Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٧٠) - بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ - حديث رقم (٣٢٥٨)
الكلام في المسائل التي لم تقع، قال: وإنه لمكروه إن لم يكن حراماً إلا
للعلماء، فإنهم فرّعوا، ومهّدوا، فنفع الله من بعدهم بذلك، ولا سيّما مع
ذهاب العلماء، ودروس العلم. انتهى ملخّصاً.
قال الحافظ تَُّ: وينبغي أن يكون محلّ الكراهة للعالم، إذا شغله ذلك
عمّا هو أهمّ منه، وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجرّداً عما يندر، ولا
سيّما في المختصرات؛ ليسهل تناوله، والله المستعان. انتهى.
١٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى الاشتغال بالأهمّ المحتاج إليه عاجلاً
عما لا يحتاج إليه في الحال، فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر، واجتناب
النواهي، فاجعلوا اشتغالكم بها عوضاً عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع.
فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن الله تعالى ورسوله وت طهر، ثم يجتهد
في تفهّم ذلك، والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من
العلميّات يتشاغل بتصديقه، واعتقاد أحقيته، وإن كان من العمليّات بذَلَ وُسْعه
في القيام به، فعلاً وتركاً، فإن وجد وقتاً زائداً على ذلك فلا بأس بأن يصرفه
في الاشتغال بتعرّف حكم ما سيقع على قصد العمل به أن لو وقع، فأما إن
كانت الهمّة مصروفةً عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع، وقد لا
تقع مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع، فإن هذا مما يدخل في النهي،
فالتفقّه في الدين إنما يُحمَد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدل(١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): عقد الإمام البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه)) في ((كتاب
الاعتصام بالكتاب والسنّة)) باباً مهمّاً جدّاً، له شدّة ارتباط بحديث الباب،
وكتب الحافظ تَُّ في شرحه كلاماً نفيساً أحببت إيراده تتميماً للفائدة، ونشراً
للعائدة، قال تَخْدَّتُهُ:
((باب ما يكره من كثرة السؤال، وتكلّف ما لا يعنيه، وقول الله تعالى:
تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾)) [المائدة: ١٠١]. ثم ساق بسنده عن
سعد بن أبي وقّاص ◌ُه؛ أن النبيّ وَّ قال: ((إن أعظم المسلمين جُرْماً من
(١) راجع: ((الفتح)) ١٨٨/١٥ - ١٩٢ «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)).

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
سأل عن شيء، لم يُحرَّم، فحرّم من أجل مسألته))، ثم أورد بعده ثمانية
أحاديث.
قال الشارح تَّلُهُ: كأنه يريد أن يستدلّ بالآية على المدّعَى من الكراهة،
وهو مصير منه إلى ترجيح بعض ما جاء في تفسيرها، وقد ذكرتُ الاختلاف في
سبب نزولها في ((تفسير سورة المائدة))، وترجيح ابن المنيّر أنه في كثرة المسائل
عما كان، وعمّا لم يكن، وصنيع البخاريّ يقتضيه، والأحاديث التي ساقها في
الباب تؤيّده، وقد اشتدّ إنكار جماعة من الفقهاء ذلك، منهم: القاضي أبو بكر
ابن العربيّ، فقال: اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع
تعلّقاً بهذه الآية، وليس كذلك؛ لأنها مصرّحة بأن المنهيّ عنه ما تقع المسألة
في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك. انتهى.
قال الحافظ: وهو كما قال؛ لأن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول
الوحي، ويؤيّده حديث سعد الذي صدّر به البخاريّ الباب: ((من سأل عن
شيء، لم يحرّم، فحرّم من أجل مسألته))، فإن مثل ذلك قد أُمن وقوعه، ويدخل
في معنى حديث سعد ما أخرجه البزّار، وقال: سنده صالح، وصححه الحاكم،
من حديث أبي الدرداء ◌َظُه، رفعه: ((ما أحلّ الله في كتابه، فهو حلال، وما
حرّم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم
يكن ينسى شيئاً، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤])).
وأخرج الدارقطنيّ من حديث أبي ثعلبة ظُه، رفعه: ((إن الله فرض
فرائض، فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً، فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة
لكم، غیرَ نسیان، فلا تبحثوا عنها))، وله شاهد من حديث سلمان رپبه،
أخرجه الترمذيّ، وآخر من حديث ابن عباس ﴿بًا، أخرجه أبو داود.
وقد أخرج مسلم، وأصله في البخاريّ، من طريق ثابت، عن أنس
رضي الله تعالى عنه، قال: ((كنّا نُهينا أن نسأل رسول الله وَّل عن شيء، وكان
يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع ... ))
فذكر الحديث.
وللبخاريّ في قصّة اللعان من حديث ابن عمر رضيها: ((فكره رسول الله وَالفقه
المسائل، وعابها)).

