Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
٨ - (ومنها): أن الهبة في النكاح خاصّة بالنبيّ وَّ﴾؛ لقول الرجل:
((زوّجنيها))، ولم يقل: هبها لي، ولقولها هي: ((وهبت نفسي لك))، وسكت
النبيّ وَّ على ذلك، فدلّ على جوازه له خاصّةً، مع قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ
لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
٩ - (ومنها): جواز انعقاد نكاحه * بلفظ الهبة، دون غيره من الأمّة،
وهو أحد الوجهين للشافعيّة، والآخر: لا بدّ من لفظ النكاح، أو التزويج،
وسيأتي البحث فيه مستوفّى في المسألة الثالثة عشرة - إن شاء الله تعالى -.
١٠ - (ومنها): أن الهبة لا تتمّ إلا بالقبول؛ لأنها لما قالت: ((وهبت
نفسي لك))، ولم يقل: قبِلتُ لم يتمّ مقصودها، ولو قبلها لصارت زوجاً له،
ولذلك لم يُنكر على القائل: ((زوّجنيها)).
١١ - (ومنها): جواز الحلف بغير استحلاف للتأكيد، لكنه يُكره لغير
ضرورة.
١٢ - (ومنها): أن من رَغِب في تزويج من هو أعلى منه قدراً لا لوم
عليه؛ لأنه بصدد أن يجاب، إلا إن كان مما تقطع العادة بردّه، كالسوقيّ
يخطب من السلطان بنته، أو أخته، وأن من رغبت في تزويج من هو أعلى منها
لا عار عليها أصلاً، ولا سيّما إن كان هناك غرض صحيحٌ، أو قصد صالح،
إما لفضل دينيّ في المخطوب، أو لِهَوَى فيه يخشى من السكوت عنه الوقوع في
محذور.
١٣ - (ومنها): أنه استدلّ به على صحة قول من جعل عتق الأمة عوضاً
عن بضعها، كذا ذكره الخطابيّ، ولفظه: أن من أعتق أمة، كان له أن
يتزوّجها، ويجعل عتقها عوضاً عن بضعها، قال الحافظ: وفي أخذه من هذا
الحدیث بُعد.
١٤ - (ومنها): أن سكوت من عُقد عليها، وهي ساكتة لازم إذا لم يَمنع
من كلامها خوفٌ، أو حياء، أو غيرها .
١٥ - (ومنها): أنه لا يشترط في صحة العقد تقدّم الْخُطبة، إذ لم يقع

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
في شيء من طرق هذا الحديث وقوع حمد، ولا تشهّد، ولا غيرهما من
أركان الخطبة، وخالف في ذلك الظاهريّة، فجعلوها واجبةً، ووافقهم من
الشافعيّة أبو عوانة، فترجم في ((صحيحه)): ((باب وجوب الخطبة عند
العقد)).
١٦ - (ومنها): أن الكفاءة في الحرّيّة، وفي الدِّين، وفي النسب، لا في
المال؛ لأن الرجل لا شيء له، وقد رضيت به، كذا قال ابن بطّال. قال
الحافظ: وما أدري من أين له أن المرأة كانت ذات مال. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصحيح أنه لا يشترط اعتبار النسب
في الكفاءة، وإنما المعتبر هو الدِّين، وقد استوفيت تحقيقه في غير هذا
المحلّ.
١٧ - (ومنها): أن طالب الحاجة لا ينبغي له أن يُلحّ في طلبها، بل
يطلبها برفق، وتأنّ، ويدخل في ذلك طالب الدنيا والدين، من مستفتٍ،
وسائلٍ، وباحثٍ عن علم.
١٨ - (ومنها): أن الفقير يجوز له أن يتزوّج مَن علمت بحاله، ورضيت
به، إذا كان واجداً للمهر، وكان عاجزاً عن غيره من الحقوق؛ لأن المراجعة
وقعت في وجدان المهر وفقده، لا في قدر زائد. قاله الباجيّ.
وتُعُقّب باحتمال أن يكون النبيّ وََّ اطَّلَع من حال الرجل على أنه يقدر
على اكتساب قوته، وقوت امرأته، ولا سيما مع ما كان عليه أهل ذلك العصر
من قلّة الشيء، والقناعة باليسير، هكذا ذكر في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الباجيّ هو ظاهر
الحديث، فلا وجه للتعقّب، والله تعالى أعلم.
١٩ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على صحّة النكاح بغير شهود.
ورُدّ بأن ذلك وقع بحضرة جماعة من الصحابة، كما تقدم في أول
الحديث، وقال ابن حبيب: هو منسوخ بحديث: ((لا نكاح إلا بوليّ، وشاهدي
عدل))، وتُعُقّب.

