Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٥٧)
وعبد الحميد بن جبير بن شيبة، وعروة بن عياض، وأم صالح بنت صالح.
وروى عنه السفيانان، وابن المبارك، وأبو أحمد الزبيريّ، ووكيع،
ومحمد بن یزید بن خُنیس، وأبو نعيم.
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، ووَثَّقه العجليّ، وابن سعد أيضاً، واختَلَف فيه قول أبي داود، فقال
الآجريّ عنه: ثقة، وقال مرةً: وسألته عنه فلم یرضه.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (عُرْوَةُ بْنُ عِيَاضٍ) بن عمرو بن عبدٍ القاريّ - بالتشديد بلا همز -
ويقال: عياض بن عروة، وقيل: عروة بن عياض بن عديّ بن الخيار - بكسر
المعجمة، وتخفيف التحتانيّة - ابن عديّ بن نَوْفَل النوفليّ المكيّ، ثقةٌ [٤].
.
رَوَى عن ابن عمر، وابن عمرو، وأبي سعيد، وعائشة، وجابر .
وروى عنه ابن أخيه محمد بن عبيد الله بن عياض، وسعيد بن حسان،
ومحمد بن الحارث المخزوميان، وابن أبي مليكة، وعطاء بن أبي رَبَاح،
وعمرو بن دینار.
قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له
عندهما إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: معناه هنا: أن ما أقول
لكم حقّ، فاعتمدوه، واستيقنوه، فإنه يأتي مثل فَلَق الصبح. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخَّثُ: هذا تنبيه منه ◌َ﴿ على صدقه، وصحّة رسالته، كما
قال عند تكثير الطعام: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)). انتهى (٢)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣/١٠.
(٢) «المفهم)) ٤/ ١٧٠.

٥٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ،
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَسَّانَ، قَاصُّ أَهْلِ مَكَّةَ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ عِيَاضٍ بْنِ عَدِيٍّ بْنِ
الْخِيَارِ النَّوْفَلِيُّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ بِمَعْنَى
حَدِيثٍ سُفْيَانَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم
الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٤/٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية أبي أحمد الزبيريّ، عن سعيد بن حسّان هذه لم أجد من
ساقها، فليُنظر.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ الجيّاني بعد أن أورد رواية
مسلم هذه ما نصّه: هكذا في الإسناد: ((عروة بن عياض، كذلك رواه سفيان بن
عيينة، وأبو أحمد الزبيريّ كلاهما قال: ((عن سعيد بن حسّان، عن عروة بن
عَيَاض)) مُسَمَّى، وقال البخاريّ: ((عروة)) أخشى أن لا يكون محفوظاً؛ لأن
عروة هو ابن عياض بن عمرو القاري، ورواه أبو نعيم، عن سعيد بن حسّان،
عن ابن عياض، عن جابر، هكذا قال: ((ابن عياض))، لم يُسمّه. انتهى (١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٥٥٩] (١٤٤٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ
جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، زَادَ إِسْحَاقُ: قَالَ سُفْيَانُ: لَوْ كَانَ شَيْئاً
يُنْهَى عَنْهُ، لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ).
(١) ((تقييد المهمل)) ٨٥٣/٣.

٥٤٣
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٥٩)
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (بَكْرُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم قريباً .
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
فقيةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
والباقيان ذُكرا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرٍو) بن دينار (عَنْ عَطَاءٍ) ابن أبي رَبَاح، وفي رواية للبخاريّ،
عن علي ابن المدينيّ، حدّثنا سفيان، قال: قال عمروٌ، أخبرنا عطاء، سمع
جابراً لَّته، قال في ((الفتح)): هذا مما نَزَل فيه عمرو بن دينار، فإنه سمع
الكثير من جابر حظّه نفسِهِ، ثم أدخل في هذا بينهما واسطة، وقد تواردت
الروايات من أصحاب سفيان على ذلك، إلا ما وقع في ((مسند أحمد)) في
النسخ المتأخرة، فإنه ليس في الإسناد عطاء، لكنه أخرجه أبو نعيم من طريق
((المسند))، بإثباته، وهو المعتمد. انتهى(١).
(عَنْ جَابِرٍ) ابن عبد الله ﴿يَا، وفي رواية معقل الآتية: ((عن عطاء، قال:
سمعت جابراً)) (قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ) أي نُنزل المنيّ خارج الفرج (وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ)
جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (زَادَ إِسْحَاقُ) بن إبراهيم شيخه
الثاني، وقوله: (قَالَ سُفْيَانُ) مفعول ((زاد)» محكيّ؛ لقصد لفظه (لَوْ كَانَ شَيْئاً
يُنْهَى) بالبناء للمفعول (عَنْهُ، لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ) أي لو كان حراماً لنزل القرآن
بتحريمه، قال الحافظ تَّتُهُ: قوله: ((قال سفيان ... إلخ)) هذا ظاهر في أن
سفيان قاله استنباطاً، وأوهم كلام صاحب ((العمدة))، ومن تبعه أن هذه الزيادة
من نفس الحديث، فأدرجها، وليس الأمر كذلك، فإني تتبعته من المسانيد،
(١) ((الفتح)) ١١/ ٦٤٣ - ٦٤٤.

٥٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
فوجدت أكثر رواته عن سفيان لا يذكرون هذه الزيادة، وشرحه ابن دقيق العيد
على ما وقع في ((العمدة))، فقال: استدلال جابر بالتقرير من الله غريب، ويمكن
أن يكون استدلّ بتقرير الرسول ◌َله، لكنه مشروط بعلمه بذلك. انتهى.
قال الحافظ: ويكفي في علمه به قول الصحابيّ: إنه فعله في عهده (أَّآ،
والمسألة مشهورة في الأصول، وفي علم الحديث، وهي أن الصحابيّ إذا
أضافه إلى زمن النبيّ و # كان له حكم الرفع عند الأكثر؛ لأن الظاهر أن
النبيّ وَّ﴿ اََّلَعَ على ذلك، وأقرّه؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن
الأحكام، وإذا لم يضفه فله حكم الرفع عند قوم، وهذا من الأول، فإن
جابراً وَظُهُ صَرَّح بوقوعه في عهده وَّه، وقد وردت عِدَّة ◌ُطُرُق تصرّح باطّلاعه
على ذلك، والذي يظهر لي أن الذي استنبط ذلك، سواء كان هو جابراً، أو
سفيان أراد بنزول القرآن ما يُقْرَأ، أعم من المتعبَّد بتلاوته، أو غيره مما يُوحَى
إلى النبيّ وَّي، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حراماً لم نُقَرَّ
عليه، وإلى ذلك يُشير قول ابن عمر ﴿هَ: ((كنّا نتقي الكلام، والانبساط إلى
نسائنا هيبةً أن ينزل فينا شيء على عهد النبيّ وَّ فلما مات النبيّ ◌َّ تكلمنا،
وانبسطنا. أخرجه البخاريّ.
ثم ذكر حديث مسلم عن جابر، من رواية أبي الزبير، وغيره، فقال: ففي
هذه الطرق ما أغنى عن الاستنباط، فإن في إحداها التصريح باطلاعه وَّر،
وفي الأخرى إذنه في ذلك، وإن كان السياق يُشعر بأنه خلاف الأولى.
انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث جابر
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥٥٩/٢٣ و٣٥٦٠ و٣٥٦١] (١٤٤٠)،
(١) ((الفتح)) ١١ / ٦٤٤ - ٦٤٥.

٥٤٥
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٥٩)
و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٢٠٧ و٥٢٠٨)، و(الترمذيّ) (٤٤٢/٣) (١١٣٧)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٤/٥)، و(ابن ماجه) (٦٢٠/١) (١٩٢٧)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥١٠/٣ - ٥١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٧/٣)،
و(أبو عوانة) في «مسنده)) (١٠٠/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٤/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٨/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في قول الصحابيّ: كنا نفعل
كذا، ونحوه:
قال الشيخ ابن الصلاح كثّلهُ: قول الصحابيّ: كنا نفعل كذا، أو كنا
نقول كذا، إن لم يضفه إلى زمان رسول الله وَّلقول، فهو من قبيل الموقوف، وإن
أضافه إلى زمان رسول الله وَّله، فالذي قَطَع به أبو عبد الله ابن الْبَيِّع الحافظ
وغيره من أهل الحديث وغيرهم، أن ذلك من قبيل المرفوع، وبلغني عن أبي
بكر الْبَرقانيّ أنه سأل أبا بكر الإسماعيليّ الإمام عن ذلك؟ فأنكر كونه من
المرفوع، والأول هو الذي عليه الاعتماد؛ لأن ظاهر ذلك مشعرٌ بأن
رسول الله وَلهَ اطَّلَع على ذلك، وقرّرهم عليه، وتقريره أحد وجوه السنن
المرفوعة، فإنها أنواع: منها أقواله ◌َلغيره، ومنها أفعاله، ومنها تقريره وسكوته
عن الإنكار بعد اطلاعه، ومن هذا القبيل قول الصحابيّ: كنا لا نرى بأساً
بكذا، ورسول الله - * فينا، أو كان يقال كذا وكذا على عهده، أو كانوا
يفعلون كذا وكذا في حياته ◌َ﴿، فكل ذلك وشِبهه مرفوعٌ، مسندٌ مُخَرَّج في
كتب المسانيد. انتهى(١).
وكتب الحافظ كَذَتُهُ في ((نكته)) ما نصّه: حاصل كلامه حكاية قولين:
١ - [أحدهما]: أنه موقوف جزماً.
٢ - [وثانيهما]: التفصيل بين أن يضيفه إلى زمن النبيّ وَ لقوله فيكون
مرفوعاً، وبه صَرّح الجمهور، ويدل عليه احتجاج أبي سعيد الخدريّ ◌َّ على
جواز العزل بفعلهم له في زمن نزول الوحي، فقال: ((كنا نَعْزِل، والقرآن ينزل،
لو كان شيء يُنْهَى عنه لنهى عنه القرآن)).
(١) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٤٧.

