Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
(١٠) - بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُّبُّهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٣)
حديث أبي هريرة، وعائشة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود، وقال
الترمذيّ - عقب حديث أبي هريرة -: وفي الباب عن عمر، وعثمان، وعبد الله بن
مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وأبي أمامة، وعمرو بن
خارجة، والبراء، وزيد بن أرقم.
وزاد الحافظ العراقيّ عليه: معاوية، وابن عمر، وزاد أبو القاسم بن منده
في ((تذكرته)): معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعليّ بن
أبي طالب، والحسين بن عليّ، وعبد الله بن حُذافة، وسعد بن أبي وقّاص،
وسودة بنت زمعة.
قال الحافظ: ووقع لي من حديث ابن عباس، وأبي مسعود البدريّ،
وواثلة بن الأسقع، وزينب بنت جحش، وقد رقّمت عليها علامات من أخرجها
من الأئمّة، فـ ((طب)) علامة الطبرانيّ في ((الكبير))، و((طس)) علامته في
((الأوسط))، و((بز)) علامة البزّار، و((ص)) علامة أبي يعلى الموصليّ، و((تم))
علامة تمام في ((فوائده)).
وجميع هؤلاء وقع عندهم: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجر))، ومنهم من
اقتصر على الجملة الأولى، وفي حديث عثمان قصّة، وكذا عليّ، وفي حديث
معاوية قصّة أخرى له مع نصر بن حجّاج، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد،
فقال له نصر: فأين قضاؤك في زياد؟، فقال: قضاء رسول الله وَلو خير من
قضاء معاوية، وفي حديث أبي أمامة، وابن مسعود، وعبادة أحكام أخرى،
وفي حديث عبد الله بن حُذافة قصّة له في سؤاله عن اسم أبيه، وفي حديث ابن
الزبير قصّة نحو قصّة عائشة باختصار، وقد أشرت إليه، وفي حديث سودة
نحوه، ولم تُسَمَّ في رواية أحمد، بل قال: ((عن بنت زمعة))، وفي حديث زينب
قصّة، ولم يُسَمَّ أبوها، بل فيه: ((عن زينب الأسدية)).
وجاء من مرسل عُبيد بن عمير، وهو أحد كبار التابعين، أخرجه ابن
عبد البرّ بسند صحيح إليه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(١) ((الفتح)) ٤٧٥/١٥ - ٤٧٦ ((كتاب الفرائض)) رقم (٦٧٤٩).

٧٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن الولد يُلحَق بالفراش، إذا لم ينفه صاحب الفراش.
٢ - (ومنها): أن الوصيّ يجوز له أن يستلحق ولد موصيه، إذا أوصى إليه
بأن يستلحقه، ويكون كالوكيل عنه في ذلك.
٣ - (ومنها): أن الأمة تصير فراشاً بالوطء، إذا اعترف السيّد بذلك، أو
ثبت ذلك بأيّ طريق كان.
٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن القائف إنما يُعتمَد في الشبه إذا لم
يُعارضه ما هو أقوى منه؛ لأن الشارع لم يلتفت هنا إلى الشبه، والتفت إليه في
قصّة زيد بن حارثة ، وكذا لم يحكم بالشبه في قصّة الملاعنة؛ لأنه عارضه
حكم أقوى منه، وهو مشروعيّة اللعان.
٥ - (ومنها): أن عموم قوله وَلجر: ((الولد للفراش)) مخصوص بمشروعية
اللعان، وخالف فيه الشعبيّ، وبعض المالكيّة، وهو شاذٌ، ونقل عن الشافعيّ
أنه قال: لقوله: ((الولد للفراش)) معنيان: أحدهما: هو له ما لم ينفه، فإذا نفاه
بما شُرع له، كاللعان انتفى عنه. والثاني: إذا تنازع ربّ الفراش، والعاهر،
فالولد لربّ الفراش، قال الحافظ: والثاني منطبقٌ على خصوص الواقعة،
والأول أعمّ. انتهى.
٦ - (ومنها): أنه يدلّ على أن حكم الحاكم لا يُحِلّ الأمر في الباطن،
كما لو حكم بشهادة، فظهر أنها زورٌ؛ لأنه وَ لجر حكم بأنه أخو عبد، وأمر سودة
بالاحتجاب عنه بسبب الشبه بعتبة، فلو كان الحكم يُحلّ الأمر في الباطن، لَمَا
أمرها بالاحتجاب.
٧ - (ومنها): أنه يدلّ على صحّة ملك الكافر الوثنيّ الأمة الكافرة، وأن
حكمها بعد أن تلد من سيّدها حكم القنّ؛ لأن عَبْداً، وسعداً أطلقا عليها أمةً،
ووليدةً، ولم يُنكر ذلك النبيّ وَله.
وأجيب بأن عتق أم الولد بموت السيّد ثبت بأدلّة أخرى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في استلحاق غير الأب:
ذهب الشافعيّ كَّلُ وجماعة إلى أن الاستلحاق لا يختصّ بالأب، بل

٧٠٣
(١٠) - بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُّبُّهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٣)
للأخ أن يستلحق، لكن بشرط أن يكون حائزاً للإرث، أو يوافقه باقي الورثة،
وإمكان كونه من المذكور، وأن يوافق على ذلك، إن كان بالغاً عاقلاً، وأن لا
يكون معروف الأب.
وتُعُقّب بأن زمعة كان له ورثة غیر عبد.
وأجيب بأنه لم يخلُّف وارثاً غيره، إلا سودة، فإن كان زمعة مات كافراً،
فلم يرثه إلا عبدٌ وحده، وعلى تقدير أن يكون أسلم، وورثته سودة، فَيَحْتَمِل أن
تكون وكّلت أخاها في ذلك، أو ادّعت أيضاً.
وذهب مالك تَّتُهُ، وطائفة إلى أنّ الاستلحاق خاصّ بالأب، وأجابوا
عن هذا الحديث بأن الإلحاق لم ينحصر في استلحاق عبد؛ لاحتمال أن يكون
النبيّ وَّ اطّلع على ذلك بوجه من الوجوه، كاعتراف زمعة بالوطء، ولأنه إنما
حكم بالفراش؛ لأنه قال - بعد قوله: ((هو لك)) -: ((الولد للفراش))؛ لأنه لمّا
أبطل الشرع إلحاق هذا الولد بالزاني لم يبق صاحبَ الفراش.
وجرى المُزَّنيّ على القول بأن الإلحاق يختصّ بالأب، فقال: أجمعوا
على أنه لا يُقبل إقرار أحد على غيره، والذي عندي في قصّة عبد بن زمعة
أنه وس* أجاب عن المسألة، فأعلمهم أن الحكم كذا بشرط أن يدّعي صاحب
الفراش، لا أنه قَبِلَ دعوى سعد عن أخيه عتبة، ولا دعوى عبد بن زمعة عن
زمعة، بل عرّفهم أن الحكم في مثلها يكون كذلك، قال: ولذلك قال:
«احتجبي منه یا سودة)).
وتُعُقّب بأن قوله لعبد بن زمعة: ((هو أخوك)) يدفع هذا التأويل(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الشافعيّة
وجماعة، من أن الاستلحاق يجوز للأخ هو الراجح؛ عملاً بظاهر حديث
الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): استُدلّ بهذا الحديث على أن الأمة تصير فراشاً
بالوطء، فإذا اعترف السيّد بوطء أمته، أو ثبت ذلك بأيّ طريق كان، ثم أتت
بولد لمدّة الإمكان بعد الوطء لحقه من غير استلحاق، كما في الزوجة، لكن
(١) ((الفتح)) ٤٦٨/١٥.

٧٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
الزوجة تصير فراشاً بمجرّد العقد، فلا يُشترط في الاستلحاق إلا الإمكان؛
لأنها تراد للوطء، فجعل العقد عليها كالوطء، بخلاف الأمة، فإنها تراد لمنافع
أخرى، فاشتُرط في حقّها الوطء، ومن ثَمّ يجوز الجمع بين الأختين بالمُلك،
دون الوطء، وهذا قول الجمهور.
وعن الحنفيّة لا تصير الأمة فراشاً إلا إذا ولدت من السيّد ولداً، ولحق
به، فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه.
وعن الحنابلة: من اعترف بالوطء، فأتت منه لمدّة الإمكان لحقه، وإن
ولدت منه أوّلاً، فاستلحقه لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح
عندهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجيح المذهب الأول - كما قال الحافظ -
ظاهرٌ؛ لأنه لم يُنقل أنه كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر، والكلّ متّفقون على
أنها لا تصير فراشاً إلا بالوطء، قال النوويّ: وطء زمعة أمته المذكورة عُلم،
إما ببيّنة، وإما باطلاع النبيّ وَّ على ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وحديث ابن الزبير ﴿ً عند النسائيّ،
بلفظ: ((كانت لزمعة جارية يطؤها)) يشعر بأن ذلك كان مشهوراً عندهم، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): استُدلّ بالحديث على أن السبب لا يُخْرَج، ولو
قلنا: إن العبرة بعموم اللفظ، ونقل الغزاليّ تبعاً لشيخه، والآمديّ، ومن تبعه
عن الشافعيّ قولاً بخصوص السبب؛ تمسّكاً بما نُقل عن الشافعيّ أنه ناظر
بعض الحنفيّة، لما قال: إن أبا حنيفة خصّ الفراش بالزوجة، وأخرج الأمة من
عموم: ((الولد للفراش))، فردّ عليه الشافعيّ بأن هذا ورد على سبب خاصّ.
وردّ الفخر الرازيّ على من قال بأن مراد الشافعيّ أن خصوص السبب لا
يُخْرَج، والخبر إنما ورد في حقّ الأمة، فلا يجوز إخراجه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): اتفق أهل العلم على أن قوله تعالى: ((الولد للفراش))
يعمّ الزوجة أيضاً؛ أخذاً بعموم اللفظ، كما تقدّم، لكن بشرط الإمكان، فلو
نكح مشرقيّ مغربيّةً، ولم يُفارق واحد منهما وطنه، ثم أتت بولد لستة أشهر،

٧٠٥
(١٠) - بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَفِّي الشُّبُّهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٣)
أو أكثر، لم يلحقه؛ لعدم إمكان كونه منه، وكذا لو اجتمعا، لكن أتت به لأقلّ
من ستة أشهر من حين إمكان اجتماعهما لم يلحقه أيضاً، هذا مذهب مالك،
والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّة، إلا أبا حنيفة، فلم يشترط الإمكان، بل
اكتفى بمجرّد العقد، حتى لو طلّق عقب العقد من غير إمكان وطء، فولدت
لستة أشهر من العقد لحقه الولد.
قال النوويّ: وهذا ضعيفٌ، ظاهر الفساد، ولا حجة له في إطلاق
الحديث؛ لأنه خرج على الغالب، وهو حصول الإمكان عند العقد(١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: الفراش هنا كناية عن الموطوءة؛ لأن الواطئ
يستفرشها، أي يُصيّرها كالفراش، ويعني به أن الولد لاحقٌ بالواطئ، قال
الإمام: وأصحاب أبي حنيفة يحملونه على أن المراد به صاحب الفراش،
ولذلك لم يشترطوا إمكان الوطء في الحرّة، واحتجّوا بقول جرير [من الكامل]:
بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا خَلَقَ الْعَبَاءَةِ فِي الدِّمَاءِ قَتِيلًا
يعني زوجها، والأول أولى؛ لما ذكرناه من الاشتقاق، ولأن ما قدّره من
حذف المضاف ليس في الكلام ما يدلّ عليه، ولا ما يُحوج إليه. انتهى(٢).
قال الحافظ: وفهم بعض الشرّاح - يريد به ولي الدين العراقيّ - عن القرطبيّ
خلاف مراده، فقال: كلامه يقتضي حصول مقصود الجمهور بمجرّد كون الفراش
هو الموطوءة، وليس هو المراد، فعلم أنه لا بدّ من تقدير محذوف؛ لأنه قال: إن
الفراش هو الموطوءة، والمراد به أن الولد لا يلحق بالواطئ، قال المعترض:
وهذا لا يستقيم إلا مع تقدير المحذوف. قلت: وقد بيّنت وجه استقامته بحمد الله،
ويؤيد ذلك أيضاً أن ابن الأعرابيّ اللغويّ نقل أن الفراش عند العرب يعبّر به عن
الزوج، وعن المرأة، والأكثر إطلاقه على المرأة، ومما ورد في التعبير عن الرجل
قول جرير، فيمن تزوّجت بعد قتل زوجها، أو سيّدها [من الكامل]:
بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا خَلَقَ الْعَبَاءَةِ بِالْبَلَاءِ ثَقِيلًا
وقد يُعبّر به عن حالة الافتراش، ويمكن حمل الخبر عليها، فلا يتعيّن
الحذف.
(١) (شرح النوويّ)) ٣٧/١٠.
(٢) ((المفهم)) ١٩٦/٤.

