Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٦)
يشارك مالكاً في الرواية عن نافع، وتفرد عنه بهذا الحديث، وبغيره، وهو من
الثقات الأثبات، قال الدارقطنيّ بعد أن أخرجه من طريقه: صحيحٌ، غريبٌ،
تفرّد به جُويرية، عن مالك، قال الحافظ: ولم أره إلا من رواية ابن أخيه
عبد الله بن محمد بن أسماء، عنه. انتهى(١).
وقوله: (عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ... إلخ) قال في
((الفتح)): وافق مالكاً على هذا السند شعيب، عند البخاريّ في ((البيوع))،
ويونس عنده أيضاً في ((القدر))، وعُقيل، والزُّبَيديّ، كلاهما عند النسائيّ،
وخالفهم معمر، فقال: عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد،
أخرجه النسائيّ، وخالف الجميع إبراهيم بن سعد، فقال: عن الزهريّ، عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد، أخرجه النسائيّ أيضاً، قال
النسائيّ: رواية مالك، ومن وافقه أولى بالصواب. انتهى (٢).
وقوله: (فَكُنَّا نَعْزِلُ) وتقدّم بلفظ: ((فأردنا أن نستمتع، ونعزل))، قال
القرطبيّ تَظْلُهُ: يعني أن منهم من وقع سؤاله قبل أن يعزل، ومنهم من وقع
سؤاله بعد أن عَزَلَ، ويَحْتَمِل أن يكون معنى قوله: ((كنا نعزل)) أي عزمنا على
ذلك، فيرجع معناه إلى الأول. انتهى(٣).
وقوله: ((وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟، وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟، وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟) قال
القرطبيّ تَخْتُ: ظاهره الإنكار والزجر، غير أنه يضعّفه قوله: ((ما من نسمة كائنة
إلا وهي كائنة)) على ما قرّرناه آنفاً، فإذاً معناه: الاستبعاد لفعلهم له، بدليل ما
جاء في الرواية الأخرى: ((ولِمَ يَفْعَلُ ذلك أحدكم؟»، قال الراوي: ولم يقل:
فلا يفعل ذلك أحدكم، ففُهم أنه ليس بنهي، وهو أعلم بالمقال، وأقعد
بالحال. انتهى (٤).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى قبل حديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ١١ /٦٤٥.
(٣) ((المفهم)) ١٦٦/٤.
(٢) ((الفتح)) ١١ /٦٤٥ - ٦٤٦.
(٤) ((المفهم)) ٤/ ١٦٧ - ١٦٨.

٥٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٥٤٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ
الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ:
((لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٠) أو
بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) تقدّم قريباً.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم قبل باب.
٤ - (أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، أو أبو حمزة، أو أبو
عبد الله البصريّ، أخو محمد بن سيرين، ثقةٌ [٣] (١١٨) وقيل: (١٢٠) (ع)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٩٤/٤٧.
٥ - (مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ البصريّ، مولى أنس، أكبر إخوته، ثقةٌ
[٣].
رَوَى عن عمر بن الخطاب، وأبي سعيد الخدريّ.
ورَوى عنه أخوه أنس، ومحمد، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال:
كان أقدم بني سيرين موتاً، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن سعد
في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقةً، وقد رَوَى أحاديث، وذكر
ابن أبي خيثمة أنه رَوَى أيضاً عن أنس، وقال يحيى بن معين: يُعْرَفُ ويُنكِرِ(١).
مات على رأس المائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا
(١) كلام ابن معين هذا يحتاج إلى تأكّد صحته عنه، فإن معبداً وثّقه في ((التقريب))
بالإطلاق، فليُنظر.

٥٢٣
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٧)
الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٤٣٨) وأعاده بعده، وحديث (٢٢٠١): ((ما
كان يدريه أنها رقية، اقسموا، واضربوا لي بسهم معكم)).
والصحابيّ رُهُ ذُكر قبله.
[فائدة]: ذكر ابن الجعد تكَّتُهُ في ((مسنده)) (١٧٩/١) فقال: حدّثنا
محمد بن إسحاق، قال سمعت عليّ ابن المدينيّ، يقول: محمدٌ، ومعبدٌ،
وأنسٌ، ويحيى بن سيرين، ولم يرو عن يحيى أحدٌ إلا أخوه محمد، ولم يرو
عن معبد إلا أخوه أنس، وحفصة بنت سيرين أختهم، وفي غير حديث ابن
المدينيّ: وكريمة بنت سيرين أختهم.
قال: وكان أنس بن سيرين يكنى أبا موسى، حدّثنا بذلك صالح بن
أحمد، عن أبيه، وقد قيل: إنه يكنى بأبي حمزة، وإنه سُمِّي حين وُلد باسم
أنس بن مالك، وگُني بکنیته.
قال: ورَوَى حماد بن زيد، عن أنس بن سيرين، قال: وُلدت لسنة بقيت
من خلافة عثمان، بلغني ذلك عن حماد بن زيد.
قال: حدّثنا عباس بن محمد، نا أبو بكر بن أبي الأسود، عن سعيد بن
عامر، قال: كان سيرين أبو محمد بن سيرين قَيْناً حَدّاداً.
قال: حدّثنا محمد بن عليّ الجوزجانيّ، قال: سمعت أحمد بن حنبل
يقول: مات أنس بن سيرين سنة عشرين. انتهى.
وقوله: (قَالَ: قُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) القائل شعبة، ففي الرواية
التالية: ((قال شعبة: قلت له: سمعته من أبي سعيد؟ قال: نعم))، والظاهر أن
الضمير في (له)) لمعبد بن سيرين، ومعناه أن شعبة لقيه بعد أن سمع الحديث
بواسطة أخيه أنس، فسأله للتأكّد، فقال: أسمعته من أبي سعيد الخدريّ
مباشرة؟ فقال له: نعم.
ويَحْتَمل أن يكون الضمير لأنس بن سيرين شيخ شعبة، فيكون مما سمعه
عن أخيه، عن أبي سعيد، ثم سمعه من أبي سعيد نفسه، ويقوّي هذا الاحتمال
ما تقدّم عن ابن المدينيّ أنه لم يرو عن معبد إلا أخوه أنس، والله تعالى أعلم.
لكن أخرج الحديث أبو عوانة في («مسنده)) (٩٥/٣) فقال:

٥٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
(٤٣٣٤) - حدثنا عباس الدُّوريّ، قئنا (١) شبابة، قثنا شعبة، عن أنس بن
سيرين، عن أخيه معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ وَّ في
العزل قال: ((لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو قدر)).
قال شعبة: قلت لأنس بن سيرين: أسمعه معبد من أبي سعيد؟ قال:
نعم. انتهى.
وهذه الرواية واضحة لا إشكال فيها، ولعلّ نُسخ ((صحيح مسلم)) دخلها
التصحيف، والأصل في الأول: ((قال: قلت له: سمعه من أبي سعيد ...
إلخ))، أي قال شعبة: قلت لأنس بن سيرين: أسمع معبد هذا الحديث من أبي
سعيد الخدري؟، قال: نعم، وفي الثاني: قال شعبة: قلت له: سمعه من أبي
سعيد؟، أي قلت لأنس: أسمعه معبد من أبي سعيد؟، فليُتأمل، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ) أي ما عليكم ضررٌ في الترك،
فأشار به إلى أن ترك العزل أحسن.
وقوله: (فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ) أي المؤثّر في وجود الولد وعدمه هو قدر الله،
لا العزل، فأيّ حاجة إليه؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٥٤٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ
(ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَبَهْزٌ، قَالُوا جَمِيعاً:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ: عَن
النَّبِيِّ وَِّ قَالَ فِي الْعَزْلِ: (لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ))، وَفِي
رِوَايَةِ بَهْزٍ: قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ).
(١) منحوت الموضعين من قوله: ((قال: حدّثنا))، فتنبّه.

٥٢٥
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٨)
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (قَالُوا جَمِيعاً) الضمير يرجع على الأربعة: محمد بن جعفر غُندر،
وخالد بن الحارث الْهُجَيميّ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وبهز بن أسد.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة ساقها الإمام أحمد تَظّتُ في
((مسنده)) (٢٢/٣) فقال:
(١١١٨٨) - حدّثنا محمد بن جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ، عن أَنَسِ بن سِيرِينَ، عن
مَعْبَدٍ، عن أبي سَعِيدِ الخدريّ، عَنِ النبيّ وَِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعَزْلِ، أو قال في
الْعَزْلِ: ((لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ، فَإِنَّمَا هو الْقَدَرُ)).
ورواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة ساقها أبو يعلى تَخُّْهُ في
«مسنده)) (٣٨٤/٢) فقال:
(١١٥٤) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، حدّثنا شعبة،
عن أنس بن سيرين، عن أخيه معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدريّ، عن
النبيّ ◌َّه قال: ((لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر)).
ورواية بهز، عن شعبة ساقها الإمام أحمد كّتُ في ((مسنده)) (٤٩/٣)
فقال :
(١١٤٧٦) - حدّثنا بَهْزٌ، ثنا شُعْبَةُ، قال: حدّثني أَنَسُ بن سِيرِينَ، عن
أَخِيهِ مَعْبَدٍ بن سِيرِينَ، عن أبي سَعِيدٍ الخدريّ، قال شُعْبَةُ: قلت له: سَمِعْتَهُ من
أبي سَعِيدٍ؟ قال: نعم، عَنِ النبيّ ◌َّهِ فِي الْعَزْلِ، قال: ((لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا
ذَلِكُمْ، فَإِنَّمَا هو الْقَدَرُ)).
وأما رواية خالد بن الحارث عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٥٤٩] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ،
وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سُئِلَ
النَّبِيُّ نَّهِ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ: ((لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ))، قَالَ
مُحَمَّدٌ: وَقَوْلُهُ(١): ((لَا عَلَيْكُمْ)) أَقْرَبُ إِلَى النَّهْيِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود العَتَكيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو كَامِلَ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم قبل بابين.
٥ - (مُحَمَّدٌ) بن سيرين، تقدّم قريباً.
٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ) الأنصاريّ، أبو بشر الأزرق
المدنيّ، مقبول [٣].
رَوَى عن أبي مسعود الأنصاريّ، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وخَّبّاب بن
الأرتّ.
وروى عنه إبراهيم النخعيّ، ومحمد بن سيرين، وموسى بن عبد الله بن
يزيد الخطميّ، وجعفر بن أبي وَحْشيّة، ورجاء الأنصاريّ، وأبو الحصين.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال
الدار قطنيّ: أرسل عن النبيّ ◌َلـ
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا
هذا الحديث، وأعاده بعده، وله عند النسائيّ هذا، وآخر في كيفية الصلاة
عليه وَ﴾، وعند أبي داود في كراهة التسرع إلى الحكم.
(١) وفي نسخة: ((قوله)) بحذف العاطف.

٥٢٧
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٥٠)
[تنبيه]: إنما أخرج المصنّف طريق عبد الرحمن بن بشر، مع أنه مقبول؛
لأنها متابعة لما سبق من الروايات، فتنبّه.
و«أبو سعيد» رقڅبه ذُكر قبله.
وقوله: (سُئِلَ النَّبِيُّ وَهِ عَنِ الْعَزْلِ) السائل هو أبو سعيد، ومن معه من
الصحابة به، كما قال في الرواية السابقة: ((فسألنا رسول الله وَلِ)).
وقوله: (قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن سیرین.
وقوله: (لَا عَلَيْكُمْ أَقْرَبُ إِلَى النَّهْي) يعني أنه يُفهم من قوله وَلِّ: ((لا
عليكم)) النهي عن فعل العزل، قال القرطبيّ بعد ذكره أن طائفة فهمت النهي عن
العزل، ومنهم الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، قال: وكأن هؤلاء فَهِموا
من ((لا)) النهي عما سُئل عنه، وحذف بعد قوله: ((لا))، فكأنه قال: لا تعزلوا،
وقوله: ((وعليكم ألا تفعلوا)) تأكيد لذلك النهي.
وفهمت الطائفة الأخرى الإباحة، وكأنها جَعَلت جواب السؤال قوله: ((لا
عليكم ألا تفعلوا))، أي ليس عليكم جناح في أن لا تفعلوا، وهذا التأويل
أولى، وقد تقدّم وجه أولويّته قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا
ابْنُ عَوٍْ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: فَرَدَّ الْحَدِيثَ،
حَتَى رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: ((وَمَا
ذَاكُمْ؟))، قَالُوا: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ تُرْضِعُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ
مِنْهُ، وَالرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ، قَالَ: ((فَلَا
عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ))، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ،
فَقَالَ: وَاللهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ) بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.

٥٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ [٥] (ت١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين.
وقوله: (قَالَ: فَرَدَّ الْحَدِيثَ) الظاهر أن القائل هو ابن عون، وفي رواية
أبي عوانة من طريق عبد الله بن حُمران، عن ابن عون: ((رفع الحديث، حتى
ردّه إلى أبي سعيد الخدريّ)).
وقوله: (حَتَّى رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) يعني أنه نسبه إلى أبي سعيد
الخدريّ ظُبه، وإنما عدل عن قوله: ((سمعت أبا سعيد)) أو نحو ذلك؛ لكونه
نسي الصيغة، فأتى بما يشمل جميع الصيغ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ النَّبِيِّ وَّه) ببناء الفعل للمفعول، والذاكر هو أبو
سعيد، ومن معه من الصحابة، كما قال في الرواية السابقة: ((فسألنا
رسول الله مَالچو)).
وقوله: (الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ تُرْضِعُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ)
معناه أن الرجل تكون امرأة حرّة، وهي ترضع ولده، فيجامعها، ويكره أن
تحمل من ذلك الجماع، زعماً منهم أن لبن الحامل في حال الإرضاع مضرّ
بالولد المحمول، كما سيأتي بعد باب - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (وَالرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَّةُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ) أي
لئلا يمتنع عليه بيعها، إن حَمَلت منه؛ لكونها أم ولد له.
قال القرطبيّ تَخَّثُ: هذا دليلٌ على أن قوله وَّهِ: ((فلا عليكم ألا تفعلوا))
خرج جواباً عن سؤالين: العزلٍ عن الحرّة، وعن الأمة، فلا بُعْد أن يذكر
الراوي في وقتٍ أحد السؤالين، ويسكت عن الآخر، ويذكرهما جميعاً في
وقت آخر، كما قد جاءت في هذه الروايات، ولا يُعدّ مثل هذا اضطراباً.
انتھی(١).
وقوله: (قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَّ) أي البصريّ (فَقَالَ) أي
(١) («المفهم)) ١٦٨/٤.

٥٢٩
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٥١ - ٣٥٥٢)
الحسن (وَاللهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ) يعني أنه فَهِم من هذا الحديث ما فهمه ابن
سيرين، من معنى النهي عن العزل، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَُّ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٥٥١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ،
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثْتُ مُحَمَّداً عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِحَدِيثٍ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ، يَعْنِي حَدِيثَ الْعَزْلِ، فَقَالَ: إِنَّايَ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
بِشْرٍ).
ء
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، ثم المكيّ قاضيها،
ثقةٌ إمامٌ حافظٌ [٩] (ت٢١٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٨/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ: حَدَّثْتُ مُحَمَّداً عَنْ إِبْرَاهِيمَ ... إلخ) القائل هو ابن عون،
يعني أنه حدّث محمد بن سيرين بهذا الحديث عن إبراهيم النخعيّ، فقال له
محمد بن سيرين: إياي حدّث هذا الحديث عبد الرحمن بن بشر الذي رواه عنه
إبراهيم النخعيّ، فصار لابن عون فيه سندان، سند إبراهيم، عن عبد الرحمن،
عن أبي سعيد، وسند ابن سيرين، عن عبد الرحمن، عن أبي سعيد نظُبه، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٥٥٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا
هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قُلْنَا لِأَبِي سَعِيدٍ: هَلْ سَمِعْتَ

٥٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
رَسُولَ اللهِ وَلِّ يَذْكُرُ فِي الْعَزْلِ شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ
ابْنِ عَوٍْ إِلَى قَوْلِهِ: ((الْقَدَرُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥/ ٥٥٧.
٢ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، من
أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
والباقون ذُكروا في الباب، و(محمد)) هو ابن سیرین.
وقوله: (وساق الحديث ... إلخ) فاعل ((ساق)) ضمير هشام بن حسّان.
[تنبيه]: رواية هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، هذه ساقها
النسائيّ تَُّ في ((الكبرى)) (٢٠١/٣) فقال:
(٥٠٤٧) - أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: ثنا يزيد، قال: أنا هشام،
عن محمد، عن أخيه معبد(١) بن سيرين، قال: قلت لأبي سعيد الخدريّ: هل
سمعت من رسول الله ﴿ في العزل شيئاً؟ قال: نعم، سألنا رسول الله وَ له عن
العزل، فقال: ((وما هو؟)) فقلنا: الرجل تكون له المرأة المرضع، فيَكْرَه أن
تَحْمِل، فَيَعْزِل عنها، أو تكون الجارية له، ليس له مال غيرها، فيصيب منها،
فيَكْرَه أن تَحْمِل، فَيَعْزِل عنها، فقال: ((لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم، فإنما هو
القدر)). انتهى.
[تنبيه آخر]: تكلّم الدراقطنيّ تَخُّْ في سند هذا الحديث، فقال: وأخرج
مسلم عن ابن المثنّى، عن عبد الأعلى، عن هشام، عن محمد، عن أخيه
معبد، أبي سعيد في ((العزل))، قال: لم يُتابع هشام، وخالفه أيوب، وابن
عون، عن محمد، عن عبد الرحمن بن بِشْر، عن أبي سعيد، فلعلّ ابن سيرين
حفظه عنهما - والله أعلم - وأخرجهما كليهما مسلم. انتهى.
حاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ تَظُّ أن هشام بن حسّان تفرّد بروايته عن
(١) وقع في النسخة: ((سعيد))، وهو غلط بلا شكّ، فتنبّه.

٥٣١
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٥٣)
محمد بن سيرين، عن أخيه معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدريّ
لته
وخالف في ذلك أيوب السختيانيّ، وعبد الله بن عون، فإنهما روياه عن
محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر، عن أبي سعيد الخدريّ
لكن هذا الخلاف لا يؤثّر في صحة الحديث، كما أشار إليه الدارقطنيّ
في آخر كلامه، حيث قال: فلعلّ ابن سيرين حفظه عنهما .
والحاصل أن الحديث صحيح محفوظ من الطريقين المذكورين، فتنبّه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ،
قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَن ابْنِ أَبِي
نَجِيحِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ قَرْعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ
رَسُولِ اللهِوَ﴾(١)، فَقَالَ: ((وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ - وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ ذَلَِّكَ
أَحَدُكُمْ - فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوَةٌ، إِلَّ اللهُ خَالِقُهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصحّ وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٧٥.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(٢٤٥) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين.
٤ - (ابْنُ أَبِي نَجِيح) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار الثقفيّ مولاهم،
أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمَّي بالقدر، وربّما دلّس [٦] (ت١٣١) أو بعدها (ع)
تقدم في ((الجنائز)) ٢١٣٤/٦.
٥ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام
(١) وفي نسخة: ((ذُكر العزل لرسول الله (وَلآت).

٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
مشهورٌ [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) وله (٨٣) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٦ - (قَزْعَةُ) بن يحيى، أبو الغادية البصريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في
((الصلاة)) ١٠٢٥/٣٥.
و((أبو سعيد))
ذكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ) أراد به إلى أنه لم يُصرّح
بالنهي، وإنما أشار إلى أن الأولى ترك ذلك؛ لأن العزل إنما كان خشيةً
حصول الولد، فلا فائدة في ذلك؛ لأن الله تعالى إن كان قدّر خلق الولد لم
يمنع العزل منه، فقد يَسبق الماء، ولا يشعر العازل، فيحصل العلوق، ويَلحقه
الولد، ولا رادّ لما قضاه الله.
وقوله: (فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ، إِلَّ اللهُ خَالِقُهَا) الضمير في ((فإنه))
للشأن، ((ليست نفس مخلوقة))، أي قدّر الله تعالى أن تُخلق ((إلا الله خالقها))،
أي مبرزها من العدم إلى الوجود، و((ليس)) قد تُحمَل على ((ما)) في الإهمال عند
انتقاض النفي، كقولهم: ((ليس الطيب إلا المسكُ)) بالرفع، كما تُحمَل ((ما))
على ((ليس)) عند استيفاء الشروط، كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ الآية [يوسف:
٣١]، وكقوله: ﴿مَّا هُشَ أُنَّهَتِهِمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢](١).
والحديث من أفراد المصنّف تَظْلُهُ، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريباً، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي
الْوَذَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، سَمِعَهُ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ عَنِ الْعَزْلِ؟
فَقَالَ: ((مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) نزيل مصر السعديّ مولاهم، أبو جعفر، ثقةٌ
(١) راجع: ((شرح ابن عقيل على الخلاصة))، مع ((حاشية الخضريّ)) ١٢٩/١.

٥٣٣
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٥٤)
فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريباً.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِح) بن حُدير الحضرميّ، أبو عمر، أو أبو
عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له أفراد [٧] (ت١٥٨) أو بعد
السبعين (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) واسمه سالم بن المخارق الهاشميّ، يُكْنَى أبا
الحسن، وقيل: غير ذلك، أصله من الجزيرة، وانتقل إلى حمص، وأرسل عن
ابن عبّاس، ولم يره، صدوق، قد يُخطىء [٦].
رَوَى عن ابن عباس، ولم يسمع منه بينهما مجاهدٌ، وأبي الوَدّاك جَبْر بن
نَوْف، وراشد بن سعد المقرئيّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم.
وروى عنه الحكم بن عتيبة، وهو أكبر منه، وداود بن أبي هند،
ومعاوية بن صالح الحضرميّ، وأبو بكر بن أبي مريم، ومحمد بن الوليد
الزُبيديّ، وسفيان الثوريّ، وغيرهم.
قال الميمونيّ عن أحمد: له أشياء منكرات، وهو من أهل حمص، وقال
الآجريّ عن أبي داود: وهو إن شاء الله مستقيم الحديث، ولكن له رأي سوء،
كان يرى السيف(١)، وقد رآه حجاج بن محمد، وقال النسائيّ: ليس به بأس،
(١) قال الحافظ كَّهُ: وقد وقفت على السبب الذي قال فيه أبو داود: يرى السيف،
وذلك في ما ذكره أبو زرعة الدمشقيّ، عن عليّ بن عيّاش الحمصيّ، قال: لقي
العلاء بن عتبة الحمصيّ عليّ بن أبي طلحة تحت القبة، فقال: يا أبا محمد تؤخذ
قبيلة من قبائل المسلمين، فيقتل الرجل، والمرأة، والصبيّ، لا يقول أحد: الله الله،
والله لئن كانت بنو أمية أذنبت، لقد أذنب بذنبها أهل المشرق والمغرب، يشير إلى
ما فعله بنو العباس، لما غلبوا على بني أمية، وأباحوا قتلهم على الصفة التي
ذكرها، قال: فقال له علي بن أبي طلحة: يا عاجزُ أوَ ذنبٌ على أهل بيت النبيّ وَّهـ
أن أخذوا قوماً بجرائرهم، وعفوا عن آخرين؟ قال: فقال له العلاء: وإنه لرأيك؟
قال: نعم، فقال له العلاء: لا كلّمتك من فمي بكلمة أبداً، إنما أحببنا آل محمد
بحبه، فإذا خالفوا سيرته، وعملوا بخلاف سنته فهم أبغض الناس إلينا. انتهى
(تهذيب التهذيب)) ١٧١/٣ - ١٧٢.

٥٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وقال دُخَيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال صالح بن محمد: روى عنه
الكوفيون، والشاميون، وغيرهم، وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث،
منكرٌ، ليس محمود المذهب، وقال في موضع آخر: شاميّ ليس هو بمتروك،
ولا هو حجةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات، وقال: روى عن ابن عباس ولم
يره، ووثّقه العجليّ.
وذكر الخطيب أن أحمد بن حنبل قال: إن علي بن أبي طلحة الذي رَوَى
عنه الثوريّ، والحسن بن صالح، ورآه حجاج الأعور كوفيّ، غير الشاميّ،
والصواب أنهما واحدٌ.
قال أبو بكر بن عيسى، صاحب ((تاريخ حمص)): مات سنة ثلاث
وأربعين ومائة، وذكر خليفة بن خياط أنه مات سنة (١٢٠)، والأول أصح.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث، وروى له الباقون حديثاً آخر في الفرائض، ونقل
البخاريّ من تفسيره رواية معاوية بن صالح، عنه، عن ابن عباس شيئاً كثيراً في
التراجم وغيرها، ولكنه لا يسميه، يقول: قال ابن عباس، أو يُذْكَر عن ابن
عباس، قاله في ((تهذيب التهذيب))(١).
٥ ۔ (أَبُو الْوَدَّاكِ) ۔ بفتح الواو، وتشدید الدال، آخرہ کاف ۔ جَبْر بن
نَوْف - بفتح النون، وسكون الواو، آخره فاء - الْهَمْدَانيّ الْبِكَاليّ - بكسر
الموحّدة، وتخفيف الكاف - الكوفيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٤].
رَوَى عن أبي سعيد الخدريّ، وشُريح القاضي، وعنه مجالد، وقيس بن
وهب، وأبو إسحاق، ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن أبي طلحة،
وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو التَّاحِ.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: صالح، وقال البخاريّ في ((تاريخه)):
قال يحيى القطان: هو أحبّ إلي من عطية، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث،
وقال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: عطية مثل أبي الوداك؟ قال: لا، قيل:
فمثل أبي هارون؟ قال: أبو الوداك ثقة، ما له ولأبي هارون؟ وقال أبو حاتم:
(١) (تهذيب التهذيب)) ٣/ ١٧٢.

٥٣٥
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٥٥)
وأبو الوداك أحبّ إلي من شهر بن حوشب، وبشر بن حرب، وأبي هارون، وقال
النسائيّ في ((الجرح والتعديل)): ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ..
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٤٣٨) وحديث (٢٩٣٨): ((يخرج
الدجال، فيتوجّه قِبَله رجل من المؤمنين ... )) الحديث.
٦ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن
الصحابي جا مات سنة ٣ أو ٤ أو ٦٥هـ، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٨٥.
وقوله: (مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ) قال القرطبيّ ◌َُّهُ: يعني أنه ينعقد
الولد في الرحم من جزء من الماء لا يشعر العازل بخروجه، فيظنّ أنه قد عَزَلَ
كلّ الماء، وهو إنما عَزَلَ بعضه، فيخلق الله الولد من ذلك الجزء اللطيف الذي
بادر بالخروج. انتهى (١).
وقال الطيبيّ تَخَُّهُ: فإن قلت: كيف طابق هذا جواباً للسؤال؟.
قلت: معنى السؤال أنهم استأذنوا في العزل مخافة الولد، فأجيبوا بأنكم
زعمتم بأن صبّ الماء سبب للولد، والعزل لعدمه، وليس كذلك؛ إذ لا يكون
الولد من كلّ الماء، فكم من صبّ لا يحدُث منه الولد، ومِنْ عَزْلٍ مُحْدِثٍ له؟
فقدّم خبر (يكون))؛ ليدلّ على الاختصاص، وأن تكوين الولد بمشيئة الله تعالى،
لا بالماء، وكذا عدمه بها، لا بالعزل، وهذا معنى قوله: (وَإِذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ
شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ)، أي من العزل وغيره. انتهى(٢).
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَخْذَلُهُ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٥] ( ... ) - (حَدَّثَنِي(٣) أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
حُبَابٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عن النَّبِّ ◌َهَ بِمِثْلِهِ).
(١) ((المفهم)) ١٦٩/٤.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٣٠٥/٧ - ٢٣٠٦ بزيادة شيء من ((المرقاة)).
(٣) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْبَصْرِيُّ) أبو بكر الْقَزّاز، صدوقٌ [١١] قديم
الموت، مات سنة (٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الصيام)) ٢١/
٢٦٦١.
٢ - (زَيْدُ بْنُ حُبَابِ) الْعُكليّ، أبو الحسين الخرسانيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ
يُخطىء في حديث الثوريّ [٩] (ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦/ ٥٦٠.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح هذه لم أجد من
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٥٥٦] (١٤٣٩) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ،
أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً،
هِيَ خَادِمُنَا، وَسَانِيَتُنَا، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، فَقَالَ: ((اعْزِلْ عَنْهَا
إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا))، فَلَبِثَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ
حَبِلَتْ(١)، فَقَالَ: ((قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس بن
عبد الله بن قيس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، من كبار
[١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قريباً.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله حقًا، تقدّم قبل باب.
(١) وفي نسخة: ((قد حَمَلت)).
سـ

٥٣٧
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٥٦)
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ◌َظُهُ (أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِ وَ لَّ) لا يُعرف اسم الرجل،
ولا الجارية(١). (فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً) أي أمة، قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف
الرجل، ولا الجارية. انتهى(٢). (هِيَ خَادِمُنَا) هكذا ((خادمنا)) بلا تاء، وهو
الأفصح، قال الفيّوميّ تَخْذُ: خَدَمَهُ يَخْدُمَهُ خَدْمُةً، فهو خادمٌ، غلاماً كان، أو
جاريةً، والخادمة بالهاء في المؤنّث قليلٌ، والجمع خَدَمٌ، وخُدّامٌ، وقولهم:
فلانة خادمةٌ غداً ليس بوصف حقيقيّ، والمعنى ستصير كذلك، كما يقال:
حائضةٌ غداً. انتهى(٣).
(وَسَانِيَتُنَا) أي التي تَسقي لنا، شَبّهها بالبعير في ذلك، وقال
القرطبيّ ◌َخْلُهُ: قوله: ((وسانيتنا)) هكذا مشهور الرواية عند كافّة الرواة، ويعني
بالسانية: المستقية للماء، يقال: سَنَتِ الدابّة، فهي سانية: إذا استُقِي عليها،
وعند ابن الحذّاء: ((سايستنا))، اسم فاعل من ساس الفرس يسوسه: إذا خَدَمَهُ.
(٤)
انتھی(٤).
(وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا) أي أجامعها (وَأَنَا أَكْرَهُ) بفتح الراء، يقال: كَرِهتُ
الشيءَ أكرهه، من باب تَعِبَ كُرْهاً بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته (أَنْ
تَحْمِلَ)، أي تحبل منّي (فَقَالَ) وَ ((اعْزِلْ) بكسر الزاي، من باب ضرب (عَنْهَا
إِنْ شِئْتَ) هذا نصّ في إباحة العزل، أي إن شئت العزل، فاعزل؛ لأنه يجوز
لك، ولكن لا ينفعك العزلُ، ثم علّله بقوله: (فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ما
تفسّره الجملة بعده (سَيَأْتِيهَا مَا) موصولة في محلّ رفع على الفاعليّة (قُدِّرَ لَهَا))
ببناء الفعل للمفعول، أي ما قدّر الله تعالى لها أي من الحمل وغيره، سواء
عَزَلتَ أم لم تعزل.
قال الطيبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((فإنه سيأتيها ... إلخ)) الضمير للشأن، وفيه
مؤكِّداتٌ، ((إنّ))، وضمير الشأن، وسين الاستقبال. انتهى(٥).
(١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٢٤١.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٦٥/١.
(٥) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٣٠٥/٧.
(٢) (تنبيه المعلم)) ص٢٤١.
(٤) ((المفهم)) ١٦٩/٤.

٥٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
(فَلَبِثَ الرَّجُلُ) بكسر الموحّدة، يقال: لَبِثَ في المكان لَبَثاً، من باب
تَعِبَ، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْئَةُ بالفتح للمرّة، وبالكسر
للهيئة، والنوعُ والاسم: اللُّبْثُ بالضمّ، واللَّبَاثُ بالفتح، قاله الفيّومِيّ ◌َُّ(١).
(ثُمَّ أَتَاهُ) أي أتى الرجلُ النبيّ ◌َّهِ (فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ) أي التي يطوف عليها؛
لأن النكرة إذا أُعيدت معرفة تكون عين الأولى، كما قال السيوطيّ نَّتُهُ في
((عقود الْجُمان)) [من الرجز]:
إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَةْ
تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ
لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ أَبَدَا
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا
وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ
وَأَبْطَلَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْثِلَهْ
قال الجامع: قلت مجيباً عن استشكال السبكيّ:
عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ
قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ
وللأجهوري تَخَّثُ في هذا المعنى [من الرجز] أيضاً:
فَالثَّانِ غَيْرُ أَوَّلٍ بِلَ امْتِرَا
وَإِنْ يُعَدْ مُنَكَّرٌ مُنَكَّرَا
وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ وَهْوَ جَلِي
وَفِي سِوَى ذَا الثَّانِ عَيْنُ الأَوَّلِ
بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَا سُلِّمَا
قُلْتُ وَفِي ((مُغْنِي اللَّبِيبِ)) حَكَمًا
إِذْ قَوْلُهُ ﴿فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ أَبْطَلَهْ
﴿وَالضُلْحُ خَيْرٌ﴾ قَدْ أَبَانَ خَلَلَهْ
لأَنَّ رَبِّي وَاحِدٌ بِلَا اشْتِبَاهْ
وَقَوْلُهُ أَيْضاً ﴿وَفِ الْأَرْضِ إِلَهْ﴾
قال الجامع: قلت مجيباً عن هذا أيضاً:
قُلْتُ يُجَابُ أَنَّ هَذِي الْقَاعِدَهْ تُبْنَى عَلَى الْغَالِبِ خُذْهَا فَائِدَهْ
فَإِنْ بَدَتْ تَصْرِفُهَا فَلْتَسْتَبِنْ
أَوْ قُلْ إِذَا قَرِينَةٌ لَمْ تَقْتَرِنْ
(قَدْ حَبِلَتْ) بالباء الموحّدة، يقال: حَبِلَت المرأة، وكلُّ بهيمة تَلِدُ حَبَلاً،
من باب تَعِبَ: إذا حَمَلت بالولد، فهي حُبْلَى، وشاةٌ حُبْلَى، وسِنَّوْرَةٌ حُبْلَى،
والجمع حُبْلَيَاتٌ على لفظها، وحَبَالَى، قاله الفيّومِي ◌َظُّ(٢)، وفي بعض
النسخ: ((حَمَلَت))، وهو من باب ضرب (فَقَالَ) وَ («قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ) الضمير
(١) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٤٧ - ٥٤٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ١١٩/١.

٥٣٩
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٥٦)
للشأن، كما مرّ آنفاً (سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا))) أي ما قدّر الله تعالى لها، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر به هذا من أفراد المصنّف تَظّتُهُ.
[تنبيه]: هذا الحديث فيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلّس، لكنه لم ينفرد
به، بل تابعه عروة بن عياض في الرواية التالية، وسالم بن أبي الجعد عن ابن
حبّان في ((صحيحه)) (٥٠٦/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥٥٦/٢٣ و٣٥٥٧ و٣٥٥٨] (١٤٣٩)، و(أبو
داود) في ((سننه)) (٢١٧٣)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٨٩)، و(عبد الرزّاق) في
(«مصنّفه)) (١٢٥٥١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢٠/٤)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣١٢/٣ و٣٨٦)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٩٩/٣)، و(ابن الجعد)
في («مسنده)) (٣٨٥/١)، و(أبو يعلى)، في («مسنده)) (١٩١٠)، و(الطحاويّ) في
((معاني الآثار)) (٣٥/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٩/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز العزل عن الأمة، وكذا الحرّة على خلاف تقدّم بيانه.
٢ - (ومنها): ما قال الخطابيّ كَُّ في ((المعالم)): في هذا الحديث من
العلم إباحة العزل عن الجواري، وقد رَخَّص فيه غير واحد من الصحابة
والتابعين، وكرهه بعض الصحابة، ورُوي عن ابن عباس ﴿ّ أنه قال: تُسْتَأْمَرُ
الحرّة في العزل، ولا تُستَأمَر الجارية، وإليه ذهب أحمد ابن حنبل، وقال
مالك: لا يَعزِل عن الحرّة إلا بإذنها، ولا يَعزل عن الجارية إذا كانت زوجة،
إلا بإذن أهلها، ويَعْزِل عن أمته بغير إذن. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً على إلحاق النسب مع العزل؛ لأن الماء قد
سبق .
(١) راجع: ((عون المعبود)) ١٥٥/٦.

٥٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أنه إن أقرّ بوطء أمته، واذَّعَى العزل، فإن
الولد لاحِقٌ به، إلا أن يَدّعِي الاستبراء، وهذا على قول من يرى الأمة فراشاً،
وإليه ذهب الشافعيّ تَّهُ(١).
وقال القرطبيّ تَخُّْ: الحديث دليلٌ على إلحاق الولد بمن اعترف بالوطء،
وادَّعى العزل في الحرائر والإماء، وسببه تفلَّتُ الماء، ولا يَشْعُر به العازل،
ولم يُختَلف عندنا - يعني المالكيّة - في ذلك إذا كان الوطء في الفرج، فإن كان
في غير الفرج مما يقاربه، أو كان العزل البيِّن الذي لا شكّ فيه لم يلحقه، وفيه
حجة على كون الأمة فراشاً إذا كان الوطء. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٥٥٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الْأَشْعَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَأَلَ
رَجُلُّ النَّبِيَّ ◌َ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً لِي، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ:
(إِنَّ ذَلِكَ لَنْ يَمْنَعَ شَيْئاً أَرَادَهُ اللهُ»، قَالَ: فَجَاءَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ
الْجَارِيَةَ الَّتِي كُنْتُ ذَكَرْتُهَا لَكَ حَمَلَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَنَا عَبْدُ اللهِ
وَرَسُولُهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الْأَشْعَنِيُّ) الْكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ حَسَّانَ) المخزوميّ المكيّ، قاصّ أهل مكة، ثقةٌ(٣) [٦].
رَوَى عن سالم بن عبد الله بن عمر، وابن أبي مليكة، ومجاهد بن جبر،
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٣/١٠.
(٢) ((المفهم)) ١٦٩/٤ - ١٧٠.
(٣) قال في ((التقريب)): صدوقٌ له أوهامٌ، والحقّ ما قلناه، فقد وثقه الأئمة، ولم يتكلّم
في أحد إلا ما روي عن أبي داود في رواية، انظر ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته.