Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢٤)
بلفظ الحبس، ويَحْتَمِل أنه غير لازم، وإنما كان يفعله؛ لكونها زوجته، ولهذا
احتَبَس على طلب عقد عائشة ◌ّا، فعلى الأول يَطّرِد ذلك في حقّ كل امرأة
بهذه الصفة، ويُستنبَط منه أن على أمير الحج أن يكُفّ عن الرحيل من مكة
لأجل المرأة الحائض إذا لم تطف للإفاضة، ولم تُرِد الإقامة بمكة، ثم ذكر
وليّ الدين الاختلاف في المسألة، فراجع ما كتبه في ((شرح التقريب))(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَلُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٢٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ
عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن
ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَتْ: طَمَثَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبَيٍّ، زَوْجُ النَّبِيِّ وَلِ فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ طَاهِراً. بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المعروف بابن التستريّ المصريّ،
صدوقٌ [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
والباقون ذكروا في الباب، وقبل بابین.
وقوله: (طَمَثَتْ) يقال: طَمَئتِ المرأةُ، من باب ضرب: إذا حاضت،
وبعضهم يزيد عليه أوّلَ ما تحيض، فهي طامتٌ بغير هاء، وطَمِثَتْ تَظْمَثُ، من
باب تَعِبَ، لغةٌ(٢).
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها البيهقيّ كَّتُهُ في
((الكبرى)) ١٦٢/٥ فقال:
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٢٥/٥، ١٢٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٣٧٧، ٣٧٨.

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(٩٥٣٣) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا بن أبي إسحاق،
وأبو بكر بن الحسن القاضي، قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أنبأ يونس بن يزيد، وغيره
من أهل العلم، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن
الزبير، أن عائشة زوج النبيّ ◌َ ﴿ قالت: طَمَئت صفية بنت حُيَيّ زوج النبيّ وَّ
في حجة الوداع، بعدما أفاضت طاهراً، وطافت بالبيت، فذكرت ذلك
لرسول الله ◌َ﴿، فقال: ((أحابستنا هي؟))، فقلت: يا رسول الله إنها قد
أفاضت، وهي طاهرة، ثم طَمَئت بعد الإفاضة، فقال رسول الله وَعليه: ((فلتنفر)).
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٢٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَتُوبُ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ،
أَنَّهَا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّ صَفِيَّةَ قَدْ حَاضَتْ. بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
وكلّهم ذُكروا في هذا الباب، وفي الأبواب الثلاثة الماضية، و((سفيان)):
هو ابن عيينة، و((عبد الوهّاب)) هو: ابن عبد المجيد الثقفيّ، و((أيوب)) هو
السختيانيّ.
[تنبيه]: رواية الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن القاسم ساقها
النسائيّ كَّثُ في ((الكبرى)) ٤٦٥/٢ فقال:
(٤١٩٣) - أنبأ قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا الليث، عن عبد الرحمن بن
القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: ذكرتُ لرسول الله وَّ ر أن صفية بنت حيي
حاضت في أيام منى، فقال: ((أحابستنا هي؟)) قالوا: إنها قد أفاضت، فقال
رسول الله وَاليه: «فلا إذاً)). انتهى.

١٤٣
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢٦)
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، فقد ساقها
الإمام أحمد تَخْثُ في ((مسنده)) ٣٩/٦ فقال:
(٢٤١٥٩) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أبي، ثنا سُفْيَانُ، عن عبد الرحمن بن
الْقَاسِم، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، أنها قالت: حَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَذَكَرْتُ ذلك
لِرَسُولِ اللهِ وَله، فقال: ((أَحَابِسَتُنَا هي؟))، قلت: إنها قد أَفَاضَتْ قبل ذلك،
قال: ((فَلَا)). انتهى.
وأما رواية أيوب، عن عبد الرحمن بن القاسم، فقد ساقها أبو عوانة تَظّتُهُ
في «مسنده)) ٣٢٦/٢ فقال:
(٣٣٠٩) - حدّثنا ابن شبابان، نا الحسن بن الحسين، أنا الثقفيّ، يعني
عبد الوهاب، أنا أيوب، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة،
أن صفية بنت حيي حاضت بعدما أفاضت، فقال رسول الله وسلم: ((إنك
لحابستنا)»، فقالت عائشة: إنها قد أفاضت، قال: ((فلا إذاً)). انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٢٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنِ
الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَتَخَوَّفُ أَنْ تَحِيضَ صَفِيَّةُ قَبْلَ أَنْ
تُفِيضَ، قَالَتْ: فَجَاءَنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ، فَقَالَ: ((أَحَابِسَتُنَا صَفِيَّةُ؟)) قُلْنَا: قَدْ
أَفَاضَتْ، قَالَ: ((فَلَا إِذَنْ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وقد تقدّم نفسه قبل هذا ببابين، ومن لطائفه أنه من رباعيّات
المصنّف تَخْذَثُ، وهو (٢٠٠) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (فَلَا إِذَنْ) أي فلا حبس علينا حينئذ، أي إذا أفاضت فلا مانع لنا
من التوجه؛ لأن الذي يجب عليها قد فعلته.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الباب، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٢٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا
قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُبَيٍّ قَدْ حَاضَتْ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ قَدْ طَافَتْ مَعَكُنَّ بِالْبَيْتِ؟)) قَالُوا: بَلَى،
قَالَ: ((فَاخْرُجْنَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وقد تقدّم نفسه(١) قبل الباب ببابين، و((أبو بكر)) والد عبد الله هو: ابن
محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٢٨] ( .. ) - (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَن
الْأَوْزَاعِيِّ، لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ بَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ أَرَادَ مِنْ صَفِيَّةَ بَعْضَ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ
مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالُوا: إِنَّهَا حَائِضٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (وَإِنَّهَا لَحَابِسَتُنَا؟)) فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا قَدْ زَارَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: ((فَلْتَنْفِرْ مَعَكُمْ))(٢)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن زُهير، أبو صالح الْقَنْطريّ البغداديّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦.
(١) لكن تقدّم هناك أن عبد الله بن أبي بكر إنما روى عن أبيه، عن عمرة، بخلافه
هنا، فإنه روى عنها بدون واسطة أبيه، وكلّ صحيح، فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: ((فلتنفرن معكنّ)).

١٤٥
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْحَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢٨)
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بن واقد الحضرميّ، أبو عبد الرحمن الدمشقيّ
القاضي، ثقةٌ رُمي بالقدر [٨] (ت١٨٣) على الصحيح، وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، تقدّم قريباً.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر
البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثَبتُ يُدلّس ويرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ) أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٠)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريباً.
و«عَائِشَةُ پ)» ذُكرت قبله.
شرح الحديث :
(عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ) عبد الرحمن بن عمرو (لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ)
قال النوويّ نَّتُهُ: هكذا وقع في معظم النسخ، وكذا نقله القاضي عن معظم
النسخ، قال: وسقط عند الطبريّ قوله: ((لعله قال: عن يحيى بن أبي كثير))،
قال: وسقط (لعله قال)) فقط لابن الحذّاء، قال القاضي: وأظن أن الاسم كله
سقط من كتب بعضهم، أو شَكّ فيه، فألحقه على المحفوظ الصوابِ، ونبّه
على إلحاقه بقوله: ((لعله)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قال الحافظ المزيّ كَّلُ في ((التحفة)): سقط:
«یحیی بن أبي كثير)) من بعض نسخ مسلم. انتهى.
والحديث أخرجه الإمام أحمد في («مسنده)) ٨٥/٦ فقال:
(٢٤٦٠٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن مصعب، قال: ثنا
الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن
عائشة، قالت: لما أفاض رسول الله ◌َ * أراد من صفية بعض ما يريد الرجل
من أهله، فقيل له: إنها حائض، فقال: ((عقرى، أحابستنا هي؟)) قالوا: إنها قد
طافت يوم النحر، فنفر بها رسول الله وَ﴿، قال ابن مصعب: ما سمعته يذكر

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
- يعنى الأوزاعيّ - محمد بن إبراهيم إلا مرةً. انتهى، ومن هذا الوجه أخرجه
أبو عوانة في ((مسنده)).
وأخرجه ابن خزيمة تَّلُ في ((صحيحه)) ٣١٠/٤ بإسقاط يحيى بن أبي
كثير، وتصريح الأوزاعيّ بتحديث محمد بن إبراهيم، فقال:
(٢٩٥٤) - ثنا الربيع، ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعيّ، حدّثني محمد بن
إبراهيم بن الحارث التيميّ، حدّثني أبو سلمة، حدّثتني عائشة، قالت: أفاض
رسول الله صل، ثم أراد من صفية ما يريد الرجل من أهله، فقيل: إنها حائضٌ،
فقال رسول الله وتلقى: ((أحابستنا هي؟)) فقالوا: إنها قد أفاضت، فنفر بها
رسول الله وَ﴾. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الطريقين صحيحتان، فإن
الأوزاعيّ يروي عن محمد بن إبراهيم، كما يروي عنه بواسطة يحيى بن أبي
كثير، وعلى هذا فالنسختان من ((صحيح مسلم)) بإثبات يحيى بن أبي كثير،
وإسقاطه صحيحتان، وأما إلحاق (لعله)) من بعض الرواة فيُمكن أن يُحمل على
ظنه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) ﴿َّا (أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَرَادَ مِنْ صَفِيَّةَ) بنت حُيَيّ ◌ِ﴿ّا (بَعْضَ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ)
وفي رواية أحمد، وابن خزيمة المذكورتين: ((ما يُريد الرجل من أهله))، وكذا
عند البخاريّ.
قال الحافظ تَّثُ: وهذا مشكلٌ؛ لأنه وَّه إن كان عَلِم أنها طافت طواف
الإفاضة، فكيف يقول: ((أحابستنا هي؟))، وإن كان ما عَلِم، فكيف يريد وقاعها
قبل التحلل الثاني؟.
ويجاب عنه بأنه * ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنه نساؤه في
طواف الإفاضة، فأذن لهنّ، فكان بانياً على أنها قد حلّت، فلما قيل له: إنها
حائض جوَّز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة،
فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهنّ، فزال عنه ما خَشِيه من
ذلك، والله أعلم. انتهى.
وقد سبق في كتاب الحيض من طريق عمرة عن عائشة أنه قال لهم:

١٤٧
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢٨)
(لعلها تحبسنا ألم تكن طافت معكن؟))، قالوا: بلى. وسأذكر بقية اختلاف
ألفاظ هذه القصة في آخر الباب إن شاء الله تعالى
(فَقَالُوا) القائلة هي عائشة ﴿ّا، كما بيّنه البخاريّ في ((صحيحه)) من
رواية الأعرج، عن أبي سلمة، ولفظه: ((فأراد النبيّ وَِّ منها ما يُريد الرجل من
أهله، فقلت: يا رسول الله إنها حائض ... )) الحديث (إِنَّهَا حَائِضٌ) بدون هاء
التأنيث؛ لأنه وصف خاصّ بالنساء، فلا يحتاج إلى فارق، وجاء أيضاً
حائضة، وجمع الأول حُيّضٌ، مثلُ راكع ورُكّع، وجمع الثاني: حائضات، مثلُ
قائمة وقائمات(١). (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ◌َِّ ((وَإِنَّهَا لَحَابِسَتْنَا؟))) أي مانعتنا من
التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه؛ ظَنّاً منه ول # أنها ما طافت
طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك: لأنه كان لا يتركها، ويتوجه، ولا يأمرها
بالتوجه معه، وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يُقيم حتى تطهر،
وتطوف، وتَحِلَ الحلَّ الثاني، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال القرطبيّ ◌َُّ: فيه دليل على أن الكَرِيّ يُحبَس على التي حاضت،
ولم تطف طواف الإفاضة حتى تطهر، وهو قول مالك، وقال الشافعيّ: لا
يُحبس عليها الكريّ، ولْتُكْرٍ جملها، أو تحمل مكانها غيرها، وهذا كله في
الأمن، ووجود ذي المحرم، وأما مع الخوف، أو عدم ذي المحرم؛ فلا
يُحبَس باتفاق؛ إذ لا يمكن أن يسير بها وحدها، ويُفسخ الكراء، ولا يحبس
عليها الرفقة، إلا أن يبقى لطهرها كاليوم، والله أعلم. انتهى(٣).
(فَقَالُوا) أي الحاضرون، ومنهم عائشة رضيّا، وسيأتي أنه وَلّ قال
الصفيّة ﴿ّا: ((إنك لحابستنا، ثم قال لها: أكنت أفضت يوم النحر؟ قالت:
نعم، قال: فانفري)) (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا قَدْ زَارَتْ يَوْمَ النَّحْرِ) أي أَدّت طواف
الزيارة فيه، قال النوويّ تَخْثُ: فيه دليل لمذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأهل
العراق أنه لا يُكره أن يقال لطواف الإفاضة: طواف الزيارة، وقال مالك:
يُكره، وليس للكراهة حجةٌ تُعْتَمَد. انتهى (٤). (قَالَ) بِهِ (فَلْتَنْفِرْ مَعَكُمْ))) وفي
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ١٥٩/١.
(٣) ((المفهم)) ٤٢٨/٣.
(٢) ((الفتح)) ٧١٩/٤.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٨١/٩.

١٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
نسخة: ((فلتنفرّ معكنّ))، قال النوويّ ◌َخَّثُ: ((تنفر)) بكسر الفاء، وضمّها، والكسر
أفصح، وبه جاء القرآن. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى في الباب، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٢٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادَ
النَّبِيُّ ◌َهِ أَنْ يَنْفِرَ إِذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَابٍ خِبَائِهَا كَئِبَةً حَزِينَةً، فَقَالَ: ((عَقْرَى، حَلْقَى،
إِنَّكِ لَحَابِسَتْنَا))، ثُمَّ قَالَ لَهَا: ((أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ:
((فَانْفِرِي)).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد البصريّ المعروف ببندار، ثقةٌ حافظ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩]
(١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريباً.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، وقبله ببابين، و((الحكم)) هو: ابن عتيبة،
و((إبراهيم)) هو: ابن يزيد النخعيّ، و((الأسود)) هو: ابن يزيد النخعيّ عمّ
إبراهيم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٨١.

١٤٩
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢٩)
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا أنها (قَالَتْ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ◌َلِ أَنْ يَثْفِرَ) من باب ضرب
في اللغة العالية، وبها قرأ السبعة، ونفَرَ نُفُوراً من باب قَعَدَ لغةٌ، وقُرئ
بمصدرها في قوله تعالى: ﴿إِلَّ نُفُورًا﴾، قاله الفيّوميّ كَُّهُ(١).
قال في ((الفتح)): قوله: ((لمّا أراد أن ينفر)) هذا يُشعر بأن الوقت الذي
أراد منها ما يريد الرجل من أهله كان بالقرب من وقت النفر من منى،
واستشكله بعضهم(٢) بناءً على ما فهمه أن ذلك كان وقت الرحيل، وليس ذلك
بلازم؛ لاحتمال أن يكون الوقت الذي أراد منها ما أراد سابقاً على الوقت
الذي رآها فيه على باب خبائها الذي هو وقت الرحيل، بل ولو اتّحد الوقت لم
يكن ذلك مانعاً من الإرادة المذكورة. انتهى(٣).
(إِذَا صَفِيَّةُ) ((إذا)) هي الْفُجائيّة، أي فاجأه وجود صفية (عَلَى بَابِ خِبَائِهَا
كَئِيبَةً) بفتح، فكسر، يقال: كَئِبَ يَكْأَبُ، من باب تَعِبَ كآبةً بمدّ الهمزة،
وكَأَباً، وكَأْبَةً، مثلُ سَبَبٍ، وتَمْرَةٍ: حَزِنَ أشدّ الحزن، فهو كَئِبٌ، وكَئِيبٌ (٤)،
فقوله: (حَزِينَةً) تأكيد لما قبله (فَقَالَ) وَِّ ((عَقْرَى، حَلْقَى) - بالفتح فيهما، ثم
السكون، وبالقصر، بغير تنوين - هكذا في الرواية، ويجوز في اللغة التنوين،
وصوّبه أبو عبيد؛ لأن معناه الدعاء بالعَقْرِ والْحَلْقِ، كما يقال: سَقْياً، ورَغْياً،
ونحو ذلك من المصادر التي يُدعى بها، وعلى الأول هو نعت لا دُعاء، ثم
معنى عقرى: عقرها الله، أي جرحها، وقيل: جعلها عاقراً لا تَلِد، وقيل: عقر
قومها، ومعنى حلقى: حَلَقَ شعرها، وهو زينة المرأة، أو أصابها وجع في
حلقها، أو حَلق قومها بشؤمها، أي أهلكهم، وحَكَى القرطبي أنها كلمة تقولها
اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتَّسع العرب في قولهما بغير
إرادة حقيقتهما، كما قالوا: قاتله الله، وتربت يداه، ونحو ذلك، قال القرطبيّ
(١) ((المصباح المنير)) ٦١٧/٢.
(٢) هو الحافظ وليّ الدين العراقي كثُّ، راجع: ما كتبه في ((شرح التقريب)) ١٢٨/٥،
١٢٩.
(٣) ((الفتح)) ٤/ ٦٢٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٥٤٥/٢.

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وغيره: شَتّان بين قوله وَّ هذا لصفية، وبين قوله لعائشة لما حاضت معه في
الحج: ((هذا شيء كتبه الله على بنات آدم))؛ لِما يُشعر به من الميل لها، والحنوّ
عليها، بخلاف صفية.
قال الحافظ تَخُّْ: وليس فيه دليلٌ على اتّضاع قدر صفية عنده، لكن
اختَلَف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها، وهي تبكي أسَفاً على ما
فاتها من النسك، فسلّاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله،
فأبدت المانع، فناسب كلّاً منهما ما خاطبهما به في تلك الحالة. انتهى كلام
الحافظ نَّثُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
(إِنَّكِ لَحَابِسَتْنَا))) أي لمانعتنا من الخروج إلى المدينة (ثُمَّ قَالَ لَهَا: ((أَكُنْتِ
أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَانْفِرِي))) هو بيان لقوله في الرواية
الماضية: ((فلا إذاً))، وفي رواية أبي سلمة عند البخاريّ: ((قال: اخرجوا))، وفي
رواية عمرة: ((قال: اخرجي))، وفي رواية الزهري عن عروة، عن عائشة الماضية:
((فلتنفر))، ومعانيها متقاربة، والمراد بها كلِّها: الرحيل من منى إلى جهة المدينة.
وفي أحاديث الباب: أن طواف الإفاضة ركنٌ، وأن الطهارة شرط لصحة
الطواف، وأن طواف الوداع واجب، وقد تقدم كلّ ذلك مفصّلاً.
قال في ((الفتح)): واستُدِلّ به على أن أمير الحاج يلزمه أن يؤخر الرحيل؛
لأجل من تحيض، ممن لم تطف للإفاضة.
وتُعُقِّب باحتمال أن تكون إرادته و ﴿ تأخير الرحيل إكراماً لصفية، كما
احتبس بالناس على عقد عائشة، وأما الحديث الذي أخرجه البزار من حديث
جابر نظُه، وأخرجه البيهقيّ في ((فوائده)) من طريق أبي هريرة ظ به، مرفوعاً:
((أميران، وليسا بأميرين: من تبع جنازة، فليس له أن ينصرف حتى تُدْفَن، أو
يَأذن أهلها، والمرأة تحجّ، أو تعتمر مع قوم، فتحيض قبل طواف الركن،
فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر، أو تأذن لهم))، فلا دلالة فيه على الوجوب
إن كان صحيحاً، فإن في إسناد كل منهما ضعفاً شديداً.
وقد ذكر مالك في ((الموطٍ)) أنه يلزم الجمّال أن يحبس لها إلى انقضاء
أكثر مدة الحيض، وكذا على النفساء، واستشكله ابن الموّاز بأن فيها تعريضاً
للفساد، كقطع الطريق، وأجاب عياض بأن محل ذلك مع أمن الطريق، كما أن

١٥١
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٣٠)
محله أن يكون مع المرأة محرم. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى قريباً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٣٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو
كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدََّنَا جَرِيرٌ،
عَنْ مَنْصُورٍ، جَمِيعاً عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ نَحْوَ
حَدِيثِ الْحَكَمِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لَا يَذْكُرَانٍ: ((كَئِيبَةً حَزِينَةً))).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
وكلّهم ذُكروا في هذا الباب، والأبواب الثلاثة قبله، و((جَرِيرٌ)) هو ابن
عبد الحميد، و((مَنْصُورٌ)) هو: ابن المعتمر.
[تنبيه]: رواية الأعمش، عن إبراهيم، ساقها البخاريّ تَكْثُ، فقال:
(١٥٦١) - حدّثنا عثمان، حدّثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن
الأسود، عن عائشة ﴿ُّ: خرجنا مع النبيّ وَِّ، ولا نَرَى إلا أنه الحجُّ، فلما
قَدِمنا تطوّفنا بالبيت، فأمر النبيّ وَّهِ من لم يكن ساق الهدي أن يحلّ، فَحَلَّ من لم
يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يَسُقنَ فأحللن، قالت عائشة ◌َّا: فحِضْتُ، فلم
أطف بالبيت، فلما كانت ليلة الحصبة، قالت: يا رسول الله يرجع الناس بعمرة
وحجة، وأرجع أنا بحجة؟، قال: ((وما ◌ُفْتِ ليالي قدمنا مكة؟)) قلت: لا، قال:
((فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلّي بعمرة، ثم مَوْعِدك كذا وكذا))، قالت
صفية: ما أَرَاني إلا حابستهم، قال: ((عَقْرَى حَلْقَى، أَوَ مَا طُفْتِ يوم النحر؟))
قالت: قلت: بلى، قال: ((لا بأس انفري))، قالت عائشة ﴿ثنا: فلقيني النبّيّ وَّر،
وهو مُصْعِد من مكة، وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة، وهو منهبط منها. انتهى.
وأما رواية الأعمش عن إبراهيم، فقد ساقها أبو نعيم كَّثُهُ في
((مستخرجه)) ٤٠٥/٣ فقال:
(١) ((الفتح)) ٧٢٢/٤، ٧٢٣.

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(٣٠٨٣) - حدّثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة،
قالت: ذَكَرَ رسولُ اللهِ وَ﴿ صفيةَ، فقلنا: إنها قد حاضت، قال: ((عَقْرَى
حَلْقَى)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٦٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ،
وَالصَّلاَةِ فِيهَا، وَالدُّعَاءِ فِي نَوَاحِيهَا كُلُّهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٣١] (١٣٢٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى
مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ،
وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بَّنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ:
فَسَأَلْتُ بِلَالاً حِينَ خَرَجَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ وََّ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ،
وَعَمُوداً عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ
صَلَّى).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦)
(خ م ت س) ((تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس الأصبحيّ إمام دار الهجرة، أبو عبد الله، رأس
المتقنين، وكبير المتثبّتين، الإمام المجتهد [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور
[٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.

١٥٣
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجٌ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١)
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب، وهو عبد الله الصحابيّ ابن الصحابيّ
مات سنة (٧٣) أو بعدها تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَُّ، وهو (٢٠١) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وقد دخلها .
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ الأسانيد مطلقاً، كما نُقل عن الإمام
البخاريّ ◌َاتُهُ .
٥ - (ومنها): أنه فيه ابن عمر ﴿ه أشدّ الناس اتّباعاً للأثر، وأحد
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عُمَرَ) ◌َا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ دَخَلَ الْكَعْبَةَ) وكان ذلك في عام
الفتح، كما بُيّن في رواية أيوب التالية، قال: ((قَدِم رسول الله ربَطّر يوم الفتح،
فنزل بفناء الكعبة))، وفي رواية البخاريّ في ((كتاب الجهاد)) من طريق يونس بن
يزيد، عن نافع: ((أقبل النبيّ وَله يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته))، وفي
رواية فُليح، عن نافع: ((وهو مردف أسامة - يعني ابن زيد - على القصواء))، ثم
اتفقا: ((ومعه بلال، وعثمان بن طلحة، حتى أناخ في المسجد))، وفي رواية
فليح: ((عند البيت))، وقال لعثمان: ((ائتنا بالمفتاح، فجاءه بالمفتاح، ففتح له
الباب، فدخل))، ولمسلم، وعبد الرزاق من رواية أيوب، عن نافع: ((ثم دعا
عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب إلى أمه - واسمها: سُلافة: بضم المهملة،
والتخفيف، والفاء - فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه، أو لأخرجن هذا
السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطته، فجاء به إلى رسول الله وَالر، ففتح
الباب)).
فظهر من رواية فليح أن فاعل ((فتح))، هو عثمان المذكور، لكن روى

١٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الفاكهيّ من طريق ضعيفة عن ابن عمر، قال: ((كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه
لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم، فأخذ رسول الله وير المفتاح، ففتحها
بیده)» .
٤، حب رسول الله وعَظله، وابن حبه،
(هُوَ وَأُسَامَةُ) بن زيد بن حارثة
هو، وأبوه، وجدّه صحابيون ◌َ﴿ه مات بالمدينة سنة (٥٤هـ) وهو ابن (٥٧) سنةً،
وتقدمت ترجمته في تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٤/٢٣. (وَبِلَالٌ) ابن رباح، أبو عبد الله
المؤذن، وأمه حمامة، مولى أبي بكر الصديق ظه، أحد السابقين إلى الإسلام،
شَهِد بدراً، وما بعدها، مات سنة (١٧)، وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في
((الطهارة)) ٦٤٣/٢٣. (وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) بن أبي طلحة بن عثمان بن عبد العزى بن
عبد الدار بن قُصَيّ بن كلاب العبدري، ويقال له: (الْحَجَبِيُّ) - بفتح المهملة،
والجيم - ويقال لآل بيته: الْحَجَبة؛ لحجبهم الكعبة، يعرفون الآن بالشيبيون -
نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عمّ عثمان هذا، لا ولده، وله
أيضاً صحبةٌ وروايةٌ، مات عثمان بن طلحة سنة (٤٢)، وقيل: استشهد
بأجنادين، وأبطل ذلك العسكريّ، قاله في ((الفتح))، و((تقريب التهذيب))(١).
وقال النوويّ تَأْذَلُهُ: قوله: ((الْحَجَبِيّ)) - بفتح الحاء والجيم -: منسوب إلى
حجابة الكعبة، وهي ولايتها، وفتحها، وإغلاقها، وخدمتها، ويقال له
ولأقاربه: الْحَجَبيّون، وهو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة
عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَيّ القرشيّ الْعَبْدريّ،
أسلم مع خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص في هُدْنة الحديبية، وشَهِد فتح
مكة، ودفع النبيّ وَّ مفتاح الكعبة إليه، وإلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة،
وقال: ((خذوها يا بني طلحة خالدةً تالدةً، لا ينزعها منكم إلا ظالم))، ثم نزل
المدينة، فأقام بها إلى وفاة النبيّ وَّة، ثم تحوّل إلى مكة، فأقام بها حتى تُوُفّي
سنة اثنتين وأربعين، وقيل: إنه استُشْهِد يوم أجنادين - بفتح الدال، وكسرها -
وهي موضع بقرب بيت المقدس، كانت غزوته في أوائل خلافة عمر بن
الخطاب ەپئه .
(١) ((تقريب التهذيب)) ص٢٣٤.

١٥٥
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجٌّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١)
وثبت في ((الصحيح)) قوله ويلي: ((كل مأثرة كانت في الجاهلية، فهي تحت
قدمي إلا سقاية الحاجّ، وسِدانة البيت)).
قال القاضي عياض: قال العلماء: لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم، قال:
وهي ولاية لهم عليها من رسول الله وَله، فتبقى دائمة لهم، ولذرياتهم أبداً،
ولا ينازَعون فيها، ولا يشارَكون ما داموا موجودين صالحين لذلك، والله
(١)
أعلم. انتهى(١).
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا حديث
الباب.
قال المهلّب شارح البخاريّ: إدخال النبيّ وَلقر معه هؤلاء الثلاثة لمعان
تخص كل واحد منهم، فأما دخول عثمان، فلخدمته البيت في الغَلْق، والفتح،
والكَنْس، ولو لم يُدخله لغلق بابها، لتوهّم الناس أنه عَزَله، وأما بلال،
فمؤذّنه، وخادم أمْر صلاته، وأما أسامة، فمتولي خدمة ما يحتاج إليه، وهم
خاصته، فللإمام أن يخص خاصته ببعض ما يستتر به عن الناس. انتهى.
ويأتي للمصنّف من رواية سالم، عن أبيه زيادة: ((ولم يدخلها معهم
أحد))، ووقع عند النسائيّ في ((مناسك الحجّ)) من طريق ابن عون، عن نافع:
((ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال)) فزاد
الفضل .
ولأحمد من رواية مجاهد، عن ابن عباس ثًا، قال: حدثني أخي
الفضل - وكان معه حين دخلها - أن النبيّ وَ﴿ لم يصلّ في الكعبة، ولكنه لما
دخلها وقع ساجداً بین العمودین، ثم جلس يدعو.
قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ كَّتُهُ: وهذه الرواية شاذّة من وجهين:
دخول الفضل معهم، والاقتصار على السجود. انتهى (٢).
(فَأَغْلَقَهَا) أي: أغلق عثمان بن طلحة الكعبة؛ أي: بابها على النبيّ وَّ،
فالفاعل ضمير عثمان، وقد جاء في رواية عبد الله بن عون، عن نافع:
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٣/٩ - ٨٤.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٣٢/٥.

١٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
((وأجاف عليهم عثمان بن طلحة الباب))، وكان ذلك بأمره وَ ل9، ففي رواية
أيوب، عن نافع الآتية: ((وأَمَرَ بالباب، فأُغلق)).
وزاد في رواية حسان بن عطية، عن نافع، عند أبي عوانة: ((من داخل)).
ووقع في ((الموطإ)) بلفظ: ((فأغلقاها))، فالضمير لعثمان وبلال، وفي رواية
للشيخين: ((فأغلقوا))، والجمع بين الروايات أن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه
من وظيفته، وأما ضم بلال فلعله ساعده في ذلك، ورواية الجمع يدخل فيها
الآمر بذلك والراضي به.
(عَلَيْهِ) أي: على النبيّ بَّر، وفي الرواية الآتية: ((عليهم)) وهو ظاهر،
وإنما أُغلق الباب؛ لئلا يزدحم الناس عليه؛ لتوافر دواعيهم على مراعاة
أفعاله وي﴿ ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه،
وقيل: لئلا يكثر الناس فيصلّوا بصلاته، ويكون ذلك عندهم من المناسك كما
فعل في صلاة الليل في رمضان.
وقال في ((الطرح)): قال ابن بطال: وأما غلق الباب - والله تعالى أعلم -
حين صلى في البيت؛ لئلا يَظُنّ الناس أن الصلاة فيه سنّة، فيلزمون ذلك.
وقال النوويّ: إنما أغلقها عليه وَ *، ليكون أسكن لقلبه، وأجمع
لخشوعه، ولئلا يجتمع الناس، ويدخلوه، أو يزدحموا، فينالهم ضرر، ويتهوش
عليه الحال بسبب لغطهم. انتهى.
قال وليّ الدين: وما ذكره النووي أظهر، وأما ما ذكره ابن بطال،
فضعيف، فإنه وَّ لا يخفي صلاته في البيت، وقد شاهدها جماعة، ونقلوها،
وقيل: إنما أغلقها ليصلي إلى جميع جهاتها، فإن الباب إذا كان مفتوحاً، وليس
أمامه قدر مؤخرة الرحل لم تصح الصلاة، حكاه المحب الطبري. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ تَخْلُّ أوضح، كما قال وليّ
الدين، والقولان الآخران ليسا بشيء، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقد استَدَلَّ البخاري بحديث ابن عمر طّ هذا على جواز اتخاذ الغَلَق
(١) ((طرح التثريب)) ١٣٣/٥.

١٥٧
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١)
للمساجد؛ لأجل صونها عما لا يصلح فيها، ولأجل حفظ ما فيها من الأيدي
العادية .
(ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا) - بضم الكاف، وفتحها -، يقال: مَكَثَ مَكْثاً، من باب
نَصَرَ: أقام، وتلَبّث، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثاً، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ قُرْباً،
فهو قريبٌ لغةٌ، وقرأ السبعة قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢]
باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَل
فيه(١).
وفي رواية ابن عون، عن نافع الآتية في الباب: ((فمكث فيها مَلِيّا))، وفي
رواية عبيد الله، عن نافع: ((فأجافوا عليهم الباب طويلاً))، وفي رواية أيوب،
عن نافع: ((فمكث فيها ساعةً)).
وفي رواية يونس، عن ابن شهاب: ((فمكث نهاراً طويلاً))، وفي رواية
فُليح: ((زماناً))، بدل ((نهاراً))، وفي رواية جويرية، عن نافع عند البخاريّ في
((الصلاة)): ((فأطال))، وللنسائيّ من طريق ابن أبي مليكة: ((فوجدت شيئاً،
فذهبتُ، ثم جئت سريعاً، فوجدت النبيّ وَ لّ خارجاً منها)).
(فَسَأَلْتُ بِلَالاً) ◌َظُه (حِينَ خَرَجَ) أي: من البيت،
(قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﴿ـ
وفي رواية أيوب التالية: ((ثم فُتح الباب، فقال عبد الله: فبادرت الناس،
فتلقّيتُ رسول الله وَلِّ خارجاً، وبلالٌ على إِثْره، فقلت لبلال: هل صلّى فيه
رسول الله وَر؟))، وفي رواية عبيد الله: ((ثم فُتح، فكنت أوّل من دخل، فلقيت
بلالاً، فقلت: أين صلى رسول الله وَ(؟))، وفي رواية عبد الله بن عون: ((ثم
فُتح الباب، فخرج النبيّ وَّه، ورَقِيتُ الدرجة، فدخلت البيت، فقلت: أين
صلّى النبيّ ◌ٍَِّ؟))، وفي رواية فُليح عن البخاريّ: ((ثم خرج، فابتدر الناس
الدخول، فسبقتهم))، وفي رواية أيوب: ((وكنت رجلاً شابّاً قويّاً، فبادرت
الناس، فبدرتهم))، وفي رواية جويرية: «كنت أول الناس ولج على إثره))، وفي
رواية مجاهد، عن ابن عمر: ((وأجد بلالاً قائماً بين البابين)).
وأفاد الأزرقيّ في ((كتاب مكة)): ((أن خالد بن الوليد كان على الباب،
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٧.

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
يَذُبّ عنه الناس))، وكأنه جاء بعدما دخل النبيّ وَّر، وأُغلِق(١).
(مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ وَلِ؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء صنع في داخل
البيت، أصلّى فيه، أم لا؟ وفي رواية جويرية، ويونس، وجمهور أصحاب
نافع: ((فسألت بلالاً أين صلى؟))، اختصروا أول السؤال، وثبت في رواية سالم
حيث قال: ((هل صلى فيه؟ قال: نعم))، وكذا في رواية مجاهد، وابن أبي
مليكة، عن ابن عمر: ((فقلت: أصلى النبيّ وَّ في الكعبة؟ قال: نعم)).
فظهر أنه استثبت أوّلاً، هل صلى أَوْ لا؟ ثم سأل عن موضع صلاته من
البيت.
ووقع في رواية يونس، عن ابن شهاب الآتية في الباب: ((فأخبرني بلالٌ،
أو عثمان بن طلحة)) على الشك، والمحفوظ أنه سأل بلالاً، كما في رواية
الجمهور.
ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن ابن عمر:
((أنه سأل بلالاً، وأسامة بن زيد حين خرجا، أين صلى النبيّ وَّ فيه؟ فقالا:
على جهته))، وكذا أخرج البزار نحوه، ولأحمد، والطبرانيّ من طريق أبي
الشعثاء، عن ابن عمر قال: ((أخبرني أسامة أنه صلى فيه ها هنا)).
ويأتي لمسلم، والطبرانيّ من وجه آخر: ((فقلت: أين صلى النبيّ وَّرَ؟
قالوا))، فإن كان محفوظاً حُمِل على أنه ابتدأ بلالاً بالسؤال، كما تقدم تفصيله،
ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة، فسأل عثمان أيضاً، وأسامة، ويؤيد
ذلك قوله في رواية ابن عون الآتية: ((ونسيت أن أسألهم كم صلى؟)) بصيغة
الجمع .
قال الحافظ تَخْلَتُهُ: وهذا أولى من جزم عياض بوهم الرواية التي أشرنا
إليها من عند مسلم، وكأنه لم يقف على بقية الروايات.
قال: ولا يعارض قصته مع قصة أسامة ما أخرجه مسلم أيضاً من حديث
ابن عباس؛ أن أسامة بن زيد أخبره: ((أن النبيّ وَّه لم يُصَلِّ فيه، ولكنه كبّر في
نواحيه))، فإنه يمكن الجمع بينهما بأن أسامة حيث أثبتها اعتَمَد في ذلك على
(١) ((الفتح)) ٥٢٣/٤.

١٥٩
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١)
غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه؛ لكونه لم يره ريّير حين صلى، وسيأتي
مزيد بسط فيه في الكلام على حديث ابن عباس ﴿ها - إن شاء الله تعالى _(١).
(قَالَ) بلال ◌َّهِ (جَعَلَ) النبيّ وَِّ (عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُوداً عَنْ يَمِينِهِ،
وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ) كذا في هذه الرواية، ولا إشكال فيها، ووقع في رواية
للبخاريّ: ((جعل عموداً عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه،
وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة))، ولا يخفى ما فيها من الإشكال؛ إذ في
قوله: ((وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة))، إشعار بكون ما عن يمينه أو يساره
اثنین.
وأجيب بأن التثنية بالنظر إلى ما كان عليه البيت في زمن النبيّ وَّ،
والإفراد بالنظر إلى ما صار إليه بعدُ، ويؤيده قوله: ((وكان البيت يومئذ))؛ لأن
فيه إشعاراً بأنه تغير عن هيئته الأولى.
أو يقال: لفظ العمود جنس يَحْتَمِل الواحد والاثنين، فهو مُجْمَل بيّنته
رواية: عمودين، أو لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل عمودان
متسامتان، والثالث على غير سمتهما، ولفظ ((المقدمين)) في الرواية الأخرى
ليشعر به، أو كان هناك ثلاثة أعمدة مصطفّة، فصلى إلى جنب الأوسط، فمن
قال: جعل عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره، لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه،
ومن قال: عمودين اعتبره.
[تنبيه]: قال البخاريّ بعد الرواية المذكورة: وقال لنا إسماعيل: حدّثني
مالك، وقال: ((عمودين عن يمينه))، عكس رواية يحيى بن يحيى، عن مالك
هنا، وإسماعيل هو ابن أبي أويس.
قال في ((الفتح)): وقد ذكر الدارقطنيّ الاختلاف على مالك فيه، فوافق
الجمهور عبد الله بن يوسف في قوله: ((عموداً عن يمينه، وعموداً عن يساره))،
ووافق إسماعيل في قوله: ((عمودين عن يمينه)): ابن القاسم، والقعنبيّ، وأبو
مصعب، ومحمد بن الحسن، وأبو حُذافة، وكذا الشافعيّ، وابن مهديّ في
إحدى الروايتين عنهما، وقال يحيى بن يحيى النيسابوريّ فيما رواه عنه مسلم:
(١) راجع: ((الفتح)) ٤ /٥٢٤.

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
((جعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه))، عكس رواية إسماعيل، وكذلك
قال الشافعيّ، وبشر بن عمر في إحدى الروايتين عنهما.
وجمع بعض المتأخرين بين هاتين الروايتين باحتمال تعدد الواقعة، وهو
بعيدٌ؛ لاتحاد مخرج الحديث، وقد جزم البيهقيّ بترجيح رواية إسماعيل، ومن
وافقه .
قال: وفيه اختلاف رابع، قال عثمان بن عمر، عن مالك: ((جعل
عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره))، قال: ويمكن توجيهه بأن يكون هناك
أربعة أعمدة: اثنان مجتمعان، واثنان منفردان، فوقف عند المجتمعين، لكن
يعكر عليه قوله: ((وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة))، بعد قوله: ((وثلاثة
أعمدة وراءه))، وقد قال الدارقطنيّ: لم يتابع عثمان بن عمر على ذلك.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: يُستفاد مما ذكره الدارقطنيّ من تفرّد عثمان بن
عمر بهذه الرواية المخالفة لروايات الجمهور، وهي قوله: ((جعل عمودين عن
يمينه، وعمودين عن يساره)) أنها رواية شاذّة مردودة للمخالفة المذكورة،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةٍ أَعْمِدَةٍ) إخبار عما كان عليه البيت
قبل أن يُهْدَم، ويُبْنَى في زمن ابن الزبير ظُهَا، وأما الآن فعلى ثلاثة أعمدة.
(ثُمَّ صَلَّى) أي: متوجهاً إلى الجدار الغربيّ المقابل للجدار الشرقيّ الذي
فيه الباب تقريباً بينه وَله وبين الجدار الغربي ثلاثة أذرع.
وفي الحديث مشروعية الدخول في الكعبة، واستحبابه، وفيه استحباب
الصلاة فيها، وهو ظاهر في النفل، ويَلتحق به الفرض؛ إذ لا فرق بينهما، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظها هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٢٤٨/٢.