٢٨٣
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
٢٠ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على صحة النكاح بلا وليّ.
وتُعقّب باحتمال أنه لم يكن لها وليّ خاصّ، والإمام وليّ من لا وليّ
له.
٢١ - (ومنها): نظر الإمام في مصالح رعيته، وإرشادهم إلى ما يُصلحهم.
٢٢ - (ومنها): جواز انتفاع الرجل بما أمهرها به، وبما يشتريه بصداقها؛
لقوله: ((إن لبستَهُ)) مع أن النصف لها، ولم يمنعه مع ذلك من الاستمتاع بنصفه
الذي وجب لها، بل جوّز له لبسه كله، وإنما وقع المنع؛ لكونه لم يكن له
ثوب آخر. قاله أبو محمد بن أبي زید.
وتعقّبه عياضٌ وغيره بأن السياق يرشد إلى أن المراد تعذّر الاكتفاء بنصف
الإزار، لا في إباحة لبسه كلّه، وما المانع أن يكون المراد أن كلّاً منهما يلبسه
مهايأةً؛ لثبوت حقّه فيه، لكن لمّا لم يكن للرجل ما يستتر به إذا جاءت نوبتها
في لبسه قال له: ((إن لبسَتْهُ جلستَ، ولا إزار لك)).
٢٣ - (ومنها): مشروعية خطبة المرء لنفسه.
٢٤ - (ومنها): أنه لا يجب إعفاف المسلم بالنكاح، كوجوب إطعامه
الطعامَ، والشراب.
٢٥ - (ومنها): جواز نكاح المرأة دون أن تُسأل هل لها وليّ خاصّ، أو
لا؟ ودون أن تُسأل هل هي في عصمة رجل، أو في عدّته؟ قال الخطابيّ:
ذهب إلى ذلك جماعة؛ حملاً على ظاهر الحال، ولكن الحكّام يحتاطون في
ذلك، ويسألونها .
قال الحافظ: وفي أخذ هذا من هذه القصّة نظر؛ لاحتمال أن يكون
النبيّ ◌َ اطَّلَع على جليّة أمرها، أو أخبره بذلك من حضر مجلسه ممن
يعرفها، ومع هذا الاحتمال لا ينتهض الاستدلال به، وقد نصّ الشافعيّ على
أنه ليس للحاكم أن يزوّج امرأةً حتى يَشهد عدلان أنها ليس لها وليّ خاصّ،
ولا أنها في عصمة رجل، ولا في عدّته، لكن اختلف أصحابه: هل هذا على
سبيل الاشتراط، أو الاحتياط؟ والثاني المصحَّح عندهم، قاله في ((الفتح))،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٢٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
(المسألة الرابعة): أن للإمام أن يزوّج من ليس لها وليّ خاصّ لمن يراه
كفؤاً لها، ولكن لا بدّ من رضاها بذلك.
وقال الداوديّ: ليس في الخبر أنه استأذنها، ولا أنها وكّلته، وإنما هو
من قوله تعالى: ﴿التَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]. يعني فيكون
خاصّاً به ولو أنه يزوّج من شاء من النساء بغير استئذانها لمن شاء، وبنحوه قال
ابن أبي زید.
وأجاب ابن بطّال بأنها لما قالت له: ((وهبت نفسي لك)) كان كالإذن منها
في تزويجها لمن أراد؛ لأنها لا تُملَك حقيقة، فيصير المعنى: جعلت لكَ أن
تتصرّف في تزویجي. انتهى.
قال الحافظ: ولو راجعا حديث أبي هريرة لما احتاجا إلى هذا التكلّف،
فإن فيه كما قدّمته: ((أن النبيّ ◌َّ﴾ قال للمرأة: إني أريد أن أزوّجك هذا إن
رضيتٍ، فقالت: ما رضيتَ لي، فقد رضيت)). انتهى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أن الحديث يدلّ على جواز تأمّل محاسن المرأة
لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدّم الرغبة في تزويجها، ولا وقعت خِطْبتها؛
لأنه وَ﴿ِ صَغَّدَ فيها النظر، وصوَّبه، وفي الصيغة ما يدلّ على المبالغة في
ذلك، ولم يتقدّم منه رغبةٌ فيها، ولا خِظْبَةٌ، ثم قال: ((لا حاجة لي في
النساء))، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يُعجبه أنه يَقبَلُها ما كان للمبالغة
في تأمّلها فائدة.
ويمكن الانفصال عن ذلك بدعوى الخصوصيّة له؛ لمحلّ العصمة.
قال الحافظ: والذي تحرّر عندنا أنه وَ و كان لا يحرم عليه النظر إلى
المؤمنات الأجنبيّات بخلاف غيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحافظ محلّ نظر، فليُتأمّل، والله
تعالى أعلم.

٢٨٥
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
قال: وسلك ابن العربيّ في الجواب مسلكاً آخر، فقال: يَحْتَمِل أن ذلك
قبل الحجاب، أو بعده، لكنها كانت متلفّفة، وسياق الحديث يُبعد ما قال،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه تجوز الخِطبة على خطبة مَنْ خَطَبَ إذا لم يقع
بينهما ركون، ولا سيّما إذا لاحت مخايل الردّ. قاله أبو الوليد الباجيّ.
وتعقّبه عياض وغيره بأنه لم يتقدّم عليها خِطْبةٌ لأحد، ولا ميلٌ، بل هي
أرادت أن يتزوّجها النبيّ وَّر، فعرضت نفسها مجّاناً، مبالغةً منها في تحصيل
مقصودها، فلم يَقبَل، ولما قال: ((ليس لي حاجة في النساء)) عرف الرجل أنه
لم يقبلها، فقال: ((زوّجنيها))، ثم بالغ في الاحتراز، فقال: ((إن لم يكن لك بها
حاجة))، وإنما قال ذلك بعد تصريحه بنفس الحاجة؛ لاحتمال أن يبدو له بعد
ذلك ما يدعوه إلى إجابتها، فكان ذلك دالاً على وُفُور فطنة الصحابيّ المذكور،
وحسن أدبه.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون الباجيّ أشار إلى أن الحكم الذي ذكره
يُستنبط من هذه القصّة؛ لأن الصحابيّ لو فهم أن للنبيّ ◌َ ﴿ فيها رغبةً لم
يطلبها، فكذلك من فُهِمَ أنَّ له رغبةً في تزويج امرأة، لا يصلح لغيره أن يُزاحمه
فيها حتى يُظهِر عدم رغبته فيها، إما بالتصريح، أو ما في حكمه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أنه يستفاد منه أنه لا حدّ لأقلّ المهر، قال ابن
المنذر: فيه ردّ على من زعم أن أقلّ المهر عشرة دراهم، وكذا من قال:
ربع دينار، قال: لأن خاتماً من حديد لا يُساوي ذلك، وقال المازريّ:
تعلّق به من أجاز النكاح بأقلّ من ربع دينار؛ لأنه خرج مخرج التعليل،
ولكن مالكٌ قاسه على القطع في السرقة، قال عياض: تفرّد بهذا مالك عن
الحجازيين، لكن مستنده الالتفات إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾
الآية [النساء: ٢٤]، وبقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية [النساء: ٢٥]،
فإنه يدلّ على أن المراد ما له بال من المال، وأقلّه ما استُبيح به قطع