٥٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وهو استدلال واضحٌ لأن الزمان كان زمان التشريع، وإن لم يضفه إلى
زمنه فموقوف.
وأهمل المصنّف مذاهب:
[الأول]: أنه مرفوع مطلقاً، وقد حكاه شيخنا - يعني العراقيّ - وهو الذي
اعتمده الشيخان فى ((صحيحيهما))، وأكثر منه البخاريّ.
[والثاني]: التفصيل بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يَخْفَى غالباً، فيكون
مرفوعاً، أو يخفى، فيكون موقوفاً، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازيّ، وزاد
ابن السمعانيّ فى ((كتاب القواطع))، فقال: إذا قال الصحابيّ: كانوا يفعلون
كذا، وأضافه إلى عصر النبيّ وَّه، وكان مما لا يخفى مثله، فيُحمل على تقرير
النبيّ وَّ ر، ويكون شرعاً، وإن كان مثله يخفى، فإن تكرر منهم حُمِل أيضاً على
تقريره؛ لأن الأغلب فيما يكثر أنه لا يخفى، والله أعلم.
[الثالث]: إن أورده الصحابي في معرض الحجة حُمِل على الرفع، وإلا
فموقوف، حكاه القرطبيّ.
قال الحافظ: وينقدح أن يقال: إن كان قائل: ((كنا نفعل)) من أهل
الاجتهاد احْتَمَلَ أن يكون موقوفاً، وإلا فهو مرفوعٌ، ولم أر من صرّح بنقله.
قال: ومع كونه موقوفاً، فهل هو من قبيل نقل الإجماع أو لا؟ فيه خلاف
مذكور في الأصول، جزم بعضهم بأنه إن كان في اللفظ ما يُشعر به، مثل: كان
الناس يفعلون كذا، فمن قبيل نَقْلِ الإجماع، وإلا فلا (١).
وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ تَُّ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
نَحْوُ ((مِنَ السُّنَّةِ)) مِنْ صَحَابِي
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
كَذَا ((أُمِرْنَا)) وَكَذَا ((كُنَّا نَرَى))
· تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نَفِي
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((النكت على ابن الصلاح)) ٥١٥/٢ - ٥١٧.

٥٤٧
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٦٠ - ٣٥٦١)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٥٦٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ،
حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: لَقَدْ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدٍ
رَسُولِ اللهِ إِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقة، من كبار
[١١] مات سنة بضع و(١٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، أبو عليّ الْحَرّانيّ،
نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٣ - (مَعْقِلُ) بن عُبيد الله الْعَبْسيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ، صدوقٌ
يُخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَفُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٥٦١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، يَعْنِي ابْنَ
هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدٍ
رَسُولِّ اللهِ وَ ◌ّهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ، فَلَمْ يَنْهَنَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوق ربما
وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تَّقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.

٥٤٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
والباقيان ذُكرا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٢٤) - (بَابُ تَحْرِيم وَطْءِ الْحَامِلِ الْمَسْبِيَّةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٥٦٢] (١٤٤١) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرِ، يُحَدِّثُ
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ أَتَى بِامْرَأَةٍ مُجِحٌّ، عَلَى بَابٍ
فُسْطَاطٍ ، فَقَالَ: (لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا))؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((لَقَدْ
هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْناً يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرَّتُهُ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ
يَسْتَخْدِمُهُ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ) - مصغّراً - الرَّحْبيّ - بمهملة ساكنة، أبو عمر
الْحِمْصيّ، صدوقٌ [٥] (بخ م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ٢/ ١٥٨٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) بن نُفَير الْحَضْرميّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ [٤]
(ت١١٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٢/٢٥.
٣ - (أَبُوهُ) جُبير بن نُفير - بتصغير الاسمين - ابن مالك بن عامر الحرميّ
الْحِمْصيّ، مخضرم، ثقةٌ جليل، ولأبيه صحبة [٢] (ت ٨٠) أو بعدها (بخ م
٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٤ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ، مختلف في اسم

٥٤٩
(٢٤) - بَابُ تَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَامِلِ الْمَسْبِيَّةِ - حديث رقم (٣٥٦٢)
أبيه، مشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعويمر لقبه، الصحابيّ الجليل، أول
مشاهده أُحُد، وكان عابداً، مات في آخر خلافة عثمان ظنًّا، وقيل: عاش بعد
ذلك (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٩٨/٤٤.
والباقون تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َّلُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين من يزيد، والباقون بصريّون.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا
واسطة، وقد مرّ ذكرهم غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
شرح الحديث :
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ) بضمّ الخاء المعجمة، بصيغة التصغير، أنه (قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ) مصغّراً (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) جُبير بن نُفير (عَنْ أَبِي
الدَّرْدَاءِ) عويمر بن قيس ◌َظُه، وقيل: غيره (عن النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ أَتَى بِامْرَأَةٍ) أي
مرّ عليها، فالباء بمعنى ((على))، وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((أتى بامرأة)) روايتنا
فيه ((أَتَى)) بفتح الهمزة والتاء، على أنه فعل ماض، بمعنى جاز ومرّ. انتهى(١).
[تنبيه]: هذه المرأة لا يُعرف اسمها(٢).
(مُجِعٌّ) بضم الميم، وكسر الجيم، ثم حاء مهملة مشدّدة: وهي الحامل
التي قَرُبت ولادتها (عَلَى بَابٍ فُسْطَاطٍ) أي خِبَاءٍ صغير، وفيه ستّ لُغات:
فُسطاطٌ، وفُستاطٌ، وفُساط، بحذف الطاء والتاء، لكن بتشديد السين، وبضم
الفاء وكسرها في الثلاثة، وهو نحو بيت الشعر (فَقَّالَ) وَ ((لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ
بِهَا؟)) بضمّ أوله، وكسر ثانية، من الإمام، وأصل الإلمام: النزول، كما قال:
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرَ مُوقِدٍ(٣)
(١) ((المفهم)) ٤ /١٧١.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ١٧١.
(٢) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٢٤١.

