Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٤)
في غزوة أوطاس. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قال أبو عمر: بنو المصطلق قوم من خُزاعة، كانت
الوقعة بهم في موضع يقال له: الْمُرَيسيع، من نحو قُديد، في سنة ستّ من
الهجرة، وتُعرف هذه الغزوة بغزوة بني الْمُصْطَلِقِ، وبغزوة الْمُرَيسيع، قال: وقد
روى هذا الحديث موسى بن عقبة، عن ابن مُحيريز، عن أبي سعيد، قال:
أصبنا سَبْياً من سبي أوطاس، قال: وهو سبيُّ هَوَازن، وكان ذلك يوم حنين في
سنة ثمان من الهجرة، قال: فوهِمَ ابن عقبة في ذلك، والله تعالى أعلم، قال:
وقد رواه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، عن أبي الْوَدّاك، عن أبي سعيد، قال: لَمّا
أصبنا سبي حُنين، سألنا رسول الله وَل﴿ عن العزل، فقال: ((ليس من كلّ الماء
یکون الولد ... )) الحديث.
وتعقّبه القرطبيّ، فقال: الذي في مسلم في كتابه عن عليّ بن أبي طلحة،
عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد في هذا الحديث: سئل رسول الله وَله عن
العزل، فقال: ((ليس من كلّ الماء يكون الولد))، ولم يذكر فيه سبي حنين، ولا
غيره، وكذلك ما ذكره أبو عمر من رواية ابن عقبة، عن ابن مُحيريز، ذكره
مسلم أيضاً، ولم يذكر فيه: من سبي أوطاس، ولا غيره، وإنما ذكر مسلم يوم
أوطاس في حديث أبي علقمة الهاشميّ، عن أبي سعيد في قضيّة تحرّج أصحابه
من وطء المسبيّات من أجل أزواجهنّ، على ما يأتي، وهي قصّة أخرى، في
زمان آخر غير زمان بني المصطلِق، والصحيح في الحديث الأول رواية من
رواه: بني المصطلِقِ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(٢)، وهو
تحقیق مفید.
(فَسَبَيْنَا) أي أَسَرْنا، قال المجد رَّتُهُ: سَبَى العدُوّ سَبْياً، وسِبَاءً: أسره،
كاستباه، فهو سبيّ، وهي سَبِيٍّ أيضاً، والجمع سَبَايَا. انتهى(٣).
وقال الفيّوميّ تَُّ: سَبيتُ العدُوَّ سَبياً، من باب رَمَى، والاسم السِّبَاءُ،
وزانُ كتاب، والقصر لغةٌ، وأسبيته بالألف مثله، فالغلام سَبِيٍّ، ومَسْبِيّ،
(١) ((إكمال المعلم)) ٦١٥/٤.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٤/ ٣٤٠.
(٢) ((المفهم)) ٤ /١٦٤.

٥٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
والجارية سَبيّةٌ، ومسبيّةٌ، وجمعها سَبَايَا، مثلُ عطيّة وعَطَايَا، وقوم سَبْيٌ، وصفٌ
بالمصدر، قال الأصمعيّ: لا يقال للقوم إلا كذلك. انتهى(١).
(كَرَائِمَ الْعَرَبِ) جميع كريمة، أي النفيسات منهم، وقال القرطبيّ: أي
كبراءهم، وخيارهم، قال: وبنو المصطلق وثنّون بلا شكّ. انتهى(٢). (فَطَالَتْ
عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ) أي لتعذّر النكاح عليهم بتعذّر أسبابه، لا لطول إقامتهم في تلك
الغزوة، فإن غيبتهم فيها عن المدينة لم تكن طويلة، قاله القرطبيّ ◌َظُّهُ(٣).
و((الْعُزْبَة)): بضمّ، فسكون: أي البعد عن الأهل، يقال: عَزَبَ الرجل
يَعْزُبُ، من باب قتل عُزْبةً، وزانُ غُرْفة، وعُزُوبةً: إن لم يكن له أهل، فهو
عَزَبٌ بفتحتين، وامرأةٌ عَزَبٌ أيضاً كذلك، قال الشاعر [من الرجز]:
يَا مَنْ يَدُلُّ عَزَباً عَلَى عَزَبْ عَلَى ابْنَةِ الْحُمَارِسِ(٤) الشَّيخِ الأَزِبْ(٥)
وجمع الرجل عُزّابٌ، باعتبار بنائه الأصليّ، وهو عازبٌ، مثلُ كافر
وكُفّار، قال أبو حاتم: ولا يقال: رجلٌ أعزب، قال الأزهريّ: وأجازه غيره،
وقياس قول الأزهريّ أن يقال: امرأة عَزْباءُ، مثلُ أحمر وحمراء. انتهى (٦).
(وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ) أي في أخذ المال عوضاً عنهنّ، يقال: فدى أسيره:
إذا دفع فيه مالاً، وأخذه، وفاداه: إذا دفع فيه رجلاً، على ما حكاه أبو
(٧)
عمر (٧) .
قال النوويّ كَّلُهُ: معناه: احتجنا إلى الوطء، وخِفْنا من الْحَبَل، فتصير
أمَّ ولد، يمتنع علينا بيعُها، وأخذُ الفداء فيها، فيُستنبط منه منع بيع أم الولد،
وأن هذا كان مشهوراً عندهم. انتهى.
(فَأَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ) أي نُجامع المسبيّات (وَنَعْزِلَ) أي نُنزل المنيّ خارج
فرجها؛ لئلا تَحمل، وقال القرطبيّ تَُّهُ: ((الْعَزل)): هو أن يُنحّي الرجل ماءه
(١) ((المصباح المنير)) ٢٦٥/١.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ١٦٤.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ١٦٤.
(٤) ((الْحُمَارسُ بالضمّ: الشديد، والأسدُ، والجريءِ الْمِقْدام.
(٥) ((الأزبُ)): الكريه الذي لا يُدْنَى من حُرْمَته.
(٦) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٠٧.
(٧) ((المفهم)) ٤ /١٦٤.