٢٨٣
(٧٠) - بَابُ فَرْضِ الْحَجّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ - حديث رقم (٣٢٥٨)
ولمسلم عن النّاس بن سمعان به، قال: ((أقمت مع رسول الله وَل
سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل
النبيّ وَّ﴾﴾. ومراده أنه قدم وافداً، فاستمرّ بتلك الصورة لِيُحَصِّلَ المسائل،
خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة، فيصير مهاجراً، فيمتنع
عليه السؤال، وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب،
وفوداً كانوا، أو غيرهم.
وأخرج أحمد عن أبي أمامة ظته، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية [المائدة: ٥]، كنّا قد اتقينا أن نسأله ◌َلتر، فأتينا
أعرابيّاً، فرشوناه بُرداً، وقلنا: سل النبيّ وَّ، ولأبي يعلى عن البراء: ((إن كان
ليأتي عليّ السَّنَةُ أريد أن أسأل رسول الله وَّر عن الشيء، فأتهيّب، وإن كنّا
لنتمنّى الأعراب - أي: قدومهم - ليسألوا، فيسمعوا هم أجوبة سؤالات
الأعراب، فيستفيدوها .
وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة ﴿ه، فَيَحْتَمِل أن يكون
قبل نزول الآية، ويَحْتَمِل أن النهي في الآية لا يتناول ما يُحتاج إليه مما تقرّر
حكمه، أو ما لهم بمعرفته حاجةٌ راهنةٌ؛ كالسؤال عن الذبح بالقصب، والسؤال
عن وجوب طاعة الأمراء، إذا أَمروا بغير الطاعة، والسؤال عن أحوال يوم
القيامة، وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في القرآن؛ كسؤالهم عن
الكلالة، والخمر، والميسر، والقتال في الشهر الحرام، واليتامى، والمحيض،
والنساء، والصيد، وغير ذلك، لكن الذين تعلّقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل
عما لم يقع أخذوه بطريق الإلحاق من جهة أن كثرة السؤال لمّا كانت سبباً
للتكليف بما يشقّ، فحقّها أن تُجتنب.
وقد عقد الإمام الدارميّ تَخُّْ في أوائل («مسنده)) لذلك باباً، وأورد فيه
عن جماعة من الصحابة والتابعين آثاراً كثيرةً في ذلك، منها :
عن ابن عمر: ((لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن السائل
عما لم یکن)).
وعن عمر: ((أحرّج عليكم أن تسألوا عما لم يكن، فإن لنا فيما كان
شغلاً)).

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وعن زيد بن ثابت أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول: كان هذا؟ فإن
قیل: لا، قال: دعوه حتى يكون.
وعن أبيّ بن كعب، وعن عمّار كذلك، وأخرج أبو داود في ((المراسيل))
من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، مرفوعاً، ومن طريق طاوس، عن
معاذ، رفعه: ((لا تعجلوا بالبليّة قبل نزولها، فإنكم إن تفعلوا لم يزل في
المسلمين من إذا قال سُدّد، أو وفّق، وإن عجلتم تشتّت بكم السبل)). وهما
مرسلان، يقوّي بعضٌ بعضاً، ومن وجه ثالث عن أشياخ الزبير بن سعيد،
مرفوعاً: ((لا يزال في أمتي من إذا سُئل سُدّد، وأُرشد، حتى يتساءلوا عما لم
ينزل ... )) الحدیث نحوه.
قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نصّ
على قسمين :
(أحدهما): أن يُبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها،
فهذا مطلوب، لا مكروه، بل ربّما كان فرضاً على من تعيّن عليه من
المجتهدین.
(ثانيهما): أن يدقّق النظر في وجوه الفروق، فيفرّق بين متماثلين بفرق
ليس له أثرٌ في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس، بأن يجمع بين
متفرّقين بوصف طرديّ مثلاً، فهذا الذي ذمّه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن
مسعود، رفعه: ((هلك المتنطّعون))، أخرجه مسلم، فرأوا أن فيه تضييع الزمان
بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في
الكتاب، ولا في السنّة، ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدّاً، فيصرف فيها
زماناً كان صرفه في غيرها أولى، ولا سيّما إن لزم من ذلك إغفال التوسّع في
بيان ما يكثر وقوعه، وأشدّ من ذلك في كثرة السؤال، البحثُ عن أمور مغيبة
وَرَدَ الشرع بالإيمان بها، مع ترك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم
الحسّ؛ كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدّة هذه الأمّة، إلى
أمثال ذلك مما لا يُعرف إلا بالنقل الصِّرْف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء،
فيجب الإيمان به من غير بحث، وأشدّ من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في
الشكّ والحيرة.

٢٨٥
(٧٠) - بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ - حديث رقم (٣٢٥٨)
وقال بعض الشرّاح: مثال التنظّع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى
الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن أن يسأل عن السِّلَع التي توجد في
الأسواق، هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه،
أو لا؟ فيجيبه بالجواز، فإن عاد، فقال: أخشى أن يكون من نهب، أو غصب،
ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه
بالمنع، ويقيّد ذلك، إن ثبت شيء من ذلك حَرُم، وإن تردّد كُره، أو كان
خلاف الأولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطّع لم يزد المفتي على جوابه
بالجواز.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في التمثيل للتنطّع في السؤال بهذا المثال
نظر لا يخفى لمن تأمّل، والله تعالى أعلم.
قال: وإذا تقرّر ذلك، فمن يسدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من
الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقلّ فَهْمُهُ وعلمه، ومن توسّع في تفريع
المسائل، وتوليدها، ولا سيّما فيما يقلّ وقوعه، أو يندر، ولا سيّما إن كان
الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذمّ فعله، وهو عين الذي كرهه
السلف.
ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظاً على ما جاء في
تفسيره عن رسول الله وَ﴾، وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصّل من
الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السنّة، وما دلّت عليه
كذلك، مقتصراً على ما يصلح للحجّيّة منها، فإنه الذي يُحمَد، ويُنتفع به،
وعلى ذلك يُحمل عمل فقهاء الأمصار، من التابعين، فمن بعدهم حتى حدثت
الطائفة الثانية، فعارضتها الطائفة الأولى، فكثر بينهم المراء والجدال، وتولّدت
البغضاء، وتسمَّوْا خُصُوماً، وهم من أهل دين واحد، والواسط هو المعتدل من
كلّ شيء، وإلى ذلك يشير قوله ﴿ في حديث الباب: «فإنما هلك من كان
قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم))، فإن الاختلاف يجرّ إلى عدم
الانقياد.
وهذا كلّه من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم.
وأما العمل بما ورد في الكتاب والسنّة، والتشاغل به، فقد وقع الكلام

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
في أيّهما أولى، والإنصاف أن يقال: كلُّ ما زاد على ما هو في حقّ المكلّف
فرض عين، فالناس فيه على قسمين: مَنْ وجد في نفسه قوّةً على الفهم،
والتحرير، فتشاغله بذلك أولى من إعراضه عنه، وتشاغلِهِ بالعبادة؛ لما فيه من
النفع المتعدّي، ومن وجد في نفسه قصوراً، فإقباله على العبادة أولى؛ لعسر
اجتماع الأمرين، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع بعض الأحكام
بإعراضه، والثاني لو أقبل على العلم، وترك العبادة فاته الأمران؛ لعدم حصول
الأول له، وإعراضه به عن الثاني. انتهى كلام الحافظ تَخْتُهُ، وهو بَحْثٌ نفيس
جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٧١) - (بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَم إِلَى حَجّ وَغَيْرِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٩] (١٣٣٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا:
حَدَّثَنَا بَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ، عَن ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثاً، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٣ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان، تقدّم قريباً.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العُمَريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله فيها، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َُّ، وله فيه شيخان قرن
بینھما .

٢٨٧
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٥٩)
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له
الترمذيّ، وأما ابن المثنّى فهو أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا
واسطة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عُمَرَ) ﴿ّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لا) ناهية، ولذا الفعل
بعدها مجزوم، ويَحْتَمِل أن تكون نافية، والفعل مرفوعٌ، ويراد بالنفي النھي،
والنهي المستفاد من النفي أبلغ؛ لأن النهي نفي لوصف الشيء، والنفي نفي
لذاته، ونفي الذات أبلغ من نفي الصفات (تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ) أي: شابة كانت، أو
عجوزاً، سفراً للحجّ أو غيره (ثَلَاثاً) أي: ثلاث ليال، وفي رواية: ((فوق
ثلاث))، وفي رواية: ((ثلاثة))، وفي رواية: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو محرم))، وفي رواية: ((لا تسافر
المرأة يومين من الدهر، إلا ومعها ذو محرم منها، أو زوجها))، وفي رواية:
(نَهَى أن تسافر المرأة مسيرة يومين))، وفي رواية: ((لا يحلّ لامرأة مسلمة تسافر
مسيرة ليلة، إلا ومعها ذو حرمة منها))، وفي رواية: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله،
واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم، إلا مع ذي محرم))، وفي رواية: ((مسيرة يوم
وليلة))، وفي رواية: ((لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم))، هذه كلها روايات
مسلم، وفي رواية لأبي داود: ((ولا تسافر بَرِيداً))، والبريد مسيرة نصف يوم.
قال العلماء - رحمهم الله تعالى -: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف
السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم
والليلة، أو البريد.
قال البيهقيّ تَّتُهُ: كأنه وَ سئل عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم،
فقال: لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها
يوماً، فقال: لا، وكذلك البريد، فأَدَّى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها
مختلفاً عن رواية واحد، فسمعه في مواطن، فروى تارةً هذا، وتارةً هذا، وكله

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يُرد ◌ِيه
تحديد أقل ما يُسَمَّى سفراً.
فالحاصل أن كل ما يُسَمَّى سفراً تُنْهَى عنه المرأة بغير زوج، أو محرم،
سواءٌ كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يوماً، أو بَرِيداً، أو غير ذلك؛ لرواية ابن
عباس ﴿تها المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: ((لا تسافر امرأة إلا مع
ذي محرم))، وهذا يتناول جميع ما يُسَمَّى سفراً، والله أعلم(١).
(إِلَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم))) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: حقيقة المحرم من النساء
التي يجوز النظر إليها، وألخلوة بها، والمسافَرة بها: كلُّ من حَرُم نكاحها
على التأبيد، بسبب مباح لحرمتها، فقولنا: على التأبيد احترازٌ من أخت
المرأة، وعمتها، وخالتها، ونحوهنّ، وقولنا: بسبب مباح احتراز من أم
الموطوءة بشبهة، وبنتها، فإنهما تحرمان على التأبيد، وليستا محرمين؛ لأن
وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة؛ لأنه ليس بفعل مكلّف، وقولنا: لحرمتها
احترازٌ من الملاعِنة، فإنها محرمة على التأبيد بسبب مباح، وليست
مَحْرَماً؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبةً، وتغليظاً، والله أعلم.
انتھی(٢).
وقال النوويّ أيضاً: وفيه دلالة لمذهب الشافعيّ، والجمهور، أن جميع
المحارم سواء في ذلك، فيجوز لها المسافَرة مع محرمها بالنسب؛ كابنها،
وأخيها، وابن أخيها، وابن أختها، وخالها، وعمّها، ومع محرمها بالرضاع؛
كأخيها من الرضاع، وابن أخيها، وابن أختها منه، ونحوهم، ومع محرمها من
المصاهرة؛ كأبي زوجها، وابن زوجها، ولا كراهة في شيء من ذلك، وكذا
يجوز لكل هؤلاء الخلوة بها، والنظر إليها من غير حاجة، ولكن لا يحل النظر
بشهوة لأحد منهم، هذا مذهب الشافعيّ، والجمهور، ووافق مالك على ذلك
كله إلا ابن زوجها، فكره سفرها معه؛ لفساد الناس بعد العصر الأول، ولأن
كثيراً من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب، قال:
والمرأة فتنة إلا فيما جَبَل الله تعالى النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب،
(١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ١٠٢ - ١٠٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٩/ ١٠٤.

(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمِ إِلَى حَجّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٥٩)
٢٨٩
وعموم هذا الحديث يردّ على مالك، والله أعلم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إلا معها ذو محرم))؛ أي: فيحلّ، ولم يصرح
بذكر الزوج. وسيأتي في حديث أبي سعيد ه في هذا الباب بلفظ: ((إلا
ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها)).
قال: وضابط المحرم عند العلماء مَن حَرُم عليه نكاحها على التأبيد،
بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد أخت الزوجة، وعمتها، وبالمباح أم
الموطوءة بشبهة وبنتها، وبحرمتها الملاعنة، واستثنى أحمد مَن حَرُمت على
التأبيد: مسلمةً لها أبٌّ كتابيّ، فقال: لا يكون محرماً لها؛ لأنه لا يؤمَن أن
يفتنها عن دينها إذا خلا بها، ومن قال: إن عبد المرأة محرم لها يحتاج أن
يزيد في هذا الضابط ما يُدخله.
وقد رَوَى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر ها مرفوعاً: ((سفر المرأة
مع عبدها ضيعة))، لكن في إسناده ضعف، وقد احتج به أحمد وغيره، وينبغي
لمن أجاز ذلك أن يقيّده بما إذا كانا في قافلة، بخلاف ما إذا كانا وحدهما
فلا؛ لهذا الحديث.
وفي آخر حديث ابن عباس هذا ما يُشعر بأن الزوج يدخل في مسمى
المحرم، فإنه لما استثنى المحرم، فقال القائل: إن امرأتي حاجّةٌ، فكأنه فَهِمَ
حال الزوج في المحرم، ولم يَرُدّ عليه ما فهمه، بل قال له: اخرج معها.
واستثنى بعض العلماء ابن الزوج فكره السفر معه؛ لغلبة الفساد في
الناس، قال ابن دقيق العيد: هذه الكراهية عن مالك، فإن كانت للتحريم ففيه
بُعْدٌ؛ لمخالفة الحديث، وإن كانت للتنزيه، فَيَتوقف على أن لفظ: ((لا يحلّ))
هل يتناول المكروه الكراهة التنزيهية؟ انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر خّها هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/٩.
(٢) ((الفتح)) ١٦٧/٥.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٥٩/٧١ و٣٢٦٠ و٣٢٦١] (١٣٣٨)،
و(البخاريّ) في ((تقصير الصلاة)) (١٠٨٦ و١٠٨٧)، و(أبو داود) في ((المناسك))
(١٧٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٣/٢
و١٩ و١٤٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥٢١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٤٣٤/٦ - ٤٣٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢/٤ - ١٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٧/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): نهي المرأة عن السفر بغير محرم، قال القاضي عياض:
واتَّفَقَ العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي
محرم، إلا الهجرة من دار الحرب، فاتَّفقوا على أن عليها أن تهاجر منها إلى
دار الإسلام، وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن إقامتها في دار الكفر
حرام، إذا لم تستطع إظهار الدِّين، وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك
التأخر عن الحج، فإنهم اختلفوا في الحج، هل هو على الفور، أم على
التراخي؟ قال القاضي عياض: قال الباجيّ: هذا عندي في الشابة، وأما
الكبيرة غير المشتهاة فتسافر، كيف شاءت في كل الأسفار، بلا زوج، ولا
محرم، وهذا الذي قاله الباجيّ لا يوافق عليه؛ لأن المرأة مظنة الطمع فيها،
ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويَجتمع في
الأسفار من سفهاء الناس، وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز
وغيرها؛ لغلبة شهوته، وقلة دينه، ومروءته، وخيانته، ونحو ذلك، والله
أعلم(١).
٢ - (ومنها): بيان أن للمرأة أن تسافر مع محرمها إلى أيّ سفر أرادت،
حجّاً أو عمرةً، أو زيارة أقاربها، أو لطلب علم شرعيّ، أو غير ذلك من
الأمور المباحة.
٣ - (ومنها): بيان أن جميع المحارم سواء في سفر المرأة معهم، وبه
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٩/ ١٠٤ - ١٠٥.

٢٩١
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٥٩)
قال الشافعيّ، والجمهور، وخالف مالك في ابن زوجها، وقد سبق ردّه.
٤ - (ومنها): أنه استدلّ الحنفيّة برواية ثلاثة أيام لمذهبهم، أن قصر
الصلاة في السفر لا يجوز إلا في سفر يبلغ ثلاثة أيام، قال النوويّ: وهذا
استدلال فاسدٌ، وقد جاءت الأحاديث بروايات مختلفة، كما سبق، وبيّنا
مقصودها، وأن السفر يُطلق على يوم، وعلى بريد، وعلى دون ذلك، وقد
أوضحت الجواب عن شبهتهم إيضاحاً بليغاً في باب صلاة المسافر من ((شرح
المهذب)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق تحقيق هذه المسألة بأدلتها في أبواب
المسافر، فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
٥ - (ومنها): عناية الشرع بسدّ طرق الفساد، وإبعاد المسلمين عما يفتح
عليهم باب الشرّ والفساد، فإن سفر المرأة بدون محرمها، لا يخفى ما فيه من
الفساد العريض، فسدّ هذا الباب بتحريم سفرها إلا مع من يقوم بحمايتها،
ويغار عليها من المحارم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط المحرم لوجوب
الحجّ على المرأة:
قال النوويّ تَخْذَلُهُ: أجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا
استطاعت؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران:
٩٧]، وقوله وَيّ: ((بُنِيَ الإسلام على خمس ... )) الحديث، وفيه: ((وحج البيت
من استطاع إليه سبيلاً))، واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن اختلفوا في
اشتراط المحرم لها، فأبو حنيفة يشترطه؛ لوجوب الحج عليها، إلا أن يكون
بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث،
وأصحاب الرأي، وحُكِي ذلك أيضاً عن الحسن البصريّ، والنخعيّ.
وقال عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ومالك، والأوزاعيّ،
والشافعيّ في المشهور عنه: لا يشترط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها،
قال أصحابنا: يحصل الأمن بزوج، أو محرم، أو نسوة ثقات، ولا يلزمها
الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها،
لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقال بعض أصحابنا: يلزمها بوجود نسوة، أو امرأة واحدة، وقد يكثر
الأمن، ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها في جملة القافلة، وتكون آمنةً،
والمشهور من نصوص الشافعيّ، وجماهير أصحابه هو الأول.
واختَلَف أصحابنا في خروجها لحج التطوع، وسفر الزيارة، والتجارة،
ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج
فيها مع نسوة ثقات كحجة الإسلام، وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو
محرم، وهذا هو الصحيح؛ الأحاديث الصحيحة. انتهى (١).
قال ابن رشد تخّلهُ: اختلفوا هل من شروط وجوب الحج على المرأة أن
يكون معها زوج أو محرم منها؟ فقال مالك والشافعي: ليس من شرط الوجوب
ذلك، وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة.
وقال أبو حنيفة وأحمد وجماعة: وجود ذي المحرم ومطاوعته لها شرط
في الوجوب، وسبب الخلاف معارضة الأمر بالحج للنهي عن سفر المرأة إلا
مع ذي محرم، فمن غَلَّب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو
محرم، ومن خصص العموم بأحاديث النهي، ورأى أنه من باب تفسير
الاستطاعة قال: لا تسافر إلا مع ذي محرم. انتهى.
وقال ابن دقيق العيد تَخْتُهُ: هذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا، وكان
كل واحد منهما عامّاً من وجه خاصّاً من وجه، بيانه أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَ
النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩١] الآية عامّ في الرجال والنساء، فمقتضاه
أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع، وقوله وقلت :
((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)) خاصّ بالنساء، عامّ في كل سفر، فيدخل
فيه الحج، فمن أخرجه عنه خصّ الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خصّ
الآية بعموم الحديث، فيحتاج إلى الترجيح من خارج. انتهى.
قال الشوكانيّ تَخْتُ: ويمكن أن يقال: إن أحاديث النهي عن السفر من
غير محرم لا تعارض الآية؛ لأنها تضمنت أن المَحْرَم في حقّ المرأة من جملة
الاستطاعة على السفر التي أطلقها القرآن، وليس فيها إثبات أمر غير الاستطاعة
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/٩.

٢٩٣
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمِ إِلَى حَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٥٩)
المشروطة حتى تكون من تعارض العمومين، لا يقال: الاستطاعة المذكورة قد
بيّنت بالزاد والراحلة؛ لأنا نقول: قد تضمنت أحاديث النهي زيادةً على ذلك
البيان باعتبار النساء غيرَ منافية، فيتعيّن قبولها، على أن التصريح باشتراط
المَحرم في سفر الحج بخصوصه، كما في حديث ابن عباس عند البزار،
والدارقطنيّ، وحديث أبي أمامة عند الطبرانيّ مبطل لدعوى التعارض.
(١)
.
انتھی
وقال الطبري في ((القرى)) (ص٤٤): وافق أبا حنيفة في اشتراط المحرم،
أو الزوج: أصحاب الحديث، وهو قول النخعيّ، والحسن البصريّ، وبه قال
أحمد، وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعيّ، قال البغويّ في ((شرح السنة)):
والقول باشتراط المحرم أولى؛ لظاهر الحديث، ولم يختلفوا أنها ليس لها
الخروج في غير الفرض إلا مع محرم، إلا في كافرة أسلمت في دار الحرب،
أو أسيرة تخلّصت فيلزمها الخروج بلا محرم.
وقال الطبريّ (ص٤٥): ووجه دلالة حديث عديّ(٢) على عدم ذلك
اعتبار المحرم أنه وفر أخبر عن خروج المرأة وحدها عند أمانها على نفسها،
(١) راجع: ((المرعاة)) ٣٣٤/٨.
(٢) أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن عدي بن حاتم ظُه، قال: بينا
أنا عند النبيّ ◌َ ﴿﴿ إذا أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه الآخر، فشكا إليه قطع
السبيل، فقال: ((يا عدي هل رأيت الحيرة؟ فإن طالت بك حياة، فلترينّ الظعينة
ترتحل من الْحِيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلا الله، ولئن طالت بك
حياة لتُفْتَحَنّ كنوز كسرى، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخرج ملء كفه من
ذهب أو فضة، يطلب من يقبله، فلا يجد أحداً يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم
يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان، يترجم له، فليقولنّ: ألم أبعث إليك رسولاً
فيبلغك؟، فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالاً، وأُفضِل عليك؟ فيقول: بلى،
فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، اتقوا النار
ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)). قال عديّ: فرأيت الظعينة ترتحل من
الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن
هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم وَله: يخرج ملء كفّه.
انتھی.

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فوجب وقوعه لا محالة، ودلّ ذلك على الجواز؛ إذ لو حَرُم لبيّنه، فإنه وقت
حاجة؛ لأنه كالواقع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
قال: وهذا القائل يَحْمِل أحاديث اشتراط المحرم على حال الخوف
والخطر جمعاً بينهما، وعملاً بهما، وذلك أولى من إهمال بعضها .
ويمكن أن يقال: الحديث دل على الوقوع، لا على الجواز، لا بطريق
المطابقة، ولا بالاستلزام؛ لأنه ورد في معرض الثناء على حال الزمان بالأمن
والعدل، وذكر خروج المرأة وحدها في معرض الاستدلال على ذلك، سواء
كان جائزاً أو غير جائز، فالجواز وعدمه مسكوت عنه، ولا إشعار للفظ الخبر
بهما، لا نفياً ولا إثباتاً؛ إذ لو قال عقيب كلامه: وارتحالها لذلك جائز لها لم
يُعَدّ ذلك تكراراً لما فُهِم من الأول، ولا مؤكداً للفظه، أو قال: وارتحالها
محرّم عليها لم يُعَدّ ذلك نقضاً له، كيف وفي قوله: ((لا تخاف أحداً إلا الله))
إشعار بالحرمة؛ إذ لو لم يحرم عليها ذلك لما خافت الله تعالى.
وأما قوله: وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز فمسلّم، ولم يتأخر،
فإن أحاديث اشتراط المَحرم إن ثبت الخطاب بها قبل هذا الحديث، فالتحريم
ثابت عندهم، وليس في لفظ هذا الحديث ما يناقضه، فيُحمل على ما ذكرناه،
وإن كان الخطاب بها متأخراً عن هذا الحديث، فقد بیّن پژ ما سكت فيه عنه،
مما احتَمَل إرادته قبل موته، فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة على الحالين،
وهذا هو الظاهر عندي، وإن كان الصحيح من مذهب الشافعي خلافه. انتهى
كلام الطبريّ تَخْتُهُ.
وقال الحافظ تَخَّتُهُ: ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات
إذا أُمن الطريق أول أحاديث باب حج النساء - يعني به حديث إبراهيم بن
سعد، عن أبيه، عن جدّه قال: أَذِنَ عمر ◌َظُه لأزواج النبيّ وَّ في آخر حجة
حجها، فبعث معهنّ عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف - لاتفاق عمر،
وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، ونساء النبيّ وَّ على ذلك، وعدم نكير
غيرهم من الصحابة عليهنّ في ذلك، ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين فإنما
أباه من جهة خاصّة، لا من جهة توقف السفر على المَحرم.
وأجيب بأن أزواج النبيّ بَّ كلهن أمهات المؤمنين، وهم محارم لهنّ؛

٢٩٥
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٦٠)
لأن المَحرم من لا يجوز له نكاحها على التأبيد، فكذلك أمهات المؤمنين حرام
على غير النبيّ وَّله إلى يوم القيامة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب فيه نظر لا يخفى، فإن كون أزواج
النبيّ وَ﴿ أمهات للمؤمنين، ليس فيه إباحة الخلوة بهنّ، والنظر إليهنّ، بدليل
أن آية الحجاب نزلت فيهنّ، بل الحجاب عليهن أشدّ من غيرهنّ.
وخلاصة القول أن القول الأرجح في المسألة قول من قال باشتراط
المَحرم لحج المرأة؛ لحديث الباب، وأصرح الأحاديث حديث ابن عبّاس ◌ًِّا
الآتي لمّا قال النبيّ ◌َّ: ((ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقال رجل: يا
رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّةً، وإني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا، قال:
انطلق، فحجّ مع امرأتك)).
فهذا صريح أن قوله وَله: ((ولا تسافر المرأة)) عامّ في الحجّ وغيره؛ لأنه
لو كان الحج مستثنى من النهي لعَذَر هذا الرجل في خروج امرأته بلا محرم.
والحاصل أنه لا يحلّ للمرأة أن تسافر بدون مَحرم مطلقاً، سواء السفر
سفر حجّ، أو غيره، إلا للضرورة التي لا بدّ منها، كأن تُسْلِم في دار الحرب،
أو أسرها العدوّ، فيجب عليها السفر إلى دار الإسلام بدون مَحْرَم؛ للضرورة،
فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ،
وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
فِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: ((فَوْقَ ثَلَاثٍ))، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ أَبِيهِ: ((ثَلَاثَةً،
إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ ثُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل باب.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريباً.
و((عبيد الله)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله بن عمر هذه ساقها ابن
حبّان تَخْتُهُ في ((صحيحه))(١) (٦/ ٤٤٠) فقال:
(٢٧٢٩) - أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن
نمير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن
عمر: أن رسول الله وَ له قال: ((لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم)). انتهى.
وأما رواية أبي أسامة فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٦١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا
الضَّخَُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنَّ النَّبِيِّ بَهْ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةِ
تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، أبو عبد الله، ثقة حافظٌ عابد [١١]
(ت٢٤٥) (خ م د ت س) تُقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ
مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) على
الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥.
٣ - (الضَّحَُّ) بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزاميّ،
أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦ / ٧٧٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) غير أنه سقط من روايته لفظة: ((ثلاثة))، فتنبّه.

٢٩٧
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٦٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٦٢] (٨٢٧ مكرّر) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ
قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثاً، فَأَعْجَبَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ
هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ؟ قَالَ: فَأَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللهِ لَّ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ قَالَ:
سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةٍ مَسَاجِدَ:
مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((لَا تُسَافِر
الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ، إِلَّ وَمَعَّهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ زَوْجُهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً .
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت٢٣٩) وله (٨٣)
سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) تقدم في ((المقدمة)) (ع) ٦/ ٥٠.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بن سُويد اللَّخميّ الْفَرسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ،
تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في ((الإيمان))
٢٩٦/٤٦.
٥ - (قَزَعَةُ) بن يحيى البصريّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٢٥/٣٥.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنَان الْخُدريّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿ها، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ رَُّه، وفي الرواية التالية: ((عن عبد الملك بن
عمير، قال: سمعت قَزَعة، قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ، قال: سمعت

٢٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
، (سَمِعْتُ مِنْهُ) أي: من رسول الله وَه
رسول الله وَلِ﴾)) (قَالَ) أبو سعيد
(حَدِيثاً) هو حديث مشتمل على أربعة أشياء،، ففي الرواية التالية: ((سمعت من
رسول الله وَلّ أربعاً)) (فَأَعْجَبَنِي) زاد في الرواية التالية: ((فأعجبنني، وآنقنني))،
وهو بمعناه (فَقُلْتُ لَهُ) القائل هو قَزَعة؛ أي: قلت لأبي سعيد ◌َظُهُ (أَنْتَ
سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَليه؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأنت سمعت
هذا من رسول الله وَلِ﴾؟ (قَالَ) أبو سعيد (فَأَقُولُ) هذا أيضاً بتقدير همزة
الاستفهام؛ أي: أفأقول (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟) والاستفهام للإنكار
(قَالَ) قرعة (سَمِعْتُهُ) أي: أبا سعيد (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَا تَشُدُّوا
الرِّحَالَ) - بفتح حرف المضارعة، من باب نصر - هكذا رواية المصنّف دَّثُ
هنا، فـ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم بها بحذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة
التي رفعها بثبوت النون، ونصبها، وجزمها بحذفها، وسيأتي في أواخر ((كتاب
الحجّ)) بلفظ: ((لا تُشدّ الرحال)) - بضم أوّله مبنيّاً للمفعول - وهو الذي في
صحيح البخاريّ، وعليه فـ((لا)) نافية، والمراد من النفي هو النهي، قال الطيبيّ:
هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يُقْصَد بالزيارة إلا هذه
البقاع؛ لاختصاصها بما اختُصَّت به.
و((الرِّحَال)) بالمهملة: جمع رَحْل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وكَنَى بشد
الرحال عن السفر؛ لأنه لازِمه، وخرج ذكرُها مخرج الغالب في ركوب
المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل، والخيل، والبغال، والحمير،
والمشي في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه: ((إنما يُسَافَرُ))،
أخرجه مسلم، من طريق عمران بن أبي أنس، عن سليمان الأغر، عن أبي
هريرة نظرته، وسيأتي في أواخر ((كتاب الحجّ)) (١) - إن شاء الله تعالى -.
(إِلَّا إِلَى ثَلاثَةٍ مَسَاجِدَ) الاستثناء فيه مُفَرَّغ، والتقدير: لا تُشدّ الرحال إلى
موضع، ولازِمه منعُ السفر إلى كل موضع غيرها؛ لأن المستثنى منه في المفرَّغ
مقدَّر بأعم العامّ، لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع
المخصوص، وهو المسجد، كما سيأتي. (مَسْجِدِي هَذَا) أي: المسجد النبويّ
(١) سيأتي برقم (١٣٩٧) رقم محمد فؤاد تَظْثُ.

(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٦٢)
٢٩٩
بالمدينة، و((مسجدي)) بالجر على البدليّة، ويجوز رفعه على تقدير مبتدأ؛ أي:
أي أحدها مسجدي، ونصبُه بتقدير فعل؛ أي: أعني، و((قوله: ((هذا)) بدل، أو
عطف بيان ((مسجدي))، وأتى به إشارة إلى أن المساجد التي في المدينة غير
مسجده ليس لها هذا الفضل، والله تعالى أعلم. (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي:
المحرم، فهو كقولهم: الكتاب، بمعنى المكتوب، و((المسجد)) يجوز فيه أوجه
الإعراب الثلاثة المذكورة فيما قبله.
ثم المراد به جميع الحرم، وقيل: يختص بالموضع الذي يُصَلَّی فیه دون
البيوت وغيرها، من أجزاء الحرم، قال الطبريّ: ويتأيد بقوله: ((مسجدي هذا))؛
لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك، وقيل:
المراد به الكعبة، حكاه المحب الطبري، وذكر أنه يتأيد بما رواه النسائيّ
بلفظ: ((إلا الكعبة))، وفيه نظر؛ لأن الذي عند النسائيّ: ((إلا مسجد الكعبة))،
حتى ولو سقطت لفظة ((مسجد)) لكانت مرادةً، ويؤيد الأول ما رواه الطيالسيّ
من طريق عطاء أنه قيل له: هذا الفضل في المسجد وحده، أو في الحرم؟
قال: بل في الحرم؛ لأنه كله مسجد، قاله في ((الفتح))(١).
(وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى))) أي: بيت المقدس، فـ(الأقصى)) نعتٌ لـ((المسجد))،
وفي الرواية الآتية: ((ومسجد الأقصى)) بالإضافة، وهي رواية البخاريّ، وهو
من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقد جوّزه الكوفيون، واستشهدوا له بقوله
تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ﴾ [القصص: ٤٤]، والبصريون يؤولونه بإضمار
المكان؛ أي: الذي بجانب المكان الغربي، ومسجد المكان الأقصى، ونحو
ذلك، وإليه أشار ابن مالك تَُّ في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ مَعْنَى وَأَوِّلْ مُوهِماً إِذَا وَرَدْ
وسُمِّي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقيل: في
الزمان، وفيه نظر؛ لأنه ثبت في ((الصحيحين)) أن بينهما أربعين سنة، وقد تقدّم
في أبواب المساجد من حديث أبي ذرّ ◌َظُه، وتقدّم أيضاً بيان ما فيه من
الإشكال، والجواب عنه.
(١) ((الفتح)) ٦٠٢/٣.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقال الزمخشريّ: سُمِّي الأقصى؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد،
وقيل: لبُعده عن الأقذار والخَبَث، وقيل: هو أقصى بالنسبة إلى مسجد
المدينة؛ لأنه بعيد من مكة، وبيت المقدس أبعد منه.
[فائدة]: لبيت المقدس عدة أسماء تقرب من العشرين، منها: إيلياء بالمد
والقصر، وبحذف الياء الأولى، وعن ابن عباس إدخال الألف واللام على هذا
الثالث، وبيت الْمَقْدِس بسكون القاف، وبفتحها مع التشديد، والقُدْس، بغير
ميم، مع ضم القاف، وسكون الدال، وبضمها أيضاً، وشَلَّم بالمعجمة،
وتشديد اللام، وبالمهملة، وشلام بمعجمة، وسَلِم بفتح المهملة، وكسر اللام
الخفيفة، وأوري سلم بسكون الواو وبكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة، قال
الأعشى [من المتقارب]:
وَقَدْ طُفْتُ لِلْمَالِ آفَاقَهُ دِمَشْقَ فَحِمْصَ فَأُورِي سَلِمْ
ومن أسمائه كُورَةُ، وبيت إيل، وصهيون، ومصروث، آخره مثلثةٌ،
وكورشيلا، وبابوش، بموحدتين، ومعجمة، وقد تتبع أكثر هذه الأسماء
الحسين بن خالويه اللغويّ في ((كتاب ليس)).
وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها؛ لكونها
مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس، وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأمم
السالفة، والثالث أُسِّس على التقوى.
وقال النوويّ تَخُّْهُ: فيه بيانُ عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة، ومزيتها
على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولفضل
الصلاة فيها، ولو نذر الذهاب إلى المسجد الحرام لزمه قصده لحجّ أو عمرة،
ولو نذره إلى المسجدين الآخرين، فقولان للشافعيّ، أصحهما عند أصحابه
يستحبّ قصدهما، ولا يجب، والثاني يجب، وبه قال كثيرون من العلماء.
وأما باقي المساجد سوى الثلاثة، فلا يجب قصدها بالنذر، ولا ينعقد
نذر قصدها، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً إلا محمد بن مسلمة المالكيّ،
فقال: إذا نذر قصد مسجد قباء لزمه قصده؛ لأن النبيّ ◌َ ﴿ كان يأتيه كل سبت
راكباً وماشياً.
وقال الليث بن سعد: يلزمه قصد ذلك المسجد أيّ مسجد كان، وعلى