٧٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
نعم لا يمكن حمل الخبر على كلّ واطئ، بل المراد من له الاختصاص
بالوطء، كالزوج، والسيّد، ومن ثمّ قال ابن دقيق العيد: معنى ((الولد
للفراش)): تابع للفراش، أو محكوم به للفراش، أو ما يقارب هذا.
وقد شنّع بعضهم على الحنفيّة بأن من لازم مذهبهم إخراج السبب مع
المبالغة في العمل بالعموم في الأحوال.
وأجاب بعضهم بأنه خصّص الظاهر القويّ بالقياس، وقد عُرف من
قاعدته تقديم القياس في مواضع على خبر الواحد، وهذا منها. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا بدّ لثبوت
النسب من الإمكان زماناً ومكاناً هو الصواب عندي؛ لوضوح متمسّكه، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): قال المازريّ دَخْلقُهُ: يتعلّق بهذا الحديث استلحاق الأخ
لأخيه، وهو صحيح عند الشافعيّ، إذا لم يكن له وارث سواه، وقد تعلّق
أصحابه بهذا الحديث لأنه لم يرد أن زمعة ادّعاه ولداً، ولا اعترف بوطء أمه،
فكان المعوّل في هذه القصّة على استلحاق عبد بن زمعة، قال: وعندنا - يعني
المالكيّة - لا يصحّ استلحاق الأخ، ولا حجة في هذا الحديث؛ لأنه يمكن أن
يكون ثبت عند النبيّ ◌َ ﴿ أن زمعة كان يطأ أمته، فألحق الولد به؛ لأن من ثبت
وطؤه لا يحتاج إلى الاعتراف بالوطء، وإنما يصعب هذا على العراقيين،
ويعسر عليهم الانفصال عما قاله الشافعيّ؛ لما قرّرناه أنه لم يكن لزمعة ولدٌ من
الأمة المذكورة سابقٌ، ومجرّد الوطء لا عبرة به عندهم، فيلزمهم تسليم ما قال
الشافعيّ، قال: ولَمّا ضاق عليهم الأمر، قالوا: الرواية في هذا الحديث: ((هو
لك عبد بن زمعة))، وحُذف حرف النداء بين عبد وابن زمعة، والأصل: يا ابن
زمعة، قالوا: والمراد أن الولد لا يلحق بزمعة، بل هو عبد لولده؛ لأنه وارثه،
وأمر سودة بالاحتجاب منه؛ لأنها لم ترث زمعة؛ لأنه مات كافراً، وهي
مسلمةٌ، قال: وهذه الرواية التي ذكروها غير صحيحة، ولو وردت لرددناها إلى
الرواية المشهورة، وقلنا: بل المحذوف حرف النداء بين ((لك))، و((عبد))، كقوله
(١) ((الفتح)) ١٥/ ٤٧٠.

٧٠٧
(١٠) - بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٣)
تعالى، حكاية عن صاحب يوسف ظلُّ، حيث قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضِ عَنْ هَذَا﴾
الآية [يوسف: ٢٩]. انتهى.
وسلك الطحاويّ فيه مسلكاً آخر، فقال: معنى قوله: ((هو لك)) أي يدك
عليه، لا أنك تملكه، ولكن تمنع غيرك منه إلى أن يتبيّن أمره، كما قال
لصاحب اللُّقطة: ((هي لك))، وقال له: ((إذا جاء صاحبها فأدّها إليه))، قال:
ولما كانت سودة شريكة لعبد في ذلك، لكن لم يعلم منها تصديق ذلك، ولا
الدعوى به، ألزم عبداً بما أقرّ به على نفسه، ولم يجعل ذلك عليها، فأمَرَها
بالاحتجاب.
وكلامه هذا كلّه متعقّبٌ بالرواية الثانية المصرّح فيها بقوله وَليقول: ((أخوك))،
فإنها رفعت الإشكال، وكأنه لم يقف عليها، ولا على حديث ابن الزبير وسودة
الدّالّ على أن سودة وافقت أخاها عبداً في الدعوى بذلك، قاله في ((الفتح))(١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): أنه قد استدلّت الحنفيّة بهذا الحديث على أنه وَلّ لم
يلحقه بزمعة؛ لأنه لو ألحقه به لكان أخا سودة، والأخ لا يؤمر بالاحتجاب
منه .
وأجاب الجمهور بأن الأمر بذلك كان للاحتياط؛ لأنه وإن حكم بأنه
أخوها؛ لقوله في الطرق الصحيحة: ((هو أخوك يا عبد))، وإذا ثبت أنه أخو عبد
لأبيه، فهو أخو سودة لأبيها، لكن لما رأى الشبه بيّناً بعتبة أمرها بالاحتجاب
منه احتياطاً، وأشار الخّابيّ إلى أن في ذلك مزيّة لأمهات المؤمنين؛ لأن لهنّ
في ذلك ما ليس لغيرهنّ، قال: والشبه يُعتبر في بعض المواطن، لكن لا يُقضى
به، إذا وُجد ما هو أقوى منه، وهو كما يُحكم في الحادثة بالقياس، ثم يوجد
فيها نصّ، فيُترك القياس، قال: وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث، وليس
بثابت: ((احتجبي منه، يا سودة، فإنه ليس لك بأخ))، وتبعه النوويّ، فقال: هذه
الزيادة باطلة مردودة.
وتُعُقّب بأنها وقعت في حديث عبد الله بن الزبير، عند النسائيّ، بسند
(١) ((الفتح)) ١٥/ ٤٧١.

٧٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
حسن، ولفظه: ((كانت لزمعة جارية يطؤها ... )) الحديث، ورجال سنده رجال
الصحيح، إلا شيخ مجاهد، وهو يوسف مولى آل الزبير.
وقد طعن البيهقيّ في سنده، فقال: فيه جرير، وقد نُسب في آخر عمره
إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف، وهو غير معروف، وعلى تقدير ثبوته، فلا
يعارض حديث عائشة المتّفق على صحّته.
وتُعُقّب بأن جريراً هذا لم يُنسب إلى سوء حفظ، وكأنه اشتبه عليه
بجرير بن حازم، وبأن يوسف معروف في موالي آل الزبير، وبأن الجمع بينهما
ممكن، فلا ترجيح، وعلى هذا فيتعيّن تأويله، وإذا ثبتت هذه الزيادة تعيّن
تأويل نفي الأخوة عن سودة على نحو ما تقدّم من أمرها بالاحتجاب منه.
ونقل ابن العربيّ في ((القوانين)) عن الشافعيّ نحو ما تقدّم، وزاد: ولو
كان أخاها بنسب محقّق لَمَا منعها، كما أمر عائشة أن لا تحتجب من عمها من
الرضاعة.
وقال البيهقيّ: معنى قوله: ((ليس لك بأخ)) بالنسبة للميراث من زمعة؛
لأن زمعة مات كافراً، وخلف عبد بن زمعة، والولد المذكور، وسودة، فلا حقّ
لسودة في إرثه، بل حازه عبد قبل الاستلحاق، فإذا استلحق الابن المذكور
شاركه في الإرث، دون سودة، فلهذا قال لعبد: ((هو أخوك))، وقال لسودة:
((ليس لك بأخ)).
وقال القرطبيّ - بعد أن قرّر أنّ أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط، وتوقّ
الشبهات -: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حقّ أمهات
المؤمنين، كما قال: ((أفعَمْيَاوان أنتما))، فنهاهما عن رؤية الأعمى، مع قوله
لفاطمة بنت قيس: ((اعتدّي عند ابن أم مكتوم، فإنه أعمى))، فغلّظ الحجاب في
حقّهنّ، دون غيرهنّ.
وقد قال بعض أهل العلم: إنه كان يحرم عليهنّ بعد الحجاب إبراز
أشخاصهنّ، ولو كنّ مستترات، إلا لضرورة، بخلاف غيرهنّ، فلا يُشترط.
وأيضاً فإن للزوج أن يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها، فلعلّ المراد
بالاحتجاب عدم الاجتماع في الخلوة.
وقال ابن حزم: لا يجب على المرأة أن يراها أخوها، بل الواجب عليها

٧٠٩
(١٠) - بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُّبُّهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٣)
صلة رحمها، ورَدّ على من زعم أن معنى قوله: ((هو لك)) أي عبدٌ بأنه لو قضى
بأنه عبدٌ لما أمر سودة بالاحتجاب منه؛ إما لأن لها فيه حصّةً، وإما لأن من
في الرقّ لا يُحتجب منه على القول بذلك، أفاده في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الراجح أن نهيه والخر سودة .
،
وقوله: ((فإنه ليس لك بأخ)) إن صح محمول على الاحتياط، فإنه وإن ثبت نسبه
لأجل الفراش، إلا أن شَبَهه بعتبة يورث الشبهة، فيُحتاط من أجله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): استدلّ بالحديث بعض المالكيّة على مشروعيّة الحكم
بين حُكْمين، وهو أن يأخذ الفرع شبهاً من أكثر من أصل، فيُعطَى أحكاماً بعدد
ذلك، وذلك أن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة في النسب، والشبه يقتضي إلحاقه
بعتبة، فأعطي الفرع حكماً بين حكمين، فروعي الفراش في النسب، والشبه
البيّن في الاحتجاب، قال: وإلحاقه بهما، ولو كان من وجه أولى من إلغاء
أحدهما من کلّ وجه.
قال ابن دقيق العيد: ويُعتَرض على هذا بأن صورة المسألة ما إذا دار
الفرع بين أصلين شرعيين، وهنا الإلحاق شرعيّ للتصريح بقوله: ((الولد
للفراش))، فبقي الأمر بالاحتجاب مشكلاً؛ لأنه يناقض الإلحاق، فتعيّن أنه
للاحتياط، لا لوجوب حكم شرعيّ، وليس فيه إلا ترك مباح، مع ثبوت
المحرميّة. انتهى، وهو اعتراض وجيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أنه استدلّ بهذا الحديث على أن لوطء الزنا
حكم وطء الحلال في حرمة المصاهرة، وهو قول الجمهور، ووجه الدّلالة أمر
سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنه أخوها لأجل الشبه بالزاني.
وقال مالك في المشهور عنه، والشافعيّ: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني
أن يتزوّج أم التي زنى بها، وبنتها، وزاد الشافعيّ، ووافقه ابن الماجشون:
والبنت التي تلدها المزنيّ بها، ولو عرفت أنها منه.
(١) ((الفتح)) ٤٧٢ - ٤٧٤.

٧١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
قال النوويّ: وهذا احتجاج باطلٌ؛ لأنه على تقدير أن يكون من الزنا،
فهو أجنبيّ من سودة لا يحلّ لها أن تظهر له سواء ألحق بالزاني، أم لا، فلا
تعلّق له بمسألة البنت المخلوقة من الزنا.
قال الحافظ: كذا قال، وهو ردّ للفرع بردّ الأصل، وإلا فالبناء الذي بَنَوْه
صحيحٌ.
وقد أجاب الشافعيّة عنه بما تقدّم أن الأمر بالاحتجاب للاحتياط،
ويُحْمَل الأمر في ذلك إما على الندب، وإما على تخصيص أمهات المؤمنين
بذلك، فعلى تقدير الندب، فالشافعيّ قائل به في المخلوقة من ماء الزنا، فيُجيز
عند فقد الشبه، ويمنع عند وجوده، قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه مالك والشافعي من أنه لا
أثر لوطء الزنا هو الراجح عندي، وقد صح عن عليّ، وابن عباس، وغيرهما
أنهم قالوا: إن الحرام لا يُحَرِّمُ الحلال، وأما أمره وَّهِ سودة ◌َّا بالاحتجاب
فمن باب الاحتياط، ولأن أمهات المؤمنين - رضي الله عنهنّ ـ لسن كغيرهنّ
من النساء، فيشدد عليهنّ ما لا يشدد على غيرهنّ، كما قال الله تعالى: ﴿يَنِسَآءَ
التَِّ لَسْئُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٦١٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَعَمْرُو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّ
مَعْمَراً، وَابْنَ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِمَا: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ))، وَلَمْ يَذْكُرَا: ((وَلِلْعَاهِرِ
الْحَجَرُ))).
(١) ((الفتح)) ١٥/ ٤٧٤.

٧١١
(١٠) - بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٤)
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُراسانِيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ
[١٠] (ت٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، تقدّم قبل بابين.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضاً قبل بابين.
٥ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.
٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريباً.
و((الزهريّ)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن الزهريّ ساقها البخاريّ كَّثُ في
((صحيحه))، فقال:
(٢٢٨٩) - حدّثنا عبد اللهِ بن مُحَمَّدٍ، حدّثنا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن
عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ رِ﴿ُهَا أَنَّ عَبْدَ بن زَمْعَةَ، وَسَعْدَ بن أبي وَقَّاصٍ، اخْتَصَمَا إلى
النبيّ وَّهِ فِي ابن أَمَةِ زَمْعَةَ، فقال سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصَانِي أَخِي، إذا قَدِمْتُ
أَنْ أَنْظُرَ ابنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبِضَهُ، فإنه ابْنِي، وقال عبد بن زَمْعَةَ: أَخِي وابن أَمَةِ
أبي، وُلِدَ على فِرَاشِ أبِي، فَرَأَى النبيّ ◌َّهِ شَبَهاً بَيِّناً بِعُتْبَةَ، فقال: ((هو لك يا
عبد بن زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي منه يا سَوْدَةُ)). انتهى.
ورواية معمر، عن الزهريّ ساقها أبو عوانة كَّتُ في ((مسنده)) ١٢٦/٣
فقال :
(٤٤٤٨) - حدّثنا محمد بن يحيى، ومحمد بن إسحاق بن الصباح،
والدَّبَرِيّ، قالوا: ثنا عبد الرزاق، قال: أنبا معمرٌ، عن الزهريّ، عن عروة،
عن عائشة، أن عتبة بن أبي وقاص قال لأخيه سعد: أتعلم أن ابن جارية زمعة
ابني؟ قالت عائشة: فلما كان يومُ الفتح رأى سعد الغلام، فعرفه بالشبه،
فاحتضنه إليه، وقال: ابن أخي ورب الكعبة، فجاء عبد بن زمعة، فقال: بل
هو أخي، وُلد على فراش أبي من جاريته، فانطلقا إلى النبيّ رَّ، فقال سعد:
يا رسول الله، هو ابن أخي، انظر إلى شبهه بعتبة، قالت: فرأى رسول الله وله

٧١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
شَبَهاً لم ير الناس شبها أبين منه بعتبة، فقال عبد بن زمعة: يا رسول الله، بل
هو أخي، وُلد على فراش أبي من جاريته، فقال رسول الله وصله: ((الولد
للفراش، واحتجبي منه يا سودة))، قالت عائشة: فوالله ما رآها حتى ماتت.
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٦١٥] (١٤٥٨) - (وَحَدَّثَنِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ
رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبٍ، وَأَبِي
سَلَّمَّةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ
الْحَجَرُ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قبل بابین.
٢ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
٣ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه
[٣] (٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٢٣.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون ذُكروا قبله، وشرح الحديث سبق في الذي قبله.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦١٥/١٠ و٣٦١٦] (١٤٥٨)، و(البخاريّ) في
((الفرائض)) (٦٧٥٠) و((الحدود)) (٦٨١٨)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١١٥٧)،
و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (١٨٠/٦) و((الكبرى)) ٣٧٨/٣)، و(ابن ماجه) في
((النكاح)) (٢٠٠٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٤٣/٧)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٥١/٤)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤٦٥/٢)، و(أحمد) في

٧١٣
(١٠) بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُُّهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٦)
«مسنده)) (٢٣٩/٢ و٢٨٠ و٣٨٦ و٤٠٩ ٤٦٦ و٤٧٥ و٤٩٢)، و(الدارميّ) ٢/
٢٠٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٢٨/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤/
١٣١)، و(ابن الجعد) في («مسنده)) (١٧٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧)
٤١٢) و((المعرفة)) (١٩/٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦١٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى
ابْنُ حَمَّادٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَمَّا ابْنُ مَنْصُورٍ
فَقَالَ: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا عَبْدُ الْأَعْلَى فَقَالَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَوْ عَنْ
سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ سَعِيدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَحَدُهُمَا، أَوْ
كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ مَرَّةً عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ،
وَأَبِي سَلَمَةَ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ، أَوْ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن
النَِّّ ◌َّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمٍَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ،
المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت٦ أو٢٣٧) (خ م د) تقدم في
((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
[تنبيه]: رواية سعيد بن منصور، عن سفيان، فساقها هو في ((سننه)) ٢١/
١٠٧ فقال:
(٢١٣١) - أخبرنا سعيد(١)، نا سفيان، عن الزهريّ، عن سعيد بن
المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلجر: ((الولد للفراش، وللعاهر
الحجر)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) قائل ((أخبرنا)) هو الراوي عن سعيد.

٧١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
(١١) - (بَابُ الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ)
(اعلم): أن القائف: هو الذي يتتبّعُ الآثار، ويعرفها، ويَعرف شَبَهَ الرجلِ
بأخيه، وأبيه، ويقال: فلانٌ يقُوفُ الأثر، ويَقْتَافِه قِيَافَةً، مثلُ قفا الأثرَ،
واقتفاه، قال ابن سِيدَهْ: قاف الأثر قِيَافَةً، واقْتَافه اقتيافاً، وقافه يقُوفه قَوْفاً،
وتقَوَّفَه: تَتَبَّعه، أنشد ثعلب [من الطويل]:
مُحَلَّى بِأَظْوَاقٍ عِتَاقٍ يَبِينُهَا عَلَى
الضَّزْنِ أَغْبَى الضَّأْنِ لَوْ يَتَقَوَّفُ
و((الضَّزْنُ)» هنا: سوء الحال من الجهل، يقول: كرمه وجُودُهُ يَيِين لمن لا
يفهم الخبرَ، فكيف من يفهم؟، ومنه قيل للذي ينظر إلى شبه الوالد بأبيه:
قائفٌ، والقِيَافة المصدر، أفاده في ((لسان العرب))(١).
وقال في ((الفتح)): القائف: هو الذي يَعرِف الشبه، ويُميّز الأثر، سمّي
بذلك؛ لأنه يقفو الأشياء، أي يتبعها، فكأنه مقلوب من القافي، قال
الأصمعيّ: هو الذي يقفو الأثر، ويقتافه قَفْواً، وقِيَافَةً، والجمع القافةُ، كذا
وقع في ((الغريبين))، و(النهاية)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٦١٧] (١٤٥٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح قَالًا:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُوراً، تَبْرُقُ
أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: ((أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزاً نَظَرَ آنِفاً إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةً
ابْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، إلا يحيى، فتقدّم قريباً.
(١) ((لسان العرب)) ٢٩٣/٩.
(٢) ((الفتح)) ٥٠٥/١٥ ((كتاب الفرائض)) رقم (٦٧٧٠).

٧١٥
(١١) - بَابُ الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ - حديث رقم (٣٦١٧)
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) فَوَّنَا، أنها (قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ، دَخَلَ عَلَيَّ، مَسْرُوراً)
وفي الرواية التالية: ((دخل عليّ رسول الله وَّر ذات يوم مسروراً)) (تَبْرُقُ) - بفتح
التاء المثنّاة، وضم الراء، من باب قتل -: أي تُضيء، وتستنير من السرور
والفرح (أَسَارِيرُ وَجْهِهِ) هي الخطوط التي تجتمع في الجبهة، وتتكسّر، واحدها
سِرٌّ - بالكسر - أو سَرَرٌ - بفتحتين -، وجمعها أَسْرارٌ، وأَسِرَّةٌ، وجمع الجمع
أَسَارير. أفاده ابن الأثير رَّتُهُ(١).
وقال القرطبيّ تَخْدَّثُ: أسارير وجهه: هي الطرائق الدقيقة، والتكسّر اليسير
الذي يكون في الجبهة، والوجهِ، والغضون أكثر من ذلك، وواحد الأسارير:
أسرار، وواحدها سِرٍّ، وسَرَرٌ، فأسارير جمع الجمع، ويُجمع في القلّة أيضاً:
أَسِرَّة، وهو عبارة عن انطلاق وجهه، وظهور السرور عليه، ويُعبّر عن خلاف
ذلك بالمقَطّب، أي المجمِّع، فكأن الحزن والغضب جمعه وقبضه. انتهى(٢).
(فَقَالَ: ((أَلَمْ تَرَيْ) فعل مضارع مسند لضمير المؤنّثة المخاطبة، مجزوم
بحذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة التي ترفع بثبوت النون، وتجزم،
وتنصب بحذفها .
قال في ((الفتح)): والمراد من الرؤية هنا الإخبار، أو العلم، وفي ((صحيح
البخاريّ)) في مناقب زيد ظه من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ بلفظ: ((ألم
تسمعي ما قال المدلجيّ)) (أَنَّ مُجَزِّزاً) - بضمّ الميم، وكسر الزاي المشدّدة،
وحكي فتحها، وبعدها زاي أخرى - قال النوويّ: هذا هو الصحيح المشهور،
وحَكَى القاضي عياض عن الدارقطنيّ، وعبد الغنيّ: أنهما حكيا عن ابن جريج
أنه بفتح الزاي الأولى، وعن ابن عبد البر، وأبي عليّ الغسانيّ أن ابن جريج
قال: إنه مُخْرِز بإسكان الحاء المهملة، وبعدها راء، وآخره زايٌ، والصواب
الأول. انتھی(٣).
وقال القرطبيّ: مجزّز - بفتح الجيم، وكسر الزاي الأولى - هو المعروف
(١) ((النهاية)) ٣٥٩/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤١/١٠.
(٢) ((المفهم)) ١٩٨/٤ - ١٩٩.

٧١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
عند الحفّاظ، وكان ابن جريج يقول: مُجزَّز - بفتح الزاي - وقيل عنه أيضاً:
مُخْرِز - بحاء مهملة ساكنة، وراء مكسورة - والصواب الأول، فإنه روي أنه
إنما سُمّي مجزّزاً؛ لأنه كان إذا أخذ أسيراً جزّ ناصيته، وقيل: لحيته، قاله
الزبيريّ. انتهى (١).
وهو مجزّز بن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عُْوَارة بن عمرو بن مُدْلِج
الكنانيّ المدلجيّ، نسبة إلى مُدلج بن مرّة بن عبد مناف بن كنانة، وكانت
القيافة فيهم، وفي بني أسد، والعرب تعترف لهم بذلك، وليس ذلك خاصّاً بهم
على الصحيح. وقد أخرج يزيد بن هارون في ((الفرائض)) بسند صحيح إلى
سعيد بن المسيّب أن عمر ظُبه كان قائفاً، أورده في قصّته، وعمر قرشيّ، ليس
مُذْلجيّاً، ولا أسديّاً، لا أسد قريش، ولا أسد خزيمة.
ومُجزّز المذكور هو والد علقمة بن مجزّز.
وذكر مصعب الزبيريّ، والواقديّ أنه سمّي مُجزّزاً؛ لأنه كان إذا أخذ
أَسيراً في الجاهليّة جَزَّ ناصيته، وأطلقه.
قال الحافظ: وهذا يدفع فتح الزاي الأُولى من اسمه، وعلى هذا فكان له
اسمٌ غير مجزّز، لكنّي لم أر من ذكره، وكان مجزّزٌ عارفاً بالقيافة، وذكره ابن
يونس فيمن شهد فتح مصر، وقال: وذكروه في كتبهم، يعني كتب من شهد فتح
مصر، قال: ولا أعلم له رواية.
قال الحافظ في ((الإصابة)): وأغفل ذكره جمهورُ من صنّف في الصحابة،
لكن ذكره أبو عمر في ((الاستيعاب)). قال: ولولا ذكر ابن يونس أنه شهد
الفتوح بعد النبيّ ◌َ ﴿ لما كان مع من ذكره في الصحابة حجة صريحةٌ على
إسلامه، واحتمال أن يكون قال ما قال في حقّ زيد وأسامة قبل أن يُسلم،
واعتُبر قوله لعدم معرفته بالقيافة(٢)، لكن قرينة رضا النبيّ وَّ، وقربه يدلّ على
(١) ((المفهم)) ١٩٩/٤.
(٢) هكذا نسخة: ((الإصابة)) وفيه ركاكة، ولعل الصواب إسقاط لفظة ((عدم))، ولُيُحرّر،
والله تعالى أعلم.

٧١٧
(١١) - بَابُ الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ - حديث رقم (٣٦١٧)
أنه اعتَمَد خبره، ولو كان كافراً لما اعتمده في حكم شرعيّ. انتهى (١).
(نَظَرَ آنِفاً) بمدّ الهمزة على المشهور، ويجوز قصرها، وبهما قرئ في
السبع: ومعناه: قريباً، أو أقرب وقت (إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةً وَأُسَامَةً) ﴿، وفي
الرواية التالية: ((فقال: يا عائشة ألم تري أن مجزّزاً الْمُدْلجيّ دخل عليّ، فرأى
أسامة بن زيد، وزيداً، وعليهما قطيفة، قد غطّيًا رؤوسهما، وبدت أقدامهما)).
وفي رواية للبخاريّ: ((وأسامة وزيدٌ مضطجعان))، قال الحافظ: وفي هذه
الزيادة دفع توهّم من يقول: لعلّه حاباهما بذلك لِمَا عُرف من كونهم كانوا
يطعنون في أسامة. انتهى.
(فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ))) قال أبو داود: نقل أحمد بن
صالح عن أهل النسب أنهم كانواَ في الجاهليّة يقدحون في نسب أسامة؛ لأنه
كان أسود شديد السواد، وكان أبوه زيدٌ أبيض من القطن، فلما قال القائف ما
قال، مع اختلاف اللون، سُرَّ النبيّ وَله بذلك؛ لكونه كافّاً لهم عن الطعن فيه؛
لاعتقادهم ذلك.
وقد أخرجه عبد الرزّاق من طريق ابن سيرين أن أمّ أيمن مولاة النبيّ
كانت سوداء، فلهذا جاء أسامة أسود.
وقد وقع في ((الصحيح)) عن ابن شهاب: أن أمّ أيمن كانت حبشيّةً وَصِيفة
لعبد الله والد النبيّ ◌َ﴾، ويقال: كانت من سبي الحبشة الذين قدموا زمن
الفيل، فصارت لعبد المطّلب، فوهبها لعبد الله، وتزوّجت قبل زيد عُبيداً
الحبشيّ، فولدت له أيمن، فكُنيت به، واشتهرت بذلك، وكان يقال لها: أمّ
الظباء، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: قال القاضي: وقال غير أحمد - يعني ابن
صالح -: كان زيد أزهر اللون، وكان أسامة شديد الأُدْمة، وزيد بن حارثة
عربيّ صريحٌ، من كلب، أصابه سباء، فاشتراه حكيم بن حِزَام لعمّته خديجة
بنت خُوَيلد ﴿ّا، فوهبته للنبيّ وَّهِ، فتبنّاه، فكان يُدعى زيد بن محمد، حتى
(١) ((الفتح)) ٥٠٦/١٥ و((الإصابة)) ٩/ ٩٣ - ٩٤.
(٢) ((الفتح)) ١٥/ ٥٠٦.

٧١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
نزل قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَآنِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فقيل: زيد بن حارثة. وابن
زيد: أسامة، وأمه أم أيمن بركة، وكانت تُدعى أمّ الظُّبَاء، مولاة عبد الله بن
عبد المطّلب، ودَايةُ رسول الله وَل﴾(١)، ولم أر لأحد أنها كانت سوداء إلا ما
رُوي عن ابن سيرين في ((تاريخ أحمد بن سعيد)»، فإن كان هذا، فلهذا خرج
أسامة أسود، لكن لو كان هذا صحيحاً لم ينكر الناس لونه؛ إذ لا يُنكر أن يلد
الإنسان أسود من سوداء(٢)، وقد نسبها الناس، فقالوا: أم أيمن بركة بنت
محصن بن ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان.
وقد ذكر مسلم في ((الجهاد)) عن ابن شهاب: أن أم أيمن كانت من
الحبش، وَصِيفة لعبد الله بن عبد المطّلب، أبي النبيّ وَّر، وقد ذكره الواقديّ،
وكانت للنبيّ وَّ﴿ بركة أخرى حبشيّة، كانت تخدم أم حبيبة، فلعلّه اختلط اسمها
على ابن شهاب، على أن أبا عمر قد قال في هذه: أظنّها أم أيمن، أو لعلّ
ابن شهاب نسبها إلى الحبشة؛ لأنها من مهاجرة الحبشة، والله تعالى أعلم.
قال القرطبيّ: هذا أظهر. وتزوّجها عُبيد بن زيد، من بني الحارث،
فولدت له أيمن، وتزوّجها بعده زيد بن حارثة بعد النبوّة، فولدت له أسامة،
شهدت أُحداً، وكانت تُداوي الجرحى، وشهدت خيبر، وتوفّيت في أول خلافة
عثمان ﴿ثا بعشرين يوماً، رَوَى عنها ابنها أنس، وأنس بن مالك، وطارق بن
شهاب.
قالت أم أيمن: بات رسول الله وَ﴿ في البيت، فقام من الليل، فبال في
فَخّارة، فقمت، وأنا عطشى، لم أشعر ما في الفخّارة، فشربت ما فيها، فلما
أصبحنا، قال: ((يا أم أيمن أهريقي ما في الفخارة))، قلت: والذي بعثك بالحقّ
لقد شربت ما فيها، فضحك حتى بدت نواجذه، قال: ((إنه لا تتجعنّ(٣) بطنك
(١) الداية: الحاضنة.
(٢) وأجاب الحافظ عن هذا، فقال: يَحْتَمل أنها كانت صافية، فجاء أسامة شديد
السواد، فوقع الإنكار لذلك. انتهى. ((فتح)) ١٥/ ٥٠٦ - ٥٠٧.
(٣) الذي في ((الإصابة)): ((إنك لا تشتكين بطنك بعد هذا أبداً))، وعزاه إلى ابن
السكن.

٧١٩
(١١) - بَابُ الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ - حديث رقم (٣٦١٧)
بعدها أبداً)). انتهى كلام القرطبيّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦١٧/١١ و٣٦١٨ و٣٦١٩ و٣٦٢٠] (١٤٥٩)،
وأخرجه (البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٥٥٥) و(الفرائض)) (٦٧٧٠ و٦٧٧١)،
(وأبو داود) في (الطلاق)) (٢٢٦٧)، و(الترمذيّ) في ((الولاء والهبة)) (٢١٢٩)،
و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (١٨٤/٦) و((الكبرى)) (٣٨١/٣)، و(ابن ماجه) في
(الأحكام)) (٢٣٤٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٤٧/٧)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٨/٦ و٨٢ و٢٢٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣١/٣ - ١٣٢)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣١/٤ - ١٣٢)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٤/
٢٤٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٢/١٠ و٢٦٥) و((الصغرى)) (٢٥٣/٩)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة العمل بالقافة، وفيه اختلافٌ بين العلماء،
سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): جواز اضطجاع الرجل مع ولده في شعار واحد.
٣ - (ومنها): جواز الشهادة على المنتقبة، والاكتفاء بمعرفتها، من غير
رؤية الوجه .
٤ - (ومنها): قبول شهادة مَن يَشْهَد قبل أن يُستَشهَد عند عدم التهمة.
٥ - (ومنها): سرور الحاكم لظهور الحقّ لأحد الخصمين، عند السلامة
من الهوى.
٦ - (ومنها): أن البخاريّ كَخَّلهُ أدخل هذا الحديث في ((كتاب الفرائض))
(١) ((المفهم)) ١٩٩/٤ - ٢٠٠.

٧٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
إشارةً إلى الردّ على من زعم أن القائف لا يُعتبر قوله، فإن من اعتبر قوله،
فَعَمِل به، لزم منه حصول التوارث بين المُلْحَق والمُلْحَق به، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العمل بالقائف:
قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قد استَدَلّ جمهور العلماء على الرجوع
إلى قول القافة عند التنازع في الولد بسرور النبيّ ويلي بقول هذا القائف، وما
كان النبيّ ◌َ﴿ بالذي يُسرّ بالباطل، ولا يُعجبه، ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة،
والثوريّ، وإسحاق، وأصحابهم؛ متمسّكين بإلغاء النبيّ وَّر الشبه في حديث
اللعان على ما سبق، وفي حديث سودة، كما تقدّم، وقد انفَصَل من أخذ به عن
هذا بأن إلغاء الشبه في تلك المواضع التي ذكروها إنما كان لمعارض أقوى
منه، وهو معدوم هنا، فانفصلا .
ثم اختلف الآخذون بأقوال القافة، هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر
والإماء، أو يختصّ بأولاد الإماء؟ على قولين:
فالأول قول الشافعيّ، ومالك في رواية ابن وهب عنه، ومشهور مذهبه
قَصْرُه على ولد الأمة، وفرّق بينهما بأن الواطئ في الاستبراء يستند وطؤه لعقد
صحيح، فله شبهة المُلك، فيصحّ إلحاق الولد به، إذا أتت به لأكثر من ستّة
أشهر من وطئه، وليس كذلك الوطء في العدّة؛ إذ لا عقد، إذ لا يصحّ، وعلى
هذا فيلزم من نكح في العدّة أن يُحدّ، ولا يُلحق به الولد؛ إذ لا شبهة له،
وليس مشهور مذهبه، وعلى هذا فالأولى ما رواه ابن وهب عنه، وقاله
الشافعيّ.
ثم العجب أن هذا الحديث الذي هو الأصل في هذا الباب إنما وقع في
الحرائر؛ فإن أسامة وأباه ابنا حرّتين، فكيف يُلْغَى السبب الذي خرج عليه دليل
الحكم، وهو الباعث عليه؟ هذا ما لا يجوز عند الأصوليين.
وكذلك اختَلَف هؤلاء، هل يُكتَفَى بقول واحد؛ لأنه خبر من القافة، أو
لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادةٌ؟ وبالأول قال ابن القاسم، وهو ظاهر الخبر، بل
نصّه، وبالثاني قال مالكٌ، والشافعيّ، ويلزم عليه أن يُراعَى فيها شروط
الشهادة، من العدالة، وغيرها .