٥٠٣
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٤)
عند الجماع عن الرحم، فيُلقيه خارجه. انتهى (١). (فَقُلْنَا: نَفْعَلُ) وفي بعض
النسخ: ((أنفعل؟)) (وَرَسُولُ اللهِ وََّ) جملة في محلّ نصب على الحال من
الفاعل (بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا، فـ((أظْهُر)) مُقْحَمٌ، قال الفيّومِيّ كَّقُ: ((هو نازلٌ
بين ظَهْرانيهم)) بفتح النون، قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعة: الألف
والنون زائدتان للتأكيد، و((بين ظَهْريهم))، و((بين أظهرهم)) كلّها بمعنى ((بينهم))،
وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد
إليهم، وكأنَّ المعنى أن ظهراً منهم قُدّامه، وظهراً وراءه، فكأنه مكنوفٌ من
جانبيه، هذا أصله، ثم كثُر، حتى استعمل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير
مکنوف بینھم. انتھی(٢).
وقوله: (لَا نَسْأَلُهُ؟) جملة حاليّة، إما متداخلة، أو مترادفة، قال
القرطبيّ ◌َّتُهُ: والذي حرّكهم للسؤال عنه أنهم خافوا أنه يكون محرّماً؛ لأنه
قطعٌ للنسل، ولذلك أُطلق عليه: ((الوأد الخفيّ)). انتهى(٣).
(فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهَِّ) وفي رواية للبخاريّ: ((إنا نُصيب سبياً، ونحب
المال، فكيف ترى في العزل؟»، وفي رواية عبد الرحمن بن بشر عن أبي سعيد
الآتية للمصنّف قال: ذُكر العزلُ عند رسول الله وَّ، قال: ((وما ذاكم؟»،
قالوا: الرجل تكون له المرأة، تُرضع له، فيصيب منها، ويكره أن تَحمِل منه،
والرجل تكون له الأمة، فيصيب منها، ويكره أن تَحمل منه.
قال في ((الفتح)): ففي هذه الرواية إشارة إلى أن سبب العزل شيئان:
[أحدهما]: كراهة مجيء الولد من الأمة، وهو إما أَنَفَةٌ من ذلك، وإما
لئلا يتعذر بيع الأمة إذا صارت أم ولد، وإما لغير ذلك، كما سيأتي بعدُ.
[والثاني]: كراهة أن تَحْمِل الموطوءة، وهي تُرضع، فيَضُرّ ذلك بالولد
الْمُرْضَعِ. انتهى (٤).
(فَقَالَ) وَ ((لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا) أي ليس عليكم ضرر في الترك،
ففيه إشارةٌ أن ترك العزل أحسن من فعله.
(١) ((المفهم)) ١٦٦/٤.
(٣) ((المفهم)) ١٦٦/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٨٧/٢.
(٤) ((الفتح)) ٦٤٦/١١.

٥٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
أو المعنى على النهي: أي لا تفعلوا العزل، وفي رواية مالك، عن
الزهريّ الآتية: ((قال لنا: وإنكم لتفعلون؟، وإنكم لتفعلون؟ وإنكم لتفعلون؟»،
وفي رواية البخاريّ: ((أوَ إنكم لتفعلون)) بدون تكرار.
(مَا) نافية (كَتَبَ اللهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ) بنصب ((خَلْقَ)) على المفعوليّة (هِيَ كَائِنَةٌ)
أي مخلوقة، وقوله: (إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ(كتب))، أو بـ(خَلْق))، أو
بـ(كائنة)) (إِلَّا سَتَكُونُ) أي ستوجدَ، فـ((تكون)) هنا تامّة.
قال النوويّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((لا عليكم أن لا تفعلوا ... إلخ)): معناه: ما
عليكم ضرر في ترك العزل؛ لأن كلَّ نفس قَدَّرَ الله تعالى خلقها لا بد أن
يخلقها، سواءٌ عَزَلتم أم لا، وما لم يُقَدِّر خلقها لا يقع، سواء عزلتم أم لا ،
فلا فائدة في عزلكم، فإنه إن كان الله تعالى قَدَّرَ خلقها سبقكم الماء، فلا ينفع
حرصكم في منع الخلق. انتهى.
وفي الرواية الآتية: ((لاعليكم أن لا تفعلوا، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ)): أي إنما
المؤثّر في وجود الولد وعدمه القدرُ، لا العزل، فأيّ حاجة إليه.
وقال الحافظ أبو عمر تَخَّتُهُ: اختلف في معنى قوله بَِّ: ((ما عليكم ألا
تفعلوا إلخ)): فقيل: ما عليكم في العزل، ولا في امتناعكم منه شيء، فاعزلوا،
أو لا تعزلوا، فقد فُرِغ من الخلق، وإعدادهم، وما قضي، وسَبَقَ في علم الله،
فلا بدّ أن يكون لا محالة، قال الله وَت: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا (٨)
[النبأ: ٢٩]، وقال ◌َ: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِىِ الزُّبُرِ (٥٧) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرِ
[القمر: ٥٢ _ ٥٣].
مُسْتَطَرُ @)
وقيل: بل معنى قوله وَج9: ((أن لا تفعلوا)): أي لا تفعلوا العزل، كأنه
نهَى عنه. انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َخْدَثُ(١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ كَّلُ: اختلف في قوله: ((لا عليكم ألا
تفعلوا))، ففهمتْ طائفةٌ منه النهي والزجر عن العزل، كما حُكي عن الحسن،
ومحمد بن المثنّى(٢)، وكأن هؤلاء فَهِمُوا من ((لا)) النهي عما سُئل عنه، وحُذف
(١) ((الاستذكار)) ٢٠٤/١٨ - ٢٠٥.
(٢) هكذا نسخة: ((المفهم)) ((ابن المثنّى))، والظاهر أنه تصحيف من ((ابن سيرين))، كما
المنصوص عند مسلم، فليُحرّر.
:

٥٠٥
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٤)
بعد قوله: ((لا))، فكأنه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألّا تفعلوا، تأكيداً لذلك
النهي.
وفَهِمَت طائفةٌ أخرى منها الإباحة، وكأنها جعلت جواب السؤال قوله:
((لا عليكم ألا تفعلوا)): أي ليس عليكم جناحٌ في أن لا تفعلوا.
وهذا التأويل أولى بدليل قوله: ((ما من نسمة كائنة إلا ستكون))، وبقوله:
((لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر))، وبقوله: ((إذا أراد الله خلقَ الشيء لم
يمنعه شيء))، وهذه الألفاظ كلّها مصرّحةٌ بأن العزل لا يردّ القدر، ولا يضرّه،
فکأنه قال: لا بأس به.
وبهذا تمسّك من رأى إباحة العزل مطلقاً عن الزوجة والسُّرِّيّة، وبه قال
كثيرٌ من الصحابة، والتابعين، والفقهاء.
وقد كرهه آخرون من الصحابة، وغيرهم، متمسّكين بالطريقة المتقدّمة،
وبقوله ويتلقى: ((ذلك الوأد الخفيّ)).
ووقع في رواية مسلم لهذا الحديث من طريق أيوب، عن ابن سيرين ما
نصّه: ((قال محمد: وقوله: ((لا عليكم)) أقرب إلى النهي))، ومن طريق معاذ بن
معاذ، عن ابن عون، عن ابن سيرين ما نصّه: قال ابن عون: فحدّثتُ به
الحسنَ، فقال: والله لكأنّ هذا زجر.
قال في ((الفتح)): قال القرطبيّ: كأن هؤلاء فهموا من ((لا)) النهي عما
سألوه عنه، فكأن عندهم بعد ((لا)) حذفاً، تقديره: لا تعزلوا، وعليكم أن لا
تفعلوا، ويكون قوله: ((وعليكم إلخ)) تأكيداً للنهي.
وتُعُقّب بأن الأصل عدم هذا التقدير، وإنما معناه: ليس عليكم أن
تتركوا، وهو يساوي أن لا تفعلوا، وقال غيره: قوله: ((لا عليكم أن لا تفعلوا))
أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل، فأفهم ثبوت
الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم
أن تفعلوا، إلا أن يُدّعَى أنّ ((لا)) زائدةٌ، فيقال: الأصل عدم ذلك.
ووقع في رواية مسلم الآتية من طريق مجاهد، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد
الخدريّ، قال: ذُكر العزل عند رسول الله وَّهِ، فقال: ((ولِمَ يَفعَلُ ذلك
أحدكم؟))، ولم يقل: لا يفعلْ ذلك، فأشار إلى أنه لم يصرّح لهم بالنهي،

٥٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وإنما أشار أن الأولى ترك ذلك؛ لأن العزل إنما كان خشية حصول الولد، فلا
فائدة في ذلك؛ لأن الله إن كان قدّر خلق الولد لم يمنع العزل ذلك، فقد يسبق
الماء، ولا يشعر العازل، فيحصل العلوق، ويلحقه الولد، ولا رادّ لما
قضى الله، والفرار من حصول الولد يكون لأسباب:
(منها): خشية علوق الزوجة الأمةِ؛ لئلّا يصير الولد رقيقاً، أو خشية
دخول الضرر على الولد المرضَع إذا كانت الموطوءة تُرضعه، أو فراراً من كثرة
العيال، إذا كان الرجل مُقِلّاً، فيرغب عن قلّة الولد؛ لئلا يتضرّر بتحصيل
الكسب، وكلُّ ذلك لا يُغني شيئاً.
وقد أخرج أحمد، والبزّار، وصحّحه ابن حبّان من حديث أنس عظاته: أن
رجلاً سأل عن العزل؟ فقال النبيّ وَلاير: ((لو أن الماء الذي يكون منه الولد
أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولداً))، وله شاهدان في ((الكبير)) للطبرانيّ
عن ابن عبّاس ﴿هَا، وفي ((الأوسط)) له عن ابن مسعود ◌ُه.
قال الحافظ: وليس في جميع الصور التي يقع العزل بسببها ما يكون
العزل فيه راجحاً، سوى الصورة الآتية عند مسلم من طريق عبد الرحمن بن
بشر، عن أبي سعيد - يعني حديث الباب - وهي خشية أن يضرّ الحمل بالولد
المرضَع؛ لأنه مما ◌ُرّب، فضرّ غالباً، لكن وقع في بقيّة الحديث عند مسلم أن
العزل بسبب ذلك لا يفيد؛ لاحتمال أن يقع الحمل بغير الاختيار.
ووقع عند مسلم في حديث أسامة بن زيد الآتي: جاء رجلٌ إلى
رسول الله وَ﴾، فقال: إني أعزل عن امرأتي شفقةً على ولدها، فقال
رسول الله ◌َ﴾: ((لا، إن كان كذلك، فلا، ما ضارّ ذلك فارس ولا الروم)).
وفي العزل أيضاً إدخال ضرر على المرأة؛ لما فيه من تفويت لذّتها.
انتهى (١)، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
(١) ((الفتح)) ١١ / ٦٤٧ - ٦٤٨.

٥٠٧
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٤)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
رَضُهُ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥٤٤/٢٣ و٣٥٤٥ و٣٥٤٦ و٣٥٤٧ و ٣٥٤٨
و٣٥٤٩ و٣٥٥٠ و٣٥٥١ و٣٥٥٢ و٣٥٥٣ و٣٥٥٤ و٣٥٥٥] (١٤٣٨)،
و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٢٢٩) و((العتق)) (٢٥٤٢) و((المغازي)) (٤١٣٨)
و((النكاح)) (٥٢١٠) و((القدر)) (٦٦٠٣) و((التوحيد)) (٧٤٠٩)، و(أبو داود) في
(النكاح)) (٢١٧٠ و٢١٧٢)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١١٣٨)، و(النسائيّ) في
((النكاح)) (٣٣٢٨)، وفي ((الكبرى)) (٥٤٨٦)، و(ابن ماجه) في ((النكاح))
(١٩٢٦)، و(مالك) في ((الموطإ)) (١٢٦٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢١٧٧)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢٢/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١/٣ و٢٣
و٥٣ و٦٣ و٦٨ و٧٢ و٧٨ و٨٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٢٣ و٢٢٢٤)،
و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٢١٧ و٢٢١٨ و٢٢١٩)، و(الطحاويّ) في
(شرح معاني الآثار)) (٣٣/٣)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٤١٩١ و٤١٩٣)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٥/٣ و٩٦ و٩٧ و٩٨)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١١٤/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٢٤/٧) و((الصغير))
(١٣٩/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٢٩/٢ و٤٤٤)، و(ابن الجعد) في
((مسنده)) (١٧٨/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٩/٧) و((المعرفة)) (٣٦٨/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم العزل، وهو مختلف فيه، سيأتي بيانه في المسألة
التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخَّتُهُ: في هذا الحديث دلالة لمذهب
جماهير العلماء، أن العرب يَجرِي عليهم الرقّ، كما يجري على العجم، وأنهم
إذا كانوا مشركين، وسُبُوا جاز استرقاقهم؛ لأن بني المصطلِقِ عرب صلبية، من
خُزاعة، وقد استرقّوهم، ووَطِئوا سباياهم، واستباحوا بيعهنّ، وأخذ فدائهنّ،
وبهذا قال مالك، والشافعيّ في قوله الصحيح الجديد، وجمهور العلماء، وقال

٥٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
أبو حنيفة، والشافعيّ في قوله القديم: لا يَجري عليهم الرقّ؛ لشرفهم، والله
(١)
أعلم. انتهى(١).
٣ - (ومنها): جواز كراهة الإنسان حمل زوجته؛ لسبب من الأسباب.
٤ - (ومنها): أن قوله وَلفي: ((أوَ إنكم لتفعلون)) يُشعر بأنه وَ ل﴿ ما كان
يطّلع على فعلهم ذلك، ففيه تعقّبٌ على من قال: إن قول الصحابيّ: كنّا نفعل
كذا في عهد رسول الله وَل﴿ مرفوعٌ؛ معتلّاً بأن الظاهر اطلاع النبيّ يَّر، ففي
هذا الخبر أنهم فعلوا العزل، ولم يعلم به حتى سألوه عنه.
ويُجاب عن هذا بأن دواعيهم كانت متوفّرةً على سؤاله بَ ل عن أمور
الدين، فإذا فعلوا الشيء، وعلموا أنه لم يطلع عليه بادروا إلى سؤاله عن
الحكم فيه، فيكون الظهور من هذه الحيثيّة، أفاده في ((الفتح)).
وأيضاً على تقدير أنه وَله لا يطلع عليه أن الوحي لا يسكت عنه، كما
أفصح بذلك جابر رَظُبه، حيث قال: ((كنّا نَعزل، والقرآن يَنزل)) رواه مسلم،
فقد استدلّ الصحابيّ ◌َ﴿ على جواز العزل بعدم نزول القرآن بتحريمه، وهو
استدلالٌ واضح.
وأخرج الدارقطنيّ، وغيره عن أبي ثعلبة الْخُشَنيّ، مرفوعاً: ((إن الله تعالى
فرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحدّ حُدُوداً، فلا تعتدوها، وحرّم أشياء، فلا
تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها))(٢).
٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ كَّتُهُ: في هذا الحديث إثبات
قِدَم العِلْم، وأن الخلق يُجزَون في علم قد سبق، وجفّ به القلم في كتاب
مسطور، على هذا أهل السنّة، وهم أهل الحديث، والفقه.
وجملة القول في الْقَدَر أنه علم الله، وسرّه، لا يُدرك بجَدَل، ولا تُشْفِي
منه خُصُومةٌ، ولا احتجاج، وحسبُ المؤمن بالقدر أنه لا يقوم بشيء، دون
إرادة الله، وأن الخلق كلهم خلقُهُ، ومُلكه، ولا يكون في ملكه إلا ما شاء،
(١) ((شرح النوويّ)) ١١/١٠ - ١٣.
(٢) حسّنه النوويّ في ((أربعينيّه))، وأعلّه ابن رجب بالانقطاع بين مكحول، وأبي
ثعلبة

٥٠٩
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٤)
وما نشاء إلا أن يشاء الله، ﴿وَلَوْ شَآءَ لَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]، له
الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، وله الخلق، والأمرُ، له ما في
السموات، وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى، ولا يكون في شيء
من ذلك إلا ما يشاء، يغفر لمن يشاء، ويُعذّب من يشاء، ومن عذّبه فبذنبه،
ويعفو عمن يشاء من عباده، ومن لم يوفّقه، فليس بظالم له، لا يظلم مثقال
ذرّة، وإن تك حسنةً يُضاعفها، وما ربّك بظلام للعبيد. انتهى(١).
٦ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): استُدِلّ بقوله: ((وأصبنا كرائم العرب))،
لمن أجاز استرقاق العرب، وبقوله: ((أردنا أن نستمتع)) لمن أجاز وطء
المشركات بمِلك اليمين، وإن لم يكنّ من أهل الكتاب؛ لأن بني المصطلِق
كانوا أهل أوثان، وقد انفصل عنه من منع باحتمال أن يكونوا ممن دان بدين
أهل الكتاب، وهو باطل، وباحتمال أن يكون ذلك في أول الأمر، ثم نُسخ،
وفيه نظر؛ إذ النسخ لا يثبت بالاحتمال، وباحتمال أن تكون المسبيات أسلمن
قبل الوطء، وهذا لا يتم مع قوله في الحديث: ((وأحببنا الفداء))، فإن المسلمة
لا تعاد للمشرك، نعم يمكن حمل الفداء على مَعْنَى أخصّ، وهو أنهن يَفْدِين
أنفسهنّ، فيُعْتَقْن من الرقّ، ولا يلزم منه إعادتهنّ للمشركين، وحمَله بعضهم
على إرادة الثمن؛ لأن الفداء المتخوَّف من فوته هو الثمن، ويؤيد هذا الحمل
قوله في الرواية الأخرى: ((فقالوا: يا رسول الله إنا أصبنا سبياً، ونحبّ
الأثمان، فكيف ترى في العزل؟))، وهذا أقوى مِن جميع ما تقدم، والله أعلم.
انتهى(٢) ما في ((الفتح))، وهو بحث نفيسٌ.
وحاصله ترجيح تفسير الفداء في قوله: ((ورغبنا في الفداء)) بالثمن، أي
أنهم يرغبون في بيعها، فإذا حَمَلت منهم امتنع عليهم بيعها، ففقدوا ثمنها،
وهذا التأويل كما قال في ((الفتح)): أقوى من غيره؛ لقوله في الرواية المذكورة:
((ونُحبّ الأثمان))، والرواية يفسّر بعضها بعضاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حُكم العزل:
(١) ((الاستذكار)) ٢٠٩/١٨ - ٢١٠.
(٢) (الفتح)) ١١/ ٦٥١.

٥١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
(اعلم): أنه اختلف السلف في حكم العزل، قال ابن عبد البرّ كَّتُهُ: لا
خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرّة إلا بإذنها؛ لأن الجماع من
حقّها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل، ووافقه
في نقل الإجماع ابن هُبيرة.
قال في ((الفتح)): وتُعُقّب بأن المعروف عند الشافعيّة أن المرأة لا حقّ لها
في الجماع أصلاً(١)، ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعيّة خلافٌ مشهور
في جواز العزل عن الحرّة بغير إذنها، قال الغزاليّ وغيره: يجوز، وهو
المصحّح عند المتأخّرين.
واحتجّ الجمهور لذلك بحديث عن عمر ظه، أخرجه أحمد، وابن ماجه
بلفظ: ((نُهي عن العزل عن الحرّة إلا بإذنها))، وفي إسناده ابن لهيعة، والوجه
الآخر للشافعيّة الجزم بالمنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان، أصحّهما
الجواز، وهذا كلّه في الحرّة، وأما الأمة، فإن كانت زوجة، فهي مُرَتّبة على
الحرّة، إن جاز فيها ففي الأمة أولى، وإن امتنع فوجهان، أصحّهما الجواز؛
تحرّزاً من إرفاق الولد، وإن كانت سُرّيّةً جاز بلا خلاف عندهم إلا في وجه
حكاه الرويانيّ في المنع مطلقاً، كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرّيّة مستولدةً،
فالراجح الجواز فيه مطلقاً؛ لأنها راسخةٌ في الفراش، وقيل: حكمها حكم
الأمة المزوّجة.
هذا: واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرّة لا يعزل عنها إلا بإذنها،
وأن الأمة يعزل عنها بغير إذنها، واختلفوا في المزوّجة، فعند المالكيّة يحتاج
إلى إذن سيّدها، وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن محمد، وقال أبو يوسف،
وأحمد: الإذن لها، وهي رواية عن أحمد، وعنه: بإذنها، وعنه: يباح العزل
مطلقاً، وعنه: المنع مطلقاً .
والذي احتجّ به من جنح إلى التفصيل لا يصحّ إلا عند عبد الرزّاق عنه
بسند صحيح، عن ابن عبّاس، قال: ((تُستأمر الحرّة في العزل، ولا تُستأمر
(١) قال الجامع: قد تقدّم لنا البحث في هذا، وأن الحقّ وجوب الجماع للزوجة إذا
احتاجت إليه، فلا تغفل.

٥١١
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٤)
الأمة السرّيّة، فإن كانت أمة تحت حرّ، فعليه أن يستأمرها))، وهذا نصّ في
المسألة، فلو كان مرفوعاً لم يجُز العدول عنه.
وقد استنكر ابن العربيّ القول بمنع العزل عمن يقول بأن المرأة لا حقّ
لها في الوطء، ونقل عن مالك أن لها حقّ المطالبة به إذا قصد بتركه
إضرارها (١)، وعن الشافعيّ، وأبي حنيفة: لا حقّ لها فيه إلا في وطأة واحدة
يستقرّ بها المهر، قال: فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون لها حقّ في العزل؟
فإن خصّوه بالوطئة الأولى، فيمكن، وإلا فلا يسوغ فيما بعد ذلك إلا على
مذهب مالك بالشرط المذكور. انتهى.
وما نقله عن الشافعيّ غريبٌ، والمعروف عند أصحابه أنه لا حقّ لها
أصلاً، نعم جزم ابن حزم بوجوب الوطء، وبتحريم العزل، واستند إلى حديث
جُدامة بنت وهبٍ: ((أن النبيّ ◌َّ سُئل عن العزل، فقال: ((ذلك الوأد الخفيّ))،
أخرجه مسلم.
وهذا معارض بحديثين: أحدهما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه
من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
عن جابر، قال: ((كانت لنا جواري، وكنّا نعزل، فقالت اليهود: إن تلك
الموءودة الصغرى، فسُئل رسول الله وسلّ عن ذلك؟ فقال: كذبت اليهود، لو
أراد الله خلقه لم تستطع ردّه)).
وأخرجه النسائيّ من طريق هشام، وعليّ بن المبارك، وغيرهما عن
يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي مُطيع ابن رفاعة، عن أبي سعيد
نحوه .
(١) قال الجامع: هذا هو الصواب الذي عليه النصوص، فقد أوجب الله تعالى لهنّ
مثل ما عليهنّ في قوله تعالى: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَيْهِنَ بِالْعُرُوفِ﴾ الآية، فكما أن
عليها التمكين من جماعها إذا أراد، فكذلك عليه أن يُجامعها إذا طلبت منه ذلك،
وليس هناك مانع، من مرض، أو نحوه؛ لظاهر الآية المذكورة.
والحاصل أن ما نقل عن مالك كَفُ هو الأرجح في المسألة، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.

٥١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
ومن طريق أبي عامر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة څبه نحوه.
ومن طريق سليمان الأحول أنه سمع عمرو بن دينار يسأل أبا سلمة بن
عبد الرحمن عن العزل؟ فقال: زعم أبو سعيد، فذكر نحوه، قال: فسألت أبا
سلمة، أسمعته من أبي سعيد؟ قال: لا، ولكن أخبرني رجلٌ عنه.
والحديث الثاني: في النسائيّ من وجه آخر عن محمد بن عمرو، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة، وهذه طرُقٌ يتقوّى بعضها ببعضٍ.
وُجُمِعَ بينها وبين حديث جُدامة بحمل حديث جدامة على التنزيه، وهذه
طريقة البيهقيّ.
ومنهم من ضعّف حديث جُدامة بأنه معارضٌ بما هو أكثر طرُقاً منه،
وكيف يصرّح بتكذيب اليهود في ذلك، ثم يُثبته؟، وهذا دفعٌ للأحاديث
الصحيحة بالتوهّم، والحديث صحيحٌ لا ريب فيه، والجمع ممكنٌ.
ومنهم من ادّعى أنه منسوٌ، ورُدّ بعدم معرفة التاريخ، وقال الطحاويّ:
يَحْتَمِل أن يكون حديث جُدامة على وفق ما كان عليه الأمر أوّلاً من موافقة
أهل الكتاب، وكان ﴿ يُحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْزَل عليه، ثم
أعلمه الله بالحكم، فکذّب اليهود فیما كانوا يقولونه.
وتعقّبه ابن رُشد، ثم ابن العربيّ بأنه لا يَجزِم بشيء تبعاً لليهود، ثم
يُصرّح بتکذیبھم فیه.
ومنهم: من رجّح حديث جدامة بثبوته في الصحيح، وضعّف مقابله بأنه
حديث واحد، اختلف في إسناده، فاضطَرَبَ.
وردّ بأن الاختلاف إنما يَقْدَح حيث لا يقوَى بعض الوجوه، فمتى قوي
بعضها عُمل به، وهو هنا كذلك، والجمع ممكن.
ورجّح ابن حزم العمل بحديث جدامة بأن أحاديث غيرها توافق أصل
الإباحة، وحديثها يدلّ على المنع، قال: فمن ادّعى أنه أُبيح بعد أن مُنع، فعليه
البيان.
وتُعُقّب بأن حديثها ليس صريحاً في المنع، إذ لا يلزم من تسميته وأداً
خفيّاً على طريقة التشبيه أن يكون حراماً.

٥١٣
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٤)
وخصّه بعضهم بالعزل عن الحامل؛ لزوال المعنى الذي كان يحذره الذي
يَعزل من حصول الحمل. لكن فيه تضييعُ الحمل؛ لأن المنيّ يغذوه، فقد يؤدّي
العزل إلى موته، أو إلى ضعفه المفضي إلى موته، فيكون وَأُداً خفيّاً .
وجمعوا أيضاً بين تكذيب اليهود في قولهم: الموؤودة الصغرى، وبين
إثبات كونه وأداً خفيّاً في حديث جدامة بأن قولهم: الموؤودة الصغرى يقتضي
أنه وأدٌ ظاهر، لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حيّاً، فلا يعارض
قوله: إن العزل وأدٌّ خفيّ، فإنه يدلّ على أنه ليس في حكم الظاهر، فلا يترتّب
عليه حكم، وإنما جعله وأداً من جهة اشتراكهما في قطع الولادة.
وقال بعضهم: قوله: ((الوأد الخفيّ)) وَرَدَ على طريقة التشبيه؛ لأنه قطع
طريق الولادة قبل مجيئه، فأشبه قتل الولد بعد مجيئه.
قال ابن القيّم: الذي كُذِّبَت فيه اليهودُ زعمهم أن العزل لا يُتصوّر معه
الحمل أصلاً، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم، وأخبر أنه لا يمنع
الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأداً حقيقةً، وإنما سمّاه
وأداً خفيّاً في حديث جدامة؛ لأن الرجل إنما يعزل هرباً من الحمل، فأجرى
قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة، اجتمع
فيه القصد والفعل، والعزل يتعلّق بالقصد صِرْفاً، فلذلك وصفه بكونه خفيّاً.
قال الحافظ: فهذه عدّة أجوبة يقف معها الاستدلال بحديث جدامة على
المنع .
قال: وقد جنح إلى المنع من الشافعيّة ابن حبّان(١)، فقال في ((صحيحه)):
(١) قال الجامع: في جعله ابن حبّان من مقلّدي الشافعيّ نظر لا يخفى؛ لأن من تتبّع
مذهبه في ((صحيحه)) يعلم يقيناً أنه لا يقلّد الشافعيّ ولا غيره، بل هو كسائر أهل
الحديث مجتهد، يتبع الدليل، ولا ينظر إلى قول أحد بلا دليل، وهذا هو مذهب
الشيخين، وأصحاب السنن، وقد قدّمت هذا البحث مستوفّى في ((شرح المقدّمة))
(١٢/١ - ١٤) عند ذكر مذهب الإمام مسلم تخلفهُ، فراجعه، وكذا حقّقت البحث في
التقليد في ((التحفة المرضيّة)) و((شرحها)) (٥٣٥/٣) بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٥١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
[ذكرُ الخبر الدّالّ على أن هذا الفعل مزجورٌ عنه، لا يُباح استعماله]، ثم ساق
حديث أبي ذرّ رفعه: ((ضعه في حلاله، وجنّبه حرامه، وأقرره، فإن شاء الله
أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر)). انتھی.
ولا دلالة فيما ساقه على ما ادعاه من التحريم، بل هو أمر إرشاد لما
دلّت عليه بقيّة الأخبار، والله أعلم.
وعند عبد الرزّاق وجهً آخر عن ابن عبّاس أنه أنكر أن يكون العزل وأداً،
وقال: ((المنيّ يكون نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظماً، ثم يُكسى لحماً،
قال: والعزل قبل ذلك كله)).
وأخرج الطحاويّ من طريق عبد الله بن عديّ بن الخيار عن عليّ نحوه
في قصّة حرب عند عمر، وسنده جيّد. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح قول من قال
بجواز العزل للحاجة، وأن الأولى عدم فعله، وبهذا تجتمع الأدلة في هذا
الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: اختلف القائلون بالنهي عن العزل في علّة النهي، فقيل: لتفويت
حقّ المرأة، وقيل: لمعاندة القَدَر، وهذا الثاني هو الذي تقتضيه معظم الأخبار
الواردة في ذلك، والأول مبنيّ على صحّة الخبر المفرّق بين الحرّة والأمة،
وقال إمام الحرمين: موضع المنع أنه ينزع بقصد الإنزال خارج الفرج خشية
العلوق، ومتى فُقِد ذلك لم يُمنع، وكأنه راعى سبب المنع، فإذا نُقد بقي أصل
الإباحة، فله أن ينزع متى شاء حتى لو نزع، فأنزل خارج الفرج اتفاقاً، لم
يتعلّق به النهي. قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم معالجة إسقاط النطفة، واستعمال الأدوية
لذلك، أو لمنع الحمل، وحكم تحديد النسل :
قال في ((الفتح)) بعد ذكر ما تقدّم في المسألة الماضية ما نصّه: ويُنتزع من
حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح، فمن قال بالمنع
(١) ((الفتح)) ٦٤٨/١١ - ٦٥١.
(٢) ((الفتح)) ٦٥١/١١.

٥١٥
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٤)
هناك، ففي هذه أولى، ومن قال بالجواز يمكن أن يلتحق به هذا، ويمكن أن
يُفرّق بأنه أشدّ؛ لأن العزل لم يقع فيه تعاطي السبب، ومعالجة السقط تقع بعد
تعاطي السبب.
ويلتحق بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطع الْحَبَل من أصله، وقد أفتى
بعض متأخّري الشافعيّة بالمنع، وهو مشكلٌ على قولهم بإباحة العزل مطلقاً .
انتھی(١).
وقد صدرت قرارات من هيئة كبار العلماء في هذا الموضوع، أحببت
إيرادها هنا تتميماً للفائدة، وهذا نصّها :
وهذا قرار رقم ٤٢ بتاريخ ١٣٩٦/٤/١٣هـ.
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وعلى آله وصحبه،
وبعد :
ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول
من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦ هـ بَحَثَ المجلسُ موضوع منع الحمل، وتحديد
النسل، وتنظيمه، بناءً على ما تقرّر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في
النصف الأول من شهر شعبان ١٣٩٥ هـ من إدراج موضوعها في جداول أعمال
الدورة الثامنة، وقد اطلع المجلس على البحث المعدّ في ذلك، من قِبَل اللجنة
الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي، والمناقشة بين الأعضاء،
والاستماع إلى وجهات النظر، قرّر المجلس ما يلي:
نظراً إلى أن الشريعة الإسلاميّة تَرغب في انتشار النسل، وتكثيره، وتعتبر
النسل نعمةً كبرى، ومنّةً عظيمةً، مَنَّ اللهُ بها على عباده، فقد تضافرت بذلك
النصوص الشرعيّة، من كتاب الله، وسنّة رسوله وَله، مما أوردته اللجنة الدائمة
للبحوث العلميّة، والإفتاء في بحثها المعدّ للهيئة، والمقدّم لها، ونظراً إلى أن
القول بتحديد النسل، أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانيّة التي فطر الله
الخلق عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الربّ لعباده، ونظراً إلى أن
دعاة القول بتحديد النسل، أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد
(١) ((الفتح)) ٦٥١/١١.

٥١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
للمسلمين بصفة عامة، وللأمة العربيّة المسلمة بصفة خاصّة، حتى تكون لديهم
القدرة على استعمار البلاد، واستعمار أهلها، وحيث إن في الأخذ بذلك ضرباً
من أعمال الجاهليّة، وسوء ظنّ بالله تعالى، وإضعافاً للكيان الإسلاميّ المتكوّن
من كثرة اللبنات البشريّة، وترابطها؛ لذلك كلّه، فإن المجلس يقرّر بأنه لا
يجوز تحديد النسل مطلقاً، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد منه خشية
الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرزّاق ذو القوّة المتين ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا
عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وأما إذا كان منع الحمل لضرورة محقّقة، ككون
المرأة لا تلد ولادة عاديّةً، وتضطرّ معها إلى إجراء عمليّة جراحيّة لإخراج
الولد، أو كان تأخيره لفترة ما؛ لمصلحة يراها الزوجان، فإنه لا مانع حينئذ من
منع الحمل، أو تأخيره، عملاً بما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما روي عن
جمع من الصحابة ﴿ه من جواز العزل، وتمشّياً مع ما صرّح به بعض الفقهاء
من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيّن منع الحمل في
حالة ثبوت الضرورة المحقّقة، وقد توقّف فضيلة الشيخ عبد الله بن غديان في
حکم الاستثناء، وصلى الله على محمد.
((هيئة كبار العلماء)).
وهذا نصّ قرار مجمع الفقه الإسلاميّ رقم (١) د ٨٨/٠٩/٥ بشأن تنظيم
النسل :
إن مجلس مجمع الفقه الإسلاميّ المنعقد في دورة المؤتمر الخامس
بالكويت من (١) إلى (٦) جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ - ١٠ إلى ١٥ كانون الأول
(ديسمبر) ١٩٨٨م - بعد اطلاعه على البحوث المقدّمة من الأعضاء، والخبراء
في موضوع تنظيم النسل، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبناءً على
أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلاميّة الإنجاب، والحفاظ على النوع
الإنسانيّ، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد؛ لأن إهداره يتنافى مع نصوص
الشريعة، وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل، والحفاظ عليه، والعناية به
باعتبار حفظ النسل أحد الكليّات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها، قرّر ما
يلي:
١ - لا يجوز إصدار قانون عامّ يحد من حرّية الزوجين في الإنجاب.

٥١٧
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٤)
٢ - يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل، أو المرأة، وهو ما
يُعرف بـ((الإعقام))، أو ((التعقيم)) ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها
الشرعية .
٣ - يجوز التحكّم المؤقّت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات
الحمل، أو إيقافه لمدّة معيّنة من الزمان، إذا دعت حاجة معتبرةٌ شرعاً بحسب
تقدير الزوجين عن تشاور بينهما، وتراضٍ، بشرط أن لا يترتّب على ذلك
ضررٌ، وأن تكون الوسيلة مشروعةً، وأن لا يكون فيها عدوانٌ على حمل قائم،
والله أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرّره هيئة كبار العلماء، ومجمع
الفقه الإسلامي بالكويت، ونحوهما ما قرره مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ
بمكة المكرمة، تقرير حسنٌ جدّاً، ينبغي التمسّك به، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ومما له صلةٌ بالمسألة ما قرّره مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ
لرابطة العالم الإسلاميّ بشأن تحويل الذكر إلى الأنثى، وبالعكس، فقد قرّر في
دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرّمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب
١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق
٢٦ فبراير ١٩٨٩م، قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلى الأنثى، وبالعكس،
وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه قرّر ما يلي:
١ - الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها،
لا يحلّ تحويل أحدهما إلى النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحقّ فاعلها
العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق الله، وقد حرّم الله ◌ُعَلّ هذا التغيير بقوله تعالى، مخبراً
عن قول الشيطان: ﴿وَلَّمُرَّهُمْ فَلَيُغَيِرَُ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، فقد جاء في
((صحيح مسلم))(١) عن ابن مسعود رعنه أنه قال: ((لعن الله الواشمات،
والمستوشمات، والنامصات، والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن، المغيّرات
(١) هكذا عزوه إلى ((صحيح مسلم)) فقط، والصواب أنه متّفقٌ عليه، فقد أخرجه
البخاريّ في ((التفسير))، و((اللباس))، من ((صحيحه))، فليُتنبّه.

٥١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
خلق الله ◌ُعَلَ))، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله وَله، وهو في كتاب الله ثُعَّ؟
- يعني قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧].
٢ - أما من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، فينظر فيه إلى
الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة، جاز علاجه طبيّاً بما يُزيل الاشتباه
في أنوثته، سواء كان العلاج بالجراحة، أو بالهرمونات؛ لأن هذا المرض
والعلاج يُقصد به الشفاء منه، وليس تغييراً لخلق الله ثقاً .
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلّم تسليماً كثيراً،
والحمد لله ربّ العالمين(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٥٤٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ مَوْلَى بَنِي هَاشِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ الزُّبْرِقَانِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بَّنِ حَبَّانَ، بِهَذَا
الْإِسْنَادِ، فِي مَعْنَى حَدِيثِ رَبِيعَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَج مَوْلَى بَنِي هَاشِم) هو: محمد بن الفَرَج بن
عبد الوارث، أبو جعفر، ويقال: أبو عبد الله البغداديّ القرشيّ، مولى بني
هاشم، كان جار أحمد بن حنبل، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن خاله أبي همام محمد بن الزِّبْرِقان، وهشيم، وابن عيينة،
وزيد بن الْحُبَاب، وعبد الوهاب بن عطاء، وحجاج بن محمد، وأسود بن عامر
شاذان، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وإبراهيم الحربيّ، وعبد الله بن أحمد،
وأبو زرعة الرازيّ، وموسى بن هارون، والحسن بن علي المعمري، وغيرهم.
(١) راجع: ((توضيح الأحكام)) للشيخ عبد الله البسّام تخافه ٤٥٩/٤ - ٤٦٣.

٥١٩
(٢٣) - بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ - حديث رقم (٣٥٤٥)
قال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه، فقال: ليس به بأسٌ، وقال
أبو زرعة: صدوقٌ، وقال محمد بن عبد الله الحضرميّ: ثنا محمد بن الفرج
البغداديّ في شارع الدقيق، وكان من الثقات، وقال السراج: بغداديّ ثقة،
وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال أبو القاسم البغويّ: مات سنة ست وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط(١)، هذا
برقم (١٤٣٨) وحديث (٢٤٥٧): ((أُريت الجنة، فرأيت امرأة أبي طلحة، ثم
سمعتُ خَشْخَشَةً أمامي، فإذا بلالٌ)).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ) أبو هَمّام الأهوازيّ، صدوقٌ(٢) [٨].
رَوَى عن سليمان التيميّ، وعبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة،
وموسى بن عُبيدة، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، وأبي حيان التيميّ،
وغيرهم.
ورَوى عنه عليّ ابن المدينيّ، وعبد الله بن محمد المسنديّ، وأبو خيثمة،
وصدقة بن الفضل، وبندار، وابن أخته محمد بن الفرج البغداديّ، وغيرهم.
قال ابن المدينيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: صالحٌ وسطٌ، وقال أبو حاتم:
صالح الحديث، صدوقٌ، وقال البخاريّ: معروف الحديث، وقال النسائيّ:
ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما أخطأ، وقال ابن
شاهين في ((الثقات)): قال ابن معين: لم يكن صاحب حديث، ولكن لا بأس
به، وقال الْبَرْقانيّ، عن الدارقطنيّ: ثقةٌ.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
(١) ونقل في ((تهذيب التهذيب)) عن ((الزهرة)) أن مسلماً روى عنه أربعة أحاديث، وهذا
يخالف ما قلته، والذي قلته هو الذي ذُكر في برنامج الحديث للكتب التسعة،
والظاهر أنه أقرب للصواب، فليُتأمل.
(٢) في ((التقريب)): صدوقٌ ربّما وَهِمَ))، قوله: ((ربما وَهِم)) أخذه من ((ثقات)) ابن
حبّان، لكن يُقدّم قول الأئمة الآخرين، فالأولى حذفها، فتنبّه.

٥٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) تقدّم قريباً.
و «محمد بن یحیی)) ذُکر قبله.
[تنبيه]: رواية موسى بن عُقبة عن محمد بن يحيى بن حبّان هذه ساقها
الإمام أحمد تَخْذَثُ في («مسنده)) (٧٢/٣) فقال:
(١١٧٠٦) - حدّثنا عفّان، ثنا وُهيب، ثنا موسى بن عقبة، قال: حدّثني
محمد بن يحيى بن حَبّان، عن ابن مُحَيريز، عن أبي سعيد الخدريّ، في غزوة
بني المصطلق: إنهم أصابوا سبايا، فأرادوا أن يستمتعوا بهنّ، ولا يَحْمِلنَ،
فسألوا رسول الله وَ له، فقال: ((ما عليكم أن لا تفعلوا، فان الله قد کَتَب من
هو خالق إلى يوم القيامة)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٥٤٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا
جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن ابْنٍ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ
أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا، فَكُنَّا نَعْزِلُ، ثُمَّ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ
لَنَا: ((وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟، وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟، وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟ مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ
جليلٌ [١٠] (ت٢٣١) (خم د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧.
٢ - (جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء بن عُبيد الضُّبَعيّ البصريّ، صدوقٌ [٧] (ت١٧٣)
(خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٠/٧٣.
٣ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذكرا قبله.
وقوله: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) رَُّه قال في ((الفتح)): هو ابن أسماء الضُّبَعيّ،