٥٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
والمعنى: لعله يريد أن يطأها، مع كونها حاملاً مَسبيةً، لا يحل جماعها
حتى تضع (فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْناً يَدْخُلُ
مَعَهُ قَبْرَهُ) قال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا وعيد شديد على وطء الحبالى حتى يضعن،
وهو دليلٌ على تحريم ذلك مطلقاً، سواء كان الحمل من وطء صحيح، أو
فاسد، أو زنى، فإنه وَ ﴿ لم يَستفصل عن سبب الحمل، ولا ذَكر أنه يختلف
حكمه، وهذا موضع لا يصحّ فيه تأخير البيان، وإلى الأخذ بظاهر هذا ذهب
جماهير العلماء، غير أن القاضي عياض قال في المرأة تزني، فتحمل، ويتبيّن
حملها: أن أشهب أجاز لزوجها وطأها، قال: وكرهه مالك وغيره من
أصحابه، قال: فاتّفقوا على كراهته ومنعه من وطئها في ماء الزنى ما لم يتبيّن
الحمل، وهذا الذي حكاه عن أشهب يردّه هذا الحديث، قال: وكراهة مالك
لذلك بمعنى التحريم، والله تعالى أعلم.
قال: وإنما لم يوقع النبيّ وََّ ما هَمَّ به من اللعن؛ لأنه ما كان بعدُ تقدّم
في ذلك بشيء، وأما بعدَ أن تقدّم هذا الوعيد، وما في معناه، ففاعل ذلك
متعرّضٌ لِلَعن يدخل معه قبره، ويُدخله جهنّم. انتهى(١).
(كَيْفَ يُوَرَّثُهُ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟)) قال
النوويّ كَخُّْ: معناه: أنه قد تتأخر ولادتها ستة أشهر، حيث يَحْتَمِل كون الولد
من هذا السابي، ويُحْتَمَل أنه كان ممن قبله، فعلى تقدير كونه من السابي،
يكون ولداً له، ويتوارثان، وعلى تقدير كونه من غير السابيّ، لا يتوارثان هو
ولا السابي؛ لعدم القرابة، بل له استخدامه؛ لأنه مملوكه.
فتقدير الحديث: أنه قد يستلحقه، ويجعله ابناً له، ويُوَرِّثه، مع أنه لا
يحل له توريثه؛ لكونه ليس منه، ولا يحل توارثه، ومزاحمته لباقي الورثة، وقد
يستخدمه استخدام العبيد، ويجعله عبداً يتملكه مع أنه لا يحل له ذلك؛ لكونه
منه إذا وضعته لمدة مُحْتَمِلةٍ كونَهُ من كل واحد منهما، فيجب عليه الامتناع من
وطئها؛ خوفاً من هذا المحظور، فهذا هو الظاهر في معنى الحديث.
وقال القاضي عياض: معناه الإشارة إلى أنه قد يَنمي هذا الجنين بنطفة
(١) ((المفهم)) ١٧١/٤ - ١٧٢.

٥٥١
(٢٤) - بَابُ تَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَامِلِ الْمَسْبِيَّةِ - حديث رقم (٣٥٦٢)
هذا السابي، فيصير مشاركاً فيه، فيمتنع الاستخدام، قال: وهو نظير الحديث
الآخر: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَسْقِ ماءه ولد غيره)). انتهى كلام
القاضي.
قال النوويّ بعد ذكر كلام القاضي هذا ما نصّه: وهذا الذي قاله ضعيفٌ،
أو باطلٌ، وكيف ينتظم التوريث مع هذا التأويل؟ بل الصواب ما قدمناه، والله
أعلم. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((كيف يورّثه، وهو لا يحلّ له؟ كيف
يستخدمه، وهو لا يحلّ له؟)): هذا تنبيه منه ﴿ على أن واطىء الحامل له
مشاركة في الولد، وبيانه أن ماء الوطء يُنَمِّي الولد، ويزيد في أجزائه، ويُنعّمه،
فتحصل مشاركة هذا الواطىء للأب، ولذلك قال رسول الله وَتليفون: ((من كان
يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسق ماءه زرع غيره))(٢)، فإذا وطىء الأمة الحامل
لم يصحّ أن يُحكم لولدها بأنه ابن لهذا الواطىء؛ لأنه من ماء غيره نشأ، وعلى
هذا فلا يحلّ له أن يورّثه، ولا يصحّ أيضاً أن يُحكم لذلك الولد بأنه
عبد للواطىء؛ لِمَا حَصَلَ في الولد من أجزاء مائه، فلا يحلّ له أن يستخدمه
استخدام العبيد؛ إذ ليس له بعبد؛ لِمَا خالطه من أجزاء الحرّ. انتهى(٣)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء به هذا من أفراد المصنّف ◌َذُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥٦٢/٢٤ و٣٥٦٣] (١٤٤١)، و(أبو داود) في
(النكاح)) (٢١٥٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٢٨/٧)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٢٩/٤)، و((مسنده)) (٤٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٥/٥
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/١٠ - ١٥.
(٢) حديث حسنٌ، رواه أحمد في ((مسنده)) (١٠٨/٤ - ١٠٩)، وأبو داود (٢١٥٨
و٢١٥٩)، والدارميّ (٢٣٠/٢).
(٣) ((المفهم)) ٤/ ١٧٢.

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
و٤٤٦/٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٩٩/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢/
٢١٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٢/٣ - ١٠٣)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١١٥/٤)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢٥٧/١)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (٤٤٩/٧)، و((المعرفة)) (٧٥/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم وطء الحامل المسبيّة حتى تضع حملها، وكذا
لا يحلّ وطء المرأة الحامل حتى تُستبرأ بحيضة، وقد أخرج أبو داود في ((سننه)) من
طريق أبي الْوَدّاك، عن أبي سعيد الخدريّ ◌ُبه، رفعه أنه قال في سبايا أوطاس:
((لا توطأ حاملٌ حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة))(١).
قال ابن عبد البرّ تَخْذَهُ: لا خلاف بين العلماء - قديماً ولا حديثاً - أنه لا
يجوز لأحد أن يطأ امرأة حاملاً من غيره بملك يمين، ولا نكاح، ولا غير
حامل حتى يَعْلَم براءة رحمها من ماء غيره.
قال: واختلفوا فيمن وَطِىء حاملاً من غيره ما حكم ذلك الجنين؟ فذهب
مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة إلى أن لا يَعْتِقَ ذلك الجنين، وقال الأوزاعيّ،
والليث: يَعْتِقُ، ولكل قول من هذين القولين سلف من التابعين، والقول بأن لا
يعتق أولى في النظر؛ لأن العقوبات ليست هذه طريقها، ولا أصل يوجب
(٢)
عتقه. انتهى(٢).
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّثُ: فيه من الفقه ما يتبيّن به استحالة
اجتماع أحكام الحرّيّة والرّقّ في شخص واحد، وأن من فيه شائبة بُنوّة لا
يُملَكُ، ومن فيه شائبة رقّ لا يكون حكمه حكم الحرّ، على ما يأتي - إن
شاء الله تعالی ۔ انتهى.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ أيضاً: إن السِّبَاء يَهْدِم النكاح، وهو مشهور
مذهب مالك، سواء سُبيا مجتمعين، أو مفترقين، على ما يأتي - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٢٤٨/٢).
(٢) ((الاستذكار)) ٤٥٦/٥.

٥٥٣
(٢٤) - بَابُ تَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَامِلِ الْمَسْبِيَّةِ - حديث رقم (٣٥٦٣)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٥٦٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ
(ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ
عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ
حافظٌ [٩] (ت٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةً) يعني أن كلّاً من يزيد بن هارون، وأبي داود
الطيالسيّ روى هذا الحديث عن شعبة بسنده السابق.
[تنبيه]: رواية يزيد بن هارون، عن شعبة هذه ساقها ابن أبي شيبة دَّتُهُ
في ((مصنّفه)) (٢٩/٤) فقال:
(١٧٤٦٨) - حدّثنا يزيد بن هارون، قال: نا شعبة عن يزيد بن خُمير،
عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن أبي الدرداء، أن النبيّ وَِّ مَرّ
على امرأة مُجِحٌّ، وهي على باب خِباء، أو فُسطاط، فقال: ((لمن هذه؟))
فقالوا: لفلان، قال: ((أَيُلِمّ بها؟)) قالوا: نعم، قال: ((لقد هممت أن ألعنه لعنةً
تدخل معه قبره، فكيف يستخدمه، وهو يغذوه في بصره وسمعه؟ كيف يُورّثه،
وهو لا يحلّ له؟)). انتهى.
ورواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة ساقها أبو عوانة تَّتُ في ((مسنده))
(١٠٣/٣) فقال:
(٤٣٦٤) - حدّثنا يونس بن حبيب، قئنا (١) أبو داود، قئنا شعبة، قال:
سمعت يزيد بن خُمير قال: سمعت عبد الرحمن بن جُبير يحدِّث، عن أبيه،
(١) تقدّم غير مرّة أنها مختصرة من ((قال: حدّثنا))، فلا تغفل.

٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
عن أبي الدرداء، أن رسول الله وَ له رأى امرأة مُجِحّاً على باب فُسطاط، أو
قال: خباء، فقال: ((لعل صاحب هذا يُلِمّ بها؟ لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل
معه قبره، كيف يُوَرِّثه، وهو لا يحلّ له؟ وكيف يستخدمه، وهو لا يحلّ له؟))،
وكانت المرأة حُبْلى أو مُجِحّاً. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٥) - (بَابُ جَوَازِ الْغِيلَةِ، وَهِيَ وَطْءُ الْمُرْضِعِ، وَكَرَاهَةِ الْعَزْلِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٥٦٤] (١٤٤٢) - (وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قَرَأْتَُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبِ الْأَسَدِيَّةِ،
أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، حَتَّى ذَكَرْتُ
أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ)). قَالَ مُسْلِمٍ: وَأَمَّا خَلَفٌ،
فَقَالَ: عَنْ جُذَامَةَ الْأَسَدِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ بَحْيَى بِالدَّالِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) البزار المقرىء البغداديّ، ثقةٌ له اختيارات في
القراءة [١٠] (ت٢٢٩) (م دَ) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٤.
٢ - (يَحْيَى بْنُ بَحْبَى) التميميّ، تقدّم قريباً.
٣ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلِ) الأسديّ، أبو الأسود المدنيّ،
يتيم عروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و(١٣٠) (ع) تقدّم في ((الطهارة)) ٥٧٣/٩.
٥ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، تقدّم قريباً.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ّا، تقدّمت أيضاً قريباً.

٥٥٥
(٢٥) - بَابُ جَوَازِ الْغِيلَةِ، وَهِيَ وَطْءُ الْمُرْضِعِ، وَكَرَاهَةِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٦٤)
٧ - (جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبِ الْأَسَدِيَّةُ) ويقال: بنت جندب، ويقال: جندل،
أخت عكاشة بن مِحْصَن لأمه، صحابيّة لها سابقة، وهجرة.
روت عن النبيّ ◌َ﴿ حديث الباب، وروت عنها عائشة زوج النبيّ و ◌َ ثّل،
وكان إسلامها قديماً، وهاجرت مع قومها إلى المدينة، وقال الواقديّ: كانت
تحت أنس بن قتادة، ممن شَهِد بدراً، وقُتل يوم أحد، وقال الدارقطنيّ: هي
بالجيم والدال المهملة، ومن ذكرها بالذال المعجمة، فقد صَحَّف، وكذا قال
العسكريّ، وحُكي بالذال المعجمة عن جماعة، وسيأتي ما قاله المصنّف فيها.
وقال النوويّ: وهكذا قال جمهور العلماء: إن الصحيح أنها بالمهملة،
والجيم مضمومة بلا خلاف.
وقال الطبريّ: جُدامة بنت جندل، والمحدثون قالوا: ابنة وهب،
والمختار أنها ابنة جندل الأسدية، أسلمت قديماً بمكة، وبايعت، وهاجرت مع
قومها إلى المدينة.
أخرج لها المصنّف، والأربعة، وليس لها عندهم إلا هذا الحديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّ دَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخيه، وجُدامة، كما
أسلفته آنفاً .
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فالأول بغداديّ،
والثاني نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين
السبعة.
(ومنها): أن فيه رواية صحابية عن صحابية: عائشة عن جُدَامَةَ ﴿هَا، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
١ (عَنْ جُدَامَةَ) بضم الجيم، والدال المهملة
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين
(بِنْتِ وَهْبٍ) بن مِحصن، ﴿ّا (الأَسَدِيّةِ) منسوبة إلى أسد بن خزيمة بن

٥٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
مُدركة بن إلياس بن مُضَر، كما صرّح به ابن الأثير في ((اللباب)) في نسبة أخيها
عُكاشة بن مِحْصَن(١).
قال الحافظ ابن عبد البرّ: كلّ الرواة رووه هكذا - يعني زيادة جدامة في
السند - إلا أبا عامر العَقَديَّ، فجعله عن عائشة، لم يذكر جُدامة، وكذا رواه
القعنبيّ في غير ((الموّإ))، ورواه فيه كسائر الرواة عن عائشة، عن جُدامة، وفي
رواية عائشة عن جُدامة دليلٌ على حرصها على العلم، وبحثها عنه، وأن القوم
لم يكونوا يُرسلون من الأحاديث في الأغلب إلا ما يستوفيه المحدّث لهم بها،
أو لوجوه غير ذلك. انتهى(٢).
(أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ) أي قصدت (أَنْ أَنْهَى
عَنِ الْغِيلَةِ) قال النوويّ: قال أهل اللغة: الغِيلة هنا بكسر الغين، ويقال لها:
الغَيْلُ - بفتح الغين مع حذف الهاء - والغِيال - بكسر الغين - وقال جماعة من
أهل اللغة: الغَيلة - بالفتح - المرّة الواحدة، وأما بالكسر فهي الاسم من
الغَيل، وقيل: إن أريد بها وطء المرضع جاز الغِيلة، والغَيلة بالكسر والفتح.
واختَلَف العلماء في المراد بالغيلة في هذا الحديث، وهي الغيل، فقال
مالك في ((الموظّا))، والأصمعيّ، وغيره من أهل اللغة: أن يُجامع امرأته، وهي
مرضع، يقال منه: أغال الرجل، وأَغْيَلَ إذا فَعَلَ ذلك، وقال ابن السّكّيت: هو
أن تُرضع المرأة، وهي حامل، يقال منه: غالت، وأغيلت.
قال العلماء: سبب همّه ◌َ* بالنهي عنها أنه يخاف منه ضرر الولد
الرضيع، قالوا: والأطبّاء يقولون: إن ذلك اللبن داء، والعرب تكرهه، وتتقيه.
انتهى كلام النوويّ(٣).
وفسّره مالك في ((الموظٍّ))، فقال: الغِيلةُ أن يمسّ الرجل امرأته، وهي
تُرضع.
قال الحافظ أبو عمر: اختلف العلماء، وأهل اللغة في معنى ((الغِيلة))،
فقال منهم قائلون كما قال مالك: معناها أن يطأ الرجل امرأته، وهي ترضع،
(١) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٩/١.
(٢) ((الاستذكار)) ٢٨١/١٨ - ٢٨٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥/١٠ - ١٦.

٥٥٧
(٢٥) - بَابُ جَوَازِ الْغِيلَةِ، وَهِيَ وَطْءُ الْمُرْضِعِ، وَكَرَاهَةِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٦٤)
وقال الأخفش: الغِيلة، والغِيل سواء، وهو أن تلد المرأة، فيغشاها زوجها،
وهي تُرضع، فتَحْمِل، فإذا حملت فسد اللبن على الصبيّ، ويفسد به جسده،
وتضعف قوته، حتى ربّما كان ذلك في عقله، قال: وقد قال النبيّ وَّ فيه:
(إنه ليدرك الفارس، فيُدعثره عن سرجه))(١)، أي يضعُف، فيسقط عن السرج،
قال الشاعر [من الوافر]:
فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي رَضَاعٍ فَتَنْبُوا فِي أَكُفْهِمُ السُّيُوفُ
يقال: قد أغال الرجل ولده، وأُغيل الصبيّ، وصبيّ مُغالٌ، ومُغْيَلٌ: إذا
وَطِىء أبوه أمّه في رضاعه، قال امرؤ القيس [من الطويل]:
فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُغْيَلٍ
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ
وقال بعض أهل اللغة: الغِيلة أن تُرضع المرأة ولدها، وهي حاملٌ، وقال
غيره: الغيل نفس الرضاع. انتهى(٢).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ بعد أن ذكر المعنيين السابقين: والحاصل أن
كلّ واحد منهما يقال عليه غِيلة في اللغة، وذلك أن اللفظ كيفما دار إنما يرجع
إلى الضرر والهلاك، ومنه تقول العرب: غالني أمر كذا: أي أضرّ بي، وغالته
الْغُول: أي أهلكته، وكلّ واحدة من الحالتين المذكورتين مُضرّةٌ بالولد، ولذلك
يصحّ أن تُحمل الغيلة في الحديث على كلّ واحد منهما .
فأما ضرر المعنى الأول، فقالوا: إن الماء - يعني المنيّ - يُغيل اللبن:
أي يفسده، ويُسأل عن تعليله أهل الطبّ.
وأما الثاني، فضرره بيّن محسوسٌ، فإن لبن الحامل داء، وعلّةٌ في جوف
الصبيّ، يظهر أثره عليه.
(١) هو ما أخرجه الإمام أحمد: في («مسنده)) ٦/ ٤٥٧ من طريق معاوية بن صالح، عن
المهاجر مولى أسماء بنت يزيد الأنصاريّة، قال: سمعت أسماء بنت يزيد تقول: سمعت
النبيّ وَّه يقول: ((لا تقتلوا أولادكم سِرّاً، فوالذي نفسي بيده إنه ليدرك الفارس،
فيدعثره))، قالت: قلت: ما يعني؟ قال: الغيلة يأتي الرجل امرأته، وهي ترضع. انتهى،
وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقيّ، وغيرهم، وصححه ابن حبّان.
(٢) ((التمهيد)) ٩٣/١٣، و((الاستذكار)) ٢٨٢/١٨ -٢٨٣.

٥٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
ومراده وسي٣ بالحديث المعنى الأول، دون الثاني؛ لأنه هو الذي يحتاج
إلى نظر في كونه يضرّ الولد، حتى احتاج النبيّ وَله إلى أن ينظر إلى أحوال غير
العرب الذين يصنعون ذلك، فلما رأى أنه لا يضرّ أولادهم لم يَنْهَ عنه، وأما
الثاني، فضرره معلومٌ للعرب، وغيرهم، بحيث لا يحتاج إلى نظر، ولا فكر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون المراد من الحديث المعنى الأول
فقط، مع أن أهل اللغة أثبتوا المعنيين محلّ نظر، والله تعالى أعلم.
قال: وإنما همّ النبيّ وَّ﴿ بالنهي عن الغِيلة لما أكثرت العرب من اتقاء
ذلك، والتحدّث بضرره، حتى قالوا: إنه ليدرك الفارس، فيُدعثره عن فرسه،
قال: ثم لما حصل عند النبيّ وَ مِ أنه لا يضرّ أولاد العجم سوّى بينهم، وبين
العرب في هذا المعنى، فسوّغه، فيكون حجة لمن قال من الأصوليين: إن
النبيّ وَ﴿ كان يحكم بالرأي والاجتهاد. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ باختصار(١).
(حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ فَارِسَ) لقب قبيلة، ليس بأب ولا أمّ، وإنما هم أخلاط
من تَغْلِب اصطلحوا على هذا الاسم (وَالرُّومَ) بضمّ الراء نسبة إلى روم بن
عيصو بن إسحاق (يَصْنَعُونَ ذَلِكَ) أي يفعلون المذكور من الغِيلة (فَلَا يَضُرُّ
أَوْلَادَهُمْ))) وفي الرواية التالية: ((فنظرت في الروم، وفارس، فإذا هم يُغيلون
أولادهم، فلا يضُرّ أولادهم ذلك شيئاً)).
قال الحافظ أبو عمر: هذا يردّ كلّ ما قاله الأخفش، وحكاه عن العرب،
وذلك من أكاذيب العرب، وظنونهم، ولو كان ذلك حقّاً لنهى عنه رسول الله وَله
على جهة الإرشاد والأدب، فإنه كان ◌َلير حريصاً على نفع المؤمنين رؤوفاً
بهم، وما ترك شيئاً ينفعهم إلا دلّهم عليه، وأمره به وَلِّ. انتهى(٢).
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) بن الحجّاج، صاحب الكتاب، ثم إنه يَحْتَمل أن
يكون من كلامه، وهو الظاهر، ويَحْتَمل أن يكون ملحقاً من الراوي عنه (وَأَمَّا
خَلَفٌ) يعني هشام شيخه الأول (فَقَالَ: عَنْ جُذَامَةَ الْأَسَدِيَّةِ) أي بالذال المعجمة
(وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ يَحْيَى) بن يحيى شيخه الثاني، وهو أنها جُدَامة (بِالدَّالِ)
المهملة، وهذا قد تقدّم في ترجمتها أنه قول جمهور العلماء.
(١) ((المفهم)) ١٧٤/٤ - ١٧٥.
(٢) ((الاستذكار)) ٢٨٢/١٨ - ٢٨٣.