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
العضو المحترم، قال: وأجازه الكافّة بما تراضى عليه الزوجان، أو من
العقد إليه بما فيه منفعة، كالسوط، والنعل، وإن كانت قيمته أقلّ من
درهم.
وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبو الزناد، وربيعة، وابن أبي
ذئب، وغيرهم من أهل المدينة، غيرَ مالك، ومن تبعه، وابن جريج،
ومسلم بن خالد، وغيرهما من أهل مكة، والأوزاعيّ في أهل الشام،
والليث في أهل مصر، والثوريّ، وابن أبي ليلى، وغيرهما من العراقيين،
غير أبي حنيفة، ومن تبعه، والشافعيّ، وداود، وفقهاء أصحاب الحديث،
وابن وهب من المالكيّة.
وقال أبو حنيفة: أقلّه عشرة، وابن شبرمة: خمسة، ومالك: أقلّه ثلاثة،
أو ربع دينار؛ بناءً على اختلافهم في مقدار ما يجب به القطع، وقد قال
الدراورديّ لمالك لمّا سمعه يذكر هذه المسألة: تعرّقت يا أبا عبد الله، أي
سلكت سبيل أهل العراق في قياسهم مقدار الصداق على مقدار نصاب السرقة.
وقال القرطبيّ: استدلّ من قاسه بنصاب السرقة بأنه عضو آدميّ محترم،
فلا يُستباح بأقلّ من كذا قياساً على يد السارق.
وتعقّبه الجمهور بأنه قياسٌ في مقابلة النصّ، فلا يصحّ، وبأن اليد تُقطع،
وتَبِين، ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق ردّه مع
القطع، ولا كذلك الصداق.
وقد ضعّف جماعةٌ من المالكيّة أيضاً هذا القياس، فقال أبو الحسن
اللخميّ: قياس الصداق بنصاب السرقة ليس بالبيّن؛ لأن اليد إنما قُطعت في
ربع دينار نكالاً للمعصية، والنكاح مستباحٌ بوجه جائز. ونحوه لأبي عبد الله بن
الفخار منهم.
نعم، قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] يدلّ على أن
صداق الحرّة لا بدّ، وأن يكون ما ينطلق عليه اسم مال له قدرٌ؛ ليحصل الفرق
بينه وبين مهر الأمة، وأما قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنه
يدلّ على اشتراط ما يُسمّى مالاً في الجملة قلّ أو كثر، وقد حدّه بعض

٢٨٧
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازٍ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
المالكيّة بما تجب فيه الزكاة، وهو أقوى من قياسه على نصاب السرقة، وأقوى
من ذلك ردّه إلى المتعارف.
وقال ابن العربيّ: وزن الخاتم من الحديد لا يساوي ربع دينار، وهو مما
لا جواب عنه، ولا عُذر فيه، لكن المحقّقين من أصحابنا - يعني المالكيّة -
نظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، فمنع الله
القادر على الطول من نكاح الأمة، فلو كان الطول درهماً ما تعذّر على أحد.
ثم إنه تعقّبه بأن ثلاثة دراهم كذلك. يعني فلا حاجة فيه للتحديد، ولا
سيّما مع الاختلاف في المراد بالطول. ذكره في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما سبق أن أرجح الأقوال في
المسألة هو ما دل عليه حديث الباب، وحاصله أنه لا حد لأقل المهر، فيجوز
أن يكون مهراً كلُّ ما تراضيا به قلّ أو كثر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أن في قوله: ((أعندك شيء؟، فقال: لا)) دليلاً على
تخصيص العموم بالقرينة؛ لأن لفظ ((شيء)) يشمل الخطير والتافه، وهو كان
لا يعدم شيئاً تافهاً، كالنواة ونحوها، لكنه فَهِم أن المراد ما له قيمةٌ في
الجملة، فلذلك نفى أن يكون عنده، ونقل عياضٌ الإجماع على أن مثل
الشيء الذي لا يتموّل، ولا قيمة له لا يكون صداقاً، ولا يحلّ به النكاح.
فإن ثبت نقله، فقد خرق هذا الإجماع أبو محمد بن حزم، فقال: يجوز
بكلّ ما يُسمّى شيئاً، ولو كان حبّة من شعير، ويؤيّد ما ذهب إليه الكافّة
قوله ◌َ: ((التمس ولو خاتماً من حديد))؛ لأنه أورده مورد التقليل بالنسبة
لما فوقه، ولا شكّ أن الخاتم من الحديد له قيمة، وهو أعلى خطراً من
النواة، وحبّة الشعير، ومساق الخبر يدلّ على أنه لا شيء دونه يُستحلّ به
البضع.
وقد وردت أحاديث في أقلّ الصداق، لا يثبت منها شيء:
(١) ((الفتح)) ٤٨٥/١١ - ٤٨٦.

٢٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
[منها]: عند ابن أبي شيبة من طريق أبي لبيبة، رفعه: ((من استحلّ بدرهم
في النكاح، فقد استحلّ)).
[ومنها]: عند أبي داود عن جابر، رفعه: ((من أعطى في صداق امرأة
سويقاً، أو تمراً، فقد استحلّ))، وعند الترمذيّ من حديث عامر بن ربيعة: ((أن
النبيّ وَ﴿ أجاز نكاح امرأة على نعلين))، وأقوى شيء ورد في ذلك حديث جابر
عند مسلم: ((كنّا نستمتع بالقُبْضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله وكلهم
حتى نَهَى عنه عمر))، قال البيهقيّ: إنما نهى عمر عن النكاح إلى أجل، لا عن
قدر الصداق. وهو كما قال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة التاسعة): أن فيه دليلاً للجمهور على جواز النكاح بخاتم
الحديد، وما هو نظير قيمته. قال ابن العربيّ من المالكيّة كما تقدّم: لا شكّ
أن خاتم الحديد لا يساوي ربع دينار، وهذا لا جواب عنه لأحد، ولا عذر
فيه. وانفصل بعض المالكيّة عن هذا الإيراد مع قوّته بأجوبة:
[منها]: أن قوله: ((ولو خاتماً من حديد)) خرج مخرج المبالغة في
طلب التيسير عليه، ولم يُرد عين الخاتم الحديد، ولا قدر قيمته حقيقةً؛
لأنه لما قال: لا أجد شيئاً عُرف أنه فَهم أن المراد بالشيء ما له قيمةٌ،
فقيل له: ولو أقلّ ما له قيمةٌ كخاتم الحديد، ومثله: ((تصدّقوا، ولو بظلف
مُحْرَق، ولو بِفِرْسن شاة))، مع أن الظلف والفرسن لا يُنتفع بهما، ولا
يُتصدّق بهما.
[ومنها]: احتمال أنه طلب منه ما يعجل نقده قبل الدخول، لا أن ذلك
جميع الصداق. وهذا جواب ابن القصّار، وهذا يلزم منه الردّ عليهم حيث
استحبّوا تقديم ربع دينار، أو قيمته قبل الدخول، لا أقلّ.
[ومنها]: دعوى اختصاص الرجل المذكور بهذا القدر، دون غيره، وهذا
جواب الأبهريّ. وتُعُقّب بأن الخصوصية تحتاج إلى دليلٍ خاصّ.
[ومنها]: احتمال أن تكون قيمته إذ ذاك ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، وقد
وقع عند الحاكم، والطبرانيّ من طريق الثوريّ، عن أبي حازم، عن سهل بن

٢٨٩
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
سعد: ((أن النبيّ ◌َ﴿ زوّج رجلاً بخاتم من حديد، فصّه فضّة)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): أنه استدلّ به على جواز جعل المنفعة صداقاً، ولو
كان تعليم القرآن. قال المازريّ: هذا ينبني على أن الباء للتعويض، كقولك:
بعتك ثوبي بدينار، وهذا هو الظاهر، وإلا فلو كانت بمعنى اللام على معنى
تكريمه؛ لكونه حاملاً للقرآن لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصّة
بالنبيّ ێ. انتهى.
وانفصل الأبهريّ، وقبله الطحاويّ، ومن تبعهما، كأبي محمد بن أبي زيد
عن ذلك بأن هذا خاصّ بذلك الرجل؛ لكون النبيّ ◌َّ كان يجوز له نكاح
الواهبة، فكذلك يجوز له أن يُنكحها لمن شاء بغير صداق، ونحوه للداوديّ،
وقال: إنكاحها إياه بغير صداق لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقوّاه بعضهم
بأنه لما قال له: ((ملّكتكها)) لم يشاورها، ولا استأذنه.
وهذا ضعيف لأنها هي أوّلاً فوّضت أمرها إلى النبيّ وَّ كما تقدّم في
رواية البخاريّ: ((فَرَ رأيك))، وغير ذلك من ألفاظ الخبر التي ذكرنا، فلذلك لم
يحتج إلى مراجعتها في تقدير المهر، وصارت كمن قالت لوليّها: زوّجني بما
ترى من قليل الصداق وكثيره.
واحتُجّ لهذا القول بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان
الأزديّ، قال: ((زوّج رسول الله وَلجر امرأة على سورة من القرآن، وقال: لا
تكون لأحد بعدك مهراً))، وهذا مع إرساله فيه من لا يُعرف.
وأخرج أبو داود من طريق مكحول قال: ليس لأحد بعد النبيّ وَّ،
وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوه.
وقال عياض: يَحْتَمِل قوله: ((بما معك من القرآن)) وجهين: أظهرهما أن
يُعلّمها ما معه من القرآن، أو مقداراً معيّناً منه، ويكون ذلك صداقها، وقد جاء
هذا التفسير عن مالك، ويؤيّده قوله في بعض طرقه الصحيحة: ((فَعَلِّمها من
القرآن))، كما تقدّم، وعُيِّنَ في حديث أبي هريرة مقدار ما يعلّمها، وهو عشرون
آیة.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
ويحتمل أن تكون الباء بمعنى اللام، أي لأجل ما معك من القرآن،
فأكرمه بأن زوّجه المرأة بلا مهر؛ لأجل كونه حافظاً للقرآن، أو لبعضه.
ونظيره قصّة أبي طلحة مع أمّ سُليم، وذلك فيما أخرجه النسائيّ،
وصححه من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس مظ لته، قال: خطب
أبو طلحة أمّ سُليم، فقالت: والله ما مثلك يُردّ، ولكنّك كافر، وأنا مسلمة،
ولا يحلّ لي أن أتزوّجك، فإن تُسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره، فأسلم،
فکان ذلك مهرها».
وأخرج النسائيّ من طريق عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس،
قال: ((تزوّج أبو طلحة أم سُليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام ... )) فذكر
القصّة، وقال في آخره: ((فكان ذلك صداق ما بينهما))، ترجم عليه النسائيّ -
٣٣٤١/٦٣ -: ((التزويج على الإسلام))، ثم ترجم على حديث سهل - ٦٢/
٣٣٤٠ -: ((التزويج على سورة من القرآن))، فكأنه مال إلى ترجيج الاحتمال
الثاني. ويؤيّد أن الباء للتعويض، لا للسببية ما أخرجه ابن أبي شيبة، والترمذيّ
من حديث أنس: ((أن النبيّ وَ ل﴿ سأل رجلاً من أصحابه: يا فلان هل تزوّجت؟
قال: لا، وليس عندي ما أتزوّج به، قال: أليس معك ﴿قُلٌ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ﴾ ... )) الحديث(١).
واستدلّ الطحاويّ للقول الثاني من طريق النظر بأن النكاح إذا وقع
(١) ونصّ الترمذيّ في ((جامعه)) ١٦٦/٥ :
(٢٨٩٥) - حدّثنا عقبة بن مُكْرَم العَمّيّ البصريّ، حدّثني ابن أبي فُديك، أخبرنا
سلمة بن وَرْدان، عن أنس بن مالك، أن رسول الله وَ﴿ قال لرجل من أصحابه:
((هل تزوجت يا فلان؟)) قال: لا والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج به، قال:
(«أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾؟))، قال: بلى، قال: ((ثلث القرآن))، قال:
((أليس معك ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾؟))، قال: بلى، قال: ((ربع
القرآن))، قال: ((أليس معك ﴿قُلٌ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾؟))، قال: بلى، قال: ((ربع
القرآن))، قال: ((أليس معك ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾؟)) قال: بلى، قال: ((ربع القرآن))،
قال: ((تَزَوَّجْ، تَزَوَّج))، قال أبو عیسی: هذا حديث حسن. انتهى.

٢٩١
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
على مجهول كان كما لم يُسمّ، فيحتاج إلى الرجوع إلى المعلوم، قال:
والأصل المجمع عليه لو أن رجلاً استأجر رجلاً على أن يُعلّمه سورة من
القرآن بدرهم لم يصحّ؛ لأن الإجارة لا تصحّ إلا على عمل معيّن، كغسل
الثوب، أو وقت معيّن، والتعليم قد لا يُعلم مقدار وقته، فقد يتعلّم في
زمان يسير، وقد يحتاج إلى زمان طويل، ولهذا لو باعه داره على أن يُعلّمه
سورة من القرآن لم يصحّ، قال: فإذا كان التعليم لا تملك به الأعيان، لا
تملك به المنافع.
والجواب عما ذكره أن المشروط تعليمه معيّنٌ كما تقدّم في بعض طرقه،
وأما الاحتجاج بالجهل بمدّة التعليم، فيَحْتَمِل أن يقال: اغتُّفر ذلك في باب
الزوجين لأن الأصل استمرار عشرتهما، ولأن مقدار تعليم عشرين آيةً لا
تختلف فيه أفهام النساء غالباً، خصوصاً مع كونها عربيّةً، من أهل لسان الذي
يتزوّجها كما تقدّم.
وانفصل بعضهم بأنه زوّجها إياه لأجل ما معه من القرآن الذي حفظه،
وسكت عن المهر، فيكون ثابتاً لها في ذمّته إذا أيسر كنكاح التفويض، وإن ثبت
حديث ابن عباس المتقدّم حيث قال فيه: ((فإذا رزقك الله فعوّضها)) كان فيه
تقوية لهذا القول، لكنه غير ثابت.
وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون زوّجه لأجل ما حفظه من القرآن،
وأصدق عنه كما كفّر عن الذي وقع على امرأته في رمضان، ويكون ذكر
القرآن، وتعليمه على سبيل التحريض على تعلّم القرآن، وتعليمه، وتنويهاً بفضل
أهله. قالوا: ومما يدلّ على أنه لم يجعل التعليم صداقاً أنه لم يقع معرفة
الزوج بفهم المرأة، وهل فيها قابليّة التعليم بسرعة، أو ببطء، ونحو ذلك مما
تتفاوت فيه الأغراض.
والجواب عن ذلك قد تقدّم في بحث الطحاويّ.
ويؤيّد قول الجمهور قولُهُ وَّهِ أوّلاً: ((هل معك شيء تُصدقها؟))، ولو
قصد استكشاف فضله لسأله عن نسبه، وطريقته، ونحو ذلك.

٢٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
[فإن قيل]: كيف يصحّ جعل تعليمها القرآن مهراً، وقد لا تتعلّم؟.
[أجيب] كما يصحّ جعل تعليمها الكتابة مهراً، وقد لا تتعلّم، وإنما وقع
الاختلاف عند من أجاز جعل المنفعة مهراً، هل يُشترط أن يعلم حذق
المتعلّم، أو لا؟ والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلة أن ما ذهب
إليه الجمهور من جعل تعليم القرآن مهراً هو الحقّ؛ لظاهر حديث الباب، وما
ذكره المانعون من التأويلات المتقدمة للحديث، فكلها واهية، فلا يُلتفت إليها،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أنه يجوز كون الأجرة صداقاً، ولو كانت
المصدوقة المستأجِرة، فتقوم المنفعة من الإجارة مقام الصداق، وهو قول
الشافعيّ، وإسحاق، والحسن بن صالح. وعند المالكيّة فيه خلاف، ومنعه
الحنفيّة في الحرّ، وأجازوه في العبد إلا في الإجارة في تعليم القرآن،
فمنعوه مطلقاً، بناءً على أصلهم في أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن لا
يجوز.
وقد نقل عياضٌ جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافّةً إلا
الحنفية .
وقال ابن العربيّ: من العلماء من قال: زوّجه على أن يعلّمها من القرآن،
فكانت إجارةً، وهذا كرهه مالكٌ، ومنعه أبو حنيفة، وقال ابن القاسم: يُفسخ
قبل الدخول، ويُثبتُ بعده، قال: والصحیح جوازه بالتعلیم، وقد روی یحیی بن
مضر عن مالك في هذه القصّة أن ذلك أجرة على تعليمها، وبذلك جاز أخذ
الأجرة على تعليم القرآن، وبالوجهين قال الشافعيّ، وإسحاق، وإذا جاز أن
يؤخذ عنه العوض جاز أن يكون عوضاً، وقد أجازه مالك من إحدى الجهتين،
فيلزم أن يُجيزه من الجهة الأخرى.
وقال القرطبيّ: قوله: ((عَلِّمْها)) نصّ في الأمر بالتعليم، والسياق يشهد
بأن ذلك لأجل النكاح، فلا يُلتفتُ لقول من قال: إن ذلك كان إكراماً للرجل،
فإن الحديث يصرّح بخلافه، وقولهم: إن الباء بمعنى اللام ليس بصحيح لغةً،
ولا مساقاً. انتهى.

٢٩٣
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازٍ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكِرّ أنَّ ما ذهب إليه الشافعيّ
ومن تبعه من جواز كون الأجرة صداقاً، هو الأرجح، لظهور دليله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): أنه استُدِلَّ به على أن من قال: زوّجني فلانة،
فقال: زوجتكها بكذا كفى، ولا يحتاج إلى قول الزوج: قبلت، قاله أبو بكر
الرازيّ من الحنفيّة، وذكره الرافعيّ من الشافعيّة.
وقد استُشكل من جهة طول الفصل بين الاستيجاب والإيجاب، وفراق
الرجل المجلس لالتماس ما يُصدقها إياه.
وأجاب المهلّب بأن بساط القصّة أغنى عن ذلك، وكذا كلّ راغب في
التزويج إذا استوجب، فأجيب بشيء معيّن، وسكت كفى، إذا ظهر قرينة
القبول، وإلا فُيُشترط معرفة رضاه بالقدر المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): أنه استدلّ بالحديث على جواز ثبوت العقد بدون
لفظ النكاح والتزويج. وخالف ذلك الشافعيّ، ومن المالكيّة: ابن دينار وغيره،
والمشهور عن المالكيّة جوازه بكلّ لفظ دلّ على معناه، إذا قُرن بذكر الصداق،
أو قصد النكاح، كالتمليك، والهبة، والصدقة، والبيع، ولا يصحّ عندهم بلفظ
الإجارة، ولا العارية، ولا الوصيّة، واختُلف عندهم في الإحلال، والإباحة،
وأجازه الحنفيّة بكلّ لفظ يقتضي التأبيد مع القصد، وموضع الدليل من هذا
الحديث ورود قوله وَاليه: ((مّكتكها))، لكن ورد أيضاً بلفظ: ((زوّجتكها)).
قال ابن دقيق العيد: هذه لفظة واحدة في قصّة واحدة، واختلف فيها مع
اتحاد مخرج الحديث، فالظاهر أن الواقع من النبيّ وهو أحد الألفاظ المذكورة،
فالصواب في مثل هذا النظر إلى الترجيح، وقد نقل عن الدارقطنيّ أن الصواب
رواية من روى: ((زوّجتكها))، وأنهم أكثر وأحفظ، قال: وقال بعض
المتأخّرين: يَحْتَمِل صحّة اللفظين، ويكون قال لفظ التزويج أوّلاً، ثم قال:
اذهب فقد ملّكتكها بالتزويج السابق، قال ابن دقيق العيد: وهذا بعيد؛ لأن
سياق الحديث يقتضي تعيين لفظة قِيلَتْ، لا تعدّدها، وأنها هي التي انعقد بها
النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النكاح، والذي قاله بعيد

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
جدّاً، وأيضاً فلخصمه أن يعكس، ويدّعي أن العقد وقع بلفظ التمليك، ثم
قال: زوّجتكها بالتمليك السابق، قال: ثم إنه لم يتعرّض لرواية: ((أمكنّاكها))
مع ثبوتها، وكلّ هذا يقتضي تعيّن المصير إلى الترجيح. انتهى.
وأشار ببعض المتأخّرين إلى النوويّ، فإنه كذلك قال في ((شرح مسلم)).
وقد قال ابن التين: لا يجوز أن يكون النبيّ وَلفي عقد بلفظ التمليك والتزويج
معاً في وقت واحد، فليس أحد اللفظين بأولى من الآخر، فسقط الاحتجاج
به، هذا على تقدير تساوي الروايتين، فكيف مع الترجيح؟، قال: ومن زعم أن
معمراً وَهِمَ فيه وَرَدَ عليه أن البخاريّ أخرجه في غير موضع من رواية غير
معمر، مثل معمر. انتھی.
وزعم ابن الجوزيّ في ((التحقيق)) أن رواية أبي غسّان: ((أنكحتكها))
ورواية الباقين: ((زوّجتكها))، إلا ثلاثة أنفس، وهم معمرٌ، ويعقوب، وابن أبي
حازم، قال: ومعمرٌ كثير الغلط، والآخران لم يكونا حافظين. انتهى.
قال الحافظ: وقد غلط في رواية أبي غسّان، فإنها بلفظ: (أمكنّاكها)) في
جميع نُسخ البخاريّ. نعم، وقعت بلفظ: ((زوّجتكها)) عند الإسماعيليّ من طريق
حسين بن محمد، عن أبي غسّان، والبخاريّ أخرجه عن سعيد بن أبي مريم،
عن أبي غسّان بلفظ: ((أمكناكها)). وقد أخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) من
طريق يحيى بن عثمان بن صالح، عن سعيد شيخ البخاريّ فيه بلفظ:
((أنكحتكها))، فهذه ثلاثة ألفاظ عن أبي غسّان، ورواية: ((أنكحتكها)) في
البخاريّ لابن عيينة كما حرّرته.
وما ذكره من الطعن في الثلاثة مردود، ولا سيما عبد العزيز، فإن روايته
تترجّح بكون الحديث عن أبيه، وآل المرء أعرف بحديثه من غيرهم. نعم،
الذي تحرّر مما قدّمته أن الذين رووه بلفظ التزويج أكثر عدداً ممن رواه بغير
لفظ التزويج، ولا سيّما، وفيهم من الحفّاظ مثل مالك، ورواية سفيان بن
عيينة: ((أنكحتكها)) مساويةٌ لروايتهم، ومثلها روايةُ زائدة. وعدّ ابن الجوزيّ
فيمن رواه بلفظ التزويج: حمّاد بن زيد، وروايته بهذا اللفظ في ((فضائل
القرآن))، وأما في ((النكاح)) فبلفظ: ((ملّكتكها)).

٢٩٥
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازٍ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
وقد تبع الحافظُ صلاح الدين العلائيّ ابن الجوزيّ، فقال في ترجيح
روایة التزويج: ولا سيّما وفيهم مالك، وحمّاد بن زید. انتهى.
وقد تحرّر أنه اختُلف على حماد فيها، كما اختُلف على الثوريّ،
فظهر أن رواية التمليك وقعت في إحدى الروايتين عن الثوريّ، وفي رواية
عبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن، وحمّاد بن زيد، وفي
رواية معمر: ((ملكتكها))، وهي بمعناها، وانفرد أبو غسّان برواية:
((أمكناكها))، وأَخْلِقْ بها أن تكون تصحيفاً من: ((ملّكناكها))، فرواية التزويج،
أو الإنكاح أرجح، وعلى تقدير تساوي الروايات يقف الاستدلال بها لكلّ
من الفريقين.
وقد قال البغويّ في ((شرح السنّة)): لا حجّة في هذا الحديث لمن أجاز
انعقاد النكاح بلفظ التمليك؛ لأن العقد كان واحداً، فلم يكن اللفظ إلا
واحداً، واختلف الرواةُ في اللفظ الواقع، والذي يظهر أنه كان بلفظ التزويج
على وفق قول الخاطب: ((زوّجنيها))، إذ هو الغالب في أمر العقود، إذ قلّما
يختلف فيه لفظ المتعاقدين، ومن روى بلفظ غير لفظ التزويج لم يقصد مراعاة
اللفظ الذي انعقد به العقد، وإنما أراد الخبر عن جريان العقد على تعليم
القرآن، وقيل: إن بعضهم رواه بلفظ الإمكان، وقد اتفقوا على أن هذا العقد
بهذا اللفظ لا يصحّ، كذا قال. وما ذُكر كافٍ في دفع احتجاج المخالف
بانعقاد النكاح بالتمليك ونحوه.
وقال العلائيّ: من المعلوم أن النبيّ وَّ لم يقل هذه الألفاظ كلّها(١) تلك
الساعة، فلم يبق إلا أن يكون قال لفظة منها، وعبّر عنه بقيّة الرواة بالمعنى،
فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك، ثم احتجّ بمجيئه في هذا الحديث إذا
عورض ببقية الألفاظ لم ينتهض احتجاجه، فإن جزم بأنه هو الذي تلفّظ به
النبيّ ◌َّ، ومن قال غيره ذكره بالمعنى، قَلَبه عليه مخالفه، وادّعى ضدّ دعواه،
فلم يبق إلا الترجيح بأمر خارجيّ، ولكن القلب إلى ترجيح رواية التزويج
(١) نازع في ذلك ابن حزم كَّلُ؛ لأنه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، فيُحمل
الحديث على هذا، والله تعالى أعلم.

٢٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
أمْيل؛ لكونها رواية الأكثرين؛ ولقرينة قول الرجل الخاطب: ((زوّجنيها يا
رسول الله)).
وقد تقدّم النقل عن الدارقطنيّ أنه رجّح رواية من قال: ((زوّجتكها))،
وبالغ ابن التين، فقال: أجمع أهل الحديث على أن الصحيح رواية:
(زوّجتكها))، وأن رواية: ((مّكتكها)) وَهَمُ.
وتعلّق بعض المتأخّرين بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمّة، فلولا
أن هذه الألفاظ عندهم مترادفة ما عبّروا بها، فدلّ على أن كلّ لفظ منها
يقوم مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج بجواز
انعقاد النكاح بكلّ لفظة منها، إلا أن ذلك لا يدفع مطالبتهم بدليل الحصر
في اللفظين مع الاتفاق على إيقاع الطلاق بالكنايات بشرطها، ولا حصر في
الصريح. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن النكاح ينعقد بكلّ لفظ يدلّ
عليه، وهو قول الحنفيّة، والمالكيّة، وإحدى الروايتين عن أحمد، واختلف
الترجيح في مذهبه، فأكثر نصوصه تدلّ على موافقة الجمهور، واختار ابن
حامد، وأتباعه الرواية الأخرى الموافقة للشافعيّة. واستدلّ ابن عقيل منهم
لصحّة الرواية الأولى بحديث: ((أعتَقَ صفيّة، وجعل عتقها صداقها))، فإن
أحمد نصّ على أن من قال: أعتقتُ أمَتي، وجعلتُ عتقها صداقها أنه ينعقد
نكاحها بذلك، واشترط من ذهب إلى الرواية الأخرى بأنه لا بدّ أن يقول
في مثل هذه الصورة: تزوّجتها، وهي زيادة على ما في الخبر، وعلى نصّ
أحمد، وأصولُهُ تشهد بأن العقود تنعقد بما يدلّ على مقصودها، من قول،
أو فعل. كذا في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من أن
النكاح يجوز بكلّ لفظ يدلّ عليه هو الصواب، كما هو مذهب الحنفيّة،
والمالكيّة، ورواية عن أحمد، رحمهم الله تعالى.
(١) ((الفتح)) ٤٩١/١١ - ٤٩٣.

٢٩٧
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة تَكْثُ - كما في ((مجموع الفتاوى)) -:
عمدة من قال: لا يصحّ النكاح إلا بلفظ ((الإنكاح))، و((التزويج)) - وهم
أصحاب الشافعيّ، وابن حامد، ومن وافقهم من أصحابنا، كأبي الخطّاب،
والقاضي، وأصحابه، ومن بعده - إلا في لفظ ((أعتقتك، وجعلت عتقك
صداقك)) أنهم قالوا: ما سوى هذين اللفظين كناية، والكناية لا تقتضي
الحكم إلا بالنيّة، والنّة في القلب لا تُعلم، فلا يصحّ عقد النكاح بالكناية؛
لأن صحّته مفتقرة إلى الشهادة عليه، والنيّة لا يُشهَد عليها، بخلاف ما
يصحّ بالكناية، من طلاق، وعتق، وبيع، فإن الشهادة لا تُشترط في صحّة
ذلك.
ومنهم: من يجعل ذلك تعبّداً؛ لما فيه من ثبوت العبادات، وهذا قول من
لا يصحّحه إلا بالعربيّة، من أصحابنا وغيرهم، وهذا ضعيف لوجوه:
[أحدها]: لا نسلّم أن ما سوى هذين كناية، بل ثَمَّ ألفاظ هي حقائق
عرفيّة في العقد أبلغ من لفظ: ((أنكحت))، فإن هذا اللفظ مشترك بين الوطء
والعقد، ولفظ الإملاك خاصّ بالعقد، لا يُفهم إذا قال القائل: أملك فلانٌ على
فلانة إلا العقد، كما في ((الصحيحين)): ((أملكتكها على ما معك من القرآن))،
سواء كانت الرواية باللفظ، أو المعنى.
[الثاني]: أنا لا نسلّم أن الكناية تفتقر إلى النيّة مطلقاً، بل إذا قُرن
بها لفظ من ألفاظ الصريح، أو حكم من أحكام العقد كانت صريحةً، كما
قالوا في الوقف: إنه ينعقد بالكناية، كتصدّقت، وحرَّمت، وأبّدت، إذا قُرن
بها لفظ، أو حكم، فإذا قال: أملكتكها، فقال: قبلت هذا التزويج، أو
أعطيتكها زوجةً، فقال: قبلت، أو أملكتكها على ما أمر الله به من إمساك
بمعروف، أو تسريح بإحسان، ونحو ذلك، فقد قُرِن بها من الألفاظ،
والأحكام ما يجعله صريحاً.
[الثالث]: أن إضافة ذلك إلى الحرّة يبيّن المعنى، فإنه إذا قال في ابنته:
ملّكتكها، أو أعطيتكها، أو زوّجتكها، ونحو ذلك، فالمحلّ يَنفي الإجمال،
والاشتراك.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
[الرابع]: أن هذا منقوضٌ عليهم بالشهادة في الرجعة، فإنها مشروعةٌ، إما
واجبة، وإما مستحبّةٌ، وهي شرط في صحّة الرجعة على قولٍ، وبالشهادة على
البيع، وسائر العقود، فإن ذلك مشروعٌ مطلقاً، سواء كان العقد بصريح، أو
كناية مفسّرة.
[الخامس]: أن الشهادة تصحّ على العقد، ويثبت بها عند الحاكم على
أيّ صورة انعقدت، فعلم أن اعتبار الشهادة فيه، لا يمنع ذلك.
[السادس]: أن العاقدين يمكنهما تفسير مرادهما، ويشهد الشهود على ما
فسّروه.
[السابع]: أن الكناية عندنا إذا اقترن بها دلالة الحال كانت صريحة في
الظاهر بلا نزاع، ومعلوم أن اجتماع الناس، وتقديم الخطبة، وذكر المهر،
والمفاوضة فيه، والتحدّث بأمر النكاح قاطع في إرادة النكاح، وأما التعبّد
فيحتاج إلى دليل شرعيّ، ثم العقد جنسٌ لا يشرع فيه التعبّد بالألفاظ؛ لأنها لا
يُشترط فيها الإيمان، بل تصحّ من الكافر، وما يصحّ من الكافر لا تعبّد فيه،
والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام كَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله شيخ الإسلام كلّتُ هو
الصواب عندي.
وحاصله أن النكاح ينعقد بكل ما تعارفه الناس من الألفاظ، ولو بغير
العربية لمن يحسنها؛ لأنه الموافق لمقاصد الشريعة، فإن الشرع لم يُضَيِّق في
النكاح على الناس باتباع صيغة معينة، أو كونه بالعربية، بل هو كسائر العقود
الجارية بينهم التي تجوز مطلقاً كالطلاق، والرجعة، والعَتَاق، والبيع، والشراء،
والإجارة، وغيرها، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(١) ((مجموع الفتاوى)) ١٥/٣٢ - ١٧.

٢٩٩
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازٍ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ- حديث رقم (٣٤٨٨)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٤٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (ح)
وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ
زَائِدَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ
عَلَى بَعْضٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَائِدَةَ: قَالَ: ((انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ
الْقُرْآنِ))).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) البزّار المقرىء البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في
القراءات [١٠] (ت٢٢٩) أم د) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٤.
٢ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قريباً.
٣ - (زُھَيْرُ بْنُ حَرْب) تقدّم قبل باب.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٦ - (الدَّرَاوَرْدِيُّ) عبد العزيز بن محمد بن عُبيد الْجُهنيّ مولاهم، أبو
محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطىء [٨] (ت٦
أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٧ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب.
٨ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرىء، ثقةٌ عابدٌ [٩]
(ت٣ أو ٢٠٤) وله (٤ أو ٨٥) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٤/١١.
٩ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتُ سُنيّ [٧]
(ت١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
والباقيان ذُكرا قبله.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ) يعني أن كلّ هؤلاء الأربعة، وهم: حمّاد بن
زيد، وسفيان بن عيينة، والدَرًّاورديّ، وزائدة رووا هذا الحديث عن أبي
ثا.
حازم، عن سهل بن سعد
وقوله: (فَعَلِّمْها من القرآن) يعني به السُّوَر التي عدَّدها له، وأخبره أنه
يحفظها، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: ((بما معك من القرآن))، والله
أعلم(١).
[تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أبي حازم، ساقها البخاريّ تَُّهُ،
فقال :
(٥٠٢٩) - حدّثنا عمرو بن عون، حدّثنا حمّاد، عن أبي حازم، عن
سهل بن سعد، قال:
أتت النبيّ ◌َ﴿ امرأة، فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله وَله،
فقال: ((ما لي في النساء من حاجة))، فقال رجل: زوّجنيها، قال: ((أعطها
ثوباً))، قال: لا أجد، قال: ((أعطها، ولو خاتماً من حديد))، فاعتلّ له، فقال:
((ما معك من القرآن؟))، قال: كذا، وكذا، قال: ((فقد زوجتكها بما معك من
القرآن)). انتهى.
ورواية سفيان بن عيينة، عن أبي حازم ساقها البخاريّ تَخْتُ أيضاً،
فقال :
(٥١٤٩) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، سمعت أبا حازم
يقول: سمعت سهل بن سعد الساعديّ يقول: إني لفي القوم عند
رسول الله وَيؤ، إذ قامت امرأة، فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها
لك، فَرَ فيها رَأْيَكَ، فلم يُجبها شيئاً، ثم قامت، فقالت: يا رسول الله إنها
قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رَأْيَكَ، فلم يجبها شيئاً، ثم قامت الثالثة،
فقالت: إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رَأْيَكَ، فقام رجل: فقال:
يا رسول الله أنكحنيها، قال: ((هل عندك من شيء؟))، قال: لا، قال:
(١) ((المفهم)) ٤/ ١٣٣.