّى))(٢)، فقد ناقش المخالفين بأشدّ أسلوب، وأفحمه للخصوم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الاستذكار)) ٤٣٨/٥ - ٤٤١. (٢) ((المحلّى)) ٦٣/١٠ - ٦٧. ٧٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم هل هذا الحقّ المذكور من التسبيع والتثليث حقّ للزوج، أم للزوجة الجديدة؟ قال النوويّ تَخْلُ: اختلفوا في ذلك، ومذهبنا، ومذهب الجمهور، أنه حقّ لها، وقال بعض المالكية: حقّ له على بقية نسائه، واختلفوا في اختصاصه بمن له زوجات غير الجديدة، قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حقّ للمرأة بسبب الزفاف، سواء كان عنده زوجة، أم لا؟؛ لعموم الحديث: ((إذا تزوج البكر أقام عندها سبعاً، واذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً))، فلم يخص من لم یکن له زوجة. وقالت طائفة: الحديثُ فيمن له زوجة، أو زوجات، غير هذه؛ لأن من لا زوجة له، فهو مقيم مع هذه كل دهره، مؤنس لها، متمتع بها، مستمتعة به بلا قاطع، بخلاف من له زوجات، فإنه جُعلت هذه الأيام للجديدة؛ تأنيساً لها متصلاً؛ لتستقرّ عشرتها له، وتذهب حِشمتها ووحشتها منه، ويقضي كل واحد منهما لذّته من صاحبه، ولا ينقطع بالدوران على غيرها . ورجح القاضي عياض هذا القول، وبه جزم البغويّ من أصحاب الشافعيّ في ((فتاويه))، فقال: إنما يثبت هذا الحق للجديدة، إذا كان عنده أخری یبیت عندها، فإن لم تكن أخرى، أو كان لا يبيت عندها لم يثبت للجديدة حقّ الزفاف، كما لا يلزمه أن يبيت عند زوجاته ابتداء. قال النوويّ: والأول أقوى، وهو المختار؛ لعموم الحديث. انتهى كلام النوويّ نَّهُ(١) . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن ما رجحه القاضي عياض، من تقييده بمن له زوجة أخرى هو الأقرب؛ لما سيأتي من حديث أنس ربه: ((إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً ... )) الحديث، فقيّده بمن تزوج على زوجته، ومفهومه أن من لم يتزوج على زوجته ليس عليه التسبيع، ولا التثليث، وأما الروايات التي فيها الإطلاق فَتُحمل على هذه الرواية المقيّدة، فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((شرح النوويّ)) ٤٤/١٠ - ٤٥. ٧٣٩ (١٢) - بَابُ قَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ مِنْ إِقَامَةِ الزَّوْجِ ... إلخ - حديث رقم (٣٦٢١) [تنبيه]: قال في ((الفتح)): يُكرَه أن يتأخر في السبع أو الثلاث عن الصلاة، وسائر أعمال البرّ التي كان يفعلها. نصّ عليه الشافعيّ، وقال الرافعيّ: هذا في النهار، وأما في الليل فلا؛ لأن المندوب لا يترك له الواجب، وقد قال الأصحاب: يسوّي بين الزوجات في الخروج إلى الجماعة، وفي سائر أعمال البرّ، فيخرج في ليالي الكلّ، أو لا يخرج أصلاً، فإن خصّص حُرُم عليه، وعدُّوا هذا من الأعذار في ترك الجماعة. وقال ابن دقيق العيد: أفرط بعض الفقهاء، فجعل مُقامه عندها عذراً في إسقاط الجمعة، وبالغ في التشنيع. وأجيب بأنه قياس قول من يقول: بوجوب المقام عندها، وهو قول الشافعية، ورواه ابن قاسم عن مالك، وعنه يستحبّ، وهو وجه للشافعية، فعلى الأصح يتعارض عنده الواجبان، فيقدَّم حقّ الآدميّ، فليس بشنيع، وإن كان مرجوحاً. انتهى (١). قال الشوكانيّ كَّلُهُ: ولا يخفى أن مثل هذا لا يُرَدّ به على تشنيع ابن دقيق العيد؛ لأنه شنَّع على القائل كائناً من كان، وهو قولٌ شنيعٌ، كما ذكر، فكيف يجاب عنه بأن هذا قد قال به فلان وفلان؟ اللهم إلا أن يكون ابن دقيق العيد موافقاً في وجوب المقام بلا استثناء. انتهى كلام الشوكانيّ كَذِفُهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما أحقّ التشنيع والتقبيح على هذا القول المهين، فما ذكره الرافعيّ عجيب، فإنه مخالف للنصوص الصحيحة الكثير في إيجاب صلاة الجمعة، والجماعة، على الإطلاق، فلا يوجد نصّ يُخرج المتزوج عن ذلك، وأيضاً فإن الرافعيّ شافعيّ، وقائم في نصرة مذهبه، وهذا مخالف لنصّ الشافعيّ، كما سبق آنفاً، إن هذا لشيء عجيب. قال الإمام ابن حزم ◌َُّ في معرض الردّ على هذا القول: وأما التخلف عن صلاة الجماعة، فقد ذكرناه في ((كتاب الصلاة)) من ديواننا هذا - يعني (الْمُحَلّى)) - وغيره: إيجاب رسول الله وَّ هُ ذلك، وتوعده بحرق بيوت المتخلفين عنها لغير عذر، وقد تزوج ﴿ وأصحابه، فما منهم من أحد تخلف في (١) ((الفتح)) ٦٦٠/١١ - ٦٦١. (٢) ((نيل الأوطار)) ٦/ ٣٧٠. ٧٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع التسبيع، والتثليث عن صلاة الجماعة والجمعة، وإنما هي ضلالة أحدثها الشيطان. انتهى كلام ابن حزم كَّفُ(١)، وهو كلام نفيس جدّاً. والحاصل أن التخلّف عن صلاة الجمعة، والجماعة لمن تزوّج متعلّلاً بهذا التسبيع والتثليث، لَمِنْ تسويل الشيطان، ومما يدعو إليه حزبه؛ ليكونوا من أصحاب الضلال، فليحذر المسلم كلّ الحذر عن الاعتماد على مثل هذه الفتاوى الماجنة، فإنها عين الضلالة والمهانة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٢٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، قَالَ لَهَا: ((لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّئْتُ، ثُمَّ دُرْتُ))، قَالَتْ: ثَلِّثْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، تقدّم أيضاً قريباً . والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ) أي مع تسبيعه لنسائه، كما بيّنته الروايات الأخرى، ففي هذه الرواية اختصار، يعني أنها إن شاءت أقام عندها سبعاً، لکنه یحاسبها علی ذلك، فیسبّح لسائر نسائه. وقوله: (وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّئْتُ، ثُمَّ دُرْتُ) أي أقيم عندك ثلاثاً، ثم أدور على (١) ((المحلى)) ١٠/ ٦٧.