٥٥٩
(٢٥) - بَابُ جَوَازِ الْغِيلَةِ، وَهِيَ وَطْءُ الْمُرْضِعِ، وَكَرَاهَةِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٦٤)
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((جُدامة الأسديّة)) رويناه بالدال المهملة،
وهكذا قاله مالك، وهو الصواب، قال أبو حاتم: ((الْجُدامة)): ما لم يندقّ من
السُّنْبُل، وقال غيره: هو ما يبقى في الْغِرْبال من نصيّةٍ (١)، وقال غير مالك
بالذال المنقوطة، وهو من الْجَذم الذي هو القطع، وهي جدامة بنت وهب بن
مِحْصَن الأسديّ، تكنى أم قيس، وهي ابنة أخي عكاشة بن مِحصن، أسلمت
عام الفتح. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((أسلمت عام الفتح)) هذا فيه نظر؛ لأنها
ممن أسلم قديماً، وهاجرت إلى المدينة، كما تقدّم قريباً، فتنبّه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جُدامة بنت وهب ◌ّا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
[تنبيه]: قال الدارقطنيّ كَُّهُ: وأخرج - يعني مسلماً - حديث جُدامة
مرسلاً ومتّصلاً، ولم يُخرجه البخاريّ، قال أبو مسعود الدمشقيّ في الأجوبة
(٢٤) بعد نقل كلام الدارقطني هذا: أما حديث جُدامة بنت وهب فما أخرجه
أصلاً إلا متّصلاً، ولم يُخرجه مرسلاً، أخرجه من حديث مالك، وسعيد بن
أبي أيوب، ويحيى بن أيوب، عن أبي الأسود، عن عائشة، عن جُدامة.
انتھی.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥٦٤/٢٥ و٣٥٦٥ و٣٥٦٦] (١٤٤٢)، و(أبو
داود) في ((الطبّ)) (٣٨٨٢)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٧٦)، و(النسائيّ) في
((النكاح)) (٣٣٢٧) وفي ((الكبرى)) (٥٤٨٥)، و(ابن ماجه) في ((النكاح))
(٢٠١١)، و(مالك) في ((الموطًا)) (١٢٩٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦١/٦
و٤٣٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢١٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٠/٣ -
١٠١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٥/٤ - ١١٦)، و(ابن حبّان) في
(١) النصيّةُ: البقيّة.
(٢) ((المفهم)) ١٧٣/٤.

٥٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
(صحيحه)) (٤١٩٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٣٤/٢٤ - ٥٣٥)،
و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٨٩/٤ و٢٨٩/٩ و٢٩٢)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٤٦٥/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٩٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم الغِيلة، وهو الجواز، حيث إن النبيّ وَّ لم ينه
عنه، وبيّن سبب ترك النهي.
٢ - (ومنها): بيان جواز الاجتهاد لرسول الله وَ﴾، وبه يقول جمهور
الأصوليين، وقيل: لا يجوز؛ لتمكّنه من الوحي، قال النوويّ نَّثُ: والصواب
الأول.
٣ - (ومنها): أن فيه إباحة التحدّث عن الأمم الأخرى بما يفعلون.
٤ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ ◌َُّ: فيه دليلٌ على أن من
نهيه ﴿ ما يكون أدباً، ورفقاً، وإحساناً إلى أمته ليس من باب الديانة، ولو
نهى عن الغِيلة كان ذلك وجه نهيه عنها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال أبو عبد الله القرطبيّ كَّلُ: وقد يَستَدِل بهذا(١)
مَن يمنع العزل؛ لأن الوأد يرفع الموجود والنسل، والعزل منع أصل النسل،
فتشابها، إلا أن قتل النفس أعظم وزراً، وأقبح فعلاً، ولذلك قال بعض
علمائنا: إنه يُفْهَم من قوله بَّي في العزل: ((ذلك الوأد الخفيّ)) الكراهةَ، لا
التحريم، وقال به جماعة من الصحابة، وغيرهم، وقال بإباحته أيضاً جماعة من
الصحابة، والتابعين، والفقهاء؛ لقوله وَل: ((لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو
القدر))، أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا، وقد فَهِم منه الحسن، ومحمد بن
المثنى(٢) النهي والزجر عن العزل، والتأويل الأول أولى؛ لقوله وَله: ((وإذا
(١) يعني قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١].
(٢) هكذا النسخة، وقد تقدّم مثله، والظاهر أن الصواب ((ومحمد بن سيرين))؛ لأنه
الذي ثبت في ((صحيح مسلم))، وغيره، وأما ابن المثنى، فلم يُنقل عنه، فيما
علمت، والله تعالى